مشاركة

part 8

مؤلف: رنا خميس
last update تاريخ النشر: 2026-07-05 01:25:55

بقيتُ في مكاني، متسمراً فوق ذلك المقعد الخشبي البارد، وعيناي معلقتان بالزجاج المغيم الذي تلاشت خلفه مريم منذ دقائق. كانت الطاولة أمامي تبدو كساحة معركة خاسرة؛ فنجان قهوتها الذي لم يبرد تماماً بعد

والمقعد الشاغر الذي ما زال يحتفظ بشيء من أثرها، وكراسة رسمي الملقاة في زاوية الطاولة كجثة هامدة.

مرارة الانكسار الحالي فتحت في عقلي مسام الذاكرة على مصراعيها، ولم أجد مفراً من هذا الألم سوى أن أهرب مجدداً إلى أزقة الماضي، إلى ذلك الزمن البعيد الذي كنتُ أملك فيه مريم بالكامل،

وكان لي الحق في أن أحبها، وأن أحزن منها، وأن أغير عليها بغطرسة صبيانية لم أكن أدرك قيمتها الثمينة وقتها

انعقدت الغيوم في رأسي لتعيدني إلى الوراء خمسة عشر عاماً، تحديداً في شتاء سنتنا الأخيرة معاً في الإسكندرية. أتذكر ذلك الصباح الكانوني بوضوح شديد؛ كان الضباب يلف شوارع الحي، ونسمات الهواء الباردة تجبر الجميع على دثر أنفسهم بالمعاطف الصوفية الثقيلة. كنا نتمشى كعادتنا في ممرات المدرسة الثانوية المشتركة خلال فترة الاستراحة،

وكانت مريم تسير بجانبي بمريولها الكحلي الواسع، وشعرها الأسود منسدل على كتفيها بطريقة خطفت أنظار الجميع في ذلك اليوم.

في تلك اللحظة، مررنا بمجموعة من فتيان الصف الأكبر منا، وكان من بينهم شاب يُدعى طارق، معروف بجرأته وهندامه المنمق. رأيتُه بعيني وهو يلتفت بكامل جسده نحو مريم، ويسرق نظرة طويلة، ممتلئة بالإعجاب الصريح، بل ولم يكتفِ بذلك، بل همس لرفاقه بكلمات مادحة عن عينيها الواسعتين، لتنطلق بينهم ضحكة خافتة استفزت كل أنش في رجولتي الناشئة

حينها، شعرتُ بدم يغلي في عروقي فجأة، وكأن شرارة نار قد أُلقيت في صدري. انقبضت قبضة يدي داخل جيب معطفي بقوة حتى كادت أظافري تخترق جلدي. التفتُّ نحو مريم بسرعة،

ووجدتُ وجنتيها قد صبغتا بلون وردي دافئ من الخجل والارتباك بسبب تلك النظرات. ذلك الخجل بالذات أشعل غيرتي أكثر؛ ظننتُ بغباء مراهق أنها ربما تكون قد أُعجبت باهتمامهم. توقفتُ عن السير فجأة وسط الممر المزدحم بالطلاب، والتفتُّ إليها بكامل جسدي، وحجبتُ برأسي الرؤية عن ذلك الشاب ورفاقه، وقلت لها بالعامية بنبرة حادة، ممتلئة بالحدة والتحكم الصبياني:

— "مريم.. ارفعي غطا المعطف على شعرك فوراً.. ومحمحش أشوفك بتبصي الناحية دي تاني، سامعة؟"

نظرتْ إليّ مريم وقتها بعينين متسعتين بدهشة طفولية عذبة، ولم تكن تتوقع هذه الثورة المفاجئة مني. حاولتْ أن تبتسم لتخفف من حدة الموقف، وقالت بصوت خافت يرتجف من الخجل:

— "في إيه يا أحمد؟ مالك قفشت كده ليه فجأة؟ دول زمايلنا في المدرسة ومفيش حاجة.."

قاطعتُها بلا تردد، وصوتي ينخفض ليصبح وشوشة حارقة ممتلئة بالغيرة العمياء التي لم أكن أستطيع السيطرة عليها:

— "بلا زمايلنا بلا زفت يا مريم! أنا قولت كلمتي وشعرك ده يتغطى حالاً، وملمحش عينيكي دي بتيجي في عين حد فيهم.. أنتي ليا أنا بس، ومحبش حد غريب يبصلك بالنظرات دي.. مفهوم؟"

ساد بيننا صمت قصير وسط ضجيج المدرسة. كانت أنفاسي المتسارعة تمتزج ببرودة الجو لتصنع ضباباً خفيفاً بين وجهينا المتقاربين. راقبتُ تفاصيل وجهها بدقة، وكنتُ أخشى في داخلي أن ترفض عنادي أو تثور ضد تحكمي، لكن ما حدث جعل قلبي يقفز فرَحاً؛

رأيتُ ابتسامة دافئة، ناعمة، وممتلئة بالرضا الأنثوي الخفي ترتسم على شفتيها الصغيرتين. أدركتْ مريم في تلك اللحظة أن قسوة كلماتي لم تكن إلا قناعاً يخفي خلفه عشقاً جارفاً وخوفاً طفولياً من الفقد. رفعت يديها الصغيرتين المرتجفتين من البرد، وببطء شديد، سحبت غطاء معطفها الصوفي الصغير لتغطي به خصلات شعرها الأسود، ثم نظرت إلى الأرض بخجل وقالت بنبرة

رقيقة كالموسيقى

— "حاضر يا أحمد.. مش هبص لغيرك تاني.. ارتحت؟

مشيتُ بجانبها يومها وأنا أشعر بأنني ملكتُ العالم كله في قبضة يدي. كانت غيرتي عليها هي دستوري،

وحق تملكي لبراءتها كان أمراً بديهياً لا يقبل النقاش. كنا طفلين نلعب بالحب دون أن ندري أن الأيام تخبئ لنا فصولاً من الصقيع والغربة، وأن تلك النظرات التي كنتُ أحميها بصدري ستصبح يوماً ملكاً لشخص آخر لا أعرفه.

عدتُ فجأة من سراديب تلك الذكرى الدافئة على صوت نادل الكافيه وهو يضع الفاتورة على الطاولة بجانبي، ملقياً بكلمات روتينية باردة ترحيباً بالعودة إلى الوطن. تنهدتُ بعمق، وشعرت بغصة الحاضر تخنقني بقوة أكبر بعد هذا السفر القصير في الماضي. أين ذهب ذلك الصبي الحاد الذي كان يملي شروطه بعناد؟ وأين ذهبت تلك الفتاة التي كانت تطيع غيرته بابتسامة خجولة؟

نظرتُ إلى هاتفي المحمول الملقى أمامي، حيث كان الحساب الشخصي لمريم يلمع على الشاشة البيضاء. مريم الطبيبة، امرأة الواحد والثلاثين عاماً، مريم التي أصبحت ملكاً لـ "سليم".. ذلك الغريب الذي يملك الآن حق الغيرة عليها،

وحق حمايتها، وحق النظر في عينيها كل صباح دون حواجز أو خجل. لقد تبدلت الأدوار تماماً؛ زمان، كنتُ أثور لو نظر إليها غريب في ممر المدرسة، واليوم، أنا الغريب الذي يجلس في ركن مظلم، يستجدي حساباً إلكترونياً ليطمئن عليها من بعيد لبعيد،

ويخفي عجز وانكسار روحه خلف ابتسامة مزيفة ورخيصة.

تذكرتُ كلماتي لها قبل قليل:

"خطيبك سليم ده أكيد شخص محظوظ جداً".. وكم كانت هذه الجملة تخرج من أحشائي كالجمر المشتعل. كيف سمحتُ للأيام أن تسلبني مكاني الحقيقي؟ وكيف تحولتُ من آمر ناهٍ بحكم الحب والغيرة، إلى شخص مهذب يبارك لفتاه

أحلامه على ارتباطها برجل آخر؟ الحزن الأسود الذي يغلف قلبي الآن ليس حزناً على فراقها فقط، بل هو حزن على فقدان ذاتي القديمة،

على ذلك الدفء

السكندري الذي دهسته عجلات قطار الغربة في أمريكا، وتركني مجرد هيكل لفنان مشهور، لوحاته تملأ المعارض الفخمة برسم الفقد، بينما حياته الحقيقية خالية وباردة كمرسم مهجور في الشتاء

جمعتُ أشيائي ببطء شديد، ودسستُ كراسة الرسم وقلم الرصاص في حقيبتي الجلدية. وقفتُ وأنا أشعر بثقل السنين الخمس عشرة يجثم فوق كتفي كجبل من الرصاص. نظرتُ النظرة الأخيرة إلى المقعد الفارغ، وتخيلتُ لو أنني صرختُ في وجهها عندما رن هاتفها: "لا تردي.. لا تذهبي إليه..

أنا أحمد حبيبيك القديم". لكن النضج اللعين، والوقار المفروض، وقواعد العالم العاقل، كلها قيود جعلتني أبتسم وأكذب وأتركها تمشي نحو مستقبلي الذي سرقه غيري.

خرجتُ من باب الكافيه، واستقبلني المطر السكندري الغزير بالخارج، ليمتزج بقطرات العرق الباردة على وجهي، وربما بدموع مخفية لم أجرؤ على إطلاقها أمام الناس. مشيتُ في الشارع المظلم بمفردي، أجر حقائبي وراء خطى متعثرة،

مدركاً في أعماق روحي أن هذه المدينة التي عدتُ إليها بعد كل هذه السنين لتستقبلني بمريم، قد أعطتني أثمن دروسها؛

أن بعض القطارات إذا غادرت المحطة، لا تعود أبداً، وأن رماد الذكرى قد يظل دافئاً لسنوات، لكنه لا يملك القدرة على إشعال جمر الحب من جديد بعد أن انطفأ في قلوب الآخرين.

طفل ترك لعبته قديماً، واليوم، اللعبة كبرت وأصبحت تدير حياتها الخاصة، وتتركه وحيداً تحت المطر، يبحث عن مريم القديمة في وجوه الغرباء، دون جدوى.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 10

    تفرق الحشد ببطء شديد مع اقتراب الساعة من منتصف الليل، وبدأت أنوار القاعة الشاهقة تنطفئ واحداً تلو الآخر، لتخيم عتمة دافئة على اللوحات المعلقة. كنتُ أقف في زاوية المرسم الفسيح، أساعد العمال في جمع بعض الكتيبات الفنية، وجسدي ينوء تحت ثقل إرهاق نفسي وعاطفي لم أختبره منذ سنوات. ظننتُ أن الليلة انطوت، وأن مريم غادرت مع سليم إلى حياتها البعيدة، تاركة خلفها طيفها يحرس لوحتي المحورية.لكن، ومثلما تفعل الصدف السكندرية دائماً، التفتُّ نحو الباب الزجاجي الرئيسي للمعرض، فوجدتها واقفة هناك بمفردها. كان معطفها الصوفي الأسود مبللاً بقطرات المطر الخفيفة، ويداها مدسوستان في جيوبها، وعيناها السوداوان ترقبانني بثبات هادئ وخجول، خالٍ من زحام الناس ومن وجود سليم. تحركت خطاي نحوها تلقائياً، مدفوعة بذهول مباغت وأمل طفلي استيقظ في صدري فجأة. اقتربتُ منها، وتوقفتُ على مسافة تفصل بيننا احتراماً لوقارها، وسألتها بالعامية بصوت خافت يملؤه التردد:— "مريم؟ أنتي لسه هنا؟ أنا افتكرتك مشيتي من بدري مع.. مع سليم."أنزلت مريم رأسها قليلاً، وظهرت على وجهها ذات الابتسامة الخجولة المرتبكة التي حفظتها في الطائرة، ثم رفع

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 9

    مرت سنتان كاملتان كأنهما دهر سرمدي من الصمت المطبق، والانعزال الاختياري، والعمل المتواصل الذي لا يرحم. سنتان قضيتُهما متنقلاً بين مرسمي البارد في نيويورك وبين شوارع الإسكندرية التي لم تعد تشبه شوارع طفولتنا، ألتهم الألوان الزيتية بعينين مجهدتين وأفرغ على قماش اللوحات الأبيض كل ذلك المخزون الباقي في أعماق روحي من الحزن المصفى والكسرة المفاجئة. لم يكن ذلك الحساب الإلكتروني الشخصي الذي أخذتُه منها ب يد مرتعشة في ذلك الكافيه المظلم سوى نافذة زجاجية باردة ومغلقة، أطل منها على فترات متباعدة ولحظات يأس شديد لأرى حياتها المستقرة الجديدة وهي تمضي بسلام وأمان بعيداً عني؛ رأيتُ صور عيادتها البيطرية وهي تتسع وتزدهر، ورأيتُ لقطات خاطفة لنجاحاتها الهادئة في الندوات، ولم أجرؤ طوال هذين العامين على إرسال رسالة واحدة أو حتى الضغط على زر التفاعل. كنتُ أحترم بمرارة شديدة ذلك الجدار المنيع والشرعي الذي بنته الأيام والظروف بيننا، وأكتفي في خفائي بأن أكون مجرد طيف باهت من الماضي البعيد يراقب في صمت خجول ويدعو لها بالخيرحتى جاء ذلك المساء الشتوي البارد من عام 2026، حيث كان معرضي الخاص الأكبر والمنتظر يُ

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 8

    بقيتُ في مكاني، متسمراً فوق ذلك المقعد الخشبي البارد، وعيناي معلقتان بالزجاج المغيم الذي تلاشت خلفه مريم منذ دقائق. كانت الطاولة أمامي تبدو كساحة معركة خاسرة؛ فنجان قهوتها الذي لم يبرد تماماً بعد والمقعد الشاغر الذي ما زال يحتفظ بشيء من أثرها، وكراسة رسمي الملقاة في زاوية الطاولة كجثة هامدة. مرارة الانكسار الحالي فتحت في عقلي مسام الذاكرة على مصراعيها، ولم أجد مفراً من هذا الألم سوى أن أهرب مجدداً إلى أزقة الماضي، إلى ذلك الزمن البعيد الذي كنتُ أملك فيه مريم بالكامل، وكان لي الحق في أن أحبها، وأن أحزن منها، وأن أغير عليها بغطرسة صبيانية لم أكن أدرك قيمتها الثمينة وقتهاانعقدت الغيوم في رأسي لتعيدني إلى الوراء خمسة عشر عاماً، تحديداً في شتاء سنتنا الأخيرة معاً في الإسكندرية. أتذكر ذلك الصباح الكانوني بوضوح شديد؛ كان الضباب يلف شوارع الحي، ونسمات الهواء الباردة تجبر الجميع على دثر أنفسهم بالمعاطف الصوفية الثقيلة. كنا نتمشى كعادتنا في ممرات المدرسة الثانوية المشتركة خلال فترة الاستراحة، وكانت مريم تسير بجانبي بمريولها الكحلي الواسع، وشعرها الأسود منسدل على كتفيها بطريقة خطفت أنظار ال

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 7

    كانت مريم تسترسل في حديثها العذب عن باريس، وعن قاعات الندوات والمحاضرات الدولية التي ألقت فيها كلماتها بثقة أذهلت الأطباء هناك. كنتُ غارقاً في تفاصيل ملامحها الناضجة، أستمع إلى نبرة صوتها التي أصبحت مزيجاً ساحراً من الوقار والرقة، وكان صدى أمواج البحر السكندري في الخارج يرتطم بالصخور بإيقاع منتظم ودافئ، يمتزج برائحة القهوة ونقر قطرات المطر الخفيفة التي بدأت تتساقط ببطء على زجاج الكافيه. في تلك اللحظات الثمينة، شعرتُ بارتياح عارم وعميق اجتاح كل زوايا روحي المغتربةوكأنني أستعيد حصتي المسروقة من الحياة والزمن. تمنيتُ في سري لو يتوقف بندول الساعة عند هذه الطاولة الخشبية الصغيرة، وألا تنتهي هذه الليلة أبداً، كأنني صبي صغير يحاول الاحتفاظ بأجمل أمنياته قبل أن يسرقها ضوء النهار العاقل.وفجأة، وبلا أي مقدمات، اهتز هاتفها المحمول الموضوع على الطاولة الخشبية بيننا. أضاءت الشاشة البيضاء في عتمة الركن المعزول معلنة عن اتصال لم أتبين اسمه في البداية، لكنني رأيتُ ملامح مريم تتغير في جزء من الثانية؛ تلاشت مسحة الشجن الدافئ والحديث المسترسل عن الماضي والطفولة، وحل محلها ارتباك سريع ومشوب بجدية طار

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 6

    انقطع حبل أفكاري المضطربة عندما دوى صوت قائد الطائرة عبر مكبرات الصوت، يعلن باللغتين الفرنسية والعربية عن بدء الهبوط التدريجي نحو مطار برج العرب بالإسكندرية. بدأت الطائرة تميل بزاوية خفيفة، وتخترق طبقات السحب الكثيفة لتظهر من تحتنا أضواء المدينة الساحلية متلألئة في عتمة الليل، كحبات لؤلؤ منثورة على شاطئ مألوف. شعرتُ بقبضة في قلبي؛ الوقت يمر أسرع مما أتمنى، والدقائق التي تفصلنا عن الأرض تعني أن هذه الفقرة الزمنية المعزولة أوشكت على الانتهاء. التفتُّ نحو مريم، التي كانت تنظر عبر النافذة بمزيج من الاشتياق والترقب، وبدا الخجل بيننا قد تراجع قليلاً ليحل محله حزن الوداع الوشيك. ابتلعتُ ريقي، واستجمعتُ شجاعتي لأسألها عن تفاصيل رحلتها التي لم نجد متسعاً لها وسط فيضان الذكريات، فقلت لها بالعامية بصوت خافت وهادئ: — "صحيح يا مريم.. إحنا اتكلمنا كتير عن الماضي وعن عيادتك، بس أنا مالحقتش أسألك.. أنتي كنتِ في فرنسا بتعملي إيه؟ إيه اللي جابك باريس الصيف ده؟" التفتتْ إليّ، وارتسمت على وجهها ابتسامة رقيقة هادئة تحمل وقار مهنتها، وقالت بنبرة خجولة: — "أنا كنت هناك في مهمة عمل سريعة.. بقيت دايما

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 5

    استيقظتُ فجأة على شهقة مكتومة انقبض لها صدري بقوة، وكأن الهواء قد سُحب دفعة واحدة من رئتي. كنتُ أتصبب عرقاً برغم برودة الطائرة، وقلبي يدق عنيفاً كمطر تشرين على زجاج قديم. الكابوس كان جاداً، يذكرني بكل ما هربت منه، ومرعباً لدرجة أنني شعرت بروح الصبي في داخلي تصرخ مستغيثة؛ رأيتُ نفسي في المطار، وسط زحام خانق، أجر حقائبي الكبيرة وأمشي مسرعاً ببرود نحو بوابة الصعود، وكأني اجري أو اهرب أو حتي اكرر ما حدث في الماضي بينما مريم كانت تقف خلف الحواجز الزجاجية، تضرب بيديها الرقيقتين على الزجاج وتنادي اسمي بصوت يخنقه البكاء. وكأنها ترجو أن تنتظر، أن أقف، أن اخذها معي، إلا اتركها وحيده رأيتها تنهار وتبكي بنفس الحرقة والكسرة التي تركتها عليها قديماً عند ناصية شارعنا الخريفي، تنظر إليّ بعينين عاتبتين تقولان: "لقد فعلتها ثانية يا أحمد.. تركتني مجدداً للضياع والوحدة، تركتني وحدي، والتفت ورحلت دون أن تلقي نظره ورائي " كنتُ في الحلم مسلوب الإرادة، كما كنت مسلوب الاراده قديما، ألتفت وأمشي ، أتركها وراء ظهري وأهجرها للمرة الثانية دون أن ترف لي جفن، دون أن يدق قلبي ب الم، ودون أن أضع في اعتبار

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status