เข้าสู่ระบบاجتمع الجميع حول مائدة الطعام الكبيرة التي كانت تفوح بأشهى المأكولات الصعيدية. جلس أنور في المنتصف يترأس السفرة بهيبته المعهودة، وبجانبه الأيمن جلس ابنه أسعد، بينما جلست حور بجانبه الأيسر دليلاً على ترحيبه الشديد بها وبناءً على طلبه وإصراره. في تلك الأثناء، تقدم آدم من السفرة بخطوات واثقة، ونظر إلى مكانه الشاغر الذي احتله الآخرون، فقال بمرح يحاول به تلطيف الأجواء:
_ إيه ده أنا أتاخد مكاني ولا إيه؟ طبعاً ما أنا أتحطيت على الرف!
ضحك أنور بصوت جهوري ملوحاً بيده وقال:
_ أجعد ياض، أنا اللي جولت لحور تجعد جمبي.
غمز له آدم بابتسامة خبيثة تملؤها المداعبة وهو يقول:
_ طبعاً.. ما هي شبه الغالية!
شعرت حور بحرج شديد يسري في أوصالها، فنهضت بسرعة من على مقعدها وقالت بلهجة قاهرية مرتبكة:
_ أنا آسفة.. مكنتش أعرف إنه مكانك.
قبل أن تبتعد، وضع آدم يده بلطف على ذراعها ليعيد إجلاسها عنوة، وهو يقول بنبرة ودودة ترحيبية:
_ عيب عليكي، ده أنتي صاحبة مكان يا بنت عمي، أجعدي في المكان اللي يريحك.
جلس آدم على المقعد المجاور لها مباشرة. وفي تلك اللحظة، جاءت وفاء وهي تحمل الأطباق الإضافية، وتوقفت تنظر إليهم بدهشة وضيق؛ فقد رأت أن آدم أخذ مكاناً مختلفاً، بينما تجلس ورد وحور بجانبه، وهي زوجته تجلس في نهاية الطاولة بعيداً عنه تماماً. شعرت بغيرة تنهش قلبها، فحمحمت بحرج وقالت محاولة تغيير الوضع:
_ ما تيجي تجعدي يا ورد هنيه، خليني جمب آدم ليحتاج حاجة.
عقد آدم حاجبيه بضيق ورفض واضح قائلًا:
_ لا متجلجيش، لو أحتاجت حاجة ورد هتلافيهاني.
قالت وفاء بتردد ونبرة متوسلة:
_ أصل أنا..
قاطعها آدم بنبرة حادة وصوت غاضب أحرج الجميع:
_ في إيه يا وفاء؟ ما تجعدي في أي حتة! مش مشلول أنا، لو عايز حاجة هجيبها لنفسي!
تصلبت وفاء في مكانها، ثم جلست على المقعد المقابل لـ ورد وهي تحبس دموعها بصعوبة بالغة من أثر إهانة زوجها لها أمام الضيوف الجدد. ساد الصمت الثقيل على السفرة، وارتبكت حور للغاية من غضب آدم المفاجئ بسبب هذا الموضوع التافه، وشعرت بالندم لأنها كانت السبب في تغيير معالم الجلوس، فقالت بنبرة خفيطة نادمة:
_ أنا آسفة.. أنا شكلي عكيت الدنيا بقعدتي هنا.
نظرت إليها وفاء بنبرة ساخرة وممتلئة بالمرارة وقالت:
_ شكلك؟ لا يا حبيبتي، هو جِده فعلاً.
التفتت إليها ثريا وقالت بخفوت من بين أسنانها بلهجة تحمل الوعيد:
_ لمي لسانك بدل ما آدم يجوم يجطعك جطيع!
أما آدم، فقد اتسعت حدقتاه بغضب ناري والتفت لـ وفاء التي انتفضت رعباً فور رؤية عينيه الزرقاوين تشتعلان كالنهر المحترق. تراجعت وفاء ونظرت إلى صحنها بسرعة، ولم تجرؤ على رفع عينيها مجدداً في وجهه المخيف. أما حور، فلم تحتمل هذا التوتر، فنهضت من مجلسها بخجل وقالت:
_ الحمد لله.
قال أنور بدهشة:
_ لحقتي يا بنيتي؟
أجابت بحرج:
_ آه يا جدو، تسلم إيدك يا وفاء.
لم ترد عليها وفاء وظلت ناكسة رأسها. ابتسمت حور بحرج وانسحبت من الصالة متجهة إلى غرفتها. وما إن غابت عن الأنظار، حتى نهض آدم بعنف من مجلسه وعيناه تشعان بالشرر، ينوي اللحاق بـ وفاء وتأديبها على أسلوبها.
لكن أوقفه صوت أنور الحازم القاطع وهو يقول:
_ مش جدام الناس يا آدم، حلو مشاكلكم في أوضتكم.
تراجع آدم على مضض وجلس على مقعده والغضب يتملكه بالكامل، يتوعد لـ وفاء في صدره. في حين كانت وفاء تبكي بصمت وحسرة في ركنها؛ فقد كانت غيرتها تأكلها من حور الجميلة ذات العيون الزرقاء الصافية، وتخشى أن تسرق منها زوجها الذي لم ولن يحبها يوماً، والذي يثبت لها ذلك الجفاء مع كل شروق شمس جديدة.
بعد فترة وجيزة من الغداء، كان أسعد يجلس بجانب والده أنور في الشرفة المطلة على الحديقة، يرتشفان الشاي، وأخذ أسعد يقص على والده تفاصيل معاناته منذ وفاة زوجته الغالية عايدة، وصولاً إلى تدبير وليد لرفده من عمله وتهديده المستمر لحور.
رشف أنور القليل من كوب الشاي الساخن ثم قال بأسى وغيرة على شرف العائلة:
_ يا عيب الشوم! الناس مش عارفة تربي عيالها على الصح والغلط والعيب والحرام.
تنهد أسعد بتعب وقال:
_ أعمل إيه يا أبوي؟ أنا جولت لو بقت هنا معاكم هتبقى في أمان ومحدش هيضايقها.
هز أنور رأسه بتفكير وقال:
_ صُح يا ولدي، محدش هيعرف لها طريق هنيه، بس برضو لو اللي اسمه وليد ده واصل زي ما بتجول، يبقى ممكن يوصلها وياخدها من عنا بالقوة.
توتر أسعد وتغيرت ملامحه قائلًا:
_ ما هو مش هيوصلها إن شاء الله.
رد أنور بتفكير وهو يحسب لما لم يحدث بعد :
_ وإذا وصل لها؟ ساعتها هياخدها بسهولة لأنها غريبة واصل، إنما لو بقت قاعدة جار جوزها محدش هيجدر يكلمها عاد ولا يرفع عينه فيها.
تملكت الدهشة ملامح أسعد وقال بعدم فهم:
_ جوزها؟ جوز مين يا أبوي؟ حور مش متجوزة!
أجابه أنور بابتسامة هادئة ورصينة:
_ آدم.. تتجوز آدم وتبقى قاعدة جاره، ومحدش يجدر ياخدها ولا يمس طرفها.
أرتجف أسعد وقال بدهشة:
_ بس آدم متجوز يا أبوي!
رد أنور بثقة:
_ وماله يا ولدي؟ الراجل ما يعيبوش غير أخلاقه، وأديك شايف آدم زين وأخلاقه زين ويجدر يحمي بلد بحالها.
أطرق أسعد برأسه وقال بحيرة:
_ معرفش يا أبوي.. حور هتوافق ولا لأ؟
طمأنه أنور قائلاً:
_ إحنا دلوجتي في مشكلة وتهديد وعر، هو إحنا بنجولها عيشي معاه العمر كله؟ ده جواز صوري لحد ما المشكلة دي تخلص، وبعدها يتطلجوا أو يفضلوا مع بعض.. هما حرين عاد.
تنهد أسعد وقال بقبول:
_ ماشي.. هشوفها وأرد عليك يا أبوي.
في وقت لاحق من العصر، كانت حور تجلس بمفردها على أحد المقاعد الخشبية في الحديقة الصغيرة المحيطة بالمنزل، تتأمل الخضرة والزرع بشرود تام وكأنها في عالم آخر مليء بالذكريات الحزينة. اقترب آدم بخطوات هادئة، وجلس بجانبها وهو يرتب كلماته بتوتر، ثم قال بنبرة خفيضة:
_ أنا أسف على اللي وفاء عملته من شوية، هي متجصدش واصل، هي بس كانت متضايجة شوية.
التفتت إليه حور وعيونها الزرقاء تعكس هدوءاً غريباً وقالت برقة:
_ ولا يهمك يا آدم، أنا مش زعلانة منها أصلاً.
ابتسم آدم واتسعت ملامحه الوسيمة بنبرة ضاحكة:
_ جلبك أبيض يا بنت عمي.
أطرقت برأسها بخجل، وعادت بنظرها إلى الأشجار تشرد مجدداً. أراد آدم أن يكسر حاجز الصمت والتعرف عليها أكثر، فقال:
_ إنتي عندك كام سنة؟
أجابته بهدوء:
_ 24 سنة.
رفع آدم أحد حاجبيه بدهشة ممتزجة بالمداعبة وقال:
_ ده إنتي كبيرة! والله افتكرتك من دور ورد كدة، 18 ولا 19 سنة.. كتكوتة يعني! إنما ما شاء الله طلعتي كبيرة.
قبل أن تجيبه، قطع حديثهما صوت أسعد وهو ينادي من الشرفة:
_ يا آدم!
التفت آدم بأدب واحترام شديد وقال بصوت عالٍ:
_ أيوة يا عمي.
_ جدك كان رايد يتحدث معاك، روح شوفه.
نهض آدم سريعاً وقال بطاعة:
_ حاضر.
ذهب آدم ليدخل المنزل، بينما تقدم أسعد وجلس بجانب ابنته حور الشاردة في الأشجار والحديقة، متذكرةً والدتها الراحلة التي لطالما تمنت بيتاً بسيطاً تحيطه الأشجار والورود. تمنت حور في سرها أن تكون والدتها الآن في جنة النعيم بين الأنهار والزرع الجميل.
قاطع أسعد حبل أفكارها قائلاً بحنان:
_ سرحانة في إيه؟
_ ولا حاجة يا بابا.
مسحت دمعة هربت من عينيها بسرعة، فابتلع أسعد لعابه وشعر بمرارة الموقف، ثم قال بجدية ونبرة متوترة:
_ أنا عايز أتكلم معاكي شوية.. أنا حكيت موضوع وليد لجدك، وهو قالي على حل.
انتبهت له بتركيز وقالت:
_ إيه هو الحل يا بابا؟
أردف أسعد ونبرته تحمل بعض التردد:
_ إنك تتجوزي آدم.. عشان لو وليد وصلك هنا هيقدر ياخدك بحكم القرابة أو الضغط، إنما لو إنتي متجوزة آدم، مش هيقدر يلمسك ولا ياخدك من بيت جوزك.
نظرت إليه بصدمة ودهشة وقالت:
_ بس ده متجوز يا بابا! ومراته أساساً مش طايقاني من غير حاجة، هتطيقني إزاي لما أبقى ضرتها؟
طمأنها والدها ومسح على شعرها:
_ يا حور، ده جواز صوري على الورق بس لحد ما المشكلة دي تنتهي خالص، وبعد كده إنتوا حرين، عاوزين تتطلقوا براحتكم.
صمتت حور لثوانٍ تفكر في مصيرها وفي تهديدات وليد الخبيثة، ثم حسمت أمرها وقالت :
_ موافقة يا بابا.
وفي غضون ذلك، كان آدم يقف داخل مكتب جده أنور وعيناه متسعتان على آخرهما من فرط الصدمة والدهشة، وقال بصوت مرتفع:
_ أتجوزها يا جدي؟!
رد أنور بصرامة وإصرار:
_ مفيش حل غير جِده، بنت عمك محتاجالك ومفيش غيرك يحلها ويحميها.
حك آدم مؤخرة رأسه بتوتر وقال:
_ طب ووفاء؟
أردف أنور بغيظ وضيق من تردده:
_ يوووه يا آدم! يا بني إنت هتتجوزها عشان تحميها من الواطي اللي اسمه وليد، مش بجولك أتجوزها خلف منها! ويا عم بعد ما تخلص المشكلة شوفوا سوى، ارتحتوا لبعض خير وبركة وخليكم مع بعض، مرتحتوش.. كل واحد يروح لحاله ولا كأن حاجة حصلت.
طقطق آدم أصابعه بتوتر واضح وقال:
_ لازم يا جدي؟
أومأ أنور بصرامة لا تقبل النقاش:
_ أيوة لازم، هتتجوزها ولا أشوف غيرك من العيلة يستر عليها؟
شعر آدم بغيره تشتعل لمجرد فكرة أن يتزوجها غريب لا تناسب أنه يعرفها منذ بضعة ايام فقال بسرعة:
_ لا وعلى إيه.. هتجوزها أنا!
في الصباح التالي، كان بهو المنزل يضج بالهدوء المستكين الذي يسبق العواصف. وفي الطابق العلوي، كانت وفاء تجلس على فراشها تبكي بحرقة وتلطم وجنتيها تندب حظها التعيس؛ فزوجها آدم يجلس بالأسفل الآن ليعقد قرانه على تلك القاهرية حور. لقد كانت تخشى دائماً أن ينظر آدم لأخرى، ولم تتخيل أبداً أن يتزوج بهذه السرعة الخاطفة وكأنه كان ينتظر قدومها بفارغ الصبر.وفي الأسفل، كانت حور تجلس بتوتر واضح على مقعد مجاور لوالدها وجدها، بينما يجلس آدم بزيه الصعيدي الأنيق بجانب المأذون والشاهدين. ساد الصمت لبرهة قبل أن ينهي المأذون الإجراءات الرسمية، ويسجل عقد القران في دفتره، ثم صدح بصوته الوقور:_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.وما إن أنهى جملته، حتى أطلقت ثريا زغرودة عالية رنت في أرجاء المنزل؛ فبالرغم من معرفتها بأن الزواج صوري، إلا أن الأصول والعادات الصعيدية تفرض إعلان الفرحة بالزغاريد في كل زواج.انصرف الشاهدان بعد تهنئة العروسين، وأمسك المأذون دفتره ونهض ليوصله أنور إلى الباب الخارجي. في تلك الأثناء، انسحب أسعد وورد بذكاء من الصالة ليتركا العروسين بمفردهما قليلاً كي يتحدثا ويتعرافا أكثر.جل
اجتمع الجميع حول مائدة الطعام الكبيرة التي كانت تفوح بأشهى المأكولات الصعيدية. جلس أنور في المنتصف يترأس السفرة بهيبته المعهودة، وبجانبه الأيمن جلس ابنه أسعد، بينما جلست حور بجانبه الأيسر دليلاً على ترحيبه الشديد بها وبناءً على طلبه وإصراره. في تلك الأثناء، تقدم آدم من السفرة بخطوات واثقة، ونظر إلى مكانه الشاغر الذي احتله الآخرون، فقال بمرح يحاول به تلطيف الأجواء:_ إيه ده أنا أتاخد مكاني ولا إيه؟ طبعاً ما أنا أتحطيت على الرف!ضحك أنور بصوت جهوري ملوحاً بيده وقال:_ أجعد ياض، أنا اللي جولت لحور تجعد جمبي.غمز له آدم بابتسامة خبيثة تملؤها المداعبة وهو يقول:_ طبعاً.. ما هي شبه الغالية!شعرت حور بحرج شديد يسري في أوصالها، فنهضت بسرعة من على مقعدها وقالت بلهجة قاهرية مرتبكة:_ أنا آسفة.. مكنتش أعرف إنه مكانك.قبل أن تبتعد، وضع آدم يده بلطف على ذراعها ليعيد إجلاسها عنوة، وهو يقول بنبرة ودودة ترحيبية:_ عيب عليكي، ده أنتي صاحبة مكان يا بنت عمي، أجعدي في المكان اللي يريحك.جلس آدم على المقعد المجاور لها مباشرة. وفي تلك اللحظة، جاءت وفاء وهي تحمل الأطباق الإضافية، وتوقفت تنظر إليهم بدهشة وضي
(الفصل الثاني)دلف وليد إلى شركة والده بشموخ وهو يرى نظرات الفتيات من حوله المعجبة، وصل إلى مكتبه الخاص "المدير التنفيذي"، فتح الباب بهدوء، عقد حاجبيه بدهشة بسبب عدم وجود السكرتيرة، دلف إلى مكتبه ليجدها تمسك أحد الأوراق وتعبث بها._ بتعملي إيه يا نيفين؟قالها بدهشة، انتفضت نيفين من مكانها ثم قالت بتوتر:_ أنا.....أنا كـ كنت بدور على ورق المناقصة الجاية، بشوف مضيته ولا لسة.تنهد بتعب ثم قال:_ لا لسة ممضتوش.تقدم من المكتب وجلس على المقعد المتحرك، أمسك يد نيفين وقربها منه، جلست نيفين على قدمه ولفت يدها حول رقبته ثم قالت بغنج مدروس:_ مالك يا حبيبي؟سند رأسه على صدرها وقال:_ تعبان يا نيفين، حاسس أن الدنيا بتتكركب فوق دماغي.ربتت على ظهره بحنو مزيف وقالت:_ ليه بس يا حبيبي، متقلقش كل مره بتبقا قلقان على الفاضي وفي الأخر بتكسب المناقصة، ملوش لازمة القلق._ المشكله مش في المناقصة.ابتعدت عنه وقالت:_ أومال إيه؟_ مفيش شويه مشاكل في البيت.عانقته بحب وقالت:_ يا حبيبي كله هيبقى تمام متقلقش.كانت تجلس في القطار المتجه إلى سوهاج، تتنهد بارتياح لقد تخلصت من وليد، ولن يتمكن من إيجادها، تذكرت و
وفي أقصى صعيد مصر، وتحديداً في محافظة سوهاج حيث القيظ والتقاليد الراسخة كالجبال، كان الوضع مختلفاً تماماً ومشحوناً بنوع آخر من الصراعات. على طاولة الطعام الخشبية الكبيرة في ردهة المنزل الواسع، كان آدم يجلس وبجانبه شقيقته الصغرى يذاكر معها مادة الجيولوجيا المعقدة. كان آدم يمثل في تركيبته النفسية والشخصية مزيجاً غريباً ومثيراً للجدل والفضول؛ شاب في أواخر عشرينياته يربط بتناقض عجيب بين انحراف خفي وتمرد وبأسٍ شديد يخشاه كل من في البلدة، وبين احترام مفرط وصارم لتقاليد عائلته وكبارها. مهندس ذكي تخرج من كليته بتفوق وتخصص في المجال الزراعي ليدير أرضهم الشاسعة ومحاصيلهم بعدما توفي والده منذ زمن طويل تاركاً إياه رجلاً للمنزل في سن مبكرة.كان يجلس بجسده الطويل جداً وبنيته العريضة القوية، وبشرته القمحية اللامعة التي تميل للسمار الخمري بفعل شمس الصعيد، بينما تلمع عيناه الزرقاوان المائلتان للخضرة بنظرة حادة ونافذة ورثها عن جدته الراحلة. ورغم أنه كان قد عاد لتوه من ساحة المركز بعدما أثار مشكلة كبيرة و"علقة" ساخنة مبرحة لقنها بنفسه لأحد كبار لصوص المواشي الذي كشفه بالصدفة البحته، جعل سيرته تتردد على
كانت تجلس حور على الفراش في غرفتها الصغيرة التي باتت تبدو متسعة وموحشة بشكل مرعب منذ أسبوعين. فتاة في منتصف عشرينياتها، تحمل في ملامحها عناداً حاداً يرتسم في حدة ذقنها وضيق حاجبيها، عناد يمتزج برغبة عارمة في الانطلاق والحرية، ورغم تقلبات مزاجها التي تجعلها تبدو كطقس خريفي متقلب بين الغضب المفاجئ والهدوء التام، إلا أن سكوناً حزيناً كان يسكن نبرتها الآن. كانت تتأمل أركان الغرفة الفارغة، هي التي عاشت طوال عمرها وحيدة والديها، المدللة التي نالت الاهتمام كله، وتخرجت من كلية التجارة بتقدير، لتصطدم فجأة برغبة والدها الصارمة في بقائها بالمنزل والاكتفاء بلقب خريجة، خوفاً عليها من مجتمع يراه قبيحاً، ومكتفياً بإنهاء تعليمها لتبدأ رحلة الانتظار في البيت.انحدرت دمعة ساخنة على بشرتها القمحية، ومسحتها بظهر يد ارتعشت من فرط الحزن والوحشة، بينمابينما تدلى شعرها البني الطويل الناعم بانسيابية على كتفيها الصغيرين. بدت بقامتها القصيرة وعيونها الزرقاء الصافية، التي غامت بحمرة البكاء، كلوحة حزينة غارقة في الشجن وهي تمسك بإطار خشبي قديم يضم صورة والدتها المتوفاة منذ أسبوعين فقط. كانت تبكي بنبرة مكسورة، ضعيف







