Share

الفصل 5

Author: وتين
last update publish date: 2026-07-27 21:49:52

داخل مقرِّ شركة السيوفي العالمية...

كانت الحركة في أروقة الشركة تسير بإيقاعٍ منضبط، وكأن المكان يستعد لعودة نبضٍ غاب عنه طويلًا.

توقف عمر أمام مكتب الاستقبال، ثم قال لأحد الموظفين:

" تأكد من جاهزية قاعة الاجتماعات، وأعد إرسال جدول اليوم إلى جميع الإدارات... لا أريد أي تعديل بعد وصول السيد آدم."

" حاضر، أستاذ عمر." ابتعد الموظف مسرعًا. وفي اللحظة نفسها، انفتحت أبواب المصعد.

خرج آدم بخطواتٍ هادئة، مرتديًا بدلته السوداء. ساد صمتٌ عابر، ثم تعالت التحيات.

"صباح الخير، سيد آدم." اكتفى بإيماءةٍ قصيرة، لم يكن من أولئك الذين يتوقفون عند كلمات الترحيب. كان يرى أن الوقت الذي يُهدر في المجاملات... يُسرق من العمل.

دخل مكتبه، ولم تمضِ دقيقة حتى دخل عمر، يحمل ملفًا سميكًا، وضعه أمامه.

" هذه تقارير الأداء الخاصة بآخر عامين."

فتح آدم الملف. قلب عدة صفحات بسرعة، ثم توقف فجأة. سحب أحد التقارير جانبًا. رفع رأسه.

"من أعدَّ هذا النموذج؟"

" فريق هندسة البرمجيات."

ظل ينظر إلى الورقة لثوانٍ. ثم قال بهدوء: " الفكرة جيدة... لكن نموذج التنبؤ مبنيٌّ على بياناتٍ ثابتة."

اقترب عمر. "تقصد أن النتائج لن تكون دقيقة؟"

"ستكون دقيقة... اليوم فقط." ثم أغلق الملف.

" بعد ستة أشهر سيتحول النموذج إلى عبء."

نظر إليه عمر باهتمام. فأكمل آدم:

" البيانات التي يعتمد عليها المشروع تتغير كل دقيقة. إذا لم يكن النظام قادرًا على إعادة تدريب نفسه تلقائيًا، فسنضطر إلى تحديثه يدويًا كل أسبوع، وهذا يعني تكلفة تشغيلٍ مرتفعة... ونسبة خطأ أعلى."

ساد الصمت. ثم قال عمر مبتسمًا:" لهذا لا أحب أن أراجع التقارير قبلك."

أعاد آدم الملف إليه. " أعده إلى الفريق،. أريد نموذجًا يعتمد على التعلم المستمر، لا على التوقعات الجامدة."

أومأ عمر. "سيتم." ثم جلس أمامه وقال: " ماذا عن مشروع الجهاز الجديد؟"

سحب آدم شاشة الحاسوب نحوه. ظهرت أمامهما عدة مخططات ثلاثية الأبعاد، وأشار إليها.

"ما زلنا في مرحلة التصميم. الفكرة ليست إنتاج جهازٍ جديد، بل إعادة تعريف طريقة تفاعل الإنسان معه."

نظر عمر إلى الشاشة، فقال آدم وهو ينتقل بين الرسومات:

"معظم الأجهزة الذكية الحالية تنتظر المستخدم حتى يصدر أمرًا، أما هذا فسيحلل سلوك المستخدم أولًا، ويتوقع احتياجاته قبل أن يطلبها." سكت لحظة، ثم تابع:

" المشكلة ليست في البرمجيات، المشكلة في المعالج، فالمعالج الحالي لن يتحمل هذا الحجم من عمليات التعلم."

قال عمر: "إذًا نحتاج إلى شريكٍ جديد."

" بالضبط. هناك شركة سويسرية تطور معالجاتٍ عصبية واعدة، إذا حصلنا على حقوق استخدامها، فسنسبق السوق بعامين على الأقل."

وفي القصر...

كانت غُفران تقف أمام نافذة غرفتها. امتدت أمامها الحديقة الواسعة، ساكنةً على نحوٍ يثير الضيق أكثر مما يمنح الطمأنينة. قطع الصمت طرقٌ خفيف على الباب.

"تفضلي."

دخلت الخادمة. " سيدتي... السيد محمود بانتظارك على العشاء."

أومأت برأسها في برود. "حسنًا."

كانت غرفة الطعام مضاءة بإضاءةٍ هادئة.

جلس محمود في مكانه المعتاد، وما إن اقتربت حتى أشار إلى المقعد المقابل.

"تفضلي." جلست.دون كلمة، بدأ العاملون في وضع الأطباق على المائدة.

لكن الصمت ظل سيد المكان. قال محمود بعد لحظات:" هل ينقصك شيء؟"

رفعت عينيها إليه." لا."

عاد الصمت، وحين انتهيا من الطعام، نهض محمود، ثم قال وهو يرتب أزرار سترته:

" غدًا سأصطحبك إلى الجامعة."

نظرت إليه دون أن يتغير تعبيرها.

" أستطيع الذهاب وحدي."

ثبت نظره عليها لثوانٍ. ثم قال بهدوء: "حسنًا... سيكون السائق بانتظارك في الثامنة صباحًا."

اكتفت بإيماءةٍ صغيرة، ثم غادرت.

في صباح اليوم التالي...

استيقظت غُفران قبل شروق الشمس. ارتدت ملابسها الرسمية، وقفت أمام المرآة.

الوجه هو ذاته، لكن العينين لم تعودا تعرفان الطمأنينة التي عرفتاها قبل أيام.

في الأسفل...

كانت السيارة تنتظرها. انطلقت نحو الجامعة. جلست غُفران في المقعد الخلفي.

تضم حقيبتها إلى صدرها، وللمرة الأولى منذ أيام...شعرت أنها تسير في الطريق الذي اختارته بنفسها.

حتى توقفت السيارة أمام بوابة الجامعة، ترجلت منها، وتنفست بعمق.

كم اشتاقت إلى هذا المكان. المكان الوحيد الذي كانت تشعر فيه بأنها تملك نفسها.

كانت تمشي في الممرات، حتى بدأت تسمع همسات بعض الطلاب.

" أليست هذه المعيدة الجديدة؟ نعم... إنها الأولى على الدفعة."

ابتسمت ابتسامةً خفيفة، ثم تابعت سيرها. استقبلها رئيس القسم بحفاوة.

" أهلًا بكِ يا أستاذة غُفران."

ابتسمت باحترام." شكرًا لحضرتك."

سلَّمها جدول المحاضرات، ثم قال:" الجميع ينتظر أن يرى مستواك، فلا تخيبي ظننا."

أجابته بثقة:" بإذن الله."

وبعد أن انتهت من أول محاضراتها...رن هاتفها، وكان المتصل محمود.

ترددت، ثم أجابت:" نعم؟"

جاء صوته هادئًا." متى تنتهين؟"

"بعد ساعة تقريبًا."

قال بعد صمتٍ قصير:" عودي إلى القصر مباشرة.لدينا ضيف سيصل اليوم."

عقدت حاجبيها." حسنًا." وأغلقت الخط.

وفي الوقت نفسه...

توقفت سيارة آدم أمام بوابة القصر. ترجل منها، ورفع بصره نحو المبنى العتيق.

وقال بهدوء:" لم يتغير شيء."

ابتسم عمر." إلا أنت."

دخلا معًا. استقبلهما العاملون، فاكتفى آدم بإيماءةٍ ، ثم اتجه مباشرةً نحو مكتب والده.

توقف أمام الباب، ثم طرقه طرقاتٍ خفيفة. جاءه الصوت من الداخل:"تفضل."

فتح الباب ودخل، يتبعه عمر. رفع محمود رأسه عن الملفات المكدسة أمامه.

ولأول مرة منذ سنوات، ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ صادقة. نهض من مكانه.

اقترب من ابنه، ثم احتضنه طويلًا.

"الحمد لله على سلامتك يا بني."

بادله آدم العناق." اشتقت إليك يا أبي."

ربت محمود على كتفه، ثم أشار إلى المقعدين المقابلين لمكتبه."اجلسا."

جلس آدم، بينما جلس عمر إلى جواره في صمت. ساد هدوءٌ قصير.

لم يكن يشبه هدوء اللقاء بعد الغياب، بل كان أقرب إلى هدوءٍ يسبق أمرًا ثقيلًا.

لاحظ آدم أن والده لم يفتح أيًّا من الملفات أمامه، ولم يسأله عن المشروع أو السفر، وهو ما لم يعتده منه، تأمله قليلًا، ثم قال:" يبدو أنك تريد أن تقول شيئًا."

رفع محمود عينيه إليه، ثم زفر ببطء." نعم."

ابتسم آدم ابتسامةً خفيفة، محاولًا كسر هذا الثقل.

" لا تقل إنك وجدت فتاةً جديدة، وتريد أن تبدأ معي النقاش نفسه من جديد."

ظل محمود صامتًا. اختفت الابتسامة من وجه آدم تدريجيًا.

أما عمر، فالتفت بينهما مستغربًا.

قال آدم هذه المرة بجدية:"أبي ما الأمر؟"

ظل محمود صامتًا برهة، كأنه يبحث عن صيغةٍ تخفف وقع ما سيقوله.

ثم قال أخيرًا بصوتٍ ثابت:

" قبل أيام... أتممتُ عقد زواجك."

لم يتحرك آدم، بقي ينظر إلى والده نظرةً خاليةً من أي انفعال، حتى خُيِّل لمحمود أنه لم يسمع. ثم قال بهدوءٍ غريب:" أعد ما قلت."

" عقدتُ زواجك."

ارتسمت على شفتي آدم ابتسامةٌ باهتة، لا تشبه الابتسام، ابتسامة رجلٍ يرفض أن يصدق ما سمع، ثم قال:"أظنك تمزح."

ولم يجبه محمود، عندها فقط اختفت الابتسامة تمامًا.

نهض آدم ببطء، وأسند كفيه إلى حافة المكتب.

" هل تدرك ما الذي تقوله؟"

أجابه محمود بالنبرة نفسها:"أدرك."

"إذًا أخبرني... بأي صفةٍ فعلت ذلك؟"

لم يأتِ الجواب سريعًا، قال محمود بعد صمت:" بالصفة التي لم يكن ينبغي لي أن أستخدمها."

اشتدت نظرات آدم قسوة." هذه ليست إجابة."

"لكنها الحقيقة."

ضرب آدم بقبضته سطح المكتب حتى اهتزت الملفات.ظل محمود ثابتًا في مكانه.

وقف عمر هو الآخر، وقد انعقد لسانه. نظر إلى محمود غير مصدق.

" عمي محمود، هل... هل هذا حقيقي؟"

أجابه محمود، من دون أن يلتفت إليه:"نعم."

أدار عمر بصره نحو آدم، ثم عاد ينظر إلى محمود. كان يحاول أن يجد تفسيرًا منطقيًا، ولم يجد.

أما آدم، فكان يحاول السيطرة على انفعاله، لكن صوته خانه.

" هذه ليست صفقةً في إحدى شركاتك، وليست ورقةً يمكن توقيعها بالنيابة عني.

هذه حياتي."

ولأول مرة ارتفع صوت محمود قليلًا."لا يُهم الآن،لقد حدث ما حدث."

قطب آدم حاجبيه." لا...لن يجعل هذا ما حدث مقبولًا."

ساد الصمت، ثم قال محمود، بلهجةٍ لا تقبل النقاش:

" سواء قبلت أم رفضت، فالزواج قد عُقد."

أطبق آدم على فكيه. كانت عيناه تمتلئان بغضبٍ مكتوم، ثم قال ببطء، وكأنه ينتزع الكلمات انتزاعًا:

"لن أعترف بهذا الزواج أبداً."

استدار بعنف، ودفع الباب بقوة حتى ارتطم بالجدار.

خرج من المكتب بخطواتٍ سريعة، تبعه عمر مباشرة، وهو ينظر خلفه إلى محمود، الذي بقي جالسًا في مكانه، كأن ما كان يخشاه منذ سنوات... قد بدأ بالفعل.

وفي تلك اللحظة...

كانت سيارة غُفران تعبر بوابة القصر، ترجلت بهدوء. أغلقت باب السيارة، ثم سارت نحو الداخل.

لم تكن تعلم...أن الرجل الذي كُتب اسمها إلى جوار اسمه...يقف في الطابق العلوي، يشتعل غضبًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لم يكُن اتفاقًا   الفصل 9

    بعد نحو أربعين دقيقة...توقفت السيارة أمام المبنى الرئيسي لشركة السيوفي العالمية.ترجل آدم بهدوء.استقام السائق في وقفته وهو يغلق باب السيارة خلفه.في الداخل...كان الموظفون قد بدأوا يومهم منذ وقت.وما إن لمحوه يعبر البوابة الزجاجية، حتى انتبه الجميع لوجوده.وقف موظف الاستقبال أولًا."صباح الخير، سيد آدم."تبعه اثنان من الموظفين كانا يعبران الردهة." صباح الخير، سيد آدم."اكتفى بإيماءةٍ خفيفة، دون أن يبطئ خطواته.كانت عيناه تتحركان في المكان بسرعة. لا يتأمل...بل يلاحظ.لوحة الإعلانات لم تُحدَّث منذ الأمس.أحد الشاشات الإعلانية في الردهة تعرض نسخةً قديمة من العرض التسويقي.تفاصيل صغيرة...لكنها لم تكن تمر أمامه دون أن تُسجَّل في ذهنه.فتح له أحد الموظفين باب المصعد.ضغط آدم زر الطابق الأخير. ظل المصعد يصعد في صمت.ولم يرفع آدم عينيه عن الجهاز اللوحي الذي كان بين يديه.كان يراجع ملاحظاته على العرض الخاص بالمشروع.توقفت أبواب المصعد. خرج بخطواتٍ ثابتة.كانت سكرتيرته تنتظره أمام مكتبه."صباح الخير، سيد آدم." ناولته جهازًا لوحيًا آخر، وقالت باحترافية:"جدول اليوم. اجتماع مجلس الإدارة بعد ع

  • لم يكُن اتفاقًا   الفصل 8

    دخل آدم إلى الحمام. ترك الماء البارد ينساب فوقه طويلًا، ثم خرج بعد دقائق وقد استعاد هدوءه المعتاد. ارتدى بدلته بعناية، ثبّت ساعة يده، ثم غادر جناحه بخطواتٍ ثابتة. في الوقت نفسه... كانت غُفران قد نزلت إلى الطابق السفلي. وجدت محمود يجلس وحده إلى مائدة الإفطار، يحتسي قهوته ويطالع بعض الأوراق. رفع رأسه فور أن رآها. وابتسم ابتسامةً هادئة. " صباح الخير يا غُفران." أومأت برأسها وجلست في هدوء." صباح النور." طوى محمود الأوراق التي أمامه، ثم نظر إليها لثوانٍ قبل أن يقول: "كنت أنوي أن أحدثك بالأمس، لكن الوقت لم يكن مناسبًا." رفعت بصرها إليه في انتظار أن يكمل. قال بهدوء: "الضيف الذي أخبرتكِ عنه... وصل بالفعل.ثم أردف بعد لحظة قصيرة إنه آدم زوجك." اتسعت عيناها قليلًا في دهشةٍ صامتة، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها. قالت ببرود:" حقًا؟" أومأ محمود برأسه." نعم." ساد بينهما صمتٌ قصير. ثم نظرت غُفران إلى ساعة يدها. وأغلقت حقيبتها. "لقد تأخرت على الجامعة سأذهب الآن." قال محمود بهدوء:"حسنًا... أتمنى لكِ يومًا موفقًا." نهضت من مقعدها. وما إن استدارت متجهةً نحو الباب... حتى سمعت وقع

  • لم يكُن اتفاقًا   الفصل 7

    حلَّ الليل على القصر. واحدًا تلو الآخر...انطفأت الأضواء، لم يبقَ مضاءً سوى جناحين. جناحها...وجناحه. كانت غُفران ما تزال مستيقظة.الكتاب مفتوح أمامها، وعيناها معلقتان بالصفحة نفسها منذ دقائق. لم تكن تقرأ. كانت تستعيد تلك النظرة. ذلك الرجل... لم تعرف اسمه، لكنها كانت متيقنة من شيء واحد. أنه يعرفها، وأنه...لم يكن سعيدًا برؤيتها. أغلقت الكتاب، ثم نهضت، أطفأت المصباح، ولم تُبقِ سوى ضوءٍ خافت يتسلل من الأباجورة القريبة. وقبل أن تتجه إلى فراشها...توقف بصرها عند باب الغرفة. لا تدري لماذا... راودها شعورٌ بأنها لم تعد وحدها في هذا المنزل. أُغلق الباب خلفه بهدوء. ساد الصمت. تقدَّم بخطواتٍ بطيئة حتى وقف أمام النافذة الممتدة على طول الجدار. في الخارج... كانت الحديقة غارقة في سكون الليل. أما في الداخل...فكان كل شيء على النقيض. عقد يديه خلف ظهره، وثبَّت بصره في نقطةٍ بعيدة، دون أن يراها حقًّا. كان يستعيد المشهد كله، كلمات والده...نظرته...وصمته، حتى تلك الفتاة... لم تغب صورتها عن ذهنه.لم يعرفها، ولم يسأل عنها. لكنه لم يستطع أن يتجاهل أنها أصبحت، في لحظةٍ واحدة، جزءًا من معادلةٍ لم يخت

  • لم يكُن اتفاقًا   الفصل 6

    انفتح باب المكتب بعنف. خرج آدم بخطواتٍ سريعة، حتى بدا وكأن الهواء من حوله قد تغيّر. كان الغضب ظاهرًا في ملامحه، لكنه لم يكن من ذلك النوع الذي يعلو صوته... بل من النوع الذي يجعل الصمت أكثر قسوة. تبعه عمر دون أن ينطق. في أسفل الدرج... كانت غُفران قد خطت لتوها إلى داخل القصر. رفعت رأسها على وقع الخطوات. توقفت، وتوقف هو الآخر، لم تكن بينهما سوى أمتار قليلة. رفع آدم بصره إليها. تأملها للحظة.لم يبدُ على وجهه أي انفعال. لكن نظرته كانت باردة... باردة إلى حدٍ جعلها تشعر وكأنها موضع اتهام، لا موضع لقاء. انزلقت عيناه عليها في هدوء، من دون عجلة، ثم أعاد النظر إلى وجهها. لم يقل كلمة، ولم يمنحها فرصة لتقول شيئًا، مرّ من جوارها، وحين أصبح بمحاذاتها، لم يلتفت. تابع طريقه كأن وجودها لا يستحق التوقف. أما غُفران، فبقيت مكانها، عقدت حاجبيها في حيرة، لم تعرف ذلك الرجل. لكن نظرته...لم تكن نظرة غريب، بدت وكأنها تحمل حكمًا سبق صدوره. التفتت خلفه للحظة، ثم صرفت بصرها، وصعدت إلى غرفتها. أغلقت الباب خلفها. خلعت معطفها، ثم اتجهت إلى الحمام، تركت الماء ينساب فوقها طويلًا، كانت تحاول أن تغسل عنها إره

  • لم يكُن اتفاقًا   الفصل 5

    داخل مقرِّ شركة السيوفي العالمية... كانت الحركة في أروقة الشركة تسير بإيقاعٍ منضبط، وكأن المكان يستعد لعودة نبضٍ غاب عنه طويلًا. توقف عمر أمام مكتب الاستقبال، ثم قال لأحد الموظفين: " تأكد من جاهزية قاعة الاجتماعات، وأعد إرسال جدول اليوم إلى جميع الإدارات... لا أريد أي تعديل بعد وصول السيد آدم." " حاضر، أستاذ عمر." ابتعد الموظف مسرعًا. وفي اللحظة نفسها، انفتحت أبواب المصعد. خرج آدم بخطواتٍ هادئة، مرتديًا بدلته السوداء. ساد صمتٌ عابر، ثم تعالت التحيات. "صباح الخير، سيد آدم." اكتفى بإيماءةٍ قصيرة، لم يكن من أولئك الذين يتوقفون عند كلمات الترحيب. كان يرى أن الوقت الذي يُهدر في المجاملات... يُسرق من العمل. دخل مكتبه، ولم تمضِ دقيقة حتى دخل عمر، يحمل ملفًا سميكًا، وضعه أمامه. " هذه تقارير الأداء الخاصة بآخر عامين." فتح آدم الملف. قلب عدة صفحات بسرعة، ثم توقف فجأة. سحب أحد التقارير جانبًا. رفع رأسه. "من أعدَّ هذا النموذج؟" " فريق هندسة البرمجيات." ظل ينظر إلى الورقة لثوانٍ. ثم قال بهدوء: " الفكرة جيدة... لكن نموذج التنبؤ مبنيٌّ على بياناتٍ ثابتة." اقترب عمر. "تقصد أ

  • لم يكُن اتفاقًا   الفصل 4

    إستعادت الشاشة ضوءها أخيرًا. تتابعت الإشعارات فوق بعضها حتى كادت تغطي خلفية الهاتف. رسائل، واتصالات فائتة،كلها من اسمٍ واحد. يوسف. حدقت في الشاشة لثوانٍ، ثم تنهدت بخفوت. فتحت نافذة المحادثة. ترددت أصابعها قليلًا قبل أن تكتب: "أنا بخير... لا تقلق." تأملت الرسالة لحظة. ثم ضغطت زر الإرسال. لم تنتظر ردًا. أغلقت الهاتف ووضعته جانبًا، كأنها أغلقت معه كل ما يربطها بالعالم الخارجي. اتجهت نحو النافذة. أزاحت الستارة قليلًا. كانت الحديقة تمتد أسفلها في هدوءٍ يكاد يكون مستفزًا. الأشجار ساكنة، النافورة تواصل انسيابها، والعاملون يتحركون في نظامٍ معتاد، كأن شيئًا لم يحدث. أما هي... فكانت تشعر أن حياتها كلها خرجت عن مسارها في ليلةٍ واحدة. كيف يمكن لإنسان أن يستيقظ وهو يعرف الطريق الذي رسمه لنفسه...ثم ينام، فلا يبقى من ذلك الطريق شيء؟ أغمضت عينيها. وفجأة... عاد إليها صوتٌ تعرفه جيدًا. "أنتِ لا تعتمدين على الذكاء وحده يا غُفران، تعتمدين على الانضباط. وهذه ميزة لا تُكتسب بسهولة." كان ذلك في آخر فصل دراسي. عندما استدعاها رئيس القسم إلى مكتبه بعد إعلان النتائج. كانت تقف أمامه يومها، تحمل ملف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status