مشاركة

الفصل 6

مؤلف: الشجرة الباسقة
أدرك أيمن متأخّرًا أن فاتن قد جرّته إلى حلبة الرقص.

حين بدأت الموسيقى، كان يضمّ خصرها لكنه لا يملك نفسه من النظر إلى رنا في الزاوية.

كانت واقفةً أمام طاولة الطعام، تتناول الكعك بلقمات صغيرة، وجهها هادئ وعيناها باردتان، كمن يحضر حفلة غريب.

أحسّت فاتن بشرود ذهنه فضاقت: "ما دمت مهتمًّا بها إلى هذا الحدّ، فاذهب إليها، وأنا سأرقص مع رجل آخر."

ثم أطلقت يد أيمن واستدارت نحو رجل يرتدي بدلةً بيضاء.

كان ذلك الرجل زميل فاتن في الجامعة، يحبّها منذ زمن، فلمّا رآها تقترب منه، مدّ يده بحماس.

وضعت فاتن يدها في يده وانسابا إلى حلبة الرقص.

وقف أيمن في مكانه يرقب فاتن وذلك الرجل يتحدّثان ويضحكان، وراح وجهه يتكدّر شيئًا فشيئًا.

كأن فاتن تستفزّه عمدًا، فراحت تقترب من الرجل أكثر فأكثر، حتى انحنى أخيرًا وقبّل خدّها.

"طاخ!" تحطّم كأس أيمن في يده.

سال الدم ممزوجًا بالخمر، لكنه لم يحسّ بالألم.

اندفع نحوهما وأمسك بمعصم فاتن وسحبها من حلبة الرقص.

"أيمن! ماذا تفعل؟! أطلق سراحي!" كافحت فاتن.

لم يتكلّم أيمن، وكان وجهه شاحبًا من الغضب، وكاد يجرّ فاتن جرًّا خارج القاعة إلى الشرفة الفسيحة الخالية.

ضغط عليها على الدرابزين الباردة وكبح غضبًا هائجًا: "فاتن، أتعرفين الحياء؟!"

ذهلت فاتن من صراخه، ثم اشتعلت هي أيضًا وأطاحت بيده بقوة: "أنا لا أعرف الحياء؟! أنا غير متزوّجة وهو غير متزوّج، ونحن بإرادتنا، ما المشكلة؟ أيمن، من أنا لك؟ بأيّ صفة تتدخّل؟ صفة الحبيب السابق؟ أم صفة زوج امرأة أخرى؟!"

"أنت...!"

أشعل كلامها في عينيه جمرًا، وانقطع خيط عقله في تلك اللحظة.

نظر إلى ذلك الوجه الذي أحبّه سنوات طويلة، فاندفع فيه مزيج من الغيرة الشديدة والأنفة وعاطفة معقّدة لا يستطيع تسميتها، فاجتاح كل حواجزه.

انحنى فجأةً وقبّل شفتي فاتن بعنف!

لم تكن قبلةً رقيقة، بل كانت قبلة عقاب وانتزاع، قاسيةً متسلّطة.

تصلّبت فاتن لحظةً، ثم برق في عينيها بريق انتصار، فلم تقاوم، بل مدّت يديها وأمسكت برقبته وبادلته القبلة بحرارة.

كان زجاج الشرفة مصنفراً لا يرى من خلالها الناس بوضوح، لكن رنا كانت واقفةً في زاوية، ومن خلال شقّ في الزجاج رأت كل شيء بوضوح.

رأت أيمن يقبّل فاتن، ورأت فاتن تمسك برقبته، ورأتهما يتعانقان في قبلة طويلة.

لم يكن في داخلها ألم، بل إحساس بالسخرية المخدّرة.

طالت تلك القبلة حتى أعيا كلاهما.

دفع أيمن فاتن فجأةً، كأنه صحا من حلم، فنظر إلى شفتيها الحمراوين اللامعتين وعينيها الفاترتين، وارتجّ قلبه، ثم غمره فزع وكره لنفسه.

"آسف،" حوّل وجهه وكان صوته أجشّ يكاد يكون توسّلًا، في نبرة هروب خائب، "أنا... شربت كثيرًا. ظننتك رنا."

لم تصدّق فاتن هذا التبرير بالطبع، فتقدّمت خطوةً وأمسكت بخصره ورفعت وجهها إليه وفي صوتها بكاء وتوسّل: "لم يكن في قلبك رنا قطّ، كيف تخلط بيني وبينها؟ لا تخدع نفسك بعد الآن. ما زلت تحبّني، لا تستطيع أن تتركني!"

"أيمن حبيبي، لنتوقّف عن تعذيب بعضنا. أريد منك الطلاق من رنا، ثم العودة إلي، وأقسم أنني لن أكون متقلّبةً كما كنت، وسأحبّك وأكون زوجتك الحقيقية، حسنًا؟"

طلاق؟ عودة؟

دوّت الكلمتان في أذني أيمن كالرعد.

دفع فاتن بعيدًا كأنه لمس جمرًا وصاح: "ماذا تقولين؟! لن أطلّق رنا!"

"لماذا؟ لأنها تبعتك كالكلب خمس سنوات؟" صاحت فاتن، "أيمن، إلى متى ستهرب من مشاعرك؟ إن لم يكن في قلبك شيء نحوي، فأنا أفضّل الموت!"

ثم استدارت نحو حافة الشرفة كأنها تريد القفز فعلًا.

"فاتن! هل جننت؟!" شحب وجه أيمن وسارع نحوها.

في تلك اللحظة، أصدرت الثريّا الكريستالية الضخمة المعلّقة في السقف صوت طقطقة لا تحتمل، ثم سقطت بقوة نحو الأسفل! وكان مكان سقوطها فوق رأس فاتن مباشرةً!

"انتبهي!"

تقلّصت حدقتا أيمن وبلا تفكير احتضن فاتن بجسده وتدحرج جانبًا!

"طاخ... تحطّم!"

ارتطمت الثريّا الثقيلة بالأرض وتفتّتت وتطايرت شظاياها.

خدشت بعض الشظايا الكبيرة ظهر أيمن وفاض الدم فورًا يحمرّ بدلته الغالية.

"أيمن حبيبي! كيف حالك؟ أنت تنزف!" صاحت فاتن مذعورةً باكيةً.

تحرّك ضيوف الحفل على صوت الارتطام الهائل وتدفّقوا نحو الشرفة وعمّت الفوضى.

طلب بعضهم الإسعاف، وتقدّم آخرون للمساعدة.

وقفت رنا في أطراف الحشد، ولم يتحرّك شيء في داخلها، ولم تر في المشهد أمامها إلا مهزلةً مثيرةً للغثيان.

لم تتقدّم، ولم تسأل، ولم تتوقّف لحظةً واحدة.

في صوت صفارات الإسعاف الصاخبة، استدارت في هدوء.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 24

    انتهى التسجيل الصوتي هنا، ليعاد تشغيله تلقائيًا."أيمن، اليوم هو عيد ميلادك، لقد صنعت كعكة، وبانتظار عودتك لنأكلها معًا.""مهما تأخر الوقت، سأنتظرك."مرة تلو الأخرى.في تلك الأعياد التي لا تحصى والتي نسيها، كانت تجلس بمفردها تحرس قالب الحلوى، تنتظر حتى منتصف الليل، ثم حتى الفجر، وفي النهاية لم يكن أمامها سوى أن تأكل بمفردها، وبصمت، الكريمة الذائبة والخبز الذي أصبح جافًا وقاسيًا.أخذ أيمن يستمع، والدموع تتدفق بلا انقطاع من مآقيه الجافة.كان ينظر إلى السقف، وبدأت نظراته تتشتت وتفقد بريقها تدريجيًا، لكن زاوية فمه ارتفعت قليلًا وبشكل خفيف للغاية.وكأنه تذكر شيئًا جميلًا للغاية.استجمع آخر ما تبقى له من قوة، وبصوت مبحوح يكاد لا يسمع، وجه بضع كلمات صامتة إلى الهواء، وإلى إطار الصورة البارد في حضنه، وإلى ذلك التسجيل الصوتي الذي يعاد تشغيله في حلقة مفرغة، ولن يلقى ردًا أبدًا."...رنا...""...عيد ميلاد سعيد..."كان صوته منخفضًا لدرجة لا تسمع، وسرعان ما تبدد في الهواء البارد.انزلق إطار الصورة من بين يديه، وسقط على اللحاف الناعم محدثًا صوتًا خافتًا.ومن الهاتف القديم، كان صوت رنا السعداوي العذب

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 23

    بعد مرور عدة سنوات.جزيرة خاصة في مكان ما من البحر الأبيض المتوسط.أشعة شمس، ورمال ذهبية، ومياه زرقاء صافية، ومبان بيضاء ناصعة.كان كل شيء يبدو وكأنه لوحة مرسومة على بطاقة بريدية.هنا أقيم حفل زفاف رنا السعداوي.كان الحفل صغيرًا ودافئًا، ولم يدع إليه سوى أفراد العائلة والأصدقاء المقربين.كانت ترتدي فستان زفاف أبيض ناصعًا، بتصميم بسيط وأنيق دون ذيل طويل، لكنه حدد خصرها النحيل وخطوط عنقها وكتفيها الجميلة ببراعة فائقة.وكانت طرحة زفافها ذات لون شمبانيا خفيف، تلمع ببريق ناعم تحت أشعة الشمس.وقفت تحت قوس من الزهور، ممسكة بباقة من زنابق الوادي البيضاء، وهي تبتسم بابتسامة مشرقة وساحرة.وكان يشع من عينيها فرح حقيقي وسلام لا يشوبه أي كدر.وقف العريس بجانبها مرتديًا بدلة بيضاء، وعيناه العميقتان ترمقانها بنظرات دافئة، تفيض بحب جارف يكاد ينطق من فرط عمقه.بدأ الكاهن يتلو عهود الزواج بصوت وقور."يا آنسة رنا، هل تقبلين السيد بسام الأنصاري زوجًا لك، لتسانديه وتعتني به وتحترميه، في السراء والضراء، في الغنى والفقر، في الصحة والمرض، وتظلي وفية له ومخلصة طوال العمر حتى يفرقكما الموت؟"التفتت رنا ونظرت إل

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 22

    حل خريف آخر.وأقيم حفل عشاء خيري كبير في قاعة الاحتفالات بأفخم فندق في وسط المدينة.وحضرت رنا الحفل كضيفة خاصة ومستشارة شرفية.وكانت "مؤسسة رنا الخيرية" التابعة لأيمن هي إحدى الجهات المنظمة لهذا الحفل.وقبل بدء الحفل، كان الممر الخلفي يعج بالناس، حيث يتنقل الموظفون والضيوف والصحفيون باستمرار.كانت رنا تتحدث بصوت منخفض مع مدير المؤسسة حول تفاصيل الكلمة التي ستلقيها على المسرح بعد قليل، بينما كانت تمشي باتجاه غرفة الاستراحة.وعندما انعطفت عند زاوية الممر، واجهت شخصًا يسير نحوها.كان نحيل الجسد، يرتدي بدلة سوداء ملائمة لكنها تبدو قديمة بعض الشيء، وشعره مصفف بدقة متناهية، ممسكًا بملف في يده وهو ينظر إليه برأسه المنحني.وفي الممر الضيق، تلاقت أعينهما فجأة دون سابق إنذار.رفع الرجل رأسه.التقت نظراتهما.وبدا وكأن الزمن قد توقف في تلك اللحظة.تجمد أيمن في مكانه على الفور، مثل تمثال تجمد في لحظة.وسقط الملف من يده على الأرض بصوت حاد.حدق في الشخص الذي أمامه بشوق جارف، وكأنه يريد أن ينحت ملامحها في نخاع عظامه.لم يرها منذ عدة سنوات، وقد ازدادت جمالاً.لم يكن ذلك الجمال الضعيف للفتيات الذي يحتاج

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 21

    بعد بضع سنوات.انعقد المنتدى الدولي المرموق للترجمة في بلد أجنبي.واجتمع فيه نخبة من كبار المترجمين، والأكاديميين، والشخصيات السياسية البارزة من جميع أنحاء العالم.وبصفتها أصغر عضو مجلس إدارة شرفي وكبيرة المترجمين الفوريين، تمت دعوة رنا لإلقاء الكلمة الافتتاحية الرئيسية.وتحت أضواء تسليط الضوء، كانت ترتدي بدلة أنيقة بلون الأبيض اللؤلؤي، وقد رفعت شعرها الطويل بأناقة، كاشفة عن جبينها الناصع وعنقها الطويل الممشوق.وقفت خلف المنصة، تواجه الحشد الغفير وعدسات الكاميرات التي لا تحصى وهي تومض، وتحدثت بهدوء وثقة ودون أي توتر.كانت تتنقل بطلاقة بين الفرنسية والإنجليزية والصينية، طارحةً آراءً حادة ورؤى فريدة، مستشهدةً بالمصادر والأمثلة بكل سهولة ويسر.واثقة، وأنيقة، ومحترفة.فكانت بحق مركز اهتمام الجميع في القاعة بأكملها.وما إن أنهت كلمتها حتى دوت القاعة بتصفيق حار كالعاصفة، تواصل دون انقطاع.صعد باحث شاب أنيق يرتدي بدلة رمادية داكنة ويتمتع بوقار العلماء إلى المسرح، حاملًا باقة من زهور الياسمين الأبيض، وقدمها إليها.وتبادلا الابتسام في انسجام وتفاهم تام.وتتعالى أصوات التقاط الصور من الحضور، لتس

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 20

    في سيارة الإسعاف، كان المسعفون يعالجون الجرح ويراقبون العلامات الحيوية.جلست رنا بجانبه ويداها ومعطفها مغطّاة بدم أيمن، دم لزج دافئ تفوح منه رائحة الحديد الثقيلة.نظرت إلى ذلك الرجل على النقّالة، وجهه شاحب كالورق وعيناه مغمضتان وهو ضعيف لا يعرف، ووجهها لم يتغيّر، فقط خطّ شفتيه المطبقتين يفصح عن شد خفيّ.كان أيمن في غيبوبته يهذي دون وعي."رنا... آسف...""الطفل... آسف...""لا ترحلي... لا تتركيني..."صوت متشقّق فيه يأس كصوت محتضر.حوّلت رنا وجهها نحو النافذة، وجانبها في الأضواء المتناوبة بدا صلبًا بارد الملامح.وصلوا المستشفى فأدخل أيمن مباشرةً غرفة العمليات.أضيء ضوء العمليات.جلست رنا على مقعد في الممرّ ويداها ومعطفها لا يزالان ملطّخين بالدم المتجمّد الذي صار لونه أحمر داكنًا.لم تذهب لتنظّف، جلست في هدوء تنظر إلى باب غرفة العمليات الموصد.مرّ الوقت دقيقةً دقيقة.لا يعرف كم من الوقت مضى حتى فتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب ووجهه عابس."المريض جرحه بالغ، طعنة أصابت الطحال وأخرى اخترقت الأمعاء، فقد دمًا كثيرًا والوضع لا يبشّر بالخير.""وأيضًا،" توقّف الطبيب ونظر إلى رنا، "إرادة المريض في

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 19

    أمسك المساعد بالهاتف والتفت إلى ذلك الرجل في غرفة المستشفى، الذي يتعيّش بالذكريات والمحاليل الغذائية وقد أنهكه المرض وخلت عيناه من كل نور، فانعقد لسانه ولم يستطع الكلام.بعد عام.بفضل أدائها المتميز في العمل، أعيدت رنا من الخارج إلى البلاد بقرار من المقرّ الرئيسي، للمشاركة في ترجمة مؤتمر دولي مهمّ.كان المؤتمر في مركز المعارض الأرقى في وسط المدينة.حين علم أيمن بالخبر كان في اجتماع.انحنى مساعده وهمس له بكلمات قليلة، فتوقّف قلمه الذي كان يمسكه ورسم خطًّا طويلًا على الوثيقة.صمت طويلًا ثم أشار بيده ليستمرّ الاجتماع.لكن في النصف الثاني من الاجتماع كان واضحًا أن ذهنه في مكان آخر وعيناه تتجهان إلى النافذة مرارًا.حين انتهى الاجتماع، أغلق على نفسه في مكتبه ودخّن علبة سجائر كاملة.ثم طلب من شخص ما أن يشتري له تصريح دخول خاصًّا للمؤتمر.يوم المؤتمر، جلس في آخر صفّ وأبعد زاوية في القاعة، يرتدي قبّعةً وكمامةً يخفي بهما نفسه في الظلّ.لم يجرؤ على الاقتراب ولم يجرؤ على الإزعاج.اكتفى بهذا، بالاختباء والنظر من بعيد، لمحةً واحدة.حين بدأ المؤتمر، جلست رنا بوصفها إحدى المترجمات الفوريات في الكابينة

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status