تسجيل الدخولتوقفت عمدًا حتى اقتربت بوجهها المتخضب بحمرة الغضب، ثم تابعت بندم:- ولكنك تعلم، لستَ أنت المخطئ، بل أنا المخطئة؛ لأنني منذ البداية بعت نفسي وحياتي كلها، واخترتك أنت. ما كان ينبغي لي أن أضحي بشرفي من أجل رجل مثلك.ضم شفتيه كابتًا أعصابه، يتابع في صمت سيل كلماتها الجارحة واتهاماتها المجحفة، وهي تردد:- رجل عديم الشرف، استباح شرف ابنة خالته، وها هو اليوم يتحدث في عرضها وهي زوجته، ويشوّه سمعة المرأة التي تحمل اسمه، وأم أولاده. أنت إنسان قذر يا عاصم... قذر.بعد آخر كلماتها، امتدت يدها بعصبية نحو إبرة المحلول المثبتة بشريط لاصق في يدها، وشرعت في نزعها بعنف. برق الخوف في عينيه خشية أن تؤذي نفسها، فسارع ممسكًا بيدها ليوقفها، وهتف بها:- ماذا تفعلين؟! هل جُننتِ؟لم تتوقف، واستمرت فيما تفعله رغم جرحها ليدها، إلا أن قبضته على كفها كانت محكمة، مما ضاعف من عصبيتها، فدفعته في صدره بيدها الأخرى، وهي تصيح احتجاجًا:- لا شأن لك بي!نتيجةً لدفعتها، خفَّت قوة قبضته على يدها، حتى استطاعت نزع الإبرة، وبدأ الدم يسيل من موضعها. حينئذٍ لم يعد "عاصم" قادرًا على التحكم في أعصابه مع ذلك الضغط الشديد، فأمسك بالح
ولم ينتظر منها تعليقًا معتذرًا، بل أفصح عن حزنه بقوله الذي خرج منفعلًا:- أتعلمين؟ بينما كنتِ تذهبين إلى هنا وهناك، وتهتمين بهذا وتلك، وتقسمين نفسك ووقتك بين مليون شيء غيري، كنت أنا واقفًا في مكاني، لا أفعل شيئًا، سوى أنني أنتظر أن يأتي دوري، حتى لو كنت آخر شخص.ازداد الشجن في نبرته وهو يضيف:- كنت سأغضب قليلًا، نعم، لكنني في النهاية كنت سأرضى لأنك تذكرتِني، أما الذي آلمني حقًا، فهو أنني لم أعد أجدك، ولم تعودي تشعرين بما في داخلي، ولا حتى بحاجتي إليك.اغرورقت عيناها بالدموع، بعدما أدركت حجم الخطأ الذي ارتكبته في حقه من دون قصد، والذي نتج عنه ذلك الوجع الكامن في قلبه، والمنعكس بقوة في عينيه، بينما أكمل هو بإطناب، كأنه يفرغ التراكمات الجاثمة فوق روحه، ليزيد من إحساسها بالذنب:- ربما كنا ننام كل ليلة على السرير نفسه، لكننا كنا بعيدين جدًا يا رفيف، لقد صنعتِ بيننا حاجزًا من العدم، ثم واصلتِ بناءه، وبينما كنتِ تحاولين إصلاح حياة صديقتك، كنتِ تفسدين حياتنا.انهمرت دموعها وهي تستمع إلى كلماته المشبعة بكل ذلك الألم الذي تسببت به، وقالت بصوت منتحب، يفيض ندمًا:- كيف تسببت لك بكل هذا الوجع من د
الفتور الذي يسود العلاقة بين الزوجين، غالبًا ما يكون راجعًا إلى إهمال أحد الطرفين للآخر، مما ينتج عنه انطفاء جذوة المشاعر، ويقل التفاهم، حتى إن الانسجام الذي يميز العلاقة السوية المكللة بالحب، يبدأ في الاختفاء بشكل تدريجي، حتى يصبح بين الاثنين حاجز يشبه السد، ولإزالته وإعادة المياه إلى مجاريها بين الزوجين، ينبغي أن يعتذر الطرف المخطئ في حق شريكه، ومن هنا يبدأ عتاب الأحبة، الذي يذيب الخلافات شيئًا فشيئًا. على الرغم من أن خطأ "رفيف" كان الأكبر، إلا أن "جاسم" كان الأسبق في الاعتذار لها، بالأخص عندما جالس نفسه، وأدرك خطأه، في إخفاء حقيقة ما حدث تلك الليلة، خلال لقاء "عاصم" بحبيبته السابقة. وظن حينها أن العلاقة ستعود إلى سابق عهدها، ببعض كلمات المعاتبة، وأخرى معتذرة ونادمة، إلا أنه لم يجد ما تخيله من ناحيتها، فقد تقبلت اعتذاره بهدوء، ولم تفتح مجالًا للحديث بينهما، مما زاد من الفجوة العميقة التي أصابت علاقتهما، خاصة عنده، فقد شعر أن ابتعادها عنه متعمد، حتى راوده شك حيال انتقاص حبها له، مما جعل كرامته تزأر بداخله، وأخذ يتعامل معها بنفس الطريقة المتجاهلة، نائمين على ذات السرير، إلا أنهما يبت
حينئذ برزت عروقه، وهدر بصوت اخشوشن على الأخير، وغير متساهل:- فكر فقط أن تقترب من زوجتي مرة أخرى، أو من أولادي، أنت أو أحد من أتباعك، وستجدني قد محوت وجودك من على وجه الأرض.مط شفتيه بحركة تنم على عدم المبالاة، وهتف بثقة:- فلنقل إنك استطعت محو وجودي، فهل ستستطيع محو وجودهم؟عجز عن الرد على سؤاله، الذي يثبت انعدام قدرته في التصدي لتلك الجماعة، وعندما لاحظ "توفيق" سكوته الذي يوحي بضعفه مقارنة بهم، أخبره بجمود:- أعطني الأوراق يا عاصم، واتصل بأحدهم الآن، وأنت واقف أمامي، ليأتي بها من المكان الذي أخفيتها فيه، وأنا أضمن لك حينها ألا يقترب منك أو من أحد من أفراد عائلتك أحد.تصميمه على الحصول على تلك الأوراق استرعى غرابته، خاصة أن الملفات التي أخذها عنوةً عنه، هي التي تحوي معلومات خطيرة تخص جماعتهم، في حين أن تلك الأوراق تحتوي فقط على تفاصيل بعض الصفقات غير المشروعة، لعدة أسماء من بينهم اسمه هو ووالده، ولن يُستدل منها نهائيًا على أي أعمال أخرى مخفية، لهذا لم يمنع نفسه من سؤاله:- ما الذي يجعلك مهووسًا بهذه الأوراق تحديدًا؟ حتى إنك فكرت في ليِّ ذراعي بزوجتي، بينما طوال السنوات الماضية لم تفك
صوت رنة من هاتفه، تعلن عن تلقيه رسالة إلكترونية من أحدهم، أعاده إلى أرض الواقع، ولكن رأسه ما يزال مكدسًا بعشرات التساؤلات، والسؤال المهم من بينها، الذي لا يجد له نهائيًا جوابًا، ما الذي أجج جذوة الرغبة بداخله ناحيتها حينها؟ فبرغم كثرة ما يغفل عنه مما هو واضح من الأسباب، التي تجذبه كالمغيب إليها، أقنع نفسه أنها ليست سوى غنيمة مربحة، خطبة إن اكتملت كما هو مخطط لتصبح زيجةً رسمية، تقتصر في نواياه الدفينة، على هدف دنيء ستتحقق من خلاله الأطماع.❈-❈-❈كان يعلم منذ البداية، أن قرار والده في إنهاء أعماله مع هؤلاء الجماعة، ستكون له عواقبه الوخيمة، فقد كان متوقعًا أن يغدروا به، ويقبلوا على إزهاق حياته، لما يعلمه عن معلوماتهم الخفية، وأنظمتهم السرية، في تنفيذ عملياتهم الإجرامية، وتلك هي قوانينهم، حينما يود أحدهم الانفصال عنهم، ولهذا استبقى "كمال" معه بعض الملفات الخطيرة، التي إن وصلت إلى الشرطة، وتحولت إلى قضية دولية، ستودي بهم إلى الهلاك.ولهذا كان يمتنع "توفيق" عن تنفيذ الحكم بقتله، ريثما يحصل على أحد الشيئين، إما الملفات مع تأكيد تام غير مشكوك فيه بعدم وجود أي نسخ لها مع أحد، أو عودة "كمال" لم
من رده المتعجل، تراءى له صدقه، وحتى لا يثير ثائرته ثانية، وضح له سبب ظنه، قائلًا بتوضيح:- قلت ربما حكيت لها ذلك بحسن نية، أو لأنك كنت نادمًا، فقصصت عليها الأمر كما قصصته عليّ.هز وجهه بالسلب، وأخبره بجدية وصدق:- لا يا عز، يستحيل أن أفعل ذلك، أو أخبر أحدًا بطبيعة علاقتي بداليا، لقد أخبرتك أنت فقط لأنك أخي، وأعلم أنك لن تخبر أحدًا بما قلته لك، أما أن أفضح زوجتي أمام امرأة حقيرة مثل التي تُدعى مي، فهذا مستحيل.أومأ بتفهم، ثم نصحه بطريقة مشددة:- فهمت، ولكن إياك أن تحكي لأي شخص آخر أي شيء عن تفاصيل علاقتك بزوجتك، خاصة ما كان قبل الزواج، مهما بلغت درجة قربه منك.اكتفى بهزة بسيطة من وجهه على نصيحته، فالتحدث في ذلك الشأن بات مقرونًا بالخزي عنده، في حين تابع "عز الدين":- وعلى فكرة، حتى أنا لم يكن ينبغي أن تخبرني، فالتوبة والندم يكونان بين العبد وربه، فلا تُدخل عبدًا آخر فيهما، لأن المجاهرة بالذنب حرام، ما دام الله قد ستركما.شاع البؤس في تقاسيم وجهه وهو يخبره:- أنا في كل الأحوال لا أتحدث مع أحد، لأنه ليس لي أحد أصلًا يا عز.لاحظ رنة الأسى التي احتلت صوته، لذلك رفع حاجبيه بحركة درامية، حتى
لم تنزعج من أسلوبه الصارم، فقد اعتادت على مدى عامين متواصلين التعامل مع شخصية والده المشابهة له، بل وربما كان أشدّ منه قسوة وعنفوانًا. وبهدوءٍ حكيمٍ، أردفت:- أنا لا أعلمك شيئًا، فأنت رجل ناضج ومتعلم، وتدرك بالتأكيد الصواب من الخطأ، لكن يمكنك أن تعتبرني أمًّا تنبّه ابنها إلى أمرٍ قد يغفل عنه.لان و
انعقد ما بين حاجبيه باستغراب، وأجابها بنبرة عادية، تحمل حيادًا واضحًا:- أيُّ رجلٍ يأتيه يومٌ ويتزوج.فاجأته مجددًا بطلبها المتوسل وهي تدنو منه أكثر:- لا تتزوج وتتركني.رمقها بنظرة مشدوهة من مطلبها، بينما أضافت باحتياج بالغ، وهي تدفع جسدها نحو صدره:- أنا بحاجة إليك يا عاصم.ولم تترك له فرصة لاستي
ظهر التوتر على محياها، فمن المؤكد أنها لن تخبره بأمر تعيينها أحدًا لمراقبة خط سيره، توسعت عيناها بارتباك، وعجزت عن النطق لعدة ثوانٍ، وما أنقذها من ذلك المأزق هو تذكرها رسالة كانت قد وصلتها منه، حين كان قد ترك هاتفه فوق الكومود المجاور لفراشهما قبل مغادرته، بينما كان هو داخل غرفة الملابس يبدّل ثيابه
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفية بالكاد حرّكتهما، رضًا بتمسكه بها وغيرته الواضحة من اقتراب أي رجل منها. وقد راق لها هذه المرة ذلك التملك الذي يبديه تجاهها، وشعورها بأنها تخصه وحده.آثرت الصمت وهي تنظر إليه، مترقبة بقية حديثه، فقد استنبطت من تعبيراته أن في جعبته المزيد، ولم يخب ظنها حين أضاف، بعدما اس







