ログインمرّ يومان على زيارة رنا للقصر، لكن أثر تلك الزيارة بقي حاضرًا في ذهن ليان. لم يكن بسبب كلمات قاسية أو موقف مهين، بل لأن كل ما رأته أكد لها حقيقة واحدة؛ قلب سيف لم يكن شاغرًا يومًا، ولم تكن هي المرأة التي حلم بها.
في ذلك الصباح، كان القصر هادئًا على غير عادته. جلست ليان في الشرفة المطلة على الحديقة، وأمامها مجموعة من الكتب الطبية، لكنها لم تستطع التركيز في سطر واحد. كانت ترفع رأسها بين حين وآخر لتتأمل الأشجار التي تتمايل مع نسيم الصباح، محاولة أن تقنع نفسها بأن عليها أن تتأقلم مع حياتها الجديدة. دخلت أمينة وهي تحمل فنجانًا من القهوة. «تفضلي يا سيدتي.» ابتسمت ليان بلطف. «شكرًا يا أمينة.» ترددت أمينة قليلًا قبل أن تقول: «السيد سيف غادر منذ ساعة.» أومأت ليان. «أتمنى له يومًا موفقًا.» استغربت أمينة من هدوئها. كانت تتوقع أن تسأل إلى أين ذهب أو متى سيعود، لكنها لم تفعل. كانت ليان قد اتخذت قرارًا منذ ليلة زفافها… ألا تطارد رجلًا لا يريدها. ⸻ في الجهة الأخرى من المدينة، توقفت سيارة سيف أمام مقهى فاخر يطل على النهر. ترجل من السيارة، وما إن دخل حتى وقعت عيناه على رنا، التي كانت تنتظره في الطاولة المعتادة. ابتسمت فور رؤيته. «تأخرت.» جلس أمامها وهو يبتسم للمرة الثانية خلال دقائق. «اجتماع طارئ.» أشارت إلى النادل. «إذن سأغفر لك هذه المرة.» ضحك بخفة، وهو أمر نادر الحدوث. راقبه النادل بدهشة، فقد اعتاد رؤية رجال الأعمال المتجهمين، أما هذا الرجل فقد بدا مختلفًا تمامًا. قالت رنا وهي تعبث بفنجان قهوتها: «أتعرف؟ اشتقت إلى هذه الجلسات.» نظر إليها طويلًا. «وأنا.» ساد بينهما صمت مريح، لا يحتاج إلى كلمات. كانا يعرفان تفاصيل بعضهما منذ سنوات. قالت رنا: «أتذكر أول مرة جئت فيها إلى هذا المكان؟» ابتسم سيف. «كنتِ غاضبة لأنني تأخرت نصف ساعة.» «ولم أكلّمك بقية اليوم.» «ثم اضطررت إلى شراء نصف محل الزهور حتى تصالحي.» ضحكت بصوت خافت. «ولم أكن سأقبلها لولا أن البائع أقنعني.» ابتسم وهو يهز رأسه. «كنتِ عنيدة.» رفعت حاجبها. «وما زلت.» نظر إليها بعينين امتلأتا بالدفء. «وهذا أكثر ما يعجبني فيك.» خفضت بصرها قليلًا، وقد ارتسمت ابتسامة خجولة على شفتيها. لم يكن بينهما تكلف. كان الحب ظاهرًا في التفاصيل الصغيرة قبل الكلمات. ⸻ بعد انتهاء القهوة، اقترحت رنا أن يتمشيا قليلًا على ضفة النهر. سارا جنبًا إلى جنب. لم يكن سيف من الرجال الذين يمسكون يد امرأة أمام الناس، لكنه عندما تعثرت رنا بخطوة بسبب حافة الرصيف، أمسك يدها تلقائيًا. ابتسمت وهي تنظر إلى يده. «ما زلت تفعلها.» قال مستغربًا: «أفعل ماذا؟» «كلما شعرت أنني سأقع… تمسكني قبل أن أسقط.» أطلق يدها بهدوء، لكنه ابتسم. «أصبحتِ تعرفينني أكثر مما أعرف نفسي.» توقفت عن السير. نظرت إليه مباشرة. «وسأظل أعرفك.» ساد صمت قصير. ثم قالت بصوت أكثر هدوءًا: «هل أنت سعيد؟» فهم سؤالها الحقيقي. لم تكن تسأله عن العمل. بل عن الزواج. تنهد سيف ببطء. «لا شيء تغيّر.» «حقًا؟» «ليان تؤدي دورها، وأنا أؤدي دوري.» «وهل هذا يكفي؟» أجاب دون تردد: «الزواج لم يكن اختياري.» ظلت تنظر إليه. ثم قالت: «لكنه أصبح واقعًا.» أدار نظره نحو النهر. «الواقع لا يغيّر ما أشعر به.» سكتت للحظة. «وما الذي تشعر به؟» التفت إليها. كانت عيناه ثابتتين، وصوته هادئًا، لكنه صادق. «أحبك يا رنا.» تجمدت الكلمات على شفتيها. لم تسمع هذه الجملة منه منذ أشهر. اقتربت خطوة واحدة. «حتى الآن؟» ابتسم ابتسامة صغيرة. «لم يتغير شيء.» أغمضت عينيها لثوانٍ، وكأنها كانت بحاجة إلى سماع تلك الكلمات لتطمئن. ثم قالت وهي تنظر إليه بحنان: «وأنا أيضًا… لم أتوقف عن حبك.» لم يلتفت أي منهما إلى المارة. في تلك اللحظة، لم يكن العالم موجودًا بالنسبة لهما. كان كل واحد منهما يرى الآخر فقط. ⸻ في المساء، عاد سيف إلى القصر. دخل بهدوء، فوجد ليان في المكتبة، تقلب صفحات أحد الكتب. ألقت عليه نظرة قصيرة. «مساء الخير.» أجابها بالنبرة الرسمية نفسها: «مساء الخير.» ثم صعد مباشرة إلى جناحه. لم يسألها كيف كان يومها. ولم يخبرها أين كان. أما هي، فلم تسأله. كانت بينهما مسافة لا يستطيع أحد اختصارها. ⸻ دخل سيف غرفته، وخلع سترته. رن هاتفه. كانت رسالة من رنا. “أشعر أنني عدت أتنفس بعد لقائنا اليوم.” ابتسم دون أن يشعر. كتب ردًا قصيرًا: “وأنا أيضًا.” ثم أغلق الهاتف، لكنه بقي ينظر إلى الشاشة لثوانٍ، وكأن مجرد اسمها يمنحه راحة لا يجدها في أي مكان آخر. وفي الغرفة المقابلة، كانت ليان تطفئ مصباحها استعدادًا للنوم، غير مدركة أن الرجل الذي يحمل اسمها كزوجة… كان قد اعترف بحبه لامرأة أخرى قبل ساعات فقطوقف ياسين الكيلاني عند مدخل قصر الراوي، ونظر إلى البناء الشاهق الذي يكسوه الرخام الأبيض. لم يكن منبهرًا بقدر ما كان متحفظًا. بالنسبة إليه، لم تكن قيمة الإنسان تُقاس بعدد الطوابق التي يملكها، بل بالطريقة التي يعامل بها من حوله.اقتربت ليان منه بخطوات سريعة، وارتسمت على وجهها ابتسامة صادقة افتقدتها منذ زواجها.«ياسين… متى وصلت؟»ابتسم وهو يربت على رأسها كما اعتاد منذ طفولتها.«قبل دقائق. قلت أمرّ لأراك قبل أن تبتلعك قصور الأغنياء.»ضحكت بخفة.«ما زلت تقول الكلام نفسه.»«ولن أتغير.»في تلك اللحظة، خرج سيف من الممر المؤدي إلى المكتب. كانت بين يديه بعض الملفات، لكنه توقف عندما رأى الرجل الواقف مع ليان.تقدمت ليان بهدوء.«سيف… هذا أخي الأكبر، ياسين.»مدّ ياسين يده باحترام.«تشرفت بمعرفتك.»صافحه سيف مصافحة رسمية.«وأنا أيضًا.»لم يحمل اللقاء عداءً، لكنه لم يحمل دفئًا أيضًا.قال ياسين وهو ينظر إلى سيف مباشرة:«أعلم أنكما تزوجتما في ظروف غير اعتيادية، لكنني أرجو أن تعامل أختي بما تستحقه من احترام.»أجابه سيف دون أن تتغير ملامحه:«لا تقلق… لن يُمسّها سوء وهي في هذا المنزل.»لاحظ ياسين أنه اختا
استيقظت ليان قبل شروق الشمس بقليل، كما اعتادت منذ سنوات الدراسة. كان الهدوء يلف القصر الكبير، حتى إن صوت خطواتها فوق الأرضية الرخامية كان يبدو واضحًا في الممر الطويل.ارتدت ثوبًا بسيطًا بلون أزرق فاتح، ثم نزلت إلى الحديقة وهي تحمل كتابًا طبيًا وكوبًا من القهوة. لم تكن تحب المذاكرة داخل الغرف المغلقة، وكانت تجد في الهواء البارد ما يساعدها على صفاء الذهن.جلست تحت شجرة الياسمين، وبدأت تقرأ.لم تمضِ سوى دقائق حتى سمعت صوت سيارة تدخل القصر بسرعة غير معتادة.رفعت رأسها.توقفت سيارة رياضية سوداء أمام المدخل، ثم نزل منها شاب طويل القامة، لا يتجاوز الثانية والثلاثين من عمره، يرتدي بدلة داكنة دون ربطة عنق، وعلى وجهه ابتسامة لا تفارقه.دخل القصر بخطوات واثقة وهو ينادي بصوت مرتفع:«جدي… هل اشتقت إليّ أم نسيت أن لديك حفيدًا آخر؟»ضحك الجد فؤاد الذي خرج من الصالة في تلك اللحظة.«بل أنت الذي لا تزورنا إلا عندما تحتاج شيئًا.»احتضنه الشاب بحرارة.«تظلمني دائمًا.»اقتربت أمينة من ليان وهمست:«هذا الأستاذ فارس… ابن عم السيد سيف.»أغلقت ليان كتابها، ثم وقفت عندما اقترب الجد منهما.قال الجد مبتسمًا:«فا
مرّ يومان على زيارة رنا للقصر، لكن أثر تلك الزيارة بقي حاضرًا في ذهن ليان. لم يكن بسبب كلمات قاسية أو موقف مهين، بل لأن كل ما رأته أكد لها حقيقة واحدة؛ قلب سيف لم يكن شاغرًا يومًا، ولم تكن هي المرأة التي حلم بها.في ذلك الصباح، كان القصر هادئًا على غير عادته. جلست ليان في الشرفة المطلة على الحديقة، وأمامها مجموعة من الكتب الطبية، لكنها لم تستطع التركيز في سطر واحد. كانت ترفع رأسها بين حين وآخر لتتأمل الأشجار التي تتمايل مع نسيم الصباح، محاولة أن تقنع نفسها بأن عليها أن تتأقلم مع حياتها الجديدة.دخلت أمينة وهي تحمل فنجانًا من القهوة.«تفضلي يا سيدتي.»ابتسمت ليان بلطف.«شكرًا يا أمينة.»ترددت أمينة قليلًا قبل أن تقول:«السيد سيف غادر منذ ساعة.»أومأت ليان.«أتمنى له يومًا موفقًا.»استغربت أمينة من هدوئها. كانت تتوقع أن تسأل إلى أين ذهب أو متى سيعود، لكنها لم تفعل.كانت ليان قد اتخذت قرارًا منذ ليلة زفافها… ألا تطارد رجلًا لا يريدها.⸻في الجهة الأخرى من المدينة، توقفت سيارة سيف أمام مقهى فاخر يطل على النهر.ترجل من السيارة، وما إن دخل حتى وقعت عيناه على رنا، التي كانت تنتظره في الطاولة
وقفت ليان في أسفل الدرج الرخامي، بينما بقيت المرأة القادمة عند مدخل القصر تنزع قفازيها بهدوء، وكأنها تزور مكانًا تعرف تفاصيله منذ سنوات. لم يكن في ملامحها شيء يوحي بالتوتر أو الرغبة في إثبات نفسها، بل كانت تتحرك بثقة طبيعية لا تخلو من الأناقة. تقدمت أمينة بخطوات سريعة. «أهلًا بكِ آنسة رنا.» ابتسمت رنا ابتسامة رقيقة. «مرحبًا يا أمينة، كيف حالك؟» «بخير، الحمد لله.» كانت تعرف أسماء الخدم جميعًا، وتسأل عن أحوالهم كأنها لم تغب عن القصر إلا أيامًا قليلة. اقتربت ليان بهدوء، ولم تنتظر أن تُعرّف بنفسها. التفتت رنا إليها، وتبادلت معها نظرة قصيرة، ثم ابتسمت بأدب. «أنتِ ليان، أليس كذلك؟» أومأت ليان برأسها. «نعم.» مدّت رنا يدها. «تشرفت بمعرفتك.» صافحتها ليان بابتسامة هادئة. «وأنا كذلك.» لم يكن في المصافحة تحدٍّ، ولا في الكلمات سخرية. كان اللقاء بسيطًا، لكنه حمل شعورًا غريبًا لم تستطع ليان تفسيره. قالت رنا بلطف: «أعتذر إن كانت زيارتي مفاجئة.» أجابت ليان: «أنتِ ضيفة مرحب بها.» في تلك اللحظة خرج الجد فؤاد من غرفة الاستقبال. ما إن رأى رنا حتى ابتسم. «مرحبًا يا ابنتي.» اقتربت منه
مرّ أسبوع كامل منذ زواج سيف وليان. كان القصر الواسع كما هو، تملؤه الفخامة والهدوء، لكن ليان لم تستطع أن تشعر للحظة واحدة بأنه منزلها. كانت تسير في ممراته الطويلة بخطوات هادئة، تحيي الخدم بابتسامة لطيفة، ثم تعود إلى جناحها دون أن تترك أثرًا خلفها. اختارت منذ اليوم الأول ألا تتدخل في حياة أحد، وألا تفرض وجودها على المكان. استيقظت ذلك الصباح باكرًا، ووقفت أمام النافذة تتأمل الحديقة الممتدة خلف القصر. كانت أشعة الشمس تنعكس فوق نافورة رخامية تتوسط المكان، بينما كان البستاني يعتني بالورود بصبر. طرقات خفيفة على الباب. «تفضلي.» دخلت أمينة، مدبرة المنزل، وهي تحمل صينية الإفطار. قالت باحترام: «صباح الخير، سيدتي ليان.» ابتسمت ليان. «صباح النور يا أمينة.» وضعت أمينة الصينية فوق الطاولة، ثم قالت بتردد: «هل ترغبين أن تتناولي الإفطار مع الجد فؤاد؟ إنه ينتظرك في الحديقة.» أومأت ليان بلطف. «سآتي حالًا.» ⸻ كان الجد فؤاد يحتسي قهوته عندما وصلت. ابتسم فور رؤيتها. «صباح الخير يا ابنتي.» «صباح الخير.» جلست أمامه بهدوء. نظر إليها للحظات ثم قال: «هل اعتدتِ الحياة هنا؟» ابتسمت ابتسامة صغ
كان الصباح هادئًا على غير العادة. دخلت أشعة الشمس من خلال الستائر البيضاء لتنعكس على أرضية الغرفة الرخامية، لكن ليان لم تنتبه لها. كانت جالسة على طرف السرير، تمسك هاتفها بين يديها، تحدق في شاشة سوداء بعدما أغلقتها قبل دقائق. لم تعد تحتمل قراءة التعليقات. “خاطفة رجال.” “تزوجته من أجل المال.” “المسكينة لا تعرف أنه يحب غيرها.” كل كلمة كانت كإبرة تغرس في قلبها. وضعت الهاتف جانبًا وأغمضت عينيها، لكنها لم تستطع الهروب من الأصوات التي ظلت تتردد داخل رأسها. طرقٌ خفيف على الباب قطع أفكارها. — تفضلي. فُتح الباب ببطء، ودخل سيف. كان يرتدي قميصًا أبيض وبنطالًا أسود، وقد بدا مرهقًا أكثر من الأيام السابقة. لم يتكلم مباشرة. أغلق الباب خلفه، ثم وقف على مسافة مناسبة منها، وكأنه لا يريد أن يجعل وجوده ثقيلًا عليها. ساد الصمت لعدة ثوانٍ. ثم قال أخيرًا: — هل قرأتِ الأخبار؟ ابتسمت ليان ابتسامة باهتة. — وهل بقي شخص لم يقرأها؟ خفض نظره للحظة. لم يكن معتادًا على الاعتذار، لكنه شعر أن جزءًا مما حدث كان بسببه. قال بهدوء: — كان يجب أن أمنع رنا من الوصول إلى الحفل. رفعت







