Share

ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم
ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم
Author: ليلى عبد الرحمن

الفصل الأول

last update publish date: 2026-03-14 16:26:09

تكاثفت السحب في السماء كغطاء رمادي ثقيل، غيّب ضوء الشمس حتى صار النهار باهتا وساكنا، لينعكس هذا السكون في الخارج على حركة الرياح الباردة وهي تداعب أغصان الأشجار الجافة، فتجعلها تتمايل يمينا وشمالا برقة مفرطة، وكأن الطبيعة كلها تتهيأ لهطول مطرٍ طويل لا ينقطع. ومع تزايد هذا الشعور بالانعزال، آثرت لينا البقاء في غرفتها، مفضلة دفء سكينتها على صخب الجامعة.

استلقت على فراشها تراقب النافذة في صمتٍ مطبق، تاركة لنفسها حرية الغرق في لجّة الأحداث الأخيرة التي بدّلت موازين حياتها تماما.

ومع أولى زخات المطر التي بدأت تنقر الزجاج برتابة رقيقة، انتبهت حواسها لذلك الصوت الذي ما لبث أن استحال إلى انهمارٍ كثيف يغسل وجه النافذة. ومع تعالي رائحة الأرض المبتلة، انبعثت في مخيلتها صورة ذلك الصديق الغامض؛ وكأن المطر لم يأتِ ليروي الأرض فحسب، بل ليوقظ طيفه الذي اقتحم حياتها مؤخرا وأعاد صياغة تفاصيلها.

كانت طباعه تتركها في حيرة لا تنتهي، ففي أحيان كثيرة، يجلس بجانبها على مقاعد الدراسة، ويسترسل في شرح أفكار فلسفية عميقة وغامضة، تبدو لها وكأنها قادمة من عالم آخر لا صلة له بواقعها، لكنه فجأة، وبشكل يثير دهشتها، يغير نبرته تماما؛ فيسألها بصدق وبراءة ملحوظة عن طباع البشر، وكيف يشعرون بالحب أو الحزن، وكيف تتفاعل أحاسيسهم مع بعضها البعض. في تلك اللحظات، كان يخيّل إليها وكأنه طفل يكتشف معنى المشاعر لأول مرة، أو كأنه غريب يحاول جادا فهم قوانين عالمها البسيط.

وعلى الرغم من كل تلك الغرابة التي أحاطت به، إلا أن صدقه كان يبعث في قلبها طمأنينة نادرة؛ فقد كان لطيفا في تعامله، ومبادرا لمساعدتها حتى في أصغر تفاصيل يومها.

كان الوحيد الذي يملك القدرة بكلماته الهادئة على انتشالها من زحام همومها، وكأن صوته كان يمحو أحزانها بلمسة سحرية، لكن هذا الصديق، وبكل ما تركه من أثر، غاب عنها فجأة؛ انقطع أثره لسنة كاملة دون كلمة وداع واحدة، ليترك خلفه فراغا لم يملأه أحد، قبل أن يعود ويظهر في حياتها من جديد منذ أيام قليلة.

غير أن الظروف لم تمنحها فرصة للاقتراب منه، أو حتى سؤاله عن حاله وعن سر ذلك الغياب الطويل. فقد توارى عن أنظارها بسرعةٍ مذهلة بين الأزقة الضيقة، واختفى تماما وكأنه تبخّر في الهواء، تاركا خلفه ألف سؤال وسؤال، وشعورا بالخيبة غلفه صمت المكان.

بعد أن تلاشت صورة صديقها من مخيلتها، راحت لينا تتقلب في فراشها والقلق ينهش روحها؛ فكلما فكرت في مواجهة شيماء وشرح الحقيقة المرة، كانت ضربات قلبها تتسارع بقوة.

كانت تقسم في سرها أنها لم تملك أدنى فكرة عن هوية ذلك الخاطب، ولم يتصور عقلها يوما أن الصدفة ستقود الرجل الذي سكن قلب صديقتها سرا، ليكون هو نفسه الشخص الذي فرضه عليها والدها بإرادة قاسية.

تغلغل المرار في حلقها وهي تتساءل:

- كيف لشيماء أن تصدها هكذا؟ وكيف لسنوات الصداقة الطويلة أن تنهار في لحظة ظنّ وتخوين؟

شعرت بدموعها الساخنة تحرق وجنتيها وهي تنحدر بغزارة، فمسحتها بكفٍ مرتعشة، ثم حاولت الغوص تحت غطائها، هاربة من واقعها الذي بات يضيق عليها يوما بعد يوم.

وفي هذه اللحظة المليئة بالحزن، رن هاتفها فجأة ليقطع سكون الليل وحبل أفكارها المشتتة.

ولما أبصرت اسم شيماء يضيء شاشة هاتفها، قفز قلبها بين ضلوعها فرحا، وظنت أن ساعة الصلح قد حانت أخيرا، فتحت الخط بلهفة وسرعة، وقالت بصوت يرتجف بالأمل:

- شيماء، عزيزتي هل أنت بخير؟

ساد صمت ثقيل للحظة على الطرف الآخر، لم تسمع فيه لينا سوى أنفاس مضطربة، ثم جاءها صوت الخالة سوزان متهدجا ومخنوقا بالبكاء، ليقطع خيط الفرح الذي نسجته في خيالها، فاستغربت لينا وتغيرت ملامح وجهها، وهي تسأل بنبرة يملؤها الارتياب والقلق:

- خالتي سوزان، كيف حالك؟ هل شيماء بخير؟ ما الذي حدث؟ أرجوك أخبرني، ما بك؟

أجابت سوزان بكلمات متقطعة وهي تطلب منها الحضور فورا، لأنهم يحتاجون إليها بشدة من أجل شيماء، فارتبكت لينا وشحب وجهها تماما، وتلعثمت الكلمات في حلقها وهي تحاول الاستفسار عما أصاب صديقتها، لكن سوزان لم تزد على أن طلبت منها المجيء لترى بعينها وتكتشف الأمر بنفسها.

لم تحتمل لينا الانتظار، فقفزت من فراشها وارتدت ثيابها بعجالة شديدة، واستأذنت والديها بكلمات سريعة، وخرجت تركض في الشوارع التي لفها البرد والسكون، وكان وقع أقدامها على الأرض المبللة هو الصوت الوحيد الذي يكسر صمت الليل وهي متوجهة نحو بيت صديقتها.

عند وصولها، استقبلتها الخالة سوزان بوجوم واضح، وأخذتها مباشرة إلى غرفة شيماء، لكنها استوقفتها عند العتبة فجأة، ووضعت يدها على كتف لينا وطلبت منها بهدوء مريب أن تستعد نفسيا، وألا تسمح للخوف بأن يتملكها مهما رأت بالداخل، وهذا التحذير جعل الرعب يتغلغل في أوصال لينا أكثر، غير أن شعورها بالذنب وحبها الكبير لشيماء دفعاها لفتح الباب،

وببطء شديد، تقدمت نحو سرير صديقتها التي كانت تبدو مستسلمة لنوم عميق، فبلعت ريقها بصعوبة وسألت بصوت واهن وخافت:

- شيماء، هل أنت بخير؟

وفي تلك اللحظة، انتفض جسد شيماء بعنف وراح يتخبط فوق السرير بقوة غير معهودة، وفتحت عينيها بنظرة غريبة وجامدة، ثم نطقت بصوت خشن وغليظ لا يشبه نبرتها الرقيقة أبدا قائلة:

- ابتعدي من هنا أيتها الحمقاء.

سرت قشعريرة باردة في جسد لينا شلت حركتها ولسانها، وارتعشت أطرافها وهي تتراجع للخلف بذعر، قبل أن تفر خارج الغرفة وهي تحاول بصعوبة بالغة أن تلتقط أنفاسها التي ضاقت في صدرها.

سحبت الخالة سوزان لينا إلى غرفة مجاورة وهي تحاول تهدئة روعها، وقدمت لها كوبا من الماء كانت يداها ترتجفان وهي تمسكه، فتناولته لينا وشربته دفعة واحدة وكأنها تطفئ نارا في جوفها، ثم رفعت عينيها التي امتلأت بالدموع ونظرت إلى سوزان متسائلة عن سر الحالة التي وصلت إليها شيماء.

أطرقت سوزان برأسها نحو الأرض وراحت تبكي بحرقة غطت على ملامح وجهها، ثم رفعت رأسها وقالت بنبرة متهدجة يملؤها الانكسار إن ابنتها وقعت ضحية لجني عنيد استغل لحظة غضبها الشديد عند عودتها من الجامعة قبل يومين، وتلبس بها بعد أن داست عليه دون قصد، وأوضحت أن الشيخ أكد لهم استحالة خروجه إلا بشرط واحد وقفوا أمامه عاجزين.

حينها ضيقت لينا عينيها باستغراب شديد وسألت بصوت منخفض:

- شرط! ما هذا الشرط الذي يتحدث عنه الشيخ؟

ترقرقت الدموع في عيني سوزان من جديد، وتقدمت نحو لينا لتضع يديها المرتعشتين فوق يدي لينا الدافئتين، وحدقت في عينيها بنظرة توسل عميقة وقالت:

- يطلب الشيخ أن يدخل شخص منا إلى مكانه ليرجوه أن يترك ابنتي، وهذا الأمر يتطلب شخصا خفيف الحركة وصغير السن لتنجح عملية النقل التي سيقوم بها، وأنت تعلمين يا عزيزتي أنني وزوجي المقعد لا نملك القوة، وابني غائب في سفره، ولم يعد لنا أحد نثق به غيرك.

سحبت لينا يديها ببطء وهدوء، وشعرت بذهول يتملك كيانها وهي تتساءل في سرها عن منطقية هذا الكلام، وكيف يمكن لبشر أن يطأ عالما لا يراه، ثم سألت بصوت مسموع وهي تحاول استيعاب الموقف:

- هل يعقل أن يكون لهم عالم منفصل تماما عن عالمنا؟

أومأت سوزان برأسها مؤكدة، وأوضحت أن لهم بعدا خاصا بهم يمكن من خلاله رؤيتهم بوضوح والشعور بوجودهم، ثم عادت لتطلب منها بلهفة أن تتطوع لهذه المهمة من أجل إنقاذ حياة شيماء.

كانت لينا في تلك اللحظة تعيش صراعا داخليا، ففكرة مواجهة كائنات غير مرئية في عقر دارها- إن كانت القصة حقيقة - تثير الرعب في نفسها، وقالت في ذهنها إن هذا الكلام يبدو مستحيلا ولا يمكن لعقل أن يصدقه.

لكن سوزان لم تترك لها مساحة للانسحاب، بل طلبت منها البقاء بضع دقائق ريثما يحضر الشيخ ليشرح لها التفاصيل، وبالفعل لم تمر دقائق حتى وصل رجل يرتدي ثيابا قديمة وبالية، وكان منظره مريبا لا يبعث الطمأنينة في القلوب، لكنه شرع في الحديث فور جلوسه، وبدأ يفسر الموقف بنبرة هادئة وجادة قائلا:

- إن الجني يرفض ترك الفريسة لأنه تعرض للأذى حين داست عليه وهي غاضبة، ولا بد من تقديم اعتذار مباشر له في عالمه ليقبل الرحيل.

نظرت إليه لينا باستغراب وعقدت حاجبيها وسألت:

- ولماذا لا نقدم له هذا الاعتذار هنا في عالمنا وبيننا الآن؟

حرك الشيخ رأسه ببطء، ونظر إليها بنظرة غامضة من تحت حاجبيه الكثيفين وقال بصوت عميق:

- لأن القائد الذي يملك قرار الخروج ليس موجودا هنا في غرفتها، بل يرسل أتباعه فقط لينفذوا أوامره، والاعتذار لا بد أن يصل لصاحب الشأن في مكانه الأصيل حتى يقبل الصفح.

ثم أكد للينا بيقين تام أنها لن تجد ما يرعبها في ذلك البعد الآخر إذا ما قررت الذهاب، مفسرا ذلك بأن أتباعه وأصدقائه الذين وصفهم بالطيبين والمحبين للبشر سيكونون في انتظارها، حيث سيظهرون لها بهيئة بشرية مألوفة ليقوموا بحمايتها وإرشادها بسرعة نحو القائد لتقديم الاعتذار المطلوب.

رغم أن القصة بدت في أذني لينا كخرافة بعيدة عن المنطق، إلا أن الحيرة دفعتها لسؤال الشيخ وهي تعقد حاجبيها:

-لماذا لا تجلبون شخصا آخر للقيام بهذه المهمة؟ شخصا قويا يمتلك رباطة جأش، ولا يعرف الخوف أو التوتر، أليس ذلك أضمن لنجاح المهمة وعودة شيماء لسابق عهدها؟

في تلك اللحظة ساد ارتباك مفاجئ، فتلعثمت سوزان وحركت يديها بتوتر، بينما انشغل الشيخ بتعديل عمامته بضع مرات وهو يتبادل نظرات سريعة مع الأم، ثم قالا في صوت واحد:

- نحن نحتاج لشخص مخلص، شخص تربطه بالفتاة علاقة روحية وقرب شديد، ويجب أن يكون طيب القلب ونقيا، وهذه الصفات لا نجدها مجتمعة إلا فيك أنت.

وتابع الشيخ وهو يميل بجسده نحوها، وقد اكتست نبرة صوته بحدة التحذير:

- لا وقت لدينا للبحث عن بديل، فالحالة تزداد سوءا مع مرور الدقائق، وشيماء قد تفارق الحياة الليلة إذا لم يتم الاعتذار قبل الفجر.

هنا رق قلب لينا، واختلطت في صدرها مشاعر الأسى على صديقتها الملقاة في الغرفة المجاورة مع مشاعر القلق من هذا الغموض، وبينما كان عقلها يتأرجح بين تصديق هذه القصة الغريبة وبين الشك في صدقها، وقفت لينا وسحبت نفسها ببطء، ثم نظرت إلى سوزان والشيخ بعينين يملؤهما التعب والقرار الصعب، ولم تزد على كلمتين فقط نطقت بهما قبل أن تغادر الباب:

- سأعود الليلة.

لم تكن لينا قد حسمت أمرها بكلمات صريحة أمامهم، لكن عواصف التردد كانت تضرب أعماقها بعنف وهي تغادر المنزل، فمن جهة كان تأنيب الضمير ينهش قلبها ويصور لها أن هذه المخاطرة هي فرصتها الوحيدة لتكفير ذنبها تجاه شيماء ومحو أثر قصة الخطبة التي فرقت بينهما، وقررت في سرها أنها مستعدة لمد يد العون لصديقتها حتى لو كلفها الأمر حياتها لو ضاعت في دهاليز ذلك العالم الغريب، ومن جهة أخرى كان يساورها شك عميق يهمس في أذنها بأن القصة قد تكون ملفقة بالكامل، وأن كل هذا العرض المسرحي ربما ليس إلا فخا لسحرها وجعلها تنسى خطيبها أو تتركه رغماً عنها، ومع ذلك لم تشعر بالخوف من هذا الاحتمال، بل قالت في نفسها بمرارة إن كان الغرض هو سحري لأنساه أو أتركه فليكن لهم ذلك، فأنا في كل الأحوال لا أريد هذا الزواج ولا أريد ذلك الرجل الذي فرق بيني وبين أعز صديقاتي.

عادت لينا إلى بيتها والوجوم يكسو وجهها، وتوقفت عند عتبة باب غرفتها، وأصابعها كانت ترتجف بوضوح وهي تضغط على مقبض الباب لتغلقه وراءها.

كان السكون يلف المكان إلا من صوت دقات قلبها التي بدت مرتفعة في أذنيها، فجلست على السرير، وسألت نفسها بهمس إن كانت لا تزال تحتفظ بعقلها، فكل ما سمعته الليلة كان يتجاوز حدود المنطق؛ جني عنيد، وعالم آخر، وعملية نقل بين الأبعاد.

بدت لها هذه الكلمات كأنها محض سخافة لا يقبلها الوعي، فحدثت نفسها قائلة:

- لو كان الأمر حقيقيا ومتاحا بهذا الشكل، لامتلأت الدنيا

بأخبار تلك العوالم، ولو كان ممكنا، لما احتاجوا فتاة

خائفة مثلها للقيام بهذه المهمة.

أغمضت عينيها بقوة محاولة ترتيب شتات أفكارها، ثم تابعت حوارها الداخلي الذي يعتصر ذهنها:

- ربما هو مجرد تمثيل مدبر، مسرحية أعدوها بدقة، لجعلي أنسى أو أعترض على الخطبة.

ولكن، أيهما سيكون أسوأ علي؟ أن أتعرض للخداع في هذه الليلة الغريبة؟ أم أن أقضي عمرا كاملا مع رجل لا أريده ولا أشعر تجاهه بشيء؟

فتحت عينا لينا ببطء، ولكن الشك لم يغادرها تماما، فثمة صوت آخر في أعماقها كان يهمس باحتمالات أكثر رعبا:

- ماذا لو لم يكن الأمر خداعا؟ ماذا لو كانت شيماء تحتضر فعلا تحت وطأة ذلك المس المجهول؟ وماذا لو كانت هذه هي فرصتي الأخيرة والوحيدة لأثبت لها ولنفسي أنني لم أخنها يوما؟

شعرت بوخزة حادة في صدرها كأنها نصل بارد، وتخيلت للحظة نهايتها في ذلك الطريق المجهول، فسألت نفسها بمرارة:

-إن حدث مكروه هناك، هل سأندم لأنني وافقت على الذهاب؟ أم سأندم طوال حياتي، لأنني بقيت مكاني، ولم أحاول إنقاد صديقتي؟

رفعت رأسها نحو السقف، واستنشقت الهواء البارد بعمق لتستمد بعض القوة، ثم حسمت أمرها وقالت بكلمة واحدة خرجت ثابتة رغم كل شيء:

- سأذهب.

لم يكن قرارها نابعا من شجاعة خالصة أو إيمان مطلق بما قاله الشيخ، بل كان مزيجا معقدا من شعور ثقيل بالذنب، ورغبة عارمة في التمرد على واقعها، وهربا من حياة رسمت لها ولم تختر منها شيئا.

بدأت تجمع أغراضها الضرورية في حقيبة صغيرة، ثم توجهت بعد أن انتهت نحو والديها لتودعهما، وأخبرتهما بصوت متحشرج أن شيماء مريضة جدا وتحتاج لوجودها بجانبها طوال الليل، فوافق والداها على ذهابها تقديرا لظرف صديقتها.

ترقرقت الدموع في عيني لينا وهي تنظر إلى والديها نظرة وداع طويلة، فقد استبد بها شعور مفاجئ وقاسٍ بأنها قد لا تلتقي بهما مجددا، وأن هذه الخطوة التي ستقدم عليها قد تكون بلا عودة، وجعلتها فكرة العدول عن قرار الدخول إلى ذلك العالم المجهول تراودها مرارا وتكرارا وهي تقف على عتبة الدار، فكل غريزة بداخلها كانت تدفعها للتراجع والهرب، لكن صورة شيماء وهي تتخبط في غرفتها كانت أقوى من خوفها، فحملت حقيبتها ومضت بخطى ثقيلة نحو مصيرها المجهول الذي ينتظرها في بيت صديقتها.

عندما وصلت لينا، كانت الأجواء في المنزل قد ازدادت ثقلا وغموضا، وكان الصمت هو سيد الموقف إلا من همسات خافتة تصدر من غرفة المعيشة حيث يجلس الشيخ مع سوزان، ولم تكن الإضاءة في الرواق قوية كعادتها، بل بدت خافتة ومائلة للصفرة مما زاد من انقباض صدرها.

استقبلتها سوزان بنظرة تجمع بين الامتنان والقلق،

بينما الشيخ كان يجهز بعض المباخر والأوراق التي لم تفهم لينا محتواها، شعرت أن الهواء في المكان صار غليظا يصعب استنشاقه، لكنها لم تنطق بكلمة، بل اكتفت بهز رأسها إيذانا بالاستعداد، مدركة أن اللحظة التي كانت تخشاها قد حانت، وأن عليها الآن أن تعبر تلك الفجوة بين الواقع وما وراءه لتنقذ ما يمكن إنقاذه من شتات صداقتهما الضائعة.

بدأ الشيخ يتمتم بكلمات غير مفهومة وهو يحرك المبخرة في أرجاء الغرفة، فانتشر دخان كثيف ذو رائحة نفاذة غطى المكان، ثم طلب من لينا الجلوس على مقعد خشبي في المنتصف، ونظر إليها بعينين حادتين قائلا:

- يجب أن تغمضي عينيك الآن، ولا تفتحيهما مهما شعرت بحركة من حولك، الأتباع سيتولون نقلك، تذكري أنهم يشبهوننا تماما، وطيبين، فلا تذعري.

أغمضت لينا عينيها وهي تشعر ببرودة غريبة تسري في أطرافها وتتغلغل في جسدها، رغم حرارة الدخان المنبعث من مباخر الشيخ الذي كان يملأ الغرفة، وفجأة أحست بأن الأرض من تحتها تتلاشى وتنسحب، وصار جسدها خفيفا لدرجة أنها لم تعد تشعر بوزنها أو بملامستها للمقعد الخشبي، وفي تلك اللحظة التي اختلط فيها الواقع بالخيال، سمعت صوتا مألوفا جدا يهمس في أذنها بنبرة هادئة ودافئة بعثت في نفسها قشعريرة من نوع آخر وهو يقول:

- لا تخافي يا لينا، أنا هنا بجانبك، كما كنت دائما.

فتحت لينا عينيها رغما عنها من شدة الصدمة ومن وقع الصوت الذي تعرفه جيدا، لتجد نفسها قد غادرت غرفة شيماء تماما، واستيقظت في مكان يشبه زقاقا طويلا ضيقا لا نهاية له، كان الضوء فيه باهتا يميل للزرقة الباردة، وكأن المكان غارق تحت ماء عميق، وكان يقف أمامها تماما صديقها الغريب الذي اختفى منذ سنة كاملة، يرتدي ثيابه ذاتها التي اعتادها، ويواجهها بذات الابتسامة الغامضة الهادئة التي كانت تثير حيرتها في ردهات الجامعة.

لم تستطع لينا استيعاب وجوده في هذا المكان أو فهم كيف انتقلت إلى هنا، وشعرت برأسها يدور بقوة بينما تلاشت ملامح الصديق أمام عينيها تدريجيا، ولم تمر ثوان قليلة حتى خانتها قواها تماما، وارتخت أطرافها لتسقط في هوة عميقة من الظلام، وغابت عن الوعي قبل أن تنطق بكلمة واحدة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل التاسع

    كان المشهد الذي وجده سديم أمامه، مؤلم حد الوجع، شعر برعشة جسده الذي وهن لما رأى جارج وسارلا، فاقدا الوعي، ولا يظهر أي أثر للينا.تجمدت الدماء في عروق سديم وهو يطالع المشهد الماثل أمامه؛ كان الحطام النفسي أشد وطأة من وهن جسده الذي أخذ ينتفض بعنف، حين رأى جارج وسارلا هامدين، بينما خلت الزوايا تماما من أي أثر للينا.انقبض قلبه بشدة، واندفع بجنون نحو سارلا التي بدأت تطلق أنينا واهنا يشي بعودة الوعي إليها. جثا على ركبتيه، وأمسك وجهها بين كفيه الباردتين، محاولا استحثاثها على النهوض، بينما خرج صوته متهدجا مخنوقا وهو يسأل:سارلا.. أرجوك استيقظي! أخبريني ما الذي جرى؟ وأين لينا؟فتحت سارلا جفنيها ببطء، وحاولت استجماع بقايا طاقتها المتبددة وسط أجواء المكان التي ما زالت تحمل بقايا رائحة غريبة من أثر الدخان، ونظرت إلى سديم وأجابت بصوت خافت متقطع:- لا أعلم يا سديم... ظهر شخص مقنع فجأة، ملامحه توحي بأنه بشري، هددنا بكلمات سريعة ثم ألقى شيئا انبعث منه دخان كثيف... شعرت بدوار شديد ثم سقطنا جميعا... لا بد أنه هو من اختطفها.تضاعف خفقان قلب سديم حتى صار يسمع دقاته في أذنيه، لم تحتمل مخيلته فكرة اختفاء

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الثامن

    ظل سديم متسمرا في موضعه، وتنهشه حيرة مريرة.كان يعلم يقينا ما يتوجب عليه فعله في اللحظة التالية، غير أن أطرافه خانته وبدا جسده وكأنه يقاوم أوامر عقله، أمال رأسه إلى الخلف قليلا، شاخصا ببصره نحو السماء لثوان معدودة، وعندما شعر بضغط الوقت يداهمه، حدق إلى عيني لينا مباشرة، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة.بدأت الدموع تتجمع ببطء في محجر عينيه الخضراوين، وفي تلك الأثناء، انتشرت حرارة مفاجئة في عروق جسده البشري؛ هذا الجسد الذي بات يشعر بثقله، ويدرك أنه قد يتخلى عنه اليوم وبشكل نهائي.في تلك اللحظة القاسية، تدافعت إلى ذهنه تفاصيل الخطة التي وضعها مع شيماء.كانت الخطة تهدف في جوهرها إلى جر صديقتها التي وصفوها بـ "طيبة وستصدق" إلى دهاليز حرب نفسية لا ترحم، حرب تعمل على تجميد عقلها واستنزاف قواها، لتقودها في نهاية المطاف نحو اتخاذ قرارات كفيلة بتدمير حياتها تماما.لم يدر بخلده يوما أن تكون تلك الضحية المستهدفة هي لينا ذاتها، أطبق بأسنانه على شفته السفلى بقوة، وشعر بمرارة الندم تملأ حلقه لأنه كان السبب في دفعها نحو هذا المسار المظلم، هو الذي كان يقف صامتا ومقدرا لكل كلمة تخرج من بين شفتيها،

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السابع

    لم تكن تعرجات جبهة سديم تنم عن غضب عارم فحسب، بل كانت صدى لمعركة داخلية عنيفة تكاد تنفجر، لكنه لجم ثورته قسرا حين رأى ارتجاف لينا؛ كان عليه أن يرمم شظايا طمأنينتها المكسورة قبل أن تنهار تماما، التفت إليها، وبنبرة حاول أن يحشر فيها هدوءا زائفا، قال:- لا تخافي يا لينا، إنه أخي الأصغر.بعد أن انتهى من كلامه، حثها على التقدم معه، لكن لينا تجمدت مكانها؛ كانت تتوق لمعرفة متى ستنتهي هذه المهمة اللعينة، متى ستخرج من هذا العالم الذي بدأ يطبق على أنفاسها، فسألته بصوتٍ متهدج، عن موعد نهاية هذه الرحلة الموحشة: - متى نصل يا سديم؟! قل لي متى نخرج من هذا الظلام؟تنهد سديم بعمق، وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة وباهتة، ورد قائلا:- خطوة واحدة صغيرة ونصل.ترددت لينا لثوان، ثم استجمعت شتات قوتها، وخطت معه نحو المكان المنشود.وفي غمرة سيرهم، كانت سارلا ترصد حركات جلجان بعينين حادتين، كانت تتساءل في نفسها عن الصوت الذي أصدرته عند مجيئه، فإنه يشبه صوت صرير القناطر، ذلك الكائن الذي يجمع في تكوينه بين عقل البشر وضراوة الزواحف. كان الجزء العلوي من جسد القناطر يوحي بجسد بشري، لكن جلده ليس بشريا على الإطلاق،

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السادس

    والآن، ها هي لِينا تجلسُ فوق الأرض، ترمق سديم وسارلا بنظرات صامتة، بينما كان عقلُها يغلي من الارتباك، ويزورهُ الشكُّ بَين الفينة والأخرى.كانت تلك الهمسات الخافتة المتبادلة بين الصديقين، والانزعاج الجليّ الذي ارتسم على سِحنتيهما، هو ما دفعها لتسأل نفسها بحزن:-ماذا لو كنتُ أمضي الآن إلى حيثُ لا عودة لعالمي؟!لقد ألحَّ عليها هذا السؤال أكثر من أيِّ شيء آخر.وما قطعَ رحلةَ شكّها وتساؤلاتِها، وجعل الرعب ينتفض في جسدها، هو ذلك الصوتُ الذي انبعثَ فجأة؛ وقعُ أقدام متسارعةِ الخطى، كأنها وثباتُ أحصنة جامحة، تهرولُ حولهم في حلقة دائرية محكمة.اعتراهم الارتباك جميعا، ومالوا برؤوسهم في كلِّ اتجاه يتربصون بالصوت، الذي كان ينتقلُ بغتة من اليمين إلى اليسار.ظنَّا سارلا وسديم أنّ القناطرَ قد نفذت إلى الغابة، فبهتت وجوههم من الفزع، وهتف سديم بجزع:- أتمنى ألا تكون القناطر، فمواجهتها وحدنا ومن دون سلاح تعني أننا لن نستطيع التغلب عليهم.ردت عليه سارلا بنبرة حازمة:- نعم، اسمع.. سآخذُ العصا من جارج، وسأجعل شعلتها أكبر من هذه لنتمكن من الرؤية، ولكن عليك البقاء بجانب جارج، فجسدك هذا سيتأذى بشدة لو وصلوا

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الخامس

    لم تنبس سارلا بكلمة، بيد أن صدرها ضاق بلفح الغيرة، واجتاحها خوفٌ مر؛ كأنما تخشى فقدان ذاك الحلم الذي لم يكتمل. لم تر سديم بهذا الحال من قبل؛ وريثُ مملكة النار" والمحاربُ الذي لا يُقهر، يبدو الآن أمامها واهنا وضائعا بشكل لم تألفه. وتقاطعت نظراتها مع جارج في يقين صامت: - إن سديم لا يعامل لينا كغريبة جاءت لتنفذ مهمة إنقاذ بمقابل كما سبق وأخبرهم، بل ثمّة خيطٌ خفيّ يربطه بها، لأنه يعاملها باحترام وتقدير ويخاف عليها. عجزت سارلا عن تفسير هذا التحول المريب؛ كيف لعدائهِ المعلن للبشر واستهزائه المعهود بهم أن يتحولا فجأة إلى هذا القلق المفرط؟ ولكنَّ الهدوء غزا ملامحها حين طرأ لها خاطر وجدته ملاذا لنفسها، فارتسمت على ثغرها ابتسامة خافتة وهي تهمس لقلبها: - ربما هو مجرد قناع، لعل سديم يخشى ضياع فرصته الأخيرة في استعادة قوته، فيتظاهر بالودِّ ليضمن بقاءها. ألم ينهر جارج وأمره بالصمت؟ بل وادعى كذبا أن حمايتها كانت أمرا من الشيخ؟ نعم إنه يمثل لا أكثر. تنفسَت سارلا الصعداء، وشعرت وكأنَّ حملا قد انزاح عن صدرها، فأردفت قائلة: - ما دام اهتمام سديم بلينا ليس إلا مناورة ذكية لاستعادة قوته، فهذا ي

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الرابع

    كان القمر الخجول الذي طل بين الفجوات وأنار عتمتهم، قد غاب تماما خلف جدار من رؤوس الأشجار الكثيفة؛ تتشابك أغصانها مع بعضها بعض كأصابع يد عملاقة، تسد عليهم منافذ النور، وتتركهم في أحضان العتمة القاتمة التي تشتد ببطء.لم يعد أمامهم سوى تلك الفوهة السوداء التي خلفها غياب الضوء؛ هوة سحيقة وممتدة إلى ما لا نهاية، لم يبقى أي شيء من مصادر النور، حتى الفراشات المضيئة، تلك الرفيقة التي كانت تؤنس وحشة "لينا"، دبلت حركتها واحدة تلو الأخرى، كفّت عن رقصاتها المتعرجة، وبدأ نورها الشاحب يخبو ويتلاشى شيئا فشيئا في بحر الظلمة حتى ذاب واختفى.ومع انطفاء آخر ومضة، شعرت "لينا" ببرودة تسري في أوصالها؛ لقد انقطع خيط الأمل الأخير الذي كانت تتشبث به، تاركا إياها وحيدة في مواجهة عقلها، الذي بدأ ينسج من العتمة تصورات مرعبة، وأشباحا لا وجود لها إلا في زوايا مخيلتها المضطربة.التفتت حولها بذعر، وأنفاسها المضطربة تخرج متقطعة، وبصوت عال، كانت تبحث عن أي شيء، أي علامة على النور، حتى لو كانت عيون تلك الظلال الغامضة الرابضة خلف الجذوع.شعر سديم وصديقاه باقترابهم من قلب الغابة حين اختفت الفراشات وانسحبت الظلال الحارسة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status