登入استيقظت بعد فترة وجيزة، وخرجت من الغرفة تخطو بثقل، وهي تشعر بتعب شديد في جسدها وتضغط بيدها على بطنها من ألم مبهم. وجدته قد أفرغ محتويات حقيبتها ورتبها، وأعد لها طعاماً دافئاً. وما إن رآها تخرج، حتى هرول إليها بلهفة.
تحدث حسام بابتسامة يحاول بها تلطيف الأجواء: "صباح الخير يا حبيبتي.. شايفه البيت نور إزاي برجوعك؟ بس قوليلي.. إيه اللي حصلك النهارده في الموقع ومشيتي ليه بسرعة كدا؟ أنا آسف جداً إني معرفتش أجي وراكي، المالك جه يعاين الشغل فجأة ومكنش ينفع أسيبه وأمشي." ردت عاليا بنبرة باردة ومختصرة: "مفيش حاجة حصلت، حصل خير.. دوخت شوية من الطريق والسفر، بس مكنش فيه داعي للقلق دا كله.. شكراً على الشنطة والأكل." همت بالمغادرة والعودة للغرفة، لكنه أمسك يدها بلطف ومنعها. نظر حسام في عينيها متسائلاً بوجع: "مالك يا عاليا؟ في إيه ومتغيرة معايا ليه كدا؟ معقول السفر والبعد الشهر دول خلقوا بيننا جفا بالشكل دا؟!" نظرت إليه وعيناها تلمعان بالدموع المحبوسة وقالت بمرارة: "لو كان فيه جفا، مكنتش جيت جري عليك من المطار للموقع علشان أفاجئك وأشوفك.. بس أنا..." قطعت كلامها فجأة، وانقبضت ملامحها بألم جسدي حاد وعنيف، وقالت بوهن: "بس تعبت شوية.. ومش قادرة." ارتاع حسام وقال بأسف حار: "طيب أنا أسف، تعالي اقعدي وارتاحي.. عارفة أنتِ وحشتيني قد إيه؟ ووحشتنا القعدة دي وكلامنا مع بعض؟" ثم أمسك يدها وقبلها بحنو وأردف: "لمستك دي وحشتني.. أنا من غيرك مكنتش عايش يا عاليا." تحملت عاليا ضغطاً نفسياً كبيراً فوق طاقتها، وشعرت أنها تقترب من الانهيار التام، فسألته بنبرة مخنوقة لتغير المجرى: "وشغلك عامل إيه؟ مفيش جديد؟" قالتها، ولم تحتمل معدتها الثائرة هذا الضغط كثيراً؛ فشعرت بغثيان شديد، وذهبت مسرعة نحو الحمام. لحق بها حسام والهلع ينهش قلبه، لكنها كانت قد أغلقت الباب وراءها. وقف بالخارج يتحدث بقلق: "مالك في إيه يا حبيبتي؟ أخدتي برد من السفر والطيارة؟ ولا دا يكون..." لم يكمل جملته، حتى شق الصمت صراخها المستغيث والموجع من الداخل: "آآآآه!! الحقني يا حسام.. البيبي!!" سقط قلب حسام في جوفه، وتجمدت الدماء في عروقه فور سماع كلمتها الأخيرة. دفع الباب بقوة وفتحه، ليتسع بؤبؤ عينيه رعباً وهو يراها ممددة على الأرض تنزف بغزارة وتتألم. حاول تجميع شتات نفسه المذعورة، أحضر إسدال الصلاة وألبسها إياه على عجالة، ثم حملها بين ذراعيه واندلع يركض بها نحو سيارته، متوجهاً بأقصى سرعة إلى المستشفى القريب. دخل المستشفى هائجاً ويصرخ بلهفة: "لو سمحتوا! لو سمحتوا دكتور بسرعة! مراتي بتنزف.. ساعدوني بالله عليكم!" هرعت الممرضات إليه بنقالة، وأخذوها سريعاً إلى غرفة الكشف، بينما وقف هو في الممر يرتجف ويدعو ربه ألّا يصيبها مكروه. بعد فترة بدت كالمشهد البطيء، خرج الطبيب المعالج وطلب استدعاء طبيب النساء والتوليد على الفور، ثم غاب مجدداً، ليمر الوقت كأنه دهر، حتى خرج الطبيب أخيراً. اندفع نحوه حسام بقلق مميت وسأل: "في إيه يا دكتور؟ طمني إيه اللي حصل؟!" قال الطبيب بأسف وهز رأسه: "للأسف الشديد الجنين نزل.. مقدرناش ننقذه لأن النزيف كان حاد. المدام حالياً محتاجة رعاية هادية، إحنا عملنا اللازم طبيًا، بس واضح جداً إنها اتعرضت لصدمة نفسية قوية أو ضغط عصبي شديد، وهو دا السبب الرئيسي اللي سبب الإجهاض والنزيف المفاجئ." صدم حسام وسأل بذهول: "هي لسه راجعة من السفر النهارده.. ممكن يكون تعب الطيارة؟" سأله الطبيب: "مدة الرحلة كانت قد إيه؟" أجاب حسام: "ساعة ونص بالظبط." هز الطبيب رأسه نافياً: "لأ، ساعة ونص مفيش منها مشكلة على الحمل.. حاول تتكلم معاها وتهديها لأنها تعبانة جداً ونفسيتها مدمَّرة، وممكن تحتاج تعرضها على دكتور نفسي لو استمرت الحالة دي." دخل حسام إلى غرفتها بخطوات مثقلة بالذنب والحزن، فوجدها مستلقية على الفراش، والدموع تنساب على وجهها الشاحب بلا انقطاع. قالت عاليا بصوت متحشرج وباكٍ: "البيبي راح يا حسام.. ملحقتش أفرح بيه ولا أحس بيه في بطني." جلس بجوارها، وأخذها في حضنه برفق شديد وربت على ظهرها بحنان يحاول امتصاص وجعها: "اهدي يا حبيبتي.. الحمد لله إنك أنتِ بخير وقومتي بالسلامة، دا أهم حاجة عندي في الدنيا، وربنا كريم هيعوضنا خير إن شاء الله.. متزعليش." غمغمت بنبرة مستسلمة: "الحمد لله.. الحمد لله على كل حال." نظر في عينيها بحزن وسألها بعتاب رقيق: "بس مقولتيش ليه من الأول يا عاليا؟" (ارتداد زمني - فلاش باك) قبل أسبوع في لبنان، شعرت عاليا بوعكة صحية غريبة؛ خمول دائم، وألم مستمر في معدتها، ولم تعد تقوى على الاقتراب من الطعام أو تحمل رائحته. شكت في الأمر، وقررت الذهاب إلى طبيب نساء هناك للكشف. بعد الفحص، التفت إليها الطبيب اللبناني بابتسامة بشوشة وقال: "مبروك مدام عاليا.. راح يصير لك بيبي متل القمر إن شاء الله." اتسعت عيناها بفرحة عارمة وسألت بلهفة: "بجد يا دكتور؟! طيب عمره قد إيه دلوقتي؟" أجابها الطبيب: "في الأسبوع الخامس.. بدي ياكي تديري بالك على حالك منيح، وتبتعدي عن أي تعب." (عودة للحاضر) انتحبت عاليا بكاءً وقالت: "كنت جاية علشان أقولك وأعملهالك مفاجأة، بس ملحقتش.. وملحقتش أفرح بيه. أنا لسه عارفة من أسبوع واحد بس، وكنت بعد الأيام والساعات علشان أرجع لمصر وأقولك، وأشوف فرحة عينيك إللي كنت مستنياها." قال حسام بنبرة يملؤها الحزن والأسى: " قدر الله وما شاء فعل.. سلامتك وصحتك عندي بالدنيا كلها والله، اهدي بقى ونشفي دموعك." في الصباح التالي، غادرا المستشفى وعادا إلى المنزل يجران خطى الحزن. جلس حسام بجوارها على الفراش وسألها بهدوء: "الدكتور قال إن اللي حصل دا بسبب ضغط عصبي وصدمة نفسية قوية.. ممكن أعرف في إيه يا عاليا؟ إيه اللي زعللك بالشكل دا؟" نظرت إليه بعينين مكحولتين بالحزن واللوم، كانت تتمنى في أعماقها أن يشرح لها ويوضح لغز تلك الفتاة، مليون سؤال ينهش عقلها، والغيرة تأكل قلبها كالنار، لكنها تعجبت من صمته؛ لماذا لا يتكلم؟ ولماذا يتخطى موضوع الأمس كأنه لم يحدث قط؟ اقترب منها بلطف ومسح على شعرها: "في إيه لكل دا؟ أنا زعلتك في حاجة من غير ما اقصد؟ ولا فيه حاجة حصلت معاكي هناك في لبنان؟" أشاحت بوجهها وقالت بتهرب وتعب: "أنا محتاجة أنام.. تعبانة جداً. انزل أنت شوف شغلك دلوقتي مستنيينك، وأنا هبقى كويسة متقلقش عليا." حاول حسام جاهدًا أن يأخذ إجازة من العمل ليبقى بجوارها، لكن الظروف والمشروع المشترك لم يسمحا له بذلك إطلاقاً. تنهد بقهر وقال: "أنا آسف جداً يا حبيبتي، بس لازم أنزل دلوقتي ضروري الشغل.. هخلص إللي ورايا بسرعة واجي على طول، ارتاحي ومتعمليش أي مجهود، أنا قلت أهو." غادر حسام إلى عمله، وفور خروجه، اتصلت عاليا بعمها وطلبت منه إجازة لتستريح من عناء السفر وتعب الإجهاض، ثم استسلمت لنوم عميق هرباً من أفكارها. وفي موقع العمل، كان حسام يمر بين المكاتب والكرفانات متعباً، حتى تناهى إلى سمعه حديث يدور بين مهندس وأحد العمال بالصدفة: قال المهندس للعامل بحدة: "أنا قلتلك قبل كدا تبطل كلامك وتلقيحك الإشاعات دا وتلم لسانك! أهي واحدة طلعت المهندسة الجديدة وأخت البشمهندس عماد وجاية تتدرب هنا في الموقع، والتانية طلعت مراته وشكلها حصلت مشكلة ومشيت بسرعة وهو كان بيجري وراها.. شكلها سمعت كلامك العك بتاع إمبارح دا وفهمت غلط!" تسمر حسام في مكانه، ووقع الكلمات عليه كالصاعقة. بدأت الخيوط تتشابك في عقله، وربط بين كلام العامل بالأمس، وبين صدمة عاليا المفاجئة وسقوطها وإجهاضها! واكتملت الصورة المريرة في ذهنه. في تلك اللحظة، مرت المهندسة المتدربة وقالت برقة: "صباح الخير يا بشمهندس حسام.. أخبار المدام إيه النهارده؟ إن شاء الله تكون بقت أحسن؟" ابتلع حسام غصته وقال بنبرة مخنوقة: "الحمد لله.. بخير." تابعت المهندسة بأسف وندم: "أتمنى ميكونش حصل مشكلة بسبب إمبارح.. شكلها كدا محبتش وجودي مع حضرتك وفهمت غلط." رد حسام بنبل محاولاً إنهاء الأمر: "لأ مفيش حاجة خالص.. هي بس كانت تعبانة ومجهدة من السفر مش أكتر." شعر حسام بالمرارة؛ يبدو أن الجميع في الموقع لاحظ وفهم ما حدث إلا هو! كل ما حدث من موت طفله المنتظر ومرض زوجته كان بسببه وبسبب صمته الغبي وسوء الفهم. علم أن عاليا كانت تخاف أن تسأله، وتنتظر منه أن يبرر لها، خوفاً من أن تسمع ما يجرحها، أو تجرحه هي بالسؤال. لقد فهم أخيراً سر تلك النظرات الحزينة واللوامة التي رمت بها في وجهه.أخذ حسام نفسًا عميقًا ونظر إليها بملامح حاسمة وقال: "أنا هسافر يا عاليا." شعرت عاليا بغصة مريرة في حلقها وكأن الأرض تدور بها، لكنها تماسكت وجاهدت بكل ما أوتيت من قوة لتخفي دموعها وحزنها الذي بدأ يظهر جليًا على ملامحها الشاحبة، وقالت بصوت متحشرج: "ربنا معاك.. ربنا معاك ويوفقك يا حبيبي." لاحظ حسام تلك الرجفة في صوتها، واكتشف محاولتها المستميتة لإخفاء كسرها، فاقترب منها خطوة ورفع وجهها بيديه وأمسك كفيها بحنان دافئ وقال بصدق: "لو هتزعلي وتتأثري بالشكل دا يا عاليا.. أنا مستعد ألغي كل حاجة دلوقتي، ومسافرش خالص.. أنتِ عندي بالدنيا." حاولت الابتسام لتطمئنه وقالت: "لأ يا حسام.. مش زعلانة ولا حاجة، دي مصلحتك ومستقبلنا.. أنت بس هتوحشني.. هتوحشني أوي." شدد على قبضته على يديها وقال: "بصي.. أنا فكرت في الموضوع من كل الجوانب؛ لو أنتِ مش عاوزه تسيبي شغلك وكيانك هنا في مصر وخايفة من البداية الجديدة، فإحنا ممكن نعمل حاجة ثانية.. ممكن أنتِ تنزلي لي إجازة مرة، وأنا أنزل لكِ مرة، يعني نتقابل كل شهرين مثلًا، أو..." قاطعته عاليا بشهقة وعينين ملأتهما الدموع: "شهرين يا حسام؟! إجازة يومين كل شهرين؟! لأ..
اقتربت منها حماتها وطبطبت على كتفها بحنان وقالت: "اهدئي كدا يا بنتي ومتحرقيش دمك وزعل نفسك.. هو تلاقيه بس فرحته بزيادة وخايف عليكي، شوية وهيهدأ ويراجع نفسه ويصالحك.. أنتِ ممكن تاخدي إجازة الشهر دا بس تسايريه، وبعدين ترجعي تاني لما الأمور تستقر، دا مش وقت خناق وزعل خالص والبيبي لسه بيتكون." قالت ليلى وهي تمسح دموعها بقهر: "يا طنط، المفروض خبر زي دا يفرحه ويقربنا من بعض، مش يخليه يدخل يعمل بينا مشاكل ويتحكم فيا بالشكل دا من أول يوم!" وفي شقة حسام، كان الليل قد انتصف وعاليا تدور في الصالة بقلق حاد وتفرك يديها؛ فلم تعتد أبداً على تأخره إلى هذا الحد، وخصوصاً أن اليوم هو يوم إجازته الأسبوعية. وفجأة، سمعت صوت المفتاح في الباب، فاندفعت نحوه واستقبلته بوجه شاحب من القلق. هتفت عاليا بعتاب ولهفة: "كنت فين كل دا يا حسام؟! قلقتني عليك جداً وحرام عليك تعمل فيا كدا.. مامتك كلمتها وقالت لي إنك مشيت من عندها من بدري أوي، وقافل تليفونك طول الوقت!" نظر إليها حسام، وكانت ملامحه هادئة بشكل غريب، هدوء يحمل وراءه حسم الصراعات الكبرى. أخذ نفساً عميقاً، ثم تقدم ووضع يده على كتفها وقال بنبرة ثابتة: "عاليا.
حسام بابتسامة: "طيب تعالي استنيني جوه المكتب دقيقتين بالظبط." بعد عدة دقائق، أنهى حسام بعض الأوراق السريعة وأخذها ورحلا معاً في سيارته. أخذته عاليا إلى مقهى هادئ يطل مباشرة على النيل لكي تهدأ أعصابه المشدودة. جلسا معاً، فنظرت في عينيه وقالت: "خلينا نتكلم شوية على روقان.. سيبك مني ومن طنط ومصايف أخواتك دلوقتي خالص، كلمني عن الفرصة دي بالنسبة لشغلك ومستقبلك.. كويسة ولا لأ؟" حسام بصدق: "هي كفرصة.. حلوة ومغرية أوي يا عاليا، بس..." قاطعته قائلة: "قلت لك متفكرش فينا دلوقتي.. أنت خايف ليه؟ إيه اللي قالقك بالظبط؟" صاح حسام بشجن: "أنا مش هقدر أعيش في بلد وأنتِ في بلد تانية يا عاليا! الشهر الواحد اللي سافرتيه لبنان كنت ههبل وهتجنن من غيرك في البيت.. إزاي أسافر وأقعد بالشهور ومشوفكيش غير زيارات كام يوم في السنة؟ أنا مش هستحمل بعد تاني.. مش هينفع خالص." ابتسمت عاليا ووضعت يدها فوق يده وقالت بنبرة واثقة: "ومين قالك بقى إني هسيبك تسافر لوحدك؟" نظر إليها بعدم فهم، فتابعت: "أنت تتكلم مع الإدارة وتعرف هيكون إيه وضعك بالظبط، والسكن وكل ترتيبات الإقامة.. وسافر أنت الأول ظبط الوضع شهر أو شهرين بال
رد الصديق الآخر بحالمية: "لا يا عبيط دا الحب يا ابني.. مش قادر على بعدها وسيبانها لوحدها، أوعدنا يا رب!" تدخل عماد بجدية: "يا عم أنت وهو بس بقى.. باين عليه مزاج مش رايق من ساعة ما جه، بطلوا طريقة وعيب كدا." حسام بابتسامة باهتة: "براحتكم اتريقوا زي ما أنتم عاوزين.. أنا فعلاً مش في المود خالص الليلة دي.. يلا، سلام عليكم." دخل المنزل فوجد الإضاءة كلها مغلقة، ويسود البيت هدوء رهيب ومخيف. خلع قلبه من الخوف وظن لأول وهلة أنها حزنت منه وتركت البيت وغادرت لأهلها. تحرك بخطوات واجفة، ل يجد الركن الخاص بها يضاء بإضاءة خافتة ودافئة؛ اقترب منها ببطء، فوجدها تجلس على أرجوحتها وبيدها رواية للكاتبة حنان لاشين تحمل اسم (كويكول)، ويبدو أن النوم قد غلبها وهي تقرأ. كما وجد تيشرته الأبيض مكوياً وموضوعاً بعناية على الطاولة المجاورة، وبجانبه ورقة صغيرة مكتوبة بخط يدها الرقيق: "آسفة إني اتأخرت في نشر التيشرت ومكنش جاهز.. بس إحنا متفقين إن مشاكل بره والضغط مش المفروض يأثروا على جوه بيتنا.. كان المفروض تحكيلي وتفضفض مش تخبي وتتعصب عليا.. بحبك." تأثر حسام بشدة، وانحنى يحملها برقة بالغة بين ذراعيه ووضعها عل
كانت منة تسير في ممر الكلية، فاستوقفتها إحدى الفتيات بابتسامة صفراء وقالت: "أهلاً أهلاً.. بخطيبة الدكتور رامز!" تدخلت فتاة ثانية بتهكم: "طبعاً.. من هنا ورايح هينجحك بامتياز، مش محتاجة مذاكرة ولا دح بقا يا محظوظة!" وأضافت فتاة ثالثة بحقد: "بقى ليكي واسطة وتقل في الكلية هنا يا عم.. مين قدك؟" عادت الفتاة الأولى وقالت بلؤم: "عاملينا فيها طيبة وغلبانة، وهي سهنة وبتتمسكن لحد ما وقعت الدكتور في حبالها! ويا عالم بقا كانت مجمعة ومظبطة معاه من إمتى ومن ورا ظهرنا!" وانفجرت الفتيات في ضحكات مستفزة ملأت الممر. (عودة للحاضر) اشتعلت عينا رامز بالنشاط والغضب وقال: "بنات مين دول؟! وإزاي متقوليليش في وقتها ولا تردي عليهم وتوقفيهم عند حدهم؟! منة، أنتِ عارفة كويس إنك شاطرة ومن الطلبة المتميزين في الدفعة، وبتنجحي بمجهودك وسهرك طول عمرك، والكل هنا متوقع لك تتعيني معيدة.. ليه تسكتي على الإهانة والغمز اللامز دا؟!" دمعت عيناها وقالت بصوت مخنوق: "مش عاوزة أعمل مشاكل.. أنا ماليش أصحاب في الكلية غير سارة وأنت عارف، وأنت عارف كمان إني سبت الكلية اللي فاتت وضيعت سنة كاملة من عمري ومن الكلية اللي كنت بحلم ب
ردت عاليا وهي تمسح دمعة من عينيها: "ولا حاجة.. افتكرت موقف بس." في الواقع، تذكرت عاليا على الفور مكالمة منة معها منذ قليل، حين كانت تسألها بفضول غريب: "اشمعنى حازم يعني اللي بتسألي عليه يا منة؟" منة بتهرب: "يا ستي جاوبي وخلاص! هو لازم سين وجيم؟" عاليا بضحكة: "الله! مش لازم أفهم الأول؟" منة: "هقولك بعدين.. المهم، هو مرتبط دلوقتي؟" عاليا: "على حد علمي.. دلوقتي لأ، مش مرتبط." منة بفضول: "وقبل كدا؟" تنحنحت عاليا وقالت بمكر: "احم احم.. ارتبط مرتين بخطوبة، منهم واحدة كان فيها كتب كتاب كمان." صدمت منة وقالت: "أوف! وسابهم ليه؟" عاليا: "محصلش نصيب، مكنش فيه حب حقيقي." منة بتوجس: "وممكن يرجعلهم تاني؟" عاليا بثقة: "لا أبداً، أنا متأكدة إنه لا يمكن يحصل." منة: "ومتأكدة أوي كدا ليه؟" ضحكت عاليا وقالت: "لأن واحدة منهم كانت أنا.. والتانية حضرتي فرحها امبارح!"صرخت منة بصدمة ذهول: "إيييييييه؟!" (عودة للحاضر) أفاق حازم عاليا من شرودها وهو يقول بقلة حيلة: "طيب.. هتكلميها ولا إيه؟" نظرت إليه عاليا بتشكك وضيقت نصف عينها وقالت: "أكلمها؟ أممم.. ماشي، بس..." حازم بلهفة: "إيه؟" اقتربت منه عا







