로그인أنتهى آدم من مراجعة الأوراق الكثيرة المتناثرة أمامه على المكتب، دقق في السطور الأخيرة، ثم زفر براحة ونفض قلمه قائلًا لنفسه بصوت خفيض:
ـ تمام، جِده المحصول للست بركة رسمي، ومفيش أي غلطة واصل. أمسك الأوراق بعناية ونهض متوجهاً إلى غرفته الأساسية. فتح الباب ببطء شديد وبخطوات مدروسة حتى لا تُحدث جلبة وتستيقظ زوجته الأولى (وفاء). وجدها تغوص في نوم عميق، وملامحها الهادئة تبث في نفسه نوعًا من الذنب الخفي. وضع الورق على المكتب بهدوء، ثم اتجه صوب الخزانة، فتح إحدى ضلفها بحذر، وأخرج "جلبابه" الأسود الصعيدي المميز. أبدل ملابسه سريعًا، وخرج من الغرفة وعقله ينشغل بأمر آخر تمامًا. توجه بخطوات حثيثة نحو غرفة (حور). طرق الباب بخفة، ولم ينتظر ردًا بل فتحه وولج إلى الداخل. في تلك اللحظة، كانت حور تخرج من الحمام الملحق بالغرفة. كانت ترتدي منامة حريرية وردية اللون ذو أكمام طويلة وبنطال يصل إلى كاحلها، وشعرها الطويل مبلل تمامًا يتساقط منه رذاذ الماء على كتفيها إثر الاستحمام. فزعت حور وتراجعت خطوة للخلف، واحتل الغضب ملامحها الطفولية وقالت بنبرة حادة: ـ أنت إيه اللي دخلك هنا بالمنظر ده؟ وإزاي تدخل من غير ما تسمع إذن؟ أجابها آدم بنبرة حملت مشاكسة صريحة وعيناه تلمعان بمكر: ـ جيت أنام جنب مراتي.. في مانع يا بت عمي؟ هتمنعيني من بيتي ؟ اتسعت حدقتاها بصدمة، وضربت بكفيها على صدرها قائلة بحسم يحاول مداراة ارتباكها: ـ مراتك مين يا جدع أنت! بص.. أنت تخرج دلوقتي حالًا وتروح تنام في أوضتك جنب مراتك، وأنا هعتبر نفسي مسمعتش حاجة من التخريف ده خالص. مال برأسه قليلاً، متأملًا ملامحها الغاضبة، ثم خطى خطوة للأمام وقال بهدوء وثقة: ـ مهو أنتي كمان مراتي على سنة الله ورسوله، ولا تكوني نسيتي واصل يا حور؟ تنفست بحدة وقالت: ـ لا منستش، بس اللي أنت بتقوله ده ماينفعش ولا هينفع. أحنا متفقين على إيه؟ فلو سمحت بهدوء كده.. اخرج برة الأوضة. اقترب منها بهدوء مربك، يطالعها بنظرات غامضة جعلت دقات قلبها تتسارع. تراجعت إلى الخلف وعيناها تلمعان بالتوتر وهي تقول محذرة: ـ الزم مكانك ومتقربش.. أنا ممكن أصوت وألم عليك البيت كله وأصحّي جدو ابتسم آدم ببرود وتحدٍ وقال: ـ صوتي.. وريني صوتك هيجيب مين من أخر السرايا. ركضت حور نحو الباب بكل قوتها وهي تصرخ بأمل: ـ يا بابا! يا جد... لكنها صدمت عندما وجدت المقبض لا يتحرك. الباب مغلق بالمفتاح! التفتت بذعر، لتجده يخرج المفتاح من وراء ظهره ببطء ويحركه بين أصابعه قائلًا بسخرية: ـ بتدوري على ده يا بت عمي؟ المفتاح معايا أنا. نظرت للمفتاح بصدمة وشعرت بركبتيها تكادان تخذلانها، وقالت بصوت مرتعش: ـ لا لا لا مستحيل.. أنت مش هتعمل فيا حاجة، احنا بينا اتفاق.. مش كُده؟ أدخل المفتاح في جيب جلبابه الأسود وعيناه تزدادان إظلامًا وقال بنبرة صعيدية بحتة: ـ هنشوف دلوجتي عاد.. عشان تبطلي طول لسانك ده. وما إن خطى خطوة واحدة قاصدًا إياها، حتى فقدت حور شجاعتها المزيفة وركضت إلى أقصى زاوية في الغرفة، وجلست على ركبتيها وهي تبكي بحسرة وخوف مما قد يفعله بها. اقترب منها بهدوء وبداخله رغبة عارمة في الضحك على تلك الجبانة التي تدعي القوة، لكنه أراد تلقينها درسًا. أما هي، فحاولت ارتداء قناع القوة مجددًا وصرخت بنحيب: ـ أحنا المفروض جوازنا صوري مش أكتر! ولما المشكلة دي تخلص وكل واحد يروح لحاله.. أنت مالكش حق عليا! أظلمت عيناه تمامًا واختفت معالم المشاكسة ليحل محلها الجد، وقال بصوت جهوري: ـ صوري!! بس أنا هخليه حجيجي (حقيقي) يا بت عمي.. ووريني هتعملي إيه دلوجتي ومرعي وبابا هيقولوا إيه لآدم وهو في أوضة مراته! أمسك يدها بقوة خشنة ولكن حذرة، ثم ألقاها على الفراش خفيفة كالعصفور، وتسطح فوقها مباشرة محاصرًا إياها بجسده. وضعت حور يديها على وجهها تبكي بحرقة وترتعش كالعصفور البلل تحت وطأة جسده وقوته. مد آدم يده وأمسك خصلة من شعرها المبلل، وتأمل وجهها المختبئ خلف كفيها، ثم قال بنبرة هادئة حملت الكثير من السخرية والحنان الدفين: ـ يا عيني عليكي يا بت عمي.. مكنتش أعرف أنك خفيفة جِده وجبانة، وبكلمتين تتنافضي كدا! أزاحت يديها عن عينيها بشك وذهول، لتجده يبتسم برقة، وقبل أن تستوعب، مال وقبل جبينها بخفة شديدة هدأ لها روعها. نهض بعيدًا عنها وتسطح على الجانب الآخر من الفراش ووضع ذراعه أسفل رأسه لينام. نهضت حور من مكانها بسرعة، وجلست فوق الفراش وهي تمسح دموعها بغيظ شديد وقالت بغضب عارم: ـ طب والله كنت عارفة.. كنت عارفة أنك مش هتعمل حاجة وبتخوفني وترخم عليا وخلاص! التفت إليها ونظر لها بطرف عينه وقال: ـ يا شيخة؟ أومال خوفتي لية وكنتي بتصوتي؟ ده أنتي لسه بترتعشي من اللي حُصل ونفسك قايم نايم! ـ ولله العظيم أنت مجنون رسمي، وأنا يستحيل أعيش معاك في مكان واحد بعد كده! رفع إحدى حاجبيه بنبرة محذرة وصوت أجش: ـ وبعدين عاد؟ متخلنيش أقوملك تاني وأوريكي الجنان الحقيقي.. تعالي نامي جِده زي الشاطرة وخشي جوة اللحاف بدل ما أجي أنيمك بالعافية. ابتلعت لعابها بتوتر شديد، ونظرت لجسده القوي، ثم قالت بصوت خفيض للغاية حتى لا يسمعها: ـ حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا آدم.. تسطحت على أقصى طرف الفراش، تاركة مسافة كبيرة بينهما، ليقول لها بنبرة ساخرة وهو يغلق عينيه: ـ متخافيش.. أنا مش هعضك، نامي وأنتي مطمنة. نظرت له شزرًا في الظلام، ثم أعطته ظهرها وحاولت إجبار عينيها على النوم، ودقات قلبها المضطربة تعزف لحنًا غريبًا لم تعهده من قبل. الساعة قاربت على الثانية بعد منتصف الليل. استيقظت حور من نومها فجأة إثر حركة بجانبها، لتجد وجه آدم في وجهها مباشرة بفعل تقلبه أثناء النوم. ابتعدت عنه بفزع وهي تحاول استجماع شتات وعيها وتذكر ما الذي جاء به إلى غرفتها. تنهدت بتعب وضيق بعدما تذكرت تفاصيل مشاكستهما. حاولت العودة للنوم، لكن النوم جفا عينيها تمامًا. ظلت تنظر لذلك النائم بجانبها بهدوء، وتدريجيًا احتلت ابتسامة رقيقة شفتيها. مدت يدها بتردد شديد، ووضعت أناملها على وجهه تتحسس لحيته النامية قليلاً. شعرت بوخز في قلبها؛ إنها تخاف.. تخاف بشدة أن تقع في حب ذلك المتعجرف، فهو بالنسبة لها حب مستحيل ومعقد. لن تبني سعادتها أبدًا على حساب حياة (وفاء)، تلك المرأة المسكينة والطيبة التي قبلت بوجودها وضحت بالكثير. تخيلت حور لو أنها مكان وفاء، كيف سيكون شعورها؟ المؤكد أنها كانت ستفتك بأي امرأة تتجرأ على اقترابها من زوجها. ضحكت بخفوت وهي تتخيل أن (آدم) هو زوجها الحقيقي الفعلي، بدون تلك الظروف المعقدة والثأر والمشاكل.. مؤكد أنها كانت ستكون هانئة وسعيدة، فهو رغم عصبيته، مشاغب وحنون. قالت لنفسها بدهشة وعتاب: ـ هو أنا لحقت أعرفه عشان أحبه؟ ما يمكن يطلع وحش وأناني.. أنا معرفوش كويس اصلا، بطلي بقى يا حور تحكمي على الناس من أول نظرة وعيشي الواقع. نهضت من على الفراش بهدوء حرصًا على عدم إيقاظه. أخذت مفتاح الغرفة الذي وضعه على الكومود، وفتحت الباب ببطء وخرجت. كانت تشعر باختناق ورغبة في استنشاق هواء نقي. اتجهت إلى الخارج حيث الزرع والأشجار الممتدة خلف السرايا. فتحت الباب الخارجي الضخم، وما إن لامست قدماها العشب حتى شعرت بحرية غريبة. ركضت بطفولية في الحديقة الصغيرة، وتخطت السور القصير الذي يحيط بها، ودخلت في عمق أراضي الزرع الواسعة التابعة لعائلتها. دخلت بين الزرع بفرحة غارمة، تجري وتلمس الأوراق الخضراء كطفلة صغيرة وجدت لعبتها المفقودة. وقفت وسط الظلام الدامس وقالت لنفسها بتساؤل: ـ يا تري الزرع ده نوعه إيه ؟ كان الزرع طويلاً وكثيفًا يصل إلى مستوى صدرها، وتحيط به أشجار ضخمة ذو أوراق كثيفة تحجب ضوء القمر جزئيًا. فجأة، سكنت الرياح، وشعرت بحركة غريبة وغير طبيعية من حولها. التفتت يمينًا ويسارًا برعب، وبدأت دقات قلبها تقرع ك الطبول وقالت بصوت مرتعش: ـ مين.. مين هنا؟ آدم؟ داعبتها نسمات هواء مفاجئة، فتنحّت شكوكها قليلًا، وابتسمت بهدوء محاولة طمأنة نفسها: ـ ده الهواء يا حور.. متقلقيش أنتي يعتبر لسه ف البيت لكن شعورًا غامضًا بالخطر داهمها، فقررت العودة سريعًا إلى المنزل. استدارت لتركض، وفجأة، أبصرت وميضًا برتقاليًا يتحرك بسرعة خلف الأشجار، وتصاعدت رائحة احتراق قوية، وقبل أن تستوعب ما يحدث، حاصرتها ألسنة لهب ضخمة اندلعت فجأة من كل جانب كأنما أُلقي عليها مواد مشتعلة! تعثرت قدمها بجذع شجرة وسقطت أرضًا وهي تصرخ بكل ما أوتيت من قوة: ـ اااااااااااااااااااااه!!! الحقونى!!! نار!!!!أنتهى آدم من مراجعة الأوراق الكثيرة المتناثرة أمامه على المكتب، دقق في السطور الأخيرة، ثم زفر براحة ونفض قلمه قائلًا لنفسه بصوت خفيض:ـ تمام، جِده المحصول للست بركة رسمي، ومفيش أي غلطة واصل.أمسك الأوراق بعناية ونهض متوجهاً إلى غرفته الأساسية. فتح الباب ببطء شديد وبخطوات مدروسة حتى لا تُحدث جلبة وتستيقظ زوجته الأولى (وفاء). وجدها تغوص في نوم عميق، وملامحها الهادئة تبث في نفسه نوعًا من الذنب الخفي. وضع الورق على المكتب بهدوء، ثم اتجه صوب الخزانة، فتح إحدى ضلفها بحذر، وأخرج "جلبابه" الأسود الصعيدي المميز. أبدل ملابسه سريعًا، وخرج من الغرفة وعقله ينشغل بأمر آخر تمامًا.توجه بخطوات حثيثة نحو غرفة (حور). طرق الباب بخفة، ولم ينتظر ردًا بل فتحه وولج إلى الداخل. في تلك اللحظة، كانت حور تخرج من الحمام الملحق بالغرفة. كانت ترتدي منامة حريرية وردية اللون ذو أكمام طويلة وبنطال يصل إلى كاحلها، وشعرها الطويل مبلل تمامًا يتساقط منه رذاذ الماء على كتفيها إثر الاستحمام.فزعت حور وتراجعت خطوة للخلف، واحتل الغضب ملامحها الطفولية وقالت بنبرة حادة:ـ أنت إيه اللي دخلك هنا بالمنظر ده؟ وإزاي تدخل من غير
أنتهى آدم من مراجعة الأوراق الكثيرة المتناثرة أمامه على المكتب، دقق في السطور الأخيرة، ثم زفر براحة ونفض قلمه قائلًا لنفسه بصوت خفيض:ـ تمام، جِده المحصول للست بركة رسمي، ومفيش أي غلطة واصل.أمسك الأوراق بعناية ونهض متوجهاً إلى غرفته الأساسية. فتح الباب ببطء شديد وبخطوات مدروسة حتى لا تُحدث جلبة وتستيقظ زوجته الأولى (وفاء). وجدها تغوص في نوم عميق، وملامحها الهادئة تبث في نفسه نوعًا من الذنب الخفي. وضع الورق على المكتب بهدوء، ثم اتجه صوب الخزانة، فتح إحدى ضلفها بحذر، وأخرج "جلبابه" الأسود الصعيدي المميز. أبدل ملابسه سريعًا، وخرج من الغرفة وعقله ينشغل بأمر آخر تمامًا.توجه بخطوات حثيثة نحو غرفة (حور). طرق الباب بخفة، ولم ينتظر ردًا بل فتحه وولج إلى الداخل. في تلك اللحظة، كانت حور تخرج من الحمام الملحق بالغرفة. كانت ترتدي منامة حريرية وردية اللون ذو أكمام طويلة وبنطال يصل إلى كاحلها، وشعرها الطويل مبلل تمامًا يتساقط منه رذاذ الماء على كتفيها إثر الاستحمام.فزعت حور وتراجعت خطوة للخلف، واحتل الغضب ملامحها الطفولية وقالت بنبرة حادة:ـ أنت إيه اللي دخلك هنا بالمنظر ده؟ وإزاي تدخل من غير
في الصباح التالي، كان بهو المنزل يضج بالهدوء المستكين الذي يسبق العواصف. وفي الطابق العلوي، كانت وفاء تجلس على فراشها تبكي بحرقة وتلطم وجنتيها تندب حظها التعيس؛ فزوجها آدم يجلس بالأسفل الآن ليعقد قرانه على تلك القاهرية حور. لقد كانت تخشى دائماً أن ينظر آدم لأخرى، ولم تتخيل أبداً أن يتزوج بهذه السرعة الخاطفة وكأنه كان ينتظر قدومها بفارغ الصبر. وفي الأسفل، كانت حور تجلس بتوتر واضح على مقعد مجاور لوالدها وجدها، بينما يجلس آدم بزيه الصعيدي الأنيق بجانب المأذون والشاهدين. ساد الصمت لبرهة قبل أن ينهي المأذون الإجراءات الرسمية، ويسجل عقد القران في دفتره، ثم صدح بصوته الوقور: _ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير. وما إن أنهى جملته، حتى أطلقت ثريا زغرودة عالية رنت في أرجاء المنزل؛ فبالرغم من معرفتها بأن الزواج صوري، إلا أن الأصول والعادات الصعيدية تفرض إعلان الفرحة بالزغاريد في كل زواج. انصرف الشاهدان بعد تهنئة العروسين، وأمسك المأذون دفتره ونهض ليوصله أنور إلى الباب الخارجي. في تلك الأثناء، انسحب أسعد وورد بذكاء من الصالة ليتركا العروسين بمفردهما قليلاً كي يتحدثا ويتعرافا أكثر.
اجتمع الجميع حول مائدة الطعام الكبيرة التي كانت تفوح بأشهى المأكولات الصعيدية. جلس أنور في المنتصف يترأس السفرة بهيبته المعهودة، وبجانبه الأيمن جلس ابنه أسعد، بينما جلست حور بجانبه الأيسر دليلاً على ترحيبه الشديد بها وبناءً على طلبه وإصراره. في تلك الأثناء، تقدم آدم من السفرة بخطوات واثقة، ونظر إلى مكانه الشاغر الذي احتله الآخرون، فقال بمرح يحاول به تلطيف الأجواء:_ إيه ده أنا أتاخد مكاني ولا إيه؟ طبعاً ما أنا أتحطيت على الرف!ضحك أنور بصوت جهوري ملوحاً بيده وقال:_ أجعد ياض، أنا اللي جولت لحور تجعد جمبي.غمز له آدم بابتسامة خبيثة تملؤها المداعبة وهو يقول:_ طبعاً.. ما هي شبه الغالية!شعرت حور بحرج شديد يسري في أوصالها، فنهضت بسرعة من على مقعدها وقالت بلهجة قاهرية مرتبكة:_ أنا آسفة.. مكنتش أعرف إنه مكانك.قبل أن تبتعد، وضع آدم يده بلطف على ذراعها ليعيد إجلاسها عنوة، وهو يقول بنبرة ودودة ترحيبية:_ عيب عليكي، ده أنتي صاحبة مكان يا بنت عمي، أجعدي في المكان اللي يريحك.جلس آدم على المقعد المجاور لها مباشرة. وفي تلك اللحظة، جاءت وفاء وهي تحمل الأطباق الإضافية، وتوقفت تنظر إليهم بدهشة وضي
(الفصل الثاني)دلف وليد إلى شركة والده بشموخ وهو يرى نظرات الفتيات من حوله المعجبة، وصل إلى مكتبه الخاص "المدير التنفيذي"، فتح الباب بهدوء، عقد حاجبيه بدهشة بسبب عدم وجود السكرتيرة، دلف إلى مكتبه ليجدها تمسك أحد الأوراق وتعبث بها._ بتعملي إيه يا نيفين؟قالها بدهشة، انتفضت نيفين من مكانها ثم قالت بتوتر:_ أنا.....أنا كـ كنت بدور على ورق المناقصة الجاية، بشوف مضيته ولا لسة.تنهد بتعب ثم قال:_ لا لسة ممضتوش.تقدم من المكتب وجلس على المقعد المتحرك، أمسك يد نيفين وقربها منه، جلست نيفين على قدمه ولفت يدها حول رقبته ثم قالت بغنج مدروس:_ مالك يا حبيبي؟سند رأسه على صدرها وقال:_ تعبان يا نيفين، حاسس أن الدنيا بتتكركب فوق دماغي.ربتت على ظهره بحنو مزيف وقالت:_ ليه بس يا حبيبي، متقلقش كل مره بتبقا قلقان على الفاضي وفي الأخر بتكسب المناقصة، ملوش لازمة القلق._ المشكله مش في المناقصة.ابتعدت عنه وقالت:_ أومال إيه؟_ مفيش شويه مشاكل في البيت.عانقته بحب وقالت:_ يا حبيبي كله هيبقى تمام متقلقش.كانت تجلس في القطار المتجه إلى سوهاج، تتنهد بارتياح لقد تخلصت من وليد، ولن يتمكن من إيجادها، تذكرت و
وفي أقصى صعيد مصر، وتحديداً في محافظة سوهاج حيث القيظ والتقاليد الراسخة كالجبال، كان الوضع مختلفاً تماماً ومشحوناً بنوع آخر من الصراعات. على طاولة الطعام الخشبية الكبيرة في ردهة المنزل الواسع، كان آدم يجلس وبجانبه شقيقته الصغرى يذاكر معها مادة الجيولوجيا المعقدة. كان آدم يمثل في تركيبته النفسية والشخصية مزيجاً غريباً ومثيراً للجدل والفضول؛ شاب في أواخر عشرينياته يربط بتناقض عجيب بين انحراف خفي وتمرد وبأسٍ شديد يخشاه كل من في البلدة، وبين احترام مفرط وصارم لتقاليد عائلته وكبارها. مهندس ذكي تخرج من كليته بتفوق وتخصص في المجال الزراعي ليدير أرضهم الشاسعة ومحاصيلهم بعدما توفي والده منذ زمن طويل تاركاً إياه رجلاً للمنزل في سن مبكرة.كان يجلس بجسده الطويل جداً وبنيته العريضة القوية، وبشرته القمحية اللامعة التي تميل للسمار الخمري بفعل شمس الصعيد، بينما تلمع عيناه الزرقاوان المائلتان للخضرة بنظرة حادة ونافذة ورثها عن جدته الراحلة. ورغم أنه كان قد عاد لتوه من ساحة المركز بعدما أثار مشكلة كبيرة و"علقة" ساخنة مبرحة لقنها بنفسه لأحد كبار لصوص المواشي الذي كشفه بالصدفة البحته، جعل سيرته تتردد على







