Share

الفصل 12

Author: ترتيل
last update publish date: 2026-07-08 13:41:18

وقفت ليان في أسفل الدرج الرخامي، بينما بقيت المرأة القادمة عند مدخل القصر تنزع قفازيها بهدوء، وكأنها تزور مكانًا تعرف تفاصيله منذ سنوات. لم يكن في ملامحها شيء يوحي بالتوتر أو الرغبة في إثبات نفسها، بل كانت تتحرك بثقة طبيعية لا تخلو من الأناقة.

تقدمت أمينة بخطوات سريعة.

«أهلًا بكِ آنسة رنا.»

ابتسمت رنا ابتسامة رقيقة.

«مرحبًا يا أمينة، كيف حالك؟»

«بخير، الحمد لله.»

كانت تعرف أسماء الخدم جميعًا، وتسأل عن أحوالهم كأنها لم تغب عن القصر إلا أيامًا قليلة.

اقتربت ليان بهدوء، ولم تنتظر أن تُعرّف بنفسها.

التفتت رنا إليها، وتبادلت معها نظرة قصيرة، ثم ابتسمت بأدب.

«أنتِ ليان، أليس كذلك؟»

أومأت ليان برأسها.

«نعم.»

مدّت رنا يدها.

«تشرفت بمعرفتك.»

صافحتها ليان بابتسامة هادئة.

«وأنا كذلك.»

لم يكن في المصافحة تحدٍّ، ولا في الكلمات سخرية. كان اللقاء بسيطًا، لكنه حمل شعورًا غريبًا لم تستطع ليان تفسيره.

قالت رنا بلطف:

«أعتذر إن كانت زيارتي مفاجئة.»

أجابت ليان:

«أنتِ ضيفة مرحب بها.»

في تلك اللحظة خرج الجد فؤاد من غرفة الاستقبال.

ما إن رأى رنا حتى ابتسم.

«مرحبًا يا ابنتي.»

اقتربت منه وقبّلت رأسه احترامًا.

«اشتقت إليك يا عم فؤاد.»

ربت على كتفها بحنان.

«وأنا أيضًا.»

راقبت ليان المشهد بصمت.

كان واضحًا أن رنا ليست غريبة عن هذه العائلة، بل كانت جزءًا من حياتهم منذ زمن طويل.

جلست رنا مع الجد في غرفة الجلوس، بينما بقيت ليان تستمع أكثر مما تتحدث.

قال الجد:

«كيف تسير أعمال والدك؟»

«بخير، وقد افتتح فرعًا جديدًا للشركة في دبي.»

«خبر جميل.»

ثم سألها عن والدتها، وعن شقيقها الأصغر، واستمر الحديث بينهما بسهولة، وكأن السنوات لم تمر.

أما ليان، فاكتفت باحتساء كوب الشاي أمامها.

لم تشعر أنها منبوذة، لكنها شعرت أنها دخيلة على ذكريات لا تعرف عنها شيئًا.

وبعد دقائق، التفتت إليها رنا.

«سمعت أنكِ طالبة طب.»

«نعم.»

«تخصص جميل، لكنه متعب.»

ابتسمت ليان.

«يستحق التعب.»

أعجبت رنا بإجابتها، فقالت:

«أتمنى لكِ التوفيق.»

ثم عاد الحديث إلى الجد.

في الوقت نفسه، كانت سيارة سيف تعبر بوابة القصر.

أوقفها السائق أمام المدخل.

نزل سيف وهو يراجع بعض الرسائل على هاتفه، ثم رفع رأسه متجهًا إلى الداخل.

ما إن دخل صالة الاستقبال حتى وقعت عيناه على رنا.

توقفت خطواته.

اختفت ملامحه الجامدة للحظة.

ابتسم ابتسامة صادقة لم ترها ليان على وجهه منذ زواجهما.

وقفَت رنا.

«مرحبًا يا سيف.»

اقترب منها.

«لم تخبريني أنك ستأتين.»

ابتسمت.

«أردت أن تكون مفاجأة.»

صافحها، ثم سألها باهتمام واضح:

«كيف حالك؟»

«أفضل الآن.»

لاحظت ليان الفرق في صوته.

كان أكثر دفئًا… وأكثر راحة.

ذلك الرجل البارد الذي لا يكاد يتحدث معها، أصبح شخصًا آخر بمجرد رؤية رنا.

ولم يكن الأمر بحاجة إلى تفسير.

قال الجد وهو يبتسم:

«اجلسا، سأطلب إعداد العشاء.»

جلس سيف إلى جوار رنا بصورة تلقائية، بينما بقي المقعد المقابل لليان.

بدأ الاثنان يتحدثان عن مشروع كانت رنا تعمل عليه، وعن مؤتمر حضراه قبل أشهر.

كانت بينهما ذكريات مشتركة، وأحاديث لا تحتاج إلى شرح.

أما ليان، فكانت تستمع بصمت.

لم تشعر بالغيرة.

بل بشيء أقرب إلى الحقيقة.

لقد فهمت الآن لماذا كان الجميع يقول إن رنا هي المرأة التي أحبها سيف.

بعد انتهاء العشاء، خرج الجد للرد على اتصال هاتفي، وبقي الثلاثة وحدهم.

ساد صمت قصير.

ثم قالت رنا وهي تنظر إلى ليان:

«أعرف أن زواجكما جاء بسرعة، لذلك لم تتح لنا فرصة التعارف.»

أجابت ليان بهدوء:

«لا بأس، ما زال أمامنا وقت.»

ابتسمت رنا.

«يسعدني ذلك.»

ثم التفتت إلى سيف.

«هل ما زلت تحتفظ بذلك الكتاب الذي أهديتك إياه؟»

أجاب فورًا:

«بالطبع.»

«ظننت أنك تخلصت منه.»

«لن أفعل.»

كان الرد عفويًا وصادقًا.

أخفضت ليان نظرها إلى فنجان القهوة أمامها.

لم يكن الحديث يخصها.

ولم تحاول أن تجعله يخصها.

عندما همّت رنا بالمغادرة، أوصلها سيف إلى الباب الخارجي.

وقفت بجانب سيارتها.

قالت بابتسامة خفيفة:

«شكرًا لأنك خرجت لتوديعي.»

«هذا أقل ما يمكن.»

سكتت لحظة، ثم قالت:

«أعلم أن حياتك تغيرت… لكن أتمنى ألا تتغير صداقتنا.»

نظر إليها طويلًا.

«لن تتغير.»

ابتسمت، ثم ركبت سيارتها وغادرت.

ظل سيف واقفًا يراقب السيارة حتى اختفت عند نهاية الطريق.

في الطابق العلوي، كانت ليان قد عادت إلى جناحها.

وقفت أمام النافذة المطلة على الحديقة.

لم تكن حزينة، ولم تبكِ.

كانت فقط تعيد ترتيب أفكارها.

همست لنفسها بصوت منخفض:

«الآن أصبحت أعرف مكاني… وهذا يكفي.»

في الجهة الأخرى من القصر، دخل سيف إلى مكتبه.

فتح أحد الأدراج، وأخرج كتابًا قديمًا بغلاف أزرق.

مرر يده فوقه برفق.

فتح الصفحة الأولى.

كانت هناك عبارة بخط أنيق.

«إلى سيف… لأن بعض الكتب تشبه الأشخاص، كلما عدت إليها اكتشفت فيها شيئًا جديدًا. — رنا.»

أغلق الكتاب ببطء، ثم أسنده إلى صدره للحظات، قبل أن يعيده إلى مكانه.

وفي تلك الليلة، أدركت ليان حقيقة لم يكن أحد بحاجة إلى إخبارها بها…

قلب سيف لم يكن فارغًا… بل كان ممتلئًا بامرأة أخرى .

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لم تكن الزوجة التي ارادها    الفصل 16

    اللقاء الذي لم يكن لها مكان فيهحلَّ صباح الجمعة هادئًا على قصر الراوي. كانت أشعة الشمس تتسلل عبر النوافذ العالية، لتنعكس فوق الأرضية الرخامية اللامعة، بينما كان الخدم يستعدون لاستقبال يوم بدا عاديًا في ظاهره، لكنه كان يحمل أحداثًا ستترك أثرًا في أكثر من شخص.خرجت ليان من جناحها مرتدية فستانًا بسيطًا بلون العاج، وقد جمعت شعرها في ضفيرة أنيقة. كانت تحمل بين يديها بعض الكتب، فقد قررت قضاء معظم يومها في المكتبة استعدادًا لاختبارات الجامعة.في الممر، التقت بالجد فؤاد.ابتسم عندما رآها.«صباح الخير يا ليان.»«صباح الخير، عمي فؤاد.»نظر إلى الكتب بين يديها وقال ضاحكًا:«أخشى أنك ستنهين مكتبة القصر قبل نهاية العام.»ابتسمت بخجل.«الكتب أكثر الأماكن راحة بالنسبة إلي.»أومأ برأسه.«وهذه عادة جميلة، حافظي عليها.»قبل أن يكمل حديثه، نزل سيف درجات السلم بخطوات هادئة. كان يرتدي بدلة كحلية، وتفوح منه رائحة عطره المعتادة.ألقى التحية على جده، ثم اكتفى بإيماءة بسيطة نحو ليان.«صباح الخير.»«صباح الخير.»قال الجد:«لن تتناول الإفطار معنا؟»نظر سيف إلى ساعته.«لدي موعد.»ابتسم الجد ابتسامة خفيفة.«مع ر

  • لم تكن الزوجة التي ارادها    الفصل 15

    وقف ياسين الكيلاني عند مدخل قصر الراوي، ونظر إلى البناء الشاهق الذي يكسوه الرخام الأبيض. لم يكن منبهرًا بقدر ما كان متحفظًا. بالنسبة إليه، لم تكن قيمة الإنسان تُقاس بعدد الطوابق التي يملكها، بل بالطريقة التي يعامل بها من حوله.اقتربت ليان منه بخطوات سريعة، وارتسمت على وجهها ابتسامة صادقة افتقدتها منذ زواجها.«ياسين… متى وصلت؟»ابتسم وهو يربت على رأسها كما اعتاد منذ طفولتها.«قبل دقائق. قلت أمرّ لأراك قبل أن تبتلعك قصور الأغنياء.»ضحكت بخفة.«ما زلت تقول الكلام نفسه.»«ولن أتغير.»في تلك اللحظة، خرج سيف من الممر المؤدي إلى المكتب. كانت بين يديه بعض الملفات، لكنه توقف عندما رأى الرجل الواقف مع ليان.تقدمت ليان بهدوء.«سيف… هذا أخي الأكبر، ياسين.»مدّ ياسين يده باحترام.«تشرفت بمعرفتك.»صافحه سيف مصافحة رسمية.«وأنا أيضًا.»لم يحمل اللقاء عداءً، لكنه لم يحمل دفئًا أيضًا.قال ياسين وهو ينظر إلى سيف مباشرة:«أعلم أنكما تزوجتما في ظروف غير اعتيادية، لكنني أرجو أن تعامل أختي بما تستحقه من احترام.»أجابه سيف دون أن تتغير ملامحه:«لا تقلق… لن يُمسّها سوء وهي في هذا المنزل.»لاحظ ياسين أنه اختا

  • لم تكن الزوجة التي ارادها    الفصل 14

    استيقظت ليان قبل شروق الشمس بقليل، كما اعتادت منذ سنوات الدراسة. كان الهدوء يلف القصر الكبير، حتى إن صوت خطواتها فوق الأرضية الرخامية كان يبدو واضحًا في الممر الطويل.ارتدت ثوبًا بسيطًا بلون أزرق فاتح، ثم نزلت إلى الحديقة وهي تحمل كتابًا طبيًا وكوبًا من القهوة. لم تكن تحب المذاكرة داخل الغرف المغلقة، وكانت تجد في الهواء البارد ما يساعدها على صفاء الذهن.جلست تحت شجرة الياسمين، وبدأت تقرأ.لم تمضِ سوى دقائق حتى سمعت صوت سيارة تدخل القصر بسرعة غير معتادة.رفعت رأسها.توقفت سيارة رياضية سوداء أمام المدخل، ثم نزل منها شاب طويل القامة، لا يتجاوز الثانية والثلاثين من عمره، يرتدي بدلة داكنة دون ربطة عنق، وعلى وجهه ابتسامة لا تفارقه.دخل القصر بخطوات واثقة وهو ينادي بصوت مرتفع:«جدي… هل اشتقت إليّ أم نسيت أن لديك حفيدًا آخر؟»ضحك الجد فؤاد الذي خرج من الصالة في تلك اللحظة.«بل أنت الذي لا تزورنا إلا عندما تحتاج شيئًا.»احتضنه الشاب بحرارة.«تظلمني دائمًا.»اقتربت أمينة من ليان وهمست:«هذا الأستاذ فارس… ابن عم السيد سيف.»أغلقت ليان كتابها، ثم وقفت عندما اقترب الجد منهما.قال الجد مبتسمًا:«فا

  • لم تكن الزوجة التي ارادها    الفصل 13

    مرّ يومان على زيارة رنا للقصر، لكن أثر تلك الزيارة بقي حاضرًا في ذهن ليان. لم يكن بسبب كلمات قاسية أو موقف مهين، بل لأن كل ما رأته أكد لها حقيقة واحدة؛ قلب سيف لم يكن شاغرًا يومًا، ولم تكن هي المرأة التي حلم بها.في ذلك الصباح، كان القصر هادئًا على غير عادته. جلست ليان في الشرفة المطلة على الحديقة، وأمامها مجموعة من الكتب الطبية، لكنها لم تستطع التركيز في سطر واحد. كانت ترفع رأسها بين حين وآخر لتتأمل الأشجار التي تتمايل مع نسيم الصباح، محاولة أن تقنع نفسها بأن عليها أن تتأقلم مع حياتها الجديدة.دخلت أمينة وهي تحمل فنجانًا من القهوة.«تفضلي يا سيدتي.»ابتسمت ليان بلطف.«شكرًا يا أمينة.»ترددت أمينة قليلًا قبل أن تقول:«السيد سيف غادر منذ ساعة.»أومأت ليان.«أتمنى له يومًا موفقًا.»استغربت أمينة من هدوئها. كانت تتوقع أن تسأل إلى أين ذهب أو متى سيعود، لكنها لم تفعل.كانت ليان قد اتخذت قرارًا منذ ليلة زفافها… ألا تطارد رجلًا لا يريدها.⸻في الجهة الأخرى من المدينة، توقفت سيارة سيف أمام مقهى فاخر يطل على النهر.ترجل من السيارة، وما إن دخل حتى وقعت عيناه على رنا، التي كانت تنتظره في الطاولة

  • لم تكن الزوجة التي ارادها    الفصل 12

    وقفت ليان في أسفل الدرج الرخامي، بينما بقيت المرأة القادمة عند مدخل القصر تنزع قفازيها بهدوء، وكأنها تزور مكانًا تعرف تفاصيله منذ سنوات. لم يكن في ملامحها شيء يوحي بالتوتر أو الرغبة في إثبات نفسها، بل كانت تتحرك بثقة طبيعية لا تخلو من الأناقة. تقدمت أمينة بخطوات سريعة. «أهلًا بكِ آنسة رنا.» ابتسمت رنا ابتسامة رقيقة. «مرحبًا يا أمينة، كيف حالك؟» «بخير، الحمد لله.» كانت تعرف أسماء الخدم جميعًا، وتسأل عن أحوالهم كأنها لم تغب عن القصر إلا أيامًا قليلة. اقتربت ليان بهدوء، ولم تنتظر أن تُعرّف بنفسها. التفتت رنا إليها، وتبادلت معها نظرة قصيرة، ثم ابتسمت بأدب. «أنتِ ليان، أليس كذلك؟» أومأت ليان برأسها. «نعم.» مدّت رنا يدها. «تشرفت بمعرفتك.» صافحتها ليان بابتسامة هادئة. «وأنا كذلك.» لم يكن في المصافحة تحدٍّ، ولا في الكلمات سخرية. كان اللقاء بسيطًا، لكنه حمل شعورًا غريبًا لم تستطع ليان تفسيره. قالت رنا بلطف: «أعتذر إن كانت زيارتي مفاجئة.» أجابت ليان: «أنتِ ضيفة مرحب بها.» في تلك اللحظة خرج الجد فؤاد من غرفة الاستقبال. ما إن رأى رنا حتى ابتسم. «مرحبًا يا ابنتي.» اقتربت منه

  • لم تكن الزوجة التي ارادها    الفصل 11

    مرّ أسبوع كامل منذ زواج سيف وليان. كان القصر الواسع كما هو، تملؤه الفخامة والهدوء، لكن ليان لم تستطع أن تشعر للحظة واحدة بأنه منزلها. كانت تسير في ممراته الطويلة بخطوات هادئة، تحيي الخدم بابتسامة لطيفة، ثم تعود إلى جناحها دون أن تترك أثرًا خلفها. اختارت منذ اليوم الأول ألا تتدخل في حياة أحد، وألا تفرض وجودها على المكان. استيقظت ذلك الصباح باكرًا، ووقفت أمام النافذة تتأمل الحديقة الممتدة خلف القصر. كانت أشعة الشمس تنعكس فوق نافورة رخامية تتوسط المكان، بينما كان البستاني يعتني بالورود بصبر. طرقات خفيفة على الباب. «تفضلي.» دخلت أمينة، مدبرة المنزل، وهي تحمل صينية الإفطار. قالت باحترام: «صباح الخير، سيدتي ليان.» ابتسمت ليان. «صباح النور يا أمينة.» وضعت أمينة الصينية فوق الطاولة، ثم قالت بتردد: «هل ترغبين أن تتناولي الإفطار مع الجد فؤاد؟ إنه ينتظرك في الحديقة.» أومأت ليان بلطف. «سآتي حالًا.» ⸻ كان الجد فؤاد يحتسي قهوته عندما وصلت. ابتسم فور رؤيتها. «صباح الخير يا ابنتي.» «صباح الخير.» جلست أمامه بهدوء. نظر إليها للحظات ثم قال: «هل اعتدتِ الحياة هنا؟» ابتسمت ابتسامة صغ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status