共有

part 6

last update 公開日: 2026-07-02 17:38:05

انقطع حبل أفكاري المضطربة عندما دوى صوت قائد الطائرة عبر مكبرات الصوت، يعلن باللغتين الفرنسية والعربية عن بدء الهبوط التدريجي نحو مطار برج العرب بالإسكندرية. بدأت الطائرة تميل بزاوية خفيفة، وتخترق طبقات السحب الكثيفة لتظهر من تحتنا أضواء المدينة الساحلية متلألئة في عتمة الليل، كحبات لؤلؤ منثورة على شاطئ مألوف.

شعرتُ بقبضة في قلبي؛ الوقت يمر أسرع مما أتمنى،

والدقائق التي تفصلنا عن الأرض تعني أن هذه الفقرة الزمنية المعزولة أوشكت على الانتهاء. التفتُّ نحو مريم، التي كانت تنظر عبر النافذة بمزيج من الاشتياق والترقب،

وبدا الخجل بيننا قد تراجع قليلاً ليحل محله حزن الوداع الوشيك.

ابتلعتُ ريقي، واستجمعتُ شجاعتي لأسألها عن تفاصيل رحلتها التي لم نجد متسعاً لها وسط فيضان الذكريات، فقلت لها بالعامية بصوت خافت وهادئ:

— "صحيح يا مريم.. إحنا اتكلمنا كتير عن الماضي وعن عيادتك، بس أنا مالحقتش أسألك.. أنتي كنتِ في فرنسا بتعملي إيه؟ إيه اللي جابك باريس الصيف ده؟"

التفتتْ إليّ، وارتسمت على وجهها ابتسامة رقيقة هادئة تحمل وقار مهنتها، وقالت بنبرة خجولة:

— "أنا كنت هناك في مهمة عمل سريعة.. بقيت دايماً بتلقى دعوات رسمية من جمعيات وجامعات فرنسية مهتمة بالطب البيطري وحقوق الحيوان، عشان أحضر ندوات وأسمع محاضرات عن أحدث الأساليب العلاجية بره، وساعات بشارك برأيي في حلقات النقاش.. السفرية دي كانت عشان ندوة دولية في باريس."

قبل أن أسترسل في سؤالها، شعرتُ بالاهتزاز الخفيف لعجلات الطائرة وهي تلامس أرض المدرج بنجاح. تعالت أصوات الركاب من حولنا،

وبدأ الجميع في فك أحزمة الأمان وجمع الحقائب بنشاط وصخب، بينما تجمدتُ أنا في مقعدي. شعرتُ برعب حقيقي من أن تمشي مريم الآن وتختفي في زحام المطار كما حدث في كابوسي،

وأن يتحقق خوفي ب أن القدر سيفرقنا مرة أخرى بمجرد الهبوط. حلمي بأن أظل بجوارها، وأن أعرف عن مريم ذات الواحد والثلاثين عاماً كل شيء، كان يصرخ في داخلي ألّا أتركها تذهب بهذه السهولة.

تحركنا معاً في ممرات المطار لإنهاء الإجراءات وسط صمت متحفظ ومشوب بالقلق، حتى وصلنا إلى بوابة الخروج الخارجية حيث كان الهواء السكندري الرطب يلفح وجوهنا بنكهة اليود المألوفة. التفتُّ إليها قبل أن تطلب سيارة أجرة، وقلت ب نبرة سريعة ومترددة، يحثني خوف الفقد:

— "مريم.. أنا عارف إن الوقت متأخر وأكيد تعبانة من السفر.. بس أنا حقيقي مش عايز الرحلة تنتهي كده. في كافيه هادي قريب من هنا بيطل على البحر، ممكن نقعد فيه شوية؟ حابب أسمع تفاصيل أكتر عن محاضراتك وعن حياتك هناك.. لو مش هيضايقك طبعاً؟"

نظرتْ إليّ بعينيها الواسعتين، وظهر الارتباك اللطيف على ملامحها مجدداً، لكنها صمتت لثوانٍ وكأنها هي الأخرى تقاوم فكرة الفراق السريع.

أومأت برأسها بالموافقة في هدوء خجول، وشعرتُ براحة عارمة تجتاح صدري؛ لقد كسبتُ بعض الوقت معها قبل أن يسرقها الغياب مجدداً.

جلسنا في ركن معزول من الكافيه الهادئ، وكان صوت أمواج البحر بالخارج يرتطم بالصخور بإيقاع دافئ، يملأ الفراغات بين كلماتنا ويمنح المشهد ألفة افتقدناها طوال خمسة عشر عاماً. وضعت مريم حقيبتها جانباً، وشبكت أصابعها فوق الطاولة الخشبية، وبدأت تحكي لي عن تجربتها في فرنسا بشغف حقيقي غير ملامح الخجل في وجهها إلى ملامح امرأة واثقة وعالمة بما تفعل.

قالت وهي تنظر إلى فنجان قهوتها بالعامية:

— "عارف يا أحمد.. الندوات دي بتبقى مهمة جداً بالنسبة لي، مش بس عشان الشغل، لكن عشان بحس إن صوت الكائنات الضعيفة دي بيوصل. في فرنسا، الاهتمام بالتفاصيل الإنسانية في علاج الحيوانات بيخليني دايماً مبهورة. كنت بحضر المحاضرات وبسجل كل كلمة، "

ثم أكملت سريعا وكأنها لا تريد للمعلومات أن تهرب منها

"وساعات لما بيفتحوا باب المناقشة، كنت بكلمهم عن الحالات اللي بتجيلي العيادة في إسكندرية، وإزاي بنحاول بأمكانيات بسيطة نوفر لهم نفس الرعاية. النظرة في عيون الدكاترة هناك وهي بتسمع شغفي كانت بتخليني أحس بالفخر، وبأني قدرت أعمل حاجة حقيقية في حياتي."

ابتسمت لها في دفئ ثم أجبت عليها

" انا فخور اوي بيكي، انك مكتفايش بعيادتك وبس لا كمان مهامه تعرفي الدراسات الي بتتعمل بره "

رأيت الابتسامه ترسم علي وجهها ثم اجابت وهي تضع خصله من شعرها خلف أذنها " عايزه اعرف اكتر، عشان اساعد الحيوانات اكتر، نفسي اعمل ملاجئ للحيوانات الضاله، واساعدهم كلهم من قسوه الناس في الشارع، وافتح بابا التبني ليهم، عشان يعيشوا كلهم حياه كويسه في بيت دافئ، مش في الشارع، انت عارف اسكندريه بتبقا ساعه قد اي في الشتا، والكلاب والقطط بيبقوا

بيرتجفوا من السقعه دي ومحدش بيساعد خالص "

كنتُ أستمع إليها بكامل جوارحي، متكئاً بمرفقيّ على الطاولة، وعيناي لا تفارقان تفاصيل وجهها وهي تتحدث.

لم أكن أسمع فقط عن الطب والندوات، والحيوانات الضاله بل كنت أكتشف مريم الجديدة؛

مريم القوية، المثقفة، التي تسافر وتناقش وتثبت وجودها في مجتمع علمي دولي. الارتياح العارم الذي شعرتُ به بجوارها في الطائرة تضاعف الآن وأنا أرى نضجها الساحر.

تلاشت برودة الغربة تماماً في هذا الكافيه الصغير، وشعرتُ بأن الدنيا رغم كل قسوتها، قد منحتني أعظم هداياها الليلة؛ فرصة لأرى طفلتي القديمة وقد أصبحت امرأة يفخر بها الكون، فرصة لأقضي معها وقتاً أطول، متمنياً من كل قلبي ألا تنتهي هذه الليلة أبداً، وألا يتدخل القدر ليفرقنا مرة أخرى.

قبل أن تُباغتني هي بسؤال عابث بعيون شقيه

" وانت بقا كنت في فرنسا لي ؟ حبيبه جديده ولا اي "

ضحكت من ملئ قلبه، أسلوبها هذا نفس الأسلوب التي كانت تجعلني أقر به بكل ما اخفي قديما، ولهذا حققت مرادها ورضيت فصولها كما ارضت فضولي

مردفا " لا يا ستي مش حبيبه جديده، كان معرض جديد لمده خمستاشر يوم

وانتهي، وبدل ما ارجع ل امريكا قولت اجي هنا شهر اجازه، ابعد عن الرسم واللوحات شويه "

ومره اخري باغتت بسؤال فضولي

" يعني مش هترسم هنا خالص ؟ البحر والسماء والشروق والغروب والشجر

كل ده مش مخليك عايز ترسم"

فابتسمت لها قليلا وقد عاد شئ يضغط علي صدري من جديد، فكيف اشرح لها إن محتوي رسوماتي لا تضمن تلك الأشياء الجميله، بل تحمل البؤس والغدر

والهجران

لذا حاولت تبسيط الأمور لها وعدم الخوض في ذكري رحيلي عنها وتركها خلفي

مردفا " مش برسم الحاجات دي خالص، رسوماتي مختلفه انتي بس اللي مش متابعه "

فامائت لي برأسها، تشرب مشروبها بهدوء، ومأنها تفكر في سؤال اخر

يجعلني أقر باشياء اخري ويرضي فضولها كله، وكأنها لم تكن تريد الرحيل مثلي تماما، وكانت تحتاج تلك الجلسه كما احتاجها انا

ف الان وهنا وفي تلك اللحظه أشعر وكأن العالم انحصر حولي وحولها، وان

مريم وأحمد الصغيران، يجلسان بجانبنا في طاوله ما، يصلون لنا أن نُكمل تعارفنا ونكمل حكايتنا، والا نتركهما معلقين في صفحات الماضي التي لم تكمل

والا نتركهما ك ذكري اليمه لا نريد أن نتذكرها، كنت اتخيلهم يتوسلون لنا

أن نعطي بعض فرصه اخري، فرصه حقيقيه كشخصان بالغان

ولكن كل آمالهم وآمالي تحطمت عندما أردفت هي

= سليم خطيبي شكلوا خلاص وصل المطار، عشان يوصلني للبيت

ثم أكملت متجاهله الصدمه علي وجههي

= كانت فرصه سعيده اني قابلك

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 10

    تفرق الحشد ببطء شديد مع اقتراب الساعة من منتصف الليل، وبدأت أنوار القاعة الشاهقة تنطفئ واحداً تلو الآخر، لتخيم عتمة دافئة على اللوحات المعلقة. كنتُ أقف في زاوية المرسم الفسيح، أساعد العمال في جمع بعض الكتيبات الفنية، وجسدي ينوء تحت ثقل إرهاق نفسي وعاطفي لم أختبره منذ سنوات. ظننتُ أن الليلة انطوت، وأن مريم غادرت مع سليم إلى حياتها البعيدة، تاركة خلفها طيفها يحرس لوحتي المحورية.لكن، ومثلما تفعل الصدف السكندرية دائماً، التفتُّ نحو الباب الزجاجي الرئيسي للمعرض، فوجدتها واقفة هناك بمفردها. كان معطفها الصوفي الأسود مبللاً بقطرات المطر الخفيفة، ويداها مدسوستان في جيوبها، وعيناها السوداوان ترقبانني بثبات هادئ وخجول، خالٍ من زحام الناس ومن وجود سليم. تحركت خطاي نحوها تلقائياً، مدفوعة بذهول مباغت وأمل طفلي استيقظ في صدري فجأة. اقتربتُ منها، وتوقفتُ على مسافة تفصل بيننا احتراماً لوقارها، وسألتها بالعامية بصوت خافت يملؤه التردد:— "مريم؟ أنتي لسه هنا؟ أنا افتكرتك مشيتي من بدري مع.. مع سليم."أنزلت مريم رأسها قليلاً، وظهرت على وجهها ذات الابتسامة الخجولة المرتبكة التي حفظتها في الطائرة، ثم رفع

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 9

    مرت سنتان كاملتان كأنهما دهر سرمدي من الصمت المطبق، والانعزال الاختياري، والعمل المتواصل الذي لا يرحم. سنتان قضيتُهما متنقلاً بين مرسمي البارد في نيويورك وبين شوارع الإسكندرية التي لم تعد تشبه شوارع طفولتنا، ألتهم الألوان الزيتية بعينين مجهدتين وأفرغ على قماش اللوحات الأبيض كل ذلك المخزون الباقي في أعماق روحي من الحزن المصفى والكسرة المفاجئة. لم يكن ذلك الحساب الإلكتروني الشخصي الذي أخذتُه منها ب يد مرتعشة في ذلك الكافيه المظلم سوى نافذة زجاجية باردة ومغلقة، أطل منها على فترات متباعدة ولحظات يأس شديد لأرى حياتها المستقرة الجديدة وهي تمضي بسلام وأمان بعيداً عني؛ رأيتُ صور عيادتها البيطرية وهي تتسع وتزدهر، ورأيتُ لقطات خاطفة لنجاحاتها الهادئة في الندوات، ولم أجرؤ طوال هذين العامين على إرسال رسالة واحدة أو حتى الضغط على زر التفاعل. كنتُ أحترم بمرارة شديدة ذلك الجدار المنيع والشرعي الذي بنته الأيام والظروف بيننا، وأكتفي في خفائي بأن أكون مجرد طيف باهت من الماضي البعيد يراقب في صمت خجول ويدعو لها بالخيرحتى جاء ذلك المساء الشتوي البارد من عام 2026، حيث كان معرضي الخاص الأكبر والمنتظر يُ

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 8

    بقيتُ في مكاني، متسمراً فوق ذلك المقعد الخشبي البارد، وعيناي معلقتان بالزجاج المغيم الذي تلاشت خلفه مريم منذ دقائق. كانت الطاولة أمامي تبدو كساحة معركة خاسرة؛ فنجان قهوتها الذي لم يبرد تماماً بعد والمقعد الشاغر الذي ما زال يحتفظ بشيء من أثرها، وكراسة رسمي الملقاة في زاوية الطاولة كجثة هامدة. مرارة الانكسار الحالي فتحت في عقلي مسام الذاكرة على مصراعيها، ولم أجد مفراً من هذا الألم سوى أن أهرب مجدداً إلى أزقة الماضي، إلى ذلك الزمن البعيد الذي كنتُ أملك فيه مريم بالكامل، وكان لي الحق في أن أحبها، وأن أحزن منها، وأن أغير عليها بغطرسة صبيانية لم أكن أدرك قيمتها الثمينة وقتهاانعقدت الغيوم في رأسي لتعيدني إلى الوراء خمسة عشر عاماً، تحديداً في شتاء سنتنا الأخيرة معاً في الإسكندرية. أتذكر ذلك الصباح الكانوني بوضوح شديد؛ كان الضباب يلف شوارع الحي، ونسمات الهواء الباردة تجبر الجميع على دثر أنفسهم بالمعاطف الصوفية الثقيلة. كنا نتمشى كعادتنا في ممرات المدرسة الثانوية المشتركة خلال فترة الاستراحة، وكانت مريم تسير بجانبي بمريولها الكحلي الواسع، وشعرها الأسود منسدل على كتفيها بطريقة خطفت أنظار ال

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 7

    كانت مريم تسترسل في حديثها العذب عن باريس، وعن قاعات الندوات والمحاضرات الدولية التي ألقت فيها كلماتها بثقة أذهلت الأطباء هناك. كنتُ غارقاً في تفاصيل ملامحها الناضجة، أستمع إلى نبرة صوتها التي أصبحت مزيجاً ساحراً من الوقار والرقة، وكان صدى أمواج البحر السكندري في الخارج يرتطم بالصخور بإيقاع منتظم ودافئ، يمتزج برائحة القهوة ونقر قطرات المطر الخفيفة التي بدأت تتساقط ببطء على زجاج الكافيه. في تلك اللحظات الثمينة، شعرتُ بارتياح عارم وعميق اجتاح كل زوايا روحي المغتربةوكأنني أستعيد حصتي المسروقة من الحياة والزمن. تمنيتُ في سري لو يتوقف بندول الساعة عند هذه الطاولة الخشبية الصغيرة، وألا تنتهي هذه الليلة أبداً، كأنني صبي صغير يحاول الاحتفاظ بأجمل أمنياته قبل أن يسرقها ضوء النهار العاقل.وفجأة، وبلا أي مقدمات، اهتز هاتفها المحمول الموضوع على الطاولة الخشبية بيننا. أضاءت الشاشة البيضاء في عتمة الركن المعزول معلنة عن اتصال لم أتبين اسمه في البداية، لكنني رأيتُ ملامح مريم تتغير في جزء من الثانية؛ تلاشت مسحة الشجن الدافئ والحديث المسترسل عن الماضي والطفولة، وحل محلها ارتباك سريع ومشوب بجدية طار

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 6

    انقطع حبل أفكاري المضطربة عندما دوى صوت قائد الطائرة عبر مكبرات الصوت، يعلن باللغتين الفرنسية والعربية عن بدء الهبوط التدريجي نحو مطار برج العرب بالإسكندرية. بدأت الطائرة تميل بزاوية خفيفة، وتخترق طبقات السحب الكثيفة لتظهر من تحتنا أضواء المدينة الساحلية متلألئة في عتمة الليل، كحبات لؤلؤ منثورة على شاطئ مألوف. شعرتُ بقبضة في قلبي؛ الوقت يمر أسرع مما أتمنى، والدقائق التي تفصلنا عن الأرض تعني أن هذه الفقرة الزمنية المعزولة أوشكت على الانتهاء. التفتُّ نحو مريم، التي كانت تنظر عبر النافذة بمزيج من الاشتياق والترقب، وبدا الخجل بيننا قد تراجع قليلاً ليحل محله حزن الوداع الوشيك. ابتلعتُ ريقي، واستجمعتُ شجاعتي لأسألها عن تفاصيل رحلتها التي لم نجد متسعاً لها وسط فيضان الذكريات، فقلت لها بالعامية بصوت خافت وهادئ: — "صحيح يا مريم.. إحنا اتكلمنا كتير عن الماضي وعن عيادتك، بس أنا مالحقتش أسألك.. أنتي كنتِ في فرنسا بتعملي إيه؟ إيه اللي جابك باريس الصيف ده؟" التفتتْ إليّ، وارتسمت على وجهها ابتسامة رقيقة هادئة تحمل وقار مهنتها، وقالت بنبرة خجولة: — "أنا كنت هناك في مهمة عمل سريعة.. بقيت دايما

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 5

    استيقظتُ فجأة على شهقة مكتومة انقبض لها صدري بقوة، وكأن الهواء قد سُحب دفعة واحدة من رئتي. كنتُ أتصبب عرقاً برغم برودة الطائرة، وقلبي يدق عنيفاً كمطر تشرين على زجاج قديم. الكابوس كان جاداً، يذكرني بكل ما هربت منه، ومرعباً لدرجة أنني شعرت بروح الصبي في داخلي تصرخ مستغيثة؛ رأيتُ نفسي في المطار، وسط زحام خانق، أجر حقائبي الكبيرة وأمشي مسرعاً ببرود نحو بوابة الصعود، وكأني اجري أو اهرب أو حتي اكرر ما حدث في الماضي بينما مريم كانت تقف خلف الحواجز الزجاجية، تضرب بيديها الرقيقتين على الزجاج وتنادي اسمي بصوت يخنقه البكاء. وكأنها ترجو أن تنتظر، أن أقف، أن اخذها معي، إلا اتركها وحيده رأيتها تنهار وتبكي بنفس الحرقة والكسرة التي تركتها عليها قديماً عند ناصية شارعنا الخريفي، تنظر إليّ بعينين عاتبتين تقولان: "لقد فعلتها ثانية يا أحمد.. تركتني مجدداً للضياع والوحدة، تركتني وحدي، والتفت ورحلت دون أن تلقي نظره ورائي " كنتُ في الحلم مسلوب الإرادة، كما كنت مسلوب الاراده قديما، ألتفت وأمشي ، أتركها وراء ظهري وأهجرها للمرة الثانية دون أن ترف لي جفن، دون أن يدق قلبي ب الم، ودون أن أضع في اعتبار

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status