Home / الرومانسية / معشوقتي / الفصل الثاني

Share

الفصل الثاني

last update publish date: 2026-07-15 07:42:59

وفي أقصى صعيد مصر، وتحديداً في محافظة سوهاج حيث القيظ والتقاليد الراسخة كالجبال، كان الوضع مختلفاً تماماً ومشحوناً بنوع آخر من الصراعات. على طاولة الطعام الخشبية الكبيرة في ردهة المنزل الواسع، كان آدم يجلس وبجانبه شقيقته الصغرى يذاكر معها مادة الجيولوجيا المعقدة. كان آدم يمثل في تركيبته النفسية والشخصية مزيجاً غريباً ومثيراً للجدل والفضول؛ شاب في أواخر عشرينياته يربط بتناقض عجيب بين انحراف خفي وتمرد وبأسٍ شديد يخشاه كل من في البلدة، وبين احترام مفرط وصارم لتقاليد عائلته وكبارها. مهندس ذكي تخرج من كليته بتفوق وتخصص في المجال الزراعي ليدير أرضهم الشاسعة ومحاصيلهم بعدما توفي والده منذ زمن طويل تاركاً إياه رجلاً للمنزل في سن مبكرة.

كان يجلس بجسده الطويل جداً وبنيته العريضة القوية، وبشرته القمحية اللامعة التي تميل للسمار الخمري بفعل شمس الصعيد، بينما تلمع عيناه الزرقاوان المائلتان للخضرة بنظرة حادة ونافذة ورثها عن جدته الراحلة. ورغم أنه كان قد عاد لتوه من ساحة المركز بعدما أثار مشكلة كبيرة و"علقة" ساخنة مبرحة لقنها بنفسه لأحد كبار لصوص المواشي الذي كشفه بالصدفة البحته، جعل سيرته تتردد على كل لسان وتجعل الجميع يعمل له ألف حساب، إلا أنه الآن يجلس بهدوء تام، واضعاً قناع الابن البار، يداعب لحيته النامية السوداء وهو يستمع لشقيقته بقلة صبر.

قالت ورد بملل وضيق، وهي فتاة في مقتبل شبابها الندي، لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها بعد، تدرس بالصف الثالث الثانوي العام، وتتميز ببشرتها الحنطية الناعمة، وقامتها القصيرة بالنسبة لشقيقها، وعيونها العسلية الواسعة اللامعة بشقاوة وذكاء فطري:

ـ أنت مبتعرفش تشرح واصل يا خوي، شرحك وحش ومعقد ويدخل المعلومات في بعضيها.

أغلق الكتاب الدراسي الضخم بعنف وقال بنبرة أجشة قاطعة:

ـ أنتي اللي مخك زنخ وقافل ومش عايز يستوعب عِلم! الجيولوجيا عايزة فِهم مش رغي بنات.

قالت بحزن مصطنع وهي تلوى فمها بطفولية:

ـ مش كنت تدخل علمي علوم زي ما جولتلك؟ كان زمانك عارف تفهمني حاجة دلوجتي بدل العصبية دي.

وضع يده الضخمة على إحدى وجنتيه ونظر إليها بنظرة مغيظة مستهزئة وقال:

ـ ومدخلتيش أنتي علمي رياضة ليه من الأول يا فصيحة؟ علوم دى مدخلينها للفاشلة اللي زيك عشان يحفظوا ويمتحنوا.

قالت بسخط وعزة نفس صعيدية:

ـ منيش فاشلة يا أخوي، واياك تقول كدة عاد، أنت اللي دماغك ناشفة وبتحسب كل حاجة بالآلة الحاسبة كأنه مفيش غير الأرقام في الدنيا.

فرك كفيه ببعضهما البعض ببطء وكأنه يستعد لتحدٍ عقلي جديد لإحراجها وقال:

ـ طيب هجولك حاجة ساهلة خالص أهيه عشان أثبتلك.. 100 × 100 بكام؟ يلا ورينا الفهامة.

ضحكت ورد بفرحة طفولية وظنت أنها انتصرت وقالت مسرعة:

ـ إيه السؤال التافه ده يا بشمهندس؟ بـ 1,000 طبعاً واضحة ومش محتاجة علام!

ضحك بسخرية رجت أركان الغرفة، ونظر إليها بتهكم وهو يهز رأسه وقال:

ـ بـ 10,000 يا جاهلة! شوفي عشان تعرفي عاد أنك جاهلة، يا جاهلة، هو ده التعليم يا بتاعة ثانوية؟ داخلة علمي علوم ومش عارفة تضربي رقمين في بعض!

في تلك الأثناء المشحونة بالمناقرة، خرجت وفاء من المطبخ وهي تحمل صينية نحاسية صغيرة عليها فنجان من القهوة السادة لآدم. وفاء، زوجته الشابة التي تعيش في بداية عشرينياتها، تتسم ببشرتها الخمرية الصافية وطولها المتوسط وعيونها السوداء الواسعة كحبر الليل الهادئ، وشعرها البني المائل للاحمرار المخفي تحت حجابها. وضعت الفنجان أمامه على الطاولة ببرود تام مبالغ فيه وجفاء لا ينكره عابر، فنظر إليها آدم بنظرة جافة، رسمية للغاية وخالية من أي مشاعر حانية، وقال باختصار شديد دون أن يبتسم:

ـ شكراً.

نظرت إليه وفاء بنظرة باردة يملؤها اللامبالاة المطلقة، لم تعاتبه ولم تبتسم، بل لوت شفتيها بسخرية خفية في سرها تتريق بها على شكره الرسمي الجاف وكأنهما في مصلحة حكومية لا في بيت زوجية، ثم استدارت بكبرياء وبرود وعادت إلى المطبخ حيث تقبع والدته ثريا؛ السيدة الهادئة الوقورة التي اقتربت من نهاية عقدها الخامس وتعيش حياتها كلها محبة وتضحية لأجل أولادها. كان غياب الأطفال وفجوة السن الكبيرة وفارق الفكر بين آدم ووفاء قد جعلا علاقتهما مجرد جدار سميك من الجليد واللامبالاة المشتركة، يعيشان تحت سقف واحد كالغرباء.

بدأ صوت خطوات وئيدة وثقيلة يقطع سكون الردهة؛ كان الجد أنور يهبط من على السلم الخشبي ببطء؛ رجل مسن حكيم تجاوز السبعين من عمره، يفيض وقاراً وتواضعاً، يكره المشاكل ويسعى دوماً للم الشمل وحل النزاعات بحكمته الصارمة. هز رأسه بتعب وأسف وهو يسمع شجار آدم وورد المستمر الذي لا ينتهي، ما أن أنتهي من هبوط السلم قال بصوت عالٍ:

_ يا آدم سيبك من البت الفاضية دي وتعالَ

نهض آدم مسرعاً إلى أنور، قبل يده بأحترام وقال:

_ صباح الخير يا جدي

نهضت ورد من مكانها وذهبت إلى أنور، قبلته في إحدى وجنتيه وقالت:

_ صباح الورد يا جدو

ضحك أنور وقال:

_ صباح المذاكرة يا روح جدك الصغيرة أنتي، يلا روحي ساعدي أمك في المطبخ

ذهبت ورد إلى المطبخ، قال أنور:

_ كنت فين الصبح سألت عليك مَراتك جالتلي مش موجود

أمسك آدم بيده المحملة بالتجاعيد وأجلسه على إحدى الأرائك المريحة، محاولاً بكل الطرق إخفاء تفاصيل مشاجرته الدموية الصباحية في ساحة المركز حتى لا يقلق قلبه العجوز وقال بهدوء مصطنع:

_ معلش يا جدى أصلي روحت صليت الفجر في الجامع وجعدت لحد الضحى هناك

_ يحميك لشبابك ياولدي، صحيح عايزك في حاجة

جلس بجانبه وقال:

_ أمرك يا جدي

_ كنت عايزك تدي المحصول المره دي للست بركة وتدفع إلى تدفعه

أندهش آدم من قول أنور وقال:

_ أزاي يا جدي المحصول المرة دي لــ توفيج أبن الحج محمد

_ عارف يا ولدي بس أتصرف عشان خاطري، الست جت أمبارح وشكلها تعبانة جوي، أتصرف يا آدم

تنهد آدم بتعب ثم قال بـــ قلة حيلة:

_ إلى تؤمر بيه يا جدي

ربت أنور على ظهره بحب وهو يقول:

_ يخليك ليا يا ولدي

__________

فتح أسعد الباب ، وهو يشعر بتعب شديد ، ألقى نفسه على أول مقعد قابله ، فتح أول زرار من قميصه ليتمكن من أدخال قدر أكبر من الهواء إلى رئتيه ، خرجت حور من غرفتها على أثر صوت الباب لتجده والدها 

ارتمت بين ذراعيه وقالت بعتاب :

_ اتاخرت كده ليه يا بابا 

قال لها بنبرة متعبة جداً :

_ معلش يا حبيبتي ، عشان أول يوم أرجع الشغل بعد الأجازة عشان كده كان فيه شغل كتير 

جلست في المقعد المقابل له وقالت :

_ حمد لله على سلامتك 

_ في حاجة حصلت و أنا مش موجود 

تذكرت ما فعله وليد ذلك الزائر الغير مرحب به أطلاقاً وقالت :

_ وليد جه تاني وهددني أني لو متجوزتوش هنندم أنا وأنت 

زفر بأختناق قائلاً :

_ وبعدين بقى في الواد دا ، والله لو مكنش قريب أمك أنا كنت نفخته ، بس عشان عايدة (زوجته الراحلة) هسكت ، لما يجي تاني متفتحيش الباب وأنا هجيب نجار يعملك عين سحرية هنا ، أما نشوف أخرتها مع أبن زيدان 

ونهض من مكانه وذهب إلى غرفته ليبدل ملابسه ، بينما حور تجلس على المقعد كما هي ، تشعر بالحزن على والدها ، برغم من أنه لا يتمكن من الوقوف أمام وليد بسبب مركزه ، ألا أنه دائما يشعرها بالأمان 

________ 

(بعد عدة أيام) 

دلف أسعد إلى المنزل بتعب وهو يشعر أنه سوف يختنق من شدة الحزن ، جلس على مقعده المعتاد ، صاح بصوت عالٍ نسبياً بــ حور ، لتأتي مسرعة من المطبخ وهي تقول :

_ بابا أنت جيت امتى ، حمد لله على السلامة 

قال بيأس :

_ اللي كنت خايف منه حصل ، اترفدت من الشغل النهارده 

ضحك بحزن ثم أكمل :

_ والسبب أني سيء السمعة و بشجع الموظفين على الرشاوي ، متوقعتش أن وليد يعمل كدة 

ابتلعت لعابها بتوتر وقالت :

_ ما يمكن حد غير وليد 

_ محدش غيره يعملها ربنا يسامحه ، مش عارف أعمل إيه ، أتصرف أزاي يارب 

امسكت يده وقالت :

_ ولا حاجه ، تروح تغير هدومك وربنا هيحلها من عنده 

نهض أسعد بتعب وذهب إلى غرفته ليبدل ملابسه ويصلي صلاة حاجة لله عله يفرجها من وسع .

أما حور نهضت ذاهبة إلى المطبخ ، أوقفها طرق الباب ، التفت لتذهب إلى الباب ، فتحته بحسن نية لتجده وليد يبتسم بانتصار 

قال بنبرة ساخرة :

_ أخبار والدك إيه ، وصلك خبر رفده ولا لسه 

قالت بعداوة :

_ أه وصلني ومن ساعة ما وصل وأنا حاسه أني مديونة لك 

عقد حاجبيه بدهشة ، وقبل أن يلفظ بأي شئ ، لطمت إحدى وجنتيه بيدها 

قالت بسخط :

_ لو شوفتك هنا تاني هقطعلك رجلك فاهم يا روح بابي 

وأغلقت الباب بوجهه ، خرج والدها من غرفته ونظر لها بدهشة ثم قال :

_ هو كان في حد بيخبط 

كانت ستقول له لكنها فضلت عدم القول وقالت :

_ لا محدش ده عند الجيران 

هز رأسه وقال :

_ ماشي يا حب

بتي روحي شوفي هناكل إيه بقى ، عشان أنا جعان

_ حاضر يا بابا 

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • معشوقتي    الفصل الخامس

    في الصباح التالي، كان بهو المنزل يضج بالهدوء المستكين الذي يسبق العواصف. وفي الطابق العلوي، كانت وفاء تجلس على فراشها تبكي بحرقة وتلطم وجنتيها تندب حظها التعيس؛ فزوجها آدم يجلس بالأسفل الآن ليعقد قرانه على تلك القاهرية حور. لقد كانت تخشى دائماً أن ينظر آدم لأخرى، ولم تتخيل أبداً أن يتزوج بهذه السرعة الخاطفة وكأنه كان ينتظر قدومها بفارغ الصبر.وفي الأسفل، كانت حور تجلس بتوتر واضح على مقعد مجاور لوالدها وجدها، بينما يجلس آدم بزيه الصعيدي الأنيق بجانب المأذون والشاهدين. ساد الصمت لبرهة قبل أن ينهي المأذون الإجراءات الرسمية، ويسجل عقد القران في دفتره، ثم صدح بصوته الوقور:_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.وما إن أنهى جملته، حتى أطلقت ثريا زغرودة عالية رنت في أرجاء المنزل؛ فبالرغم من معرفتها بأن الزواج صوري، إلا أن الأصول والعادات الصعيدية تفرض إعلان الفرحة بالزغاريد في كل زواج.انصرف الشاهدان بعد تهنئة العروسين، وأمسك المأذون دفتره ونهض ليوصله أنور إلى الباب الخارجي. في تلك الأثناء، انسحب أسعد وورد بذكاء من الصالة ليتركا العروسين بمفردهما قليلاً كي يتحدثا ويتعرافا أكثر.جل

  • معشوقتي    الفصل الرابع

    اجتمع الجميع حول مائدة الطعام الكبيرة التي كانت تفوح بأشهى المأكولات الصعيدية. جلس أنور في المنتصف يترأس السفرة بهيبته المعهودة، وبجانبه الأيمن جلس ابنه أسعد، بينما جلست حور بجانبه الأيسر دليلاً على ترحيبه الشديد بها وبناءً على طلبه وإصراره. في تلك الأثناء، تقدم آدم من السفرة بخطوات واثقة، ونظر إلى مكانه الشاغر الذي احتله الآخرون، فقال بمرح يحاول به تلطيف الأجواء:_ إيه ده أنا أتاخد مكاني ولا إيه؟ طبعاً ما أنا أتحطيت على الرف!ضحك أنور بصوت جهوري ملوحاً بيده وقال:_ أجعد ياض، أنا اللي جولت لحور تجعد جمبي.غمز له آدم بابتسامة خبيثة تملؤها المداعبة وهو يقول:_ طبعاً.. ما هي شبه الغالية!شعرت حور بحرج شديد يسري في أوصالها، فنهضت بسرعة من على مقعدها وقالت بلهجة قاهرية مرتبكة:_ أنا آسفة.. مكنتش أعرف إنه مكانك.قبل أن تبتعد، وضع آدم يده بلطف على ذراعها ليعيد إجلاسها عنوة، وهو يقول بنبرة ودودة ترحيبية:_ عيب عليكي، ده أنتي صاحبة مكان يا بنت عمي، أجعدي في المكان اللي يريحك.جلس آدم على المقعد المجاور لها مباشرة. وفي تلك اللحظة، جاءت وفاء وهي تحمل الأطباق الإضافية، وتوقفت تنظر إليهم بدهشة وضي

  • معشوقتي    الفصل الثالث

    (الفصل الثاني)دلف وليد إلى شركة والده بشموخ وهو يرى نظرات الفتيات من حوله المعجبة، وصل إلى مكتبه الخاص "المدير التنفيذي"، فتح الباب بهدوء، عقد حاجبيه بدهشة بسبب عدم وجود السكرتيرة، دلف إلى مكتبه ليجدها تمسك أحد الأوراق وتعبث بها._ بتعملي إيه يا نيفين؟قالها بدهشة، انتفضت نيفين من مكانها ثم قالت بتوتر:_ أنا.....أنا كـ كنت بدور على ورق المناقصة الجاية، بشوف مضيته ولا لسة.تنهد بتعب ثم قال:_ لا لسة ممضتوش.تقدم من المكتب وجلس على المقعد المتحرك، أمسك يد نيفين وقربها منه، جلست نيفين على قدمه ولفت يدها حول رقبته ثم قالت بغنج مدروس:_ مالك يا حبيبي؟سند رأسه على صدرها وقال:_ تعبان يا نيفين، حاسس أن الدنيا بتتكركب فوق دماغي.ربتت على ظهره بحنو مزيف وقالت:_ ليه بس يا حبيبي، متقلقش كل مره بتبقا قلقان على الفاضي وفي الأخر بتكسب المناقصة، ملوش لازمة القلق._ المشكله مش في المناقصة.ابتعدت عنه وقالت:_ أومال إيه؟_ مفيش شويه مشاكل في البيت.عانقته بحب وقالت:_ يا حبيبي كله هيبقى تمام متقلقش.كانت تجلس في القطار المتجه إلى سوهاج، تتنهد بارتياح لقد تخلصت من وليد، ولن يتمكن من إيجادها، تذكرت و

  • معشوقتي    الفصل الثاني

    وفي أقصى صعيد مصر، وتحديداً في محافظة سوهاج حيث القيظ والتقاليد الراسخة كالجبال، كان الوضع مختلفاً تماماً ومشحوناً بنوع آخر من الصراعات. على طاولة الطعام الخشبية الكبيرة في ردهة المنزل الواسع، كان آدم يجلس وبجانبه شقيقته الصغرى يذاكر معها مادة الجيولوجيا المعقدة. كان آدم يمثل في تركيبته النفسية والشخصية مزيجاً غريباً ومثيراً للجدل والفضول؛ شاب في أواخر عشرينياته يربط بتناقض عجيب بين انحراف خفي وتمرد وبأسٍ شديد يخشاه كل من في البلدة، وبين احترام مفرط وصارم لتقاليد عائلته وكبارها. مهندس ذكي تخرج من كليته بتفوق وتخصص في المجال الزراعي ليدير أرضهم الشاسعة ومحاصيلهم بعدما توفي والده منذ زمن طويل تاركاً إياه رجلاً للمنزل في سن مبكرة.كان يجلس بجسده الطويل جداً وبنيته العريضة القوية، وبشرته القمحية اللامعة التي تميل للسمار الخمري بفعل شمس الصعيد، بينما تلمع عيناه الزرقاوان المائلتان للخضرة بنظرة حادة ونافذة ورثها عن جدته الراحلة. ورغم أنه كان قد عاد لتوه من ساحة المركز بعدما أثار مشكلة كبيرة و"علقة" ساخنة مبرحة لقنها بنفسه لأحد كبار لصوص المواشي الذي كشفه بالصدفة البحته، جعل سيرته تتردد على

  • معشوقتي    الفصل الأول

    كانت تجلس حور على الفراش في غرفتها الصغيرة التي باتت تبدو متسعة وموحشة بشكل مرعب منذ أسبوعين. فتاة في منتصف عشرينياتها، تحمل في ملامحها عناداً حاداً يرتسم في حدة ذقنها وضيق حاجبيها، عناد يمتزج برغبة عارمة في الانطلاق والحرية، ورغم تقلبات مزاجها التي تجعلها تبدو كطقس خريفي متقلب بين الغضب المفاجئ والهدوء التام، إلا أن سكوناً حزيناً كان يسكن نبرتها الآن. كانت تتأمل أركان الغرفة الفارغة، هي التي عاشت طوال عمرها وحيدة والديها، المدللة التي نالت الاهتمام كله، وتخرجت من كلية التجارة بتقدير، لتصطدم فجأة برغبة والدها الصارمة في بقائها بالمنزل والاكتفاء بلقب خريجة، خوفاً عليها من مجتمع يراه قبيحاً، ومكتفياً بإنهاء تعليمها لتبدأ رحلة الانتظار في البيت.انحدرت دمعة ساخنة على بشرتها القمحية، ومسحتها بظهر يد ارتعشت من فرط الحزن والوحشة، بينمابينما تدلى شعرها البني الطويل الناعم بانسيابية على كتفيها الصغيرين. بدت بقامتها القصيرة وعيونها الزرقاء الصافية، التي غامت بحمرة البكاء، كلوحة حزينة غارقة في الشجن وهي تمسك بإطار خشبي قديم يضم صورة والدتها المتوفاة منذ أسبوعين فقط. كانت تبكي بنبرة مكسورة، ضعيف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status