로그인لم أتردد لثانية واحدة. خلعتُ معطفي الصوفي الثقيل، وألقيتُه بإهمال فوق أحد الصناديق الخشبية المجاورة، وشمرتُ عن أكمام قميصي، ثم جثوتُ على ركبتي في الطين بجوارها مباشرة، غير مبالٍ بنظافة ثيابي أو برائحة المكان. نظرتُ إلى الكلب الخائف، وقلت لها بنبرة هادئة ومطمئنة بالعامية: — "قولي لي أعمل إيه بالظبط يا مريم.. أنا معاكي ومش هتحرك." أرشدتني مريم بسرعة وذكاء؛ طلبت مني أن أضع كفيّ برفق ولكن بإحكام فوق منطقة الرقبة والصدر للكلب، لكي أمنعه من الحركة المفاجئة التي قد تفسد عملية الخياطة وأن أتحدث إليه بصوت منخفض لأهدئ من روعه. فعلتُ ما طلبتْه بدقة؛ وضعتُ يدي على فروه المرتجف، وشعرتُ بنبضات قلبه المتسارعة كالطبول تحت كفي. بدأتُ أتمتم بكلمات دافئة وعشوائية، وأنا أراقب أصابع مريم وهي تتحرك بخفة ومهارة تضاهي مهارة جراحي البشر. سحبت مريم محقنة البنج الموضعي، وغرزتها برفق في محيط الجرح، وكان الكلب يتألم ويحاول التملص بقوة، لكنني ضغطتُ بجسدي عليه بحنو وإصرار، مانعاً إياه من إيذاء نفسه أو إيذائها. بدأتْ مريم بتطهير الجرح بمحلول الملح والبتادين، وكانت الدماء تختلط بالمطهر وتسيل على الأرض، ومريم
بقيتُ جالساً على الأرضية البلاطية الباردة لمرسمي الجديد لقرابة الساعتين، وعيناي شاخصتان نحو ذلك الفراغ الناصع الممتد فوق القماش المشدود أمامي. كان الصمت في الشقة يزداد عمقاً وثقلاً، لا يقطعه سوى النقر الخفيف لبعض حبات الرمل التي تحملها الرياح السكندريّة لتصطدم بزجاج النوافذ المرتفعة. نظرتُ إلى يدي اليمنى، وتأملتُ أصابعي التي تلوثت بقليل من اللون الأزرق الفيروزي البارد أثناء إعداد الباليت؛ كانت ترتجف خفية، ليس بفعل صقيع الشتاء الذي بدأ يتسلل من شقوق الأبواب الخشبية، بل بفعل ذلك الارتباك النفسي الحاد الذي يجتاح جوفي. إنها المفارقة الأكثر سخرية وقسوة في حياتي كفنان؛ طوال خمسة عشر عاماً قضيتُها في صقيع نيويورك، كنتُ أجلس في مرسمي الصغير بمانهاتن وسط وطأة الوحدة القاتلة تحاصرني جدران شقتي الباردة وذكريات الفقد المبرح، فتنقاد لي الفرشاة كأنها كائن حي يتنفس من حزني. كنتُ بائساً، مغترباً، وممزقاً بين ماضٍ تركته على رصيف جليم ومستقبل غامض أطارده في بلاد الغرب، لكنني كنتُ غزير الإنتاج، أفرغ لوحة تلو الأخرى، وأرسم الفراق بتفاصيل مرعبة تجعل كبار النقاد في أمريكا يقفون بذهول أمام لوحاتي،
حين غادرتُ باب شقتهم، كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل، وكان الشارع السكندري العتيق في حي جليم قد خلا تماماً من المارة، إلا من بضعة كلاب ضالة تلتمس الدفء تحت مصاطب البيوت، وسيارات قليلة ملقاة على جانبي الطريق، تغطي زجاجها طبقة كثيفة من ندى الشتاء الرطب. كان المطر قد تحول إلى رذاذ خافت، يكاد لا يُرى إلا عندما يتقاطع مع خيوط الإضاءة الصفراء الباهتة المنبعثة من أعمدة الإنارة المتباعدة.سرتُ ببطء، أجر قدميّ على الرصيف المبتل، ويداي مدسوستان في جيوب معطفي الثقيل. كانت أنفاسي تخرج متلاحقة، تصنع غيوماً صغيرة من البخار الأبيض في الهواء البارد، ثم تتلاشى بسرعة كأنها لم تكن. لكن في داخلي، كان كل شيء يغلي؛ صدى صوت مريم وهي تقول بالعامية: *"مكانه الصبي القديم بتاعي لسه زي ما هو"* كان يتردد في أذني بإيقاع منتظم، ممتزجاً بصوت أم كلثوم الدافئ الذي ما زال يعشعش في زوايا عقلي.شعرتُ بنوع من الخفة الغريبة، خفة لم أعهدها منذ خمسة عشر عاماً. الغربة في نيويورك تعودك على ثقل دائم في الصدر، ثقل تصنعه الحيرة، والركض وراء النجاح، والخوف من المجهول، وجدران الشقق المصمتة التي لا تعكس سوى صمتك ا
صعدنا معاً إلى شرفة الشقة الفسيحة في حي جليم بعد أن مالت الشمس نحو الغروب تماماً، تاركة خلفها شريطاً ساحراً ينبض بالألوان الأرجوانية والذهبية الداكنة التي امتدت لتصبغ صفحة البحر السكندري الثائر. كان الهواء الشتوي الرطب يلفح وجوهنا بنكهة اليود المألوفة، ممتزجاً ببرودة واضحة تجبر الأجساد على التقارب تلقائياً بحثاً عن أي نسمة دفء. وقفت مريم مستندة بكفيها الرقيقتين على سور الشرفة الحديدي، مرتدية سترة صوفية بيضاء واسعة تزيد ملامحها نضجاً ووقاراً، بينما كنتُ أقف بجوارها مباشرة، أحمل في يدي فنجانين من الشاي الساخن الذي تصاعد بخاره بكثافة ليتلاشى في جو الشرفة البارد ويصنع ضباباً خفيفاً بين وجهينا.وضعتُ فنجان الشاي الدافئ أمامها على السور، فالتفتت إليّ وعيناها السوداوان الواسعتين تعكسان بقايا ضوء الغروب النحاسي، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، مشوبة بذلك التحفظ الهادئ والارتباك النفسي اللطيف الذي لم يغادرنا تماماً منذ التقينا فوق السحاب في تلك الطائرة العابرة. أخذت نفسًا عميقاً من هواء البحر، ونظرت إلى السائل الداكن في الفنجان، ثم التفتت نحوي وسألتني بالعامية بنبرة حانية، يشوبها بعض الفضو
في الصباح التالي، كان طقس الإسكندرية قد استقر على برودة دافئة ومشمسة، بعد ليلة طويلة غسلت فيها الأمطار أرصفة المدينة العتيقة ونفضت عن قلوبنا غبار خمسة عشر عاماً من الفراق الإداري. وجدتُ نفسي، وبخطى يملؤها مزيج غريب من التردد والاشتياق الحارق، أقف أمام باب شقة عائلة مريم الجديدة في حي جليم. كانت العمارة تطل مباشرة على البحر، والهواء المحمل باليود يلفح وجهي وأنا أتحسس باقة الورود البيضاء التي اشتريتُها بعناية. طرقتُ الباب بنبضات قلب متسارعة، وما هي إلا ثوانٍ حتى فُتح الباب لتظهر من ورائه والدة مريم؛ "طنط سعاد".لم تكن السنون قد غيرت من ملامحها الحنونة الكثير، سوى بعض خطوط الوقار التي كللت جبينها، وخصلات بيضاء قليلة نسجها الزمن وسط شعرها. نظرتْ إليّ لثوانٍ بذهول غير مصدق، واتسعت عيناها الطيِّبتان، وقبل أن أنطق بكلمة واحدة، قالت بالعامية بنبرة تخنقها دموع المفاجأة:— "أحمد؟! يا حبيبي يا أحمد.. مش معقول! أنت رجعت يا ابني؟"ولم تنتظر إجابتي؛ بل فتحت ذراعيها لتدثرني بحضن دافئ، حضن سكندري خالص أعاد إليّ في ثانية واحدة رائحة أمي الراحلة، وأعاد إليّ دفا البيوت القديمة التي حُرمتُ منها في غربت
تفرق الحشد ببطء شديد مع اقتراب الساعة من منتصف الليل، وبدأت أنوار القاعة الشاهقة تنطفئ واحداً تلو الآخر، لتخيم عتمة دافئة على اللوحات المعلقة. كنتُ أقف في زاوية المرسم الفسيح، أساعد العمال في جمع بعض الكتيبات الفنية، وجسدي ينوء تحت ثقل إرهاق نفسي وعاطفي لم أختبره منذ سنوات. ظننتُ أن الليلة انطوت، وأن مريم غادرت مع سليم إلى حياتها البعيدة، تاركة خلفها طيفها يحرس لوحتي المحورية.لكن، ومثلما تفعل الصدف السكندرية دائماً، التفتُّ نحو الباب الزجاجي الرئيسي للمعرض، فوجدتها واقفة هناك بمفردها. كان معطفها الصوفي الأسود مبللاً بقطرات المطر الخفيفة، ويداها مدسوستان في جيوبها، وعيناها السوداوان ترقبانني بثبات هادئ وخجول، خالٍ من زحام الناس ومن وجود سليم. تحركت خطاي نحوها تلقائياً، مدفوعة بذهول مباغت وأمل طفلي استيقظ في صدري فجأة. اقتربتُ منها، وتوقفتُ على مسافة تفصل بيننا احتراماً لوقارها، وسألتها بالعامية بصوت خافت يملؤه التردد:— "مريم؟ أنتي لسه هنا؟ أنا افتكرتك مشيتي من بدري مع.. مع سليم."أنزلت مريم رأسها قليلاً، وظهرت على وجهها ذات الابتسامة الخجولة المرتبكة التي حفظتها في الطائرة، ثم رفع







