LOGINكان القمر المكتمل ينعكس فوق الأشجار العملاقة، ناشرًا ضوءًا فضيًا جعل الغابة تبدو كعالمٍ آخر… عالم لا ينتمي للبشر.
ركض كايزور بين الأشجار بسرعة هائلة، وقدماه تضربان الأرض بقوة بينما كان هانتر يزأر داخله بلا توقف. — "أسرع!" كانت رائحة رفيقته ما تزال عالقة في الهواء، خفيفة ومتقطعة، كأنها تهرب منه عمدًا. قبض كايزور على فكه بغضب. كيف استطاعت الاختفاء بهذه السرعة؟ أي أنثى ليكان كانت ستخضع فور شعورها برابطة الرفقاء… إلا هذه الفتاة. هذه… تهرب. وذلك وحده أشعل شيئًا خطيرًا داخله. قفز فوق صخرة ضخمة، ثم توقف فجأة حين التقط سمعه صوت عواء حاد مزق سكون الليل. ليس عواء ذئب عادي. عواء ألم. اتسعت عينا هانتر بعنف. — "إنها!" في اللحظة التالية اندفع كايزور بأقصى سرعة نحو مصدر الصوت، بينما بدأت رائحة الدم تصل إليه تدريجيًا. رائحة دم أنثى. ورائحة وحوش الظل. زمجر بقسوة. وحوش الظل كانت مخلوقات متوحشة تعيش في أعماق الغابات الشمالية، لا تهاجم إلا إذا كانت جائعة… أو إذا استشعرت ضعفًا. وحالما اخترق الأشجار الأخيرة أمامه، تجمد للحظة أمام المشهد. وسط ساحة صغيرة بين الصخور، وقفت ذئبة ضخمة ذات فراء أبيض ناصع تتخلله خطوط ذهبية لامعة تحت ضوء القمر. كانت مذهلة. أقرب لمخلوق أسطوري من كونها ذئبة. عيناها الفيروزيتان المتوهجتان كانتا مليئتين بالغضب والتحدي، بينما الدماء تغطي جانبًا من جسدها الأبيض. وحولها… ستة من وحوش الظل. كانت تقاتل بشراسة مذهلة رغم الإرهاق الواضح عليها. انقض أحد الوحوش نحوها، فقفزت جانبًا وغرست أنيابها في عنقه بعنف قبل أن تمزقه بمخالبها الذهبية. لكن وحشًا آخر باغتها من الخلف. أطلقت عواء ألم حاد حين غرست مخالبه في كتفها. وفي تلك اللحظة… فقد هانتر السيطرة. زئير مرعب هزّ الغابة بالكامل قبل أن يقفز كايزور إلى ساحة القتال، وتحوله يبدأ فورًا. امتدت مخالبه، وتمزقت ثيابه بينما خرج الوحش الملكي داخله أخيرًا. ظهر ذئبه الأسود الهائل ككابوس حي. تراجع حتى وحوش الظل للحظة أمام هيبته. كان ضخمًا بصورة مرعبة، بعينين ذهبيتين متوهجتين كالنار، وفرو أسود يبتلع ضوء القمر. حالما رآه الوحوش، أطلقت أصوات خوف منخفضة. ملك الليكان. لكن الأوان كان قد فات. انقض هانتر على أول وحش ومزق عنقه بضربة واحدة، ثم استدار بعنف وغرس أنيابه في كتف الآخر ليرميه بين الصخور. الدماء غطت الأرض خلال ثوانٍ. أما الذئبة البيضاء، فتراجعت بخفة وهي تراقبه بصدمة واضحة. كانت تلهث بقوة، وجسدها المرتجف بالكاد ما يزال قادرًا على الوقوف. لكن رغم تعبها… بقيت جميلة بشكل أخاذ حتى في هيئة ذئبة. اشتم هانتر رائحتها مجددًا، فاهتز داخله بعنف. — "رفيقتي…" انقض وحشان معًا نحو كايزور، لكنه واجههما كإعصار مظلم. مخالبه الفضية مزقت جسديهما بسهولة مرعبة، بينما دوى زئيره في أرجاء الغابة. خلال دقائق فقط… ساد الصمت. سقط آخر وحش أرضًا بلا حراك، بينما وقف كايزور وسط الدماء وأنفاسه الثقيلة تتصاعد في الهواء البارد. ثم استدار نحوها. كانت الذئبة البيضاء تراقبه بحذر شديد. رغم جراحها… ورغم أنه أنقذها… إلا أنها لم تقترب. بل تراجعت خطوة للخلف. عبس كايزور داخليًا. غريب. أي أنثى كانت ستركض مباشرة نحو ألفا قوي حماها بهذا الشكل. لكنها لم تفعل. بل بدت خائفة منه. اقترب خطوة ببطء محاولًا ألا يرعبها. — "اهدئي…" خرج صوته منخفضًا وخشنًا حتى في هيئة الذئب. ارتجفت أذناها البيضاء قليلًا. ثم… التقت عيناهما مباشرة. وفي تلك اللحظة شعر بشيء يضرب صدره بقوة. تلك العيون… العيون الفيروزية نفسها. عيون الفتاة التي رآها في الاحتفال. اتسعت عينا كايزور بصدمة. مستحيل… هي؟ لكن كيف؟ قبل أن يستوعب الأمر، تعثرت الذئبة البيضاء فجأة بسبب إصابتها، وانزلقت قرب حافة صخرية حادة. لعنت بصوت منخفض بينما فقدت توازنها. وفي أقل من ثانية، اندفع كايزور نحوها وأمسكها قبل سقوطها. اصطدم جسدها بجسده الأسود الضخم، فتجمدت للحظة بين مخالبه. وشعر هانتر أخيرًا بالراحة. — "وجدتها…" لكن الذئبة البيضاء لم تسترخِ. بل رفعت رأسها نحوه بعناد واضح، رغم الألم. وكأنها ترفض أن تبدو ضعيفة أمامه. أثار ذلك ابتسامة خافتة داخله. حتى وهي مصابة… تقاومه. همس هانتر بإعجاب: — "شرسة…" خفض كايزور رأسه قليلًا، مستنشقًا رائحتها مجددًا، فاجتاحه ذلك المزيج الساحر من الياسمين والثلج. كانت قريبة جدًا الآن… لدرجة أنه شعر بأن ذئبه يكاد يفقد عقله بالكامل. أما هي، فبدأت ترتجف بخفة حالما أحاطتها رائحته المظلمة. المسك… المطر… الغابات الباردة… رائحة ألفا حقيقي. حاولت الابتعاد، لكنه شدّها نحوه غريزيًا. زمجرت بخفوت اعتراضًا. ابتسم كايزور أخيرًا لأول مرة تلك الليلة. — "بعد كل هذا الهروب… ما زلتِ تحاولين الفرار؟" اتسعت عيناها الفيروزيتان بارتباك. ثم حدث شيء لم يتوقعه أبدًا. بدأ جسدها يلمع بضوء فضي خافت… وتحولت. تراجع كايزور خطوة بصدمة حقيقية وهو يراها تعود إلى هيئتها البشرية بين ذراعيه. شعرها الأسود الطويل انسدل فوق كتفيها كالحرير، وبشرتها البيضاء كانت مضاءة بضوء القمر، بينما بدت عيناها الفيروزيتان أكثر سحرًا عن قرب. إنها هي فعلًا. فتاة الاحتفال. رفيقته. حبس أنفاسه للحظة كاملة. أما إليانور، فرفعت نظرها إليه بتوتر واضح بعد أن أدركت أنه اكتشف حقيقتها أخيرًا. ثم همست بصوت مرتجف بالكاد سمعه: — "أرجوك… لا تجعلني أندم لأنك وجدتني…"ساد الصمت داخل المنزل بعد كلمات الجدة الأخيرة. حتى الهواء بدا أثقل حول الصندوق الأسود الموضوع فوق الأرض الخشبية المكسورة. إليانور لم تستطع إبعاد عينيها عنه. شيء داخله كان يناديها. ليس صوتًا حقيقيًا… بل إحساسًا عميقًا، قديمًا، وكأن جزءًا منها يعرف هذا الصندوق منذ زمن طويل. أما كايزور، فكان واقفًا قرب الباب المحطم، يراقب المكان بحذر رغم هدوء المنزل الظاهري. صيادو الظل ربما انسحبوا… لكنهم لم يختفوا. شعرت الجدة بنظرات إليانور، فتنهدت ببطء ثم قالت: — "افتحيه." ترددت إليانور للحظة. — "أنا؟" أومأت العجوز بهدوء. — "لن يستجيب لأحد غيرك." اقتربت إليانور ببطء، بينما كان قلبها ينبض بقوة غريبة كلما أصبحت أقرب. وحين وضعت يدها فوق الغطاء الأسود… اهتز الصندوق بخفة. تجمد الجميع. ثم ظهر ضوء فضي خافت تسلل بين الشقوق القديمة، قبل أن يُفتح القفل وحده وكأنه تعرّف عليها. اتسعت عينا إليانور بصدمة. أما الجدة… فابتسمت بحزن خفيف. — "تمامًا مثل أمك." رفعت إليانور الغطاء ببطء. وفي الداخل… لم يكن هناك ذهب ولا مجوهرات. بل ثلاث أشياء فقط. خنجر فضي قديم، مزخرف برموز غري
ساد الصمت للحظة بعد الصوت الذي تسلل إلى عقل إليانور وكايزور معًا. لكن هذا الصمت لم يكن هدوءًا… بل بداية شيء أكبر بكثير. في مكان بعيد، فوق مرتفع صخري يطل على امتداد الغابة والبلدة معًا، كان فالكر واقفًا بثبات. رداؤه الأسود كان يتحرك مع الريح الباردة، لكن عينيه الرماديتين لم تكونا تريان الطبيعة من حوله. بل شيئًا آخر. شيئًا داخل الظلام نفسه. أغمض عينيه ببطء. ثم ابتسم. — "إذًا… اكتملت الرابطة." فتح عينيه مجددًا، لكن ابتسامته اختفت تدريجيًا. لأول مرة منذ سنوات طويلة، لم يكن واثقًا. لم تكن القوة التي شعر بها عادية. لم تكن مجرد رفيقة مستيقظة، ولا مجرد قدرة نادرة. بل كانت شيئًا يتجاوز ذلك. ارتباط بين ألفا ورؤية… ورابطة غير مستقرة تتطور بسرعة غير طبيعية. همس أحد عناصره خلفه: — "سيدي… هل نواصل التقدم نحو البلدة؟" صمت فالكر للحظة. ثم رفع يده ببطء. — "توقفوا." تجمد العناصر فورًا. التفت إليهم ببطء، وعيناه أصبحت أكثر حدة. — "لن تقتربوا أكثر." ساد الصمت بينهم. أحدهم تجرأ: — "لكن الهدف—" قاطعهم فورًا: — "ليس جاهزًا بعد." اقترب خطوة إلى الأمام،
تسللت خيوط الفجر الذهبية بين الأشجار الكثيفة، بينما بدأت برودة الليل تتلاشى تدريجيًا.كانت إليانور مستلقية بين ذراعي كايزور، تستمع إلى صوت أنفاسه الهادئة وقلبها ما يزال مضطربًا من كل ما حدث.الرابطة بينهما لم تعد مجرد إحساس غامض الآن…بل أصبحت حقيقية.واضحة.حية داخل كلٍ منهما.تحركت بخفة محاولة النهوض، لكنها توقفت فورًا حين شعرت بشيء غريب يمر داخلها.وكأن الرابط بين روحيهما أصبح مفتوحًا أكثر من اللازم.رفع كايزور نظره إليها مباشرة، وكأنه شعر بالأمر نفسه.ثم فجأة…ظهرت صورة داخل رأسه.غابة.ضباب كثيف.ومنزل صغير تحيطه الأشجار.تشنج جسده فورًا.إليانور رفعت عينيها نحوه بصدمة مماثلة.— "أنت… رأيت ذلك؟"نظر إليها بصمت للحظة.ثم أدرك الأمر.وسمها الذهبي.أثناء اكتمال الرابطة، لم تكن الوحيدة التي تركت أثرها عليه.بل نقلت إليه جزءًا من قوتها أيضًا.ليس القدرة كاملة…لكن رابطًا يسمح له
اقترب كايزور منها ببطء بعد أن هدأت الموجة أخيرًا.كانت إليانور ما تزال جاثية على الأرض، أنفاسها مضطربة وعيناها الفيروزيتان غارقتين في صدمة ما حدث قبل لحظات.لكن أكثر ما أرعبها… لم يكن قوتها.بل الطريقة التي بقي فيها واقفًا بجانبها رغم كل شيء.رفع يده ببطء، ثم أمسك ذقنها برفق حتى رفعت نظرها إليه.— "انظري إليّ."فعلت.ولأول مرة منذ بداية انهيارها، لم ترَ خوفًا في عينيه.ولا ندمًا.فقط ذلك الثبات المربك الذي يجعلها تشعر بالأمان رغم العاصفة داخلها.اقترب أكثر، ثم جذبها نحوه بهدوء حتى استقرت بين ذراعيه.في البداية توتر جسدها غريزيًا، لكن دفء حضنه كان مختلفًا… ثابتًا، قويًا، وكأنه يحيط الفوضى داخلها ويمنعها من التمزق.أغمضت عينيها للحظة دون وعي.وشعرت بقلبه ينبض تحت يدها بإيقاع هادئ بعكس الفوضى التي تعيشها.خفض رأسه قليلًا، وصوته خرج خافتًا قربها:— "أخبرتكِ… لن أتركك تواجهين هذا وحدك."ارتجفت أنفاسها.ثم همست بصعوبة:— "حتى بعد
لكن كايزور لم يترك اللحظة تنجرف أكثر من ذلك. اشتدّ حضوره فجأة، ليس بعنف، بل بعمق ثابت كجذرٍ في الأرض. ضغط الألفا الذي يحيط به عاد بهدوء، لكن هذه المرة كان مختلفًا… أكثر دقة، وكأنه لا يفرض عليها السيطرة، بل يعيدها إلى ذاتها. ارتجف جسد إليانور للحظة، ثم بدأت الموجة داخلها تهدأ تدريجيًا. الذئبة التي اندفعت قبل قليل لم تختفِ، لكنها تراجعت إلى العمق، كأنها وجدت مرساة تمنعها من الانفلات. تنفّسها أصبح أبطأ. وأكثر انتظامًا. لم يعد الصراع يلتهمها بالكامل. رفع كايزور يده ببطء، ولم يلمسها مباشرة، بل وضعها بالقرب منها فقط، كإشارة ثبات لا أكثر. — "اهدئي…" قال بصوت منخفض. "لستِ وحدك داخل هذا." أغمضت إليانور عينيها للحظة، وكأنها تقاوم أثر شيء يذيبها من الداخل، ثم فتحتها مجددًا. لكن هذه المرة… لم يكن فيها ذعر فقط. بل وعيٌ متعب. — "لا تفعل ذلك…" همست بصوت مكسور قليلًا. "لا تجعلني أستسلم لهذا الشعور." نظر إليها بثبات. — "هذا ليس استسلامًا. هذا توازن." سكتت. ثم أخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تقرر أخيرًا ألا تهرب من الكلمات. — "هناك شيء آخر… لم أخبرك به بعد." ضاقت عيناه ق
كان الصمت ثقيلاً بعد تحولها، كأن الغابة نفسها تحبس أنفاسها. إليانور كانت بين ذراعيه الآن… بشرية، مرتجفة، وعيناها الفيروزيتان تبحثان عن شيء لا تعرف كيف تسميه. أما كايزور، فكان واقفًا كمن تلقّى ضربة لم يتوقعها. رفيقته. ليست مجرد ذئبة عابرة… بل هي. الفتاة التي رآها في الحفل، والتي هربت منه كأنها تعرف أن الاقتراب منه يعني السقوط في هاوية لا عودة منها.خفض نظره نحوها، وصوته خرج أخشن مما أراد: — "أنتِ… كنتِ تعلمين." ارتجفت شفتاها قليلًا. — "لم أكن أريد هذا." جملتها كانت بسيطة، لكنها حملت تعبًا أعمق من الجراح التي على جسدها. اقترب خطوة، لكن ليس باندفاع هذه المرة. كايزور الذي كان قبل قليل إعصارًا في ساحة القتال، أصبح الآن شيئًا مختلفًا… حذرًا. — "الرابطة لا تُختار يا إليانور." عند سماع اسمها من فمه، ارتجف شيء داخلها.رفعت عينيها نحوه بسرعة، وكأن الاسم نفسه كسر آخر جدار كانت تختبئ خلفه.— "لا تقترب أكثر…" همست، وهي تحاول دفعه عنها.
من وجهة نظر كايزورللمرة الأولى… سأشارك في احتفال اكتمال القمر بصفتي ملك الليكان.طوال سنوات حياتي، لم أعرف سوى التدريب، الحروب، الدماء، والتخطيط لحماية القطيع. كنت الوريث الذي أُعدّ ليحكم، لا الرجل الذي يركض خلف النساء أو يضيع وقته في الاحتفالات.لكن الآن… الأمر مختلف.والدي بدأ
إليانور الذئبة المستعصية التي لم يستطع أحد إمتلاك قلبها.. كانت تمتلك قدرة نادرة تستطيع فيها التحكم برائحة غرائزها واخفائها عن من حولها... بعد اصرار شديد من جدتها وصديقاتها روز ونارا وافقت على الذهاب إلى احتفال اكتمال القمر الذي يوافق عيد ميلادها 18... حيث كانت تسعى صديقتيها لجعلها تكسر حواجز التم







