ログインبعدما عادوا جميعًا وامتلأت الغرفة من جديد، كانت أصواتهم المثرثرة وضحكاتهم وابتساماتهم تمنحها سعادة غامرة ودفئًا من نوع آخر. ورغم وجود جميع أفراد عائلتها وعائلته، فإنها لم تكن ترى غيره، بهيبته التي سحرتها منذ الوهلة الأولى، وابتسامته المنعشة لروحها والقادرة على رسم البسمة على محياها بمجرد رؤيته. وفي خضم شرودها بزوجها المنشغل بالحديث مع والده، وصديقه الذي تصالح معه وعادت صداقتهما كما كانت، وكذلك شقيقها الذي أصبحت علاقته به أقوى وأمتن، استمعت إلى صوت "أسيف" وهي تقول بنبرة خائفة أكثر منها مازحة: -لا، لقد خفت حقًا من الولادة، كانت "طيف" تبدو متعبة للغاية. ظهرت ملامح الصدمة على وجه "عدي"، وقابل كلماتها باستنكار ممزوج بالرجاء ولكن بطريقة مرحة كعادته: -لا تخافي، من فضلك لا تضيعي تعبي معك طوال الشهور الماضية. لم يتمالكوا أنفسهم من الضحك الذي جلجل في أرجاء المكان، وما إن خبت الضحكات وانتهى صداها حتى صدح صوت "جاسم" موجّهًا حديثه إلى "هشام" قائلًا بابتسامة عريضة: -عمي، ألن نحدد موعد الفرح بالمناسبة السعيدة هذه؟ لم يمنح "مجد" الفرصة لوالده للرد، فأردف مستنكرًا دون انفعال، ولكن بطريقة
حلّ الحزن على كامل قسماته لأجلها هي ورضيعهما، قرّبها إلى صدره بذراعه ضامًّا إياها برفق إليه، وأجابها بنبرة مطمئنة محاولًا إبعاد أي هواجس مقلقة عن رأسها: -نعم، سيكون بخير، لا تقلقي، لقد طمأنني الطبيب عليه. دفنت رأسها في صدره وعيناها لم تبتعدا عن وجه ملاكها النائم، وقد لاحظت بسهولة الشبه بين شفتيه وشفتيه، مما جعلها تبتسم من بين دموعها، وقالت له بنبرة مهزوزة أقرب إلى البكاء، وقد غلبها ما يعتري صدرها، وأكثر ما تتمناه في تلك اللحظة: -أتمنى كثيرًا أن أحمله بين يدي وأضمه إلى صدري. ارتفعت يده لتمسح جانب رأسها، واقترب بشفتيه من مقدمة رأسها فقبّلها مطولًا، راغبًا في التخفيف من حزنها وإضفاء بعض الطمأنينة، ثم قال بلطف: -غدًا سيتحسن ويصبح بخير، وسنحمله حتى نملّ من حمله أيضًا. رفعت وجهها إليه وطالعته بنظرات تحمل شيئًا من العبوس، وعلّقت معترضة على ما قاله بمشاعر أمومة متعاظمة: -لكنني لن أملّ منه أبدًا. في أعماقه، ورغم ما سببه ذلك الوضع من ألم بسبب ولادتها المفاجئة ورقدة رضيعه، كان يشعر برضا بالغ؛ فهو لم يفقدهما وزوجته بخير، ومع مرور الوقت سيتعافى صغيرهما ويصبح بينهما، وتُغمر حياتهما ب
دار الحوار بين "مجد" ووالده -قبل أن يذهب وينفذ ما أخبره به بدلًا مما كان ينوي فعله بغضبه الأهوج- وكان بمثابة المنقذ للآخر مما كان يوشك على ارتكابه. بدأ "مجد" في سرد تفاصيل ما حدث لوالده، الذي كان يستمع بانتباه بالغ، حيث قصّ عليه كل ما جرى منذ مجيء "عاصم" برفقة "عدي" ورجاله، بعد أن وقع في فخ خطته التي كانت في الأساس من تدبير والده، وصولًا إلى فقدانه السيطرة على أعصابه وإطلاقه الرصاصة، مع أنه كان قد تعهّد لوالده ألا يؤذيه، غير أن غضبه قد خذله.¤¤¤برقت عينا كلٍّ من "جاسم" و"عدي" عندما أطلق "مجد" رصاصة على "عاصم"، فهذا لم يكن ضمن اتفاقهم. أصابت الرصاصة كتفه، فانخفضت يده عن رأسه عمدًا، وترنح جسده إلى الخلف من شدة الألم، الذي خرج على هيئة أنين حاد، بينما تشنجت ملامح وجهه.أما "مجد" فكان أقل ما يوصف به أنه في حالة هياج؛ فقد اشتعلت النيران داخله، واحمرّ وجهه بشدة. ألقى سلاحه أرضًا بغضب بالغ، ثم اندفع نحو "عاصم" مسددًا له عددًا لا نهائيًا من اللكمات في أنحاء وجهه، دون أن يبدي الأخير أي مقاومة تُذكر، إذ كان في حالة رعب شديدة مما يراه من غضب "مجد" وما يشعر به من ألم.سقط "عاصم" أرضًا، ولم يكن ي
كانت هذه أشبه بمعركة على وشك الحدوث، وكان هدف "مجد" الوحيد فيها أن يظفر بتلك الجولة، غير مكترث سوى بإفراغ شحنة غضبه التي كانت تتآكل في كل خلية من كيانه. ذلك المقيت، البغيض، الشبيه بالشياطين، لن يُفلت من جزاء أفعاله النكراء، ولن يُمنح فرصة للاستمرار في إيذائه وارتكاب جرائمه وظلمه المجحف.وفي خضم شروده بكل ما يدور في ذهنه من وعيد قاسٍ، استمع لصوت احتكاك إطارات سيارات تتوقف في الخارج، مدركًا أن تلك هي لحظة تصفية الحسابات المعلقة. نهض من جلسته ببرود ظاهري، يخفي خلف قناع الثبات الذي يرتديه فوق وجهه نيرانًا مستعرة تنهش صدره، وثب "جاسم" عن المقعد ووقف بجانب "مجد" في حالة من التحفز الشديد.لم تمر سوى ثوانٍ معدودة تآكلت خلالها كل ذرة تحكم لدى "مجد" في انتظاره المحموم، وما إن رأى "عاصم" يدخل من بوابة المخزن حتى تحفز جسده كله، وكأن سريان الدماء في عروقه صار كسريان نار ملتهبة. استشعر "جاسم" حركته، فحاول التقدم، إلا أن "مجد" قبض على ساعده فجأة مانعًا إياه من التحرك خطوة أخرى، ولم يبذل "جاسم" أي مقاومة تُذكر، إذ استجاب له دون تذمر، فهو وإن كان بداخله كراهية بالغة لما حدث لمن تعتبر -مجازًا- زوجته، إ
هز "جاسم" رأسه بانصياع ولم ينطق بكلمة معارضة، وجه "مجد" بصره تجاه ذلك المقيد من قبل رجاله، والذي أخبره بخشونة مهددًا إياه بنبرة غير متهاونة:-إن أخطأت في حرف واحد، فخلال نصف ساعة سيكون التسجيل الذي بحوزتي في النيابة.هز رأسه له على الفور بخنوع، ورد عليه بموافقة دون تفكير مسبق، منصاعًا:-سأنفذ كل ما أمرتني به.نظر له "مجد" لعدة ثوانٍ بنظرات تحمل الوعيد إن فعل غير ما أملاه عليه، ثم أشار بعدها لرجاله لكي يتحركوا به. تبعهم "عدي" الذي يعلم أيضًا ما سيفعله "مجد" مسبقًا، ليبقى بالمخزن "مجد" ورفقته "جاسم" ورجلان فقط من رجاله واقفين بالخارج حراسةً للمكان.كان "مجد" في أوج الاستعداد لملاقاة ذلك الحقير، الذي لن يقيه أحد من بين يديه أو يذود عنه، فقد كان عازمًا على أن يفرغ فيه شحنة غضبه التي تحمل عناءها لأعوام حتى يومه هذا.❈-❈-❈توقفت سيارة "عاصم" أمام سيارة الطبيب. ترجل أحد رجال "عاصم" من المقعد الأمامي وفتح الباب الخلفي، ليترجل حينها "عاصم" بهيئته المتعجرفة، ويأتي من خلفه من سيارته الأخرى أربعة من رجاله، يحمل أحدهم حقيبة سوداء.ما إن رآه الطبيب حتى ترك سيارته هو الآخر، راسمًا على وجهه أمارات ثا
زوى مجد ما بين حاجبيه، وتعقدت ملامحه للغاية وهو يستفسر متوجسا:-ما شأن الممرضة؟بتعبيرات مرتاعة أجابه الطبيب، موضحًا بصوت يرتجف من نظرات "مجد" المتفحصة له، وهيئة وجهه التي جعلته كالحيوان المفترس المتأهب للانقضاض على فريسته:-لقد جعلها السيد عاصم تعطي السيدة طيف أدوية تساعد على ارتفاع ضغط الدم بدلًا من خفضه، وذلك ما تسبب في حدوث النزيف والولادة المبكرة.قضم شفتيه وهو يشعر باضطراب أنفاسه من شدة العصبية التي يحاول كبتها، فما تواتر إلى سمعه من ضرر أُلحق بطفله وزوجته جعل قوة خفقات قلبه تكاد تعصف بصدره. فلولا ما اقترفته الممرضة بحق زوجته، لما حدث لها ذلك النزيف الذي جعلها تلد قبل موعد الولادة بشهرين، ولما كان طفله يرقد تحت الأجهزة الطبية التي تساعده على التنفس بصورة طبيعية، ولكان وُلد معافى وفي موعده.ابتلع تلك الغصة المريرة في حلقه، وهو يتابع استفساره بصوت يفيض بالعدائية:-وعلى ماذا كان اتفاقه معك؟تلك النظرات المترقبة لإجابته دفعت التوتر داخله إلى ذروته، إذ كان يعلم يقينًا أن نتائج اعترافه ستكون وخيمة عليه. ولكن حين طال صمته، قبض "مجد" يده وضرب بها ذراع الكرسي الجالس عليه، وهو يزمجر بغضب
أومأ برأسه إيماءة صغيرة، دون أن ينطق بكلمة، وظل ينظر أمامه بصمت.شعرت بألم عميق في قلبها لرؤيته على هذه الحال، فهي تعلم أن كبت دموعه وتماسكه القسري لن يؤدي إلا إلى انهيار حتمي لا تحتمل رؤيته، خاصة في لحظات ضعفه.وفي تلك الأثناء، شعر جاسم أثناء انهياره بأن يدًا وضعت على كتفه، فرفع رأسه وأبعد يديه عن
مرر يده في شعره بعصبية، بينما واصل محاولة الاتصال بها، لكنه وجد الهاتف ما يزال مغلقًا، فضرب الحائط المجاور له بقبضته في ثورة غضب وعجز.لم يكن يعلم ماذا يفعل أو ما الذي حدث لها، حتى خطر بباله فجأة أن يحدد موقعها عبر الهاتف.أسرع إلى تطبيق تحديد المواقع، واتبع عدة خطوات متتالية حتى تمكن في النهاية من
كففت عبراتها التي انهمرت فوق وجنتيها، وقالت بصوت ضعيف وهي تهز كتفيها، شاعرة بتخبط مشاعرها:-لستُ أدري، ربما لأنني ما زلت لا أصدق أنني سأرزق بطفل صغير منا نحن الاثنين.التوى ثغره بابتسامة عذبة لسماعه تلك الكلمات التي توحي بنجاحه في جعلها ترتبط بذلك الجنين، فأحاط وجنتيها بكفيه، وهتف وهو يطالعها بنظرا
ما إن استمع إلى ما قالته حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، وأخذ ينظر أمامه شاردًا، حتى أفاق على صوتها المتسائل باهتمام:- فيمَ شردت؟حوّل عينيه البنيتين نحو وجهها، وظلت ملامحه مسترخية وهو يجيبها:- كنت أفكر فيها عندما كانت صغيرة... كانت جميلة جدًا.ابتسمت له، ثم التزمت الصمت لثوانٍ قبل أن تسأله ب







