تسجيل الدخول(الفصل الثاني)
دلف وليد إلى شركة والده بشموخ وهو يرى نظرات الفتيات من حوله المعجبة، وصل إلى مكتبه الخاص "المدير التنفيذي"، فتح الباب بهدوء، عقد حاجبيه بدهشة بسبب عدم وجود السكرتيرة، دلف إلى مكتبه ليجدها تمسك أحد الأوراق وتعبث بها.
_ بتعملي إيه يا نيفين؟
قالها بدهشة، انتفضت نيفين من مكانها ثم قالت بتوتر:
_ أنا.....أنا كـ كنت بدور على ورق المناقصة الجاية، بشوف مضيته ولا لسة.
تنهد بتعب ثم قال:
_ لا لسة ممضتوش.
تقدم من المكتب وجلس على المقعد المتحرك، أمسك يد نيفين وقربها منه، جلست نيفين على قدمه ولفت يدها حول رقبته ثم قالت بغنج مدروس:
_ مالك يا حبيبي؟
سند رأسه على صدرها وقال:
_ تعبان يا نيفين، حاسس أن الدنيا بتتكركب فوق دماغي.
ربتت على ظهره بحنو مزيف وقالت:
_ ليه بس يا حبيبي، متقلقش كل مره بتبقا قلقان على الفاضي وفي الأخر بتكسب المناقصة، ملوش لازمة القلق.
_ المشكله مش في المناقصة.
ابتعدت عنه وقالت:
_ أومال إيه؟
_ مفيش شويه مشاكل في البيت.
عانقته بحب وقالت:
_ يا حبيبي كله هيبقى تمام متقلقش.
كانت تجلس في القطار المتجه إلى سوهاج، تتنهد بارتياح لقد تخلصت من وليد، ولن يتمكن من إيجادها، تذكرت والدها وهو يقص عليها ما حدث.
Flash back
_فُرجت يا حور.
صاح بها أسعد والفرحة تمتلكه، نهضت حور من على الأريكة وقالت بدهشة:
_ مالك يا بابا، وهو إيه اللى فُرجت؟
أمسك يدها وقال بفرحة:
_ جدك أتصل بيا من شوية، وطلب مني أني أقعد عنده أنا وأنتي في سوهاج.
قالت بفرحة:
_ ولله... طب دا احنا كتيرنا أسبوع ونرجع، يبقا لسه متحلتش.
_ لا أنا في دماغي حاجه لو نفعت هتبقي في أمان على طول.
_ بجد ط.....، هتبقي!!!، طب وأنت؟
وضع يده على إحدى وجنتيها وقال:
_ أنتي إلى في خطر يا حببتي، أنا لو بقيت لوحدي وليد مش هيعملِ حاجه.
قالت بتوتر:
_ أنت متأكد يا بابا؟
عانقها بحرارة قائلاً:
_ كله هيبقى تمام، أن شاء الله خير.
Back
وضعت رأسها على كتف والدها الذي أبتسم بحنان، أغمضت عيناها بأرتياح وهي تشعر أن حياتها الهادئة سوف تعود مرة أخرى.
( بعد عدة ساعات )
توقف القطار معلن الوصول إلى سوهاج، ترجل أسعد من القطار هو وأبنته حور الذي نظرت حولها بتوتر من هذه البلدة الغريبة عنها هي وأهلها، أمسكت يد والدها برهبة وقالت:
_ بابا متأكد أننا هنعرف نتأقلم هنا؟
نظر حوله بشوق وهو يعيد ذكريات الماضي في خلده ثم قال:
_ بصي هي الناس شكلها غريب ويبان أنهم متعصبين من غير سبب، بس جربي كده تطلبي مساعدة حد منهم، ميتأخروش أبداً.
تنهدت بهدوء وقالت:
_ ربنا يستر، هو مفيش حد هيستقبلنا؟
_ لا أنا مقولتش لحد أني جاي النهاردة، أنا قولتلهم هزوركم قريب وبس، عاوز أعمل مفاجأه لجدك.
ابتسمت بفرحة وقالت:
_ جدو انور اللي كان بيقعد يقولي يا حور العين.
أوقف إحدى سيارات الأجرة وقال:
_ البلينا ياسطي.
(بلد في سوهاج)
أشار لهم السائق بالركوب، صعد أسعد و حور السيارة ثم قال لها مكملاً حديثة:
_ أيوه الله ينور عليكي هو دا، كويس انك لسة فاكرة.
أبتسمت للذكرى وقالت:
_ كان يوم عزا جدتي، مش فاكرة أوي إلى حصل بس كان في نونو صغنن كنت بلعب بيها، وجدو كان كل شوية يحضني ويقولي فيكي شبه من الغالية، صحيح يابابا هيَ مين الغالية إلي كان جدو يقصدها؟
_ جدتك الله يرحمها كانت عيناها زرقاء زيك، وأنتي ورثتي عنيها، نفس الرسمة ونفس اللون، أنتي وآدم نفس لون العينين تقريباً.
قالت له بدهشة:
_ آدم مين؟
_ أبن عمك، تلاقيه كبر دلوقتي وأتجوز ومعاه عيال كمان.
هزت رأسها بنفي وقالت:
_ بس أنا مش فاكراه خالص.
_ مهو كان دايما مع الرجالة، وقتها الناس كلها كانت بتقول لعمك أحمد الله يرحمه أنه خلف راجل والمفروض يكون فخور بيه.
_ الله يرحمه.
_ الله يرحمه.
(بعد مدة زمنية قصيرة)
ترجلت حور من السيارة وهي تحمل حقيبتها على ظهرها، ويتبعها والدها وهو يجر ورأه حقيبة أخرى.
نظر أسعد للحقيبة حور وقال:
_ أنتي متأكدة أن دي هتكفيكِ فترة طويلة؟
هزت رأسها بـ ضحك فيبدو أن النقاش مع والدها بلا جدوى، قالت:
_ يابابا سألتني السؤال ده 100 مرة، أيوه والله هتكفيني، لما نوصل هبقا أفتحها لك واوريك هيَ شايلة قد إيه.
_ أنتي حرة.
نظرت حور إلى طابع ذلك المنزل الغريب وقالت:
_ بابا هو أحنا وقفنا هنا ليه؟
_ دا بيت جدك.
ضيقت عينيها وقالت:
_ هو ده، بس هو كان غير كده تقريباً.
_ لا هو دا بس أنتي مش فاكرة كويس.
كان المنزل مكون من طابقين، يحيطه حديقة صغيرة، وسور قصير نسبياً، خطي أسعد بضع خطوات إلى المنزل ووراءه حور الذي كانت تلف حول نفسها وهي تنظر للأراضي الزراعية بانبهار، توقف أسعد أمام الباب وتنهد بأشتياق ثم طرق الباب بهدوء، ثوان وفتح الباب، وظهرت وفاء من وراء الباب تنظر لهم بدهشة ثم قالت:
_ أيوه.
حمحم أسعد ثم قال:
_ الحج انور موجود؟
_ نجول له مـ.....
قاطعها أحدهم من الداخل وهو يقول بنبرة رجولية خشنة:
_ مين يا وفاء، أوعي من جدام الباب.
ابتعدت وفاء سريعاً وهي تقول:
_ أمرك يا سي آدم.
فتح الباب على أخره ليظهر آدم صاحب تلك العيون الزرقاء:
_ أيوة يا أفندي أ......
توقف عن الحديث، وضيق عيناه وهو يقول:
_ مش معجول، ده أنت بجد، عمي أسعد!
ركض ناحيته بسرعة، ثم ضمه في أحضانه بفرحة وهو يقول:
_ وأه يا عمي أتوحشتك جوي.
خرج من أحضانه وأمسك الحقيبة بأدب ثم قال:
_ أتفضل يا عمي نورت سوهاج كلها.
دلف أسعد بهدوء وهو ينظر حوله و ابتسامة مشرقة على مُحياه، صاح آدم قائلاً:
_ يا جدي، عمي أسعد جه.
ألتفت لـ أسعد وقال:
_ ده هيفرح جوي لما يشوفك يا عمي ده كان لساته بيفكر فيك وبيجول أنك أتوحشته ونفسه يشوفك.
خرج انور بسرعة غير مصدق ما سمعه، نظر لهم وفتح ذراعيه بحب وهو يقول:
_ ولدي حبيبي.
أرتمي أسعد بين ذراعي انور بحب، قال انور بشوق:
_ أتوحشتك يا بن البندر.
ضحك أسعد وهو مازال يحتضنه وقال:
_ أبن الصعيد يا أبوي، أنا صعيدي وهفضل صعيدي و عمري ما هبقى من البندر مهما قعدت فيها.
جاءت النساء من المطبخ على أثر الصوت، انتبهت ثريا لتلك الواقفة تنظر في الأرض، وتفرك يدها بخجل وقالت بدهشة:
_ دي حور يا أسعد؟
رفعت نظرها صوبه، وابتسم
ت بهدوء ليجيب والدها:
_ إية رأيك كبرت صح؟
فتح انور ذراعيه وقال:
_ تعالي يا زينة البنات، تعالي يا حور العين.
في الصباح التالي، كان بهو المنزل يضج بالهدوء المستكين الذي يسبق العواصف. وفي الطابق العلوي، كانت وفاء تجلس على فراشها تبكي بحرقة وتلطم وجنتيها تندب حظها التعيس؛ فزوجها آدم يجلس بالأسفل الآن ليعقد قرانه على تلك القاهرية حور. لقد كانت تخشى دائماً أن ينظر آدم لأخرى، ولم تتخيل أبداً أن يتزوج بهذه السرعة الخاطفة وكأنه كان ينتظر قدومها بفارغ الصبر.وفي الأسفل، كانت حور تجلس بتوتر واضح على مقعد مجاور لوالدها وجدها، بينما يجلس آدم بزيه الصعيدي الأنيق بجانب المأذون والشاهدين. ساد الصمت لبرهة قبل أن ينهي المأذون الإجراءات الرسمية، ويسجل عقد القران في دفتره، ثم صدح بصوته الوقور:_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.وما إن أنهى جملته، حتى أطلقت ثريا زغرودة عالية رنت في أرجاء المنزل؛ فبالرغم من معرفتها بأن الزواج صوري، إلا أن الأصول والعادات الصعيدية تفرض إعلان الفرحة بالزغاريد في كل زواج.انصرف الشاهدان بعد تهنئة العروسين، وأمسك المأذون دفتره ونهض ليوصله أنور إلى الباب الخارجي. في تلك الأثناء، انسحب أسعد وورد بذكاء من الصالة ليتركا العروسين بمفردهما قليلاً كي يتحدثا ويتعرافا أكثر.جل
اجتمع الجميع حول مائدة الطعام الكبيرة التي كانت تفوح بأشهى المأكولات الصعيدية. جلس أنور في المنتصف يترأس السفرة بهيبته المعهودة، وبجانبه الأيمن جلس ابنه أسعد، بينما جلست حور بجانبه الأيسر دليلاً على ترحيبه الشديد بها وبناءً على طلبه وإصراره. في تلك الأثناء، تقدم آدم من السفرة بخطوات واثقة، ونظر إلى مكانه الشاغر الذي احتله الآخرون، فقال بمرح يحاول به تلطيف الأجواء:_ إيه ده أنا أتاخد مكاني ولا إيه؟ طبعاً ما أنا أتحطيت على الرف!ضحك أنور بصوت جهوري ملوحاً بيده وقال:_ أجعد ياض، أنا اللي جولت لحور تجعد جمبي.غمز له آدم بابتسامة خبيثة تملؤها المداعبة وهو يقول:_ طبعاً.. ما هي شبه الغالية!شعرت حور بحرج شديد يسري في أوصالها، فنهضت بسرعة من على مقعدها وقالت بلهجة قاهرية مرتبكة:_ أنا آسفة.. مكنتش أعرف إنه مكانك.قبل أن تبتعد، وضع آدم يده بلطف على ذراعها ليعيد إجلاسها عنوة، وهو يقول بنبرة ودودة ترحيبية:_ عيب عليكي، ده أنتي صاحبة مكان يا بنت عمي، أجعدي في المكان اللي يريحك.جلس آدم على المقعد المجاور لها مباشرة. وفي تلك اللحظة، جاءت وفاء وهي تحمل الأطباق الإضافية، وتوقفت تنظر إليهم بدهشة وضي
(الفصل الثاني)دلف وليد إلى شركة والده بشموخ وهو يرى نظرات الفتيات من حوله المعجبة، وصل إلى مكتبه الخاص "المدير التنفيذي"، فتح الباب بهدوء، عقد حاجبيه بدهشة بسبب عدم وجود السكرتيرة، دلف إلى مكتبه ليجدها تمسك أحد الأوراق وتعبث بها._ بتعملي إيه يا نيفين؟قالها بدهشة، انتفضت نيفين من مكانها ثم قالت بتوتر:_ أنا.....أنا كـ كنت بدور على ورق المناقصة الجاية، بشوف مضيته ولا لسة.تنهد بتعب ثم قال:_ لا لسة ممضتوش.تقدم من المكتب وجلس على المقعد المتحرك، أمسك يد نيفين وقربها منه، جلست نيفين على قدمه ولفت يدها حول رقبته ثم قالت بغنج مدروس:_ مالك يا حبيبي؟سند رأسه على صدرها وقال:_ تعبان يا نيفين، حاسس أن الدنيا بتتكركب فوق دماغي.ربتت على ظهره بحنو مزيف وقالت:_ ليه بس يا حبيبي، متقلقش كل مره بتبقا قلقان على الفاضي وفي الأخر بتكسب المناقصة، ملوش لازمة القلق._ المشكله مش في المناقصة.ابتعدت عنه وقالت:_ أومال إيه؟_ مفيش شويه مشاكل في البيت.عانقته بحب وقالت:_ يا حبيبي كله هيبقى تمام متقلقش.كانت تجلس في القطار المتجه إلى سوهاج، تتنهد بارتياح لقد تخلصت من وليد، ولن يتمكن من إيجادها، تذكرت و
وفي أقصى صعيد مصر، وتحديداً في محافظة سوهاج حيث القيظ والتقاليد الراسخة كالجبال، كان الوضع مختلفاً تماماً ومشحوناً بنوع آخر من الصراعات. على طاولة الطعام الخشبية الكبيرة في ردهة المنزل الواسع، كان آدم يجلس وبجانبه شقيقته الصغرى يذاكر معها مادة الجيولوجيا المعقدة. كان آدم يمثل في تركيبته النفسية والشخصية مزيجاً غريباً ومثيراً للجدل والفضول؛ شاب في أواخر عشرينياته يربط بتناقض عجيب بين انحراف خفي وتمرد وبأسٍ شديد يخشاه كل من في البلدة، وبين احترام مفرط وصارم لتقاليد عائلته وكبارها. مهندس ذكي تخرج من كليته بتفوق وتخصص في المجال الزراعي ليدير أرضهم الشاسعة ومحاصيلهم بعدما توفي والده منذ زمن طويل تاركاً إياه رجلاً للمنزل في سن مبكرة.كان يجلس بجسده الطويل جداً وبنيته العريضة القوية، وبشرته القمحية اللامعة التي تميل للسمار الخمري بفعل شمس الصعيد، بينما تلمع عيناه الزرقاوان المائلتان للخضرة بنظرة حادة ونافذة ورثها عن جدته الراحلة. ورغم أنه كان قد عاد لتوه من ساحة المركز بعدما أثار مشكلة كبيرة و"علقة" ساخنة مبرحة لقنها بنفسه لأحد كبار لصوص المواشي الذي كشفه بالصدفة البحته، جعل سيرته تتردد على
كانت تجلس حور على الفراش في غرفتها الصغيرة التي باتت تبدو متسعة وموحشة بشكل مرعب منذ أسبوعين. فتاة في منتصف عشرينياتها، تحمل في ملامحها عناداً حاداً يرتسم في حدة ذقنها وضيق حاجبيها، عناد يمتزج برغبة عارمة في الانطلاق والحرية، ورغم تقلبات مزاجها التي تجعلها تبدو كطقس خريفي متقلب بين الغضب المفاجئ والهدوء التام، إلا أن سكوناً حزيناً كان يسكن نبرتها الآن. كانت تتأمل أركان الغرفة الفارغة، هي التي عاشت طوال عمرها وحيدة والديها، المدللة التي نالت الاهتمام كله، وتخرجت من كلية التجارة بتقدير، لتصطدم فجأة برغبة والدها الصارمة في بقائها بالمنزل والاكتفاء بلقب خريجة، خوفاً عليها من مجتمع يراه قبيحاً، ومكتفياً بإنهاء تعليمها لتبدأ رحلة الانتظار في البيت.انحدرت دمعة ساخنة على بشرتها القمحية، ومسحتها بظهر يد ارتعشت من فرط الحزن والوحشة، بينمابينما تدلى شعرها البني الطويل الناعم بانسيابية على كتفيها الصغيرين. بدت بقامتها القصيرة وعيونها الزرقاء الصافية، التي غامت بحمرة البكاء، كلوحة حزينة غارقة في الشجن وهي تمسك بإطار خشبي قديم يضم صورة والدتها المتوفاة منذ أسبوعين فقط. كانت تبكي بنبرة مكسورة، ضعيف







