Share

الفصل 7

Penulis: الشجرة الباسقة
دخل أيمن المستشفى.

لم تذهب رنا لزيارته.

بقيت في البيت وحدها، تقرأ وتشاهد الأفلام وترتّب حقائبها.

حتى جاءها ذلك المساء اتصال مفاجئ من مدير المنزل.

"سيدتي، هل يمكنك المجيء إلى المستشفى لرؤية السيد؟ عادت إليه آلام المعدة، والدواء الذي وصفه الطبيب لم ينفع. إنه يتعرّق من الألم ولا يسمح للممرّضات بالاقتراب، وكنت دائمًا من يخفّف عنه بالتدليك حتى يرتاح... لم نجد حلًّا آخر، أرجوك..."

مشت رنا إلى النافذة وأطلّت على المدينة التي ابتلعها المطر كليًّا، والقطرات تقرع الزجاج بعنف كأنها تريد أن تغرق العالم.

انتظرت حتى انتهى مدير المنزل من كلامه، ثم تكلّمت بهدوء: "المطر شديد، لن أخرج."

صمت الطرف الآخر لثوان طويلة، ثم جاء الصوت متلعثمًا كأنه لم يصدّق ما سمع: "سيدتي... ماذا قلت؟"

"قلت إن المطر شديد ولا أريد الخروج. لن أذهب الليلة."

"لكن السيد..."

"أنا ذاهبة للنوم." قاطعته رنا، "تصبح على خير."

أغلقت الخط، وأطفأت هاتفها، وذهبت إلى السرير، ولم تعد تكترث بأي شيء.

في اليوم التالي، خرج أيمن من المستشفى مبكّرًا وعاد إلى الفيلا.

كان وجهه لا يزال شاحبًا قليلًا، فلمّا رأى رنا جالسةً على الأريكة في الصالة تقرأ، توقّف خطوه ثم اقترب منها ووقف أمامها.

"أمس..." بدأ يتكلّم بصوت خافت وعيناه ثقيلتان عليها، "اتصل بك مدير المنزل؟"

"نعم." قلّبت رنا صفحةً ولم ترفع رأسها.

"لماذا لم تأتي؟" سأل أيمن وفي نبرته كبت لشيء ما، "في السابق... مهما كان الطقس، حتى لو قلت بكلمة واحدة إنني لا أشعر بالراحة، كنت تأتين فورًا."

توقّفت رنا عن تقليب الصفحات. رفعت رأسها أخيرًا ونظرت إلى أيمن، وعيناها هادئتان لا موجة فيهما.

"أنت نفسك قلت إن ذلك كان في السابق." نظرت إليه وكان صوتها خافتًا لكنه يقرع قلب أيمن كمطرقة صغيرة، "أيمن، الناس يتغيّرون."

فتح أيمن فمه يريد أن يقول شيئًا، فلم يجد ما يقوله.

نعم، الناس يتغيّرون.

رنا تغيّرت.

لكنه لا يعرف لماذا تغيّرت، ولا متى.

هذا الإدراك ملأه بقلق لم يعرفه من قبل.

ظنّ أنها غاضبة من إنقاذه فاتن وإصابتها في الحريق، وأنها تعاقبه بالصمت.

"بعد أيام،" حاول تخفيف التوتّر وكأنه يريد إثبات شيء، "ذكرى زواجنا. ألم تقولي دائمًا إنك تريدين الاحتفال بها؟ هذا العام سأقيم لك حفلةً وأدعو الجميع، كيف ذلك؟"

قال ذلك وهو يراقب ردّ فعل رنا.

لكن رنا نظرت إليه: "كما تشاء."

"كما تشاء" مجدّدًا.

عاد الضيق يملأ صدر أيمن.

لكنه شرع في التحضير للحفلة.

حجز أفخر فندق، واستعان بأفضل منظّم، وطلب لـرنا أغلى فستان، واشترى أثمن المجوهرات.

يوم الحفلة، ارتدت رنا الفستان الذي اختاره وتحلّت بتلك الماسات الثمينة، وأمسكت بذراعه ودخلا قاعة الحفلة.

نظر إليها الجميع بإعجاب.

"يا له من سعادة لزوجة أيمن!"

"كم هو لطيف معها!"

"يقولون إن تلك المجوهرات اشتراها في مزاد بعشرات الملايين!"

سمعت رنا تلك الهمسات وعلى وجهها ابتسامة لائقة، لكن لم يتحرّك شيء في داخلها.

في منتصف الحفلة، ذهبت إلى الشرفة لتتنسّم الهواء.

لم تمكث طويلًا حتى سمعت خطوات خلفها.

كانت فاتن.

"كيف أتيت؟" استدارت رنا تنظر إليها.

"أيمن حبيبي دعاني." اتّكأت فاتن على الدرابزين، "قال إن اليوم ذكرى زواجكما وأراد مني أن أشهد سعادتكما."

ثم ضحكت: "رنا، هل أنت سعيدة؟"

لم تردّ رنا.

اقتربت فاتن منها: "أعرف أنك لست سعيدة. قلب أيمن لي وحدي، وأنت لا تعدين كونك بديلةً بائسةً مضحكة! أمس ليلًا هو..."

"فاتن،" فتحت رنا فمها أخيرًا وقاطعتها، وكان صوتها هادئًا بشكل مخيف، "هل تعلمين؟ أنت مزعجة جدًّا وبائسة جدًّا. كطفلة تتمرّغ على الأرض لأنها لم تحصل على حلوى. ما بيني وبين أيمن شأننا. أما أنت..."

"فاشلة تعيش في الماضي، وتحتاج إلى استفزاز الآخرين لتثبت وجودها، لا تستحقّ أن أهدر فيها أي مشاعر."

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 24

    انتهى التسجيل الصوتي هنا، ليعاد تشغيله تلقائيًا."أيمن، اليوم هو عيد ميلادك، لقد صنعت كعكة، وبانتظار عودتك لنأكلها معًا.""مهما تأخر الوقت، سأنتظرك."مرة تلو الأخرى.في تلك الأعياد التي لا تحصى والتي نسيها، كانت تجلس بمفردها تحرس قالب الحلوى، تنتظر حتى منتصف الليل، ثم حتى الفجر، وفي النهاية لم يكن أمامها سوى أن تأكل بمفردها، وبصمت، الكريمة الذائبة والخبز الذي أصبح جافًا وقاسيًا.أخذ أيمن يستمع، والدموع تتدفق بلا انقطاع من مآقيه الجافة.كان ينظر إلى السقف، وبدأت نظراته تتشتت وتفقد بريقها تدريجيًا، لكن زاوية فمه ارتفعت قليلًا وبشكل خفيف للغاية.وكأنه تذكر شيئًا جميلًا للغاية.استجمع آخر ما تبقى له من قوة، وبصوت مبحوح يكاد لا يسمع، وجه بضع كلمات صامتة إلى الهواء، وإلى إطار الصورة البارد في حضنه، وإلى ذلك التسجيل الصوتي الذي يعاد تشغيله في حلقة مفرغة، ولن يلقى ردًا أبدًا."...رنا...""...عيد ميلاد سعيد..."كان صوته منخفضًا لدرجة لا تسمع، وسرعان ما تبدد في الهواء البارد.انزلق إطار الصورة من بين يديه، وسقط على اللحاف الناعم محدثًا صوتًا خافتًا.ومن الهاتف القديم، كان صوت رنا السعداوي العذب

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 23

    بعد مرور عدة سنوات.جزيرة خاصة في مكان ما من البحر الأبيض المتوسط.أشعة شمس، ورمال ذهبية، ومياه زرقاء صافية، ومبان بيضاء ناصعة.كان كل شيء يبدو وكأنه لوحة مرسومة على بطاقة بريدية.هنا أقيم حفل زفاف رنا السعداوي.كان الحفل صغيرًا ودافئًا، ولم يدع إليه سوى أفراد العائلة والأصدقاء المقربين.كانت ترتدي فستان زفاف أبيض ناصعًا، بتصميم بسيط وأنيق دون ذيل طويل، لكنه حدد خصرها النحيل وخطوط عنقها وكتفيها الجميلة ببراعة فائقة.وكانت طرحة زفافها ذات لون شمبانيا خفيف، تلمع ببريق ناعم تحت أشعة الشمس.وقفت تحت قوس من الزهور، ممسكة بباقة من زنابق الوادي البيضاء، وهي تبتسم بابتسامة مشرقة وساحرة.وكان يشع من عينيها فرح حقيقي وسلام لا يشوبه أي كدر.وقف العريس بجانبها مرتديًا بدلة بيضاء، وعيناه العميقتان ترمقانها بنظرات دافئة، تفيض بحب جارف يكاد ينطق من فرط عمقه.بدأ الكاهن يتلو عهود الزواج بصوت وقور."يا آنسة رنا، هل تقبلين السيد بسام الأنصاري زوجًا لك، لتسانديه وتعتني به وتحترميه، في السراء والضراء، في الغنى والفقر، في الصحة والمرض، وتظلي وفية له ومخلصة طوال العمر حتى يفرقكما الموت؟"التفتت رنا ونظرت إل

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 22

    حل خريف آخر.وأقيم حفل عشاء خيري كبير في قاعة الاحتفالات بأفخم فندق في وسط المدينة.وحضرت رنا الحفل كضيفة خاصة ومستشارة شرفية.وكانت "مؤسسة رنا الخيرية" التابعة لأيمن هي إحدى الجهات المنظمة لهذا الحفل.وقبل بدء الحفل، كان الممر الخلفي يعج بالناس، حيث يتنقل الموظفون والضيوف والصحفيون باستمرار.كانت رنا تتحدث بصوت منخفض مع مدير المؤسسة حول تفاصيل الكلمة التي ستلقيها على المسرح بعد قليل، بينما كانت تمشي باتجاه غرفة الاستراحة.وعندما انعطفت عند زاوية الممر، واجهت شخصًا يسير نحوها.كان نحيل الجسد، يرتدي بدلة سوداء ملائمة لكنها تبدو قديمة بعض الشيء، وشعره مصفف بدقة متناهية، ممسكًا بملف في يده وهو ينظر إليه برأسه المنحني.وفي الممر الضيق، تلاقت أعينهما فجأة دون سابق إنذار.رفع الرجل رأسه.التقت نظراتهما.وبدا وكأن الزمن قد توقف في تلك اللحظة.تجمد أيمن في مكانه على الفور، مثل تمثال تجمد في لحظة.وسقط الملف من يده على الأرض بصوت حاد.حدق في الشخص الذي أمامه بشوق جارف، وكأنه يريد أن ينحت ملامحها في نخاع عظامه.لم يرها منذ عدة سنوات، وقد ازدادت جمالاً.لم يكن ذلك الجمال الضعيف للفتيات الذي يحتاج

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 21

    بعد بضع سنوات.انعقد المنتدى الدولي المرموق للترجمة في بلد أجنبي.واجتمع فيه نخبة من كبار المترجمين، والأكاديميين، والشخصيات السياسية البارزة من جميع أنحاء العالم.وبصفتها أصغر عضو مجلس إدارة شرفي وكبيرة المترجمين الفوريين، تمت دعوة رنا لإلقاء الكلمة الافتتاحية الرئيسية.وتحت أضواء تسليط الضوء، كانت ترتدي بدلة أنيقة بلون الأبيض اللؤلؤي، وقد رفعت شعرها الطويل بأناقة، كاشفة عن جبينها الناصع وعنقها الطويل الممشوق.وقفت خلف المنصة، تواجه الحشد الغفير وعدسات الكاميرات التي لا تحصى وهي تومض، وتحدثت بهدوء وثقة ودون أي توتر.كانت تتنقل بطلاقة بين الفرنسية والإنجليزية والصينية، طارحةً آراءً حادة ورؤى فريدة، مستشهدةً بالمصادر والأمثلة بكل سهولة ويسر.واثقة، وأنيقة، ومحترفة.فكانت بحق مركز اهتمام الجميع في القاعة بأكملها.وما إن أنهت كلمتها حتى دوت القاعة بتصفيق حار كالعاصفة، تواصل دون انقطاع.صعد باحث شاب أنيق يرتدي بدلة رمادية داكنة ويتمتع بوقار العلماء إلى المسرح، حاملًا باقة من زهور الياسمين الأبيض، وقدمها إليها.وتبادلا الابتسام في انسجام وتفاهم تام.وتتعالى أصوات التقاط الصور من الحضور، لتس

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 20

    في سيارة الإسعاف، كان المسعفون يعالجون الجرح ويراقبون العلامات الحيوية.جلست رنا بجانبه ويداها ومعطفها مغطّاة بدم أيمن، دم لزج دافئ تفوح منه رائحة الحديد الثقيلة.نظرت إلى ذلك الرجل على النقّالة، وجهه شاحب كالورق وعيناه مغمضتان وهو ضعيف لا يعرف، ووجهها لم يتغيّر، فقط خطّ شفتيه المطبقتين يفصح عن شد خفيّ.كان أيمن في غيبوبته يهذي دون وعي."رنا... آسف...""الطفل... آسف...""لا ترحلي... لا تتركيني..."صوت متشقّق فيه يأس كصوت محتضر.حوّلت رنا وجهها نحو النافذة، وجانبها في الأضواء المتناوبة بدا صلبًا بارد الملامح.وصلوا المستشفى فأدخل أيمن مباشرةً غرفة العمليات.أضيء ضوء العمليات.جلست رنا على مقعد في الممرّ ويداها ومعطفها لا يزالان ملطّخين بالدم المتجمّد الذي صار لونه أحمر داكنًا.لم تذهب لتنظّف، جلست في هدوء تنظر إلى باب غرفة العمليات الموصد.مرّ الوقت دقيقةً دقيقة.لا يعرف كم من الوقت مضى حتى فتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب ووجهه عابس."المريض جرحه بالغ، طعنة أصابت الطحال وأخرى اخترقت الأمعاء، فقد دمًا كثيرًا والوضع لا يبشّر بالخير.""وأيضًا،" توقّف الطبيب ونظر إلى رنا، "إرادة المريض في

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 19

    أمسك المساعد بالهاتف والتفت إلى ذلك الرجل في غرفة المستشفى، الذي يتعيّش بالذكريات والمحاليل الغذائية وقد أنهكه المرض وخلت عيناه من كل نور، فانعقد لسانه ولم يستطع الكلام.بعد عام.بفضل أدائها المتميز في العمل، أعيدت رنا من الخارج إلى البلاد بقرار من المقرّ الرئيسي، للمشاركة في ترجمة مؤتمر دولي مهمّ.كان المؤتمر في مركز المعارض الأرقى في وسط المدينة.حين علم أيمن بالخبر كان في اجتماع.انحنى مساعده وهمس له بكلمات قليلة، فتوقّف قلمه الذي كان يمسكه ورسم خطًّا طويلًا على الوثيقة.صمت طويلًا ثم أشار بيده ليستمرّ الاجتماع.لكن في النصف الثاني من الاجتماع كان واضحًا أن ذهنه في مكان آخر وعيناه تتجهان إلى النافذة مرارًا.حين انتهى الاجتماع، أغلق على نفسه في مكتبه ودخّن علبة سجائر كاملة.ثم طلب من شخص ما أن يشتري له تصريح دخول خاصًّا للمؤتمر.يوم المؤتمر، جلس في آخر صفّ وأبعد زاوية في القاعة، يرتدي قبّعةً وكمامةً يخفي بهما نفسه في الظلّ.لم يجرؤ على الاقتراب ولم يجرؤ على الإزعاج.اكتفى بهذا، بالاختباء والنظر من بعيد، لمحةً واحدة.حين بدأ المؤتمر، جلست رنا بوصفها إحدى المترجمات الفوريات في الكابينة

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status