Home / الرومانسية / من هو أبي / الفصل الثاني عشر

Share

الفصل الثاني عشر

last update publish date: 2026-06-27 00:29:44

في الصباح استيقظت تاليا وعقلها مشغول.

كانت تفكر كيف ستخرج من هذه

المشكلة الكبيرة التي وقعت فيها أمس.

ذهبت إلى غرفة والدتها لكي تطمئن

عليها وقالت لها بنبرة هادئة:

"صباح الخير يا أمي، جئت متأخرة

أمس ولم أرد إزعاجكِ أثناء نومكِ."

احتضنتها الأم بحنان شديد وقالت لها:

"صباح النور يا حبيبة قلبي الغالية."

التفتت تاليا إليها وقالت باعتذار واضح:

"اعتذر منكِ كثيراً اليوم، سأذهب

إلى العمل في قصر الشامي مجدداً."

قالت أمها باستغراب وعلامات الدهشة

تعلو وجهها: "لماذا تذهبين اليوم؟

أليس هذا هو يوم عطلتكِ الأسبوعية؟"

أجابتها تاليا بسرعة لكي تطمئنها تماماً:

"هذا أفضل كثيراً بالنسبة لي، سآخذ

يومين كاملين في نهاية الأسبوع القادم

لأستطيع تنفيذ ما أريد بدقة وحرية."

قالت الأم بنبرة رجاء دافئة للغاية:

"على الأقل اجلسي معي قليلاً الآن."

جلست تاليا على رجل أمها وتمددت

كالطفلة الصغيرة الخائفة من العالم كله.

ونامت على كتفها الدافئ لتبحث

عن الأمان الذي لم تعد تجده

في أي مكان آخر منذ فترة طويلة.

اخرجت الأم كراسة المذكرات القديمة

من جيبها وقالت لها بصوت خفيض:

"انظرى في هذه الكراسة يا تاليا،

لقد كتبتُ بعض الأشياء التي تذكرتُها."

قالت تاليا بنبرة جادة وممتنة جداً:

"تمام، سآخذها معي وأتفحصها بدقة

في وقت راحتي هناك في القصر."

تابعت وهي تقف مسرعة: "أستأذنكِ

الآن يا أمي، يجب ألا أتأخر."

تجهزت كالعادة ووضعت مساحيق التجميل

الداكنة ونزلت متوجهة إلى عملها في القصر.

وأثناء سيرها في الطريق، فتحت هاتفها

وحملت على الهاتف بعض التطبيقات التعليمية.

قالت بصوت خافت جداً يملؤه التوجس:

"اتمنى من كل قلبي أن تفلح

هذه الحجة الذكية أمام عيون نبيل."

بعدما وصلت إلى قصر الشامي الكببر،

اطمأنت أولاً على صحة سعاد هانم.

وجلست مع هاني الصغير في الحديقة

الخضراء الواسعة لتبدأ مهام رعيته وتدريسه.

ما إن لمحت نزول نبيل بيه

من بعيد وهو يتوجه نحو الحديقة،

فتحت تطبيقاً لتعلم اللغة الإنجليزية فوراً.

وقامت بترديد الكلمات من خلف الهاتف

بنبرة واضحة ومسموعة بدقة شديدة.

وكانت تقوم بكتابة الكلمات في ورقة

بيدها وكأنها تحفظها للمرة الأولى في

حياتها وتحاول جاهدة استيعاب النطق الصحيح.

وقف نبيل بعيداً يلاحظها بتركيز شديد.

وظل يراقب حركاتها ونطقها لبعض الوقت.

ثم اقترب منها بخطوات هادئة ورزينة.

وسألها بنبرة تحمل الكثير من الشك:

"ماذا تفعلين هنا يا تاليا؟"

التفتت إليه وتظاهرت بالارتباك وقالت:

"آسفة جداً يا فندم، أنا الآن

في وقت راحتي الرسمية مع هاني."

تابعت بثقة مصطنعة: "لذلك فتحت كورس

اللغة الإنجليزية هذا، أنا أتابعه بانتظام

منذ سنوات طويلة في أوقات فراغي."

أضافت بأدب: "يمكنني أن أؤجله فوراً

إذا كنت تريد مني شيئاً للقصر."

نظر إليها بتهكم وسخرية واظحة وقال:

"ألا ترين أن لهجتكِ المتقنة

لا تشبه أبداً لهجة المبتدئين في

التعلم؟ نطقكِ كان ممتازاً بالأمس."

قالت بثبات وقوة واجهت بها نظراته.

فقد تدربت على هذا الموقف الصعب

في البيت كثيراً قبل نزولها للقصر.

وقالت بنبرة قوية يملؤها الكبرياء والكرامة:

"أود أن أسأل حضرتك سؤالاً واحداً،

هل معنى أنني أسكن في مكان

بسيط وشعبي أن أكون جاهلة تماماً؟"

تابعت وعيناها تتحدى شكه الحارق بقوة:

"طوال عمري كنت متفوقة في دراستي.

ولولا ظروفي الصعبة وقهر الحياة لي

كنت أكملت تعليمي العالي بالتأكيد."

أردفت وهي تشير لهاتفها بذكاء حاد:

"ولذلك، أنا أنمي نفسي بنفسي دائماً."

صدم نبيل تماماً من قوتها الطاغية.

واهتزت ثقته بشكه أمام ثقتها الكبيرة

بنفسها وشخصيتها التي لا تشبه الخادمات...

وضعت يدها فوق صدرها وتنفست الصعداء.

​تمنت من قلبها أن يكون صدق كلامها.

​وجلست في ركن هادئ تماماً بالحديقة.

​بعد أن وضعت هاني في سريره ينام.

​فتحت كراسة ذكريات أمها وبدأت تقرأ.

​وقعت عيناها على سطور كتبت برعشة.

حدقت تاليا بعينيها فى السطور المكتوبه ووضعت يدها على

فمها ثم....

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • من هو أبي   الفصل الثالث والاربعون

    سرحت تاليا بخيالها مع مسار سيارة الإسعاف في تلك الليلة المظلمة قبل واحد وعشرين عاماً، وتجسد أمامها سيناريو مرعب جعل الدماء تتجمد في عروقها؛ تخيلت الممرض وهو يلتفت للسائق بنظرة خبيثة ويقول له: "يا حسين.. ما رأيك أن تركن السيارة بعيداً عن الطريق لربع ساعة فقط؟". سأله السائق بحيرة: "ولماذا يا محمود؟"، فأجابه محمود بنبرة لزجة: "لكي نمتع أنفسنا أنا وأنت بهذه الجميلة الغائبة عن الوعي". قال له حسين وهو يستسلم لغوايته: "أنت شيطان حقاً!".تخيلت تاليا كيف انحرفت سيارة الإسعاف لتختفي وسط الأراضي الزراعية المعتمة، وكيف نزل حسين من مقعد القيادة والتفت لمحمود قائلاً بقلب ميت: "معك خمس دقائق فقط لا غير". ثم تمثلت تاليا الممرض محمود وهو ينظر إلى جسد والدتها المنهك ووجهها المغطى بالدماء، ولم يشفع لها مرضها ولا غيبوبتها عنده، فارتكب جرمه البشع داخل سيارة الإسعاف ، ثم نزل بكل برود والتقط السيجارة من يد زميله قائلاً: "أسرع أنت الآن حتى لا نتأخر ونكشف".في تلك اللحظة، انتفض جسد تاليا بالكامل وفتحت عينيها برعب وهي تنفض هذه التخيلات البشعة عن عقلها، وقالت بصوت مرتجف ونبرة حاسمة تحاول طمأنة

  • من هو أبي   الفصل الثاني والاربعون

    وجد نبيل مريم تقف أمامه مباشرة وعيناها تفحصان أرجاء المكان، ثم تقدمت وخطت خطوات نحو السيارة لتنظر إلى داخلها بفضول وشك، لكنها تنفست الصعداء واحست براحة بالغة عندما لم تجد أحداً في المقاعد، فقد كانت تاليا منكمشة بذكاء في الأسفل. التفتت مريم إليه وسألته بنبرة عاتبة: "لقد تأخرت جداً اليوم يا نبيل.. هل كانت تاليا معك طوال هذا الوقت؟".نظر نبيل إليها بثبات وبرود يداري به دقات قلبه المتسارعة، وقال ب نبرة حاسمة: "ماذا ستفعل معي حتى الآن؟ هل ستلاحقينني بالأسئلة؟ لقد ذهبنا بالفعل ووجدنا أن صاحب الشقة قد أجرها لشخص آخر وضاع مشوارنا، فتركتها تذهب لحال سبيلها، وخرجت أنا لقضاء بعض الوقت مع أصدقائي". اقتنعت مريم بكلماته، فصعدت إلى غرفتها.انتظر نبيل في الأسفل وراقب الممر بحذر حتى تأكد أن الجميع قد صعدوا وخلت الردهة تماماً، وكان الليل قد أصبح حالكاً والسكون يلف القصر. في تلك اللحظة، أشار لتاليا فخرجت من مخبئها بخفة، وتسللت عبر الحديقة ودخلت إلى ملحق والدتها وأغلقت الباب خلفها بأنفاس متهدجة.ما إن دخلت، حتى استقبلتها والدتها بقلق عارم وسألتها بلهفة: "لماذا كل هذا التأخير يا تاليا؟

  • من هو أبي   الفصل الحادي والاربعون

    هذه المرة، اقتربت تاليا من نبيل بخطوات بطيئة حالمة، ونظرت مباشرة إلى عمق عينيه، فأحست فيهما بشغف جارف لا يقل أبداً عن شغفها الكامن نحوه. بدأت نبضات قلبها تتصارع في صدرها كطبول متلاحقة، وتردد في خيالها صدى كلماته المشجعة منذ قليل: "افعلي اليوم كل ما يخطر ببالكِ، واتركي مشاعركِ تقودكِ".بلا وعي أو تفكير، وبدافع من مشاعرها الجياشة التي انطلقت من أسرها بعد ظهور النتيجة، أحس نبيل برغبتها وعاطفتها المشتعلة، فاقترب منها أكثر حتى تلاقت أنفاسهما الحارة وسط برودة الصحراء. وفجأة، فاجأته تاليا بجرأة غير معتادة منها؛ اقتربت من شفتيه، وتركت نفسها تماماً لللحظة، وأغمضت عينيها وبدأت هي بتقبيله بنعومة وشغف، وكأنها بتلك اللمسة الدافئة قد أعطته إشارة البدء التي انتظرها طويلاً.تلقى نبيل الإشارة بلهفة، فأكمل هو القبلة بكل ما يحمله قلبه من حب وحنان دفينين. كانت هذه أول قبلة حقيقية بينهما، قبلة نابعة من العاطفة والاشتياق، وبها مشاعر دافئة تكفي لتملأ العالم كله بالسكينة. احتضنها هذه المرة برفق ورقة بالغة، وليس بقوة أو عنف كالمرات السابقة؛ ففي هذه اللحظة، لم تكن تاليا تريد الهروب منه، بل

  • من هو أبي   الفصل الأربعون

    قالت تاليا بنبرة يملؤها الخوف والتردد: "لا أريد فتحه الآن.. ليس هنا"، وفرّت من المشفى مرعوبة من تلك الحقيقة القابعة داخل المغلف.ركبا معاً السيارة، ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت المحرك، حتى التفت إليها نبيل وسألها بنبرة حانية: "ألستِ متحمسة لمعرفة النتيجة؟ لقد انتظرنا هذا الأسبوع على جمر".أجابته بمرارة وإحباط: "إطلاقاً.. أريد أن أؤجل معرفتها طوال العمر إن استطعت. أشعر ببركان داخلي، أريد أن أصرخ صرخة عالية تزلزل الأرض كلها لتخرج هذه الطاقة السامة من صدري.. أنا لا أريد هذا الرجل أباً لي، لا أريد أن يجمعني به جسد أو دم".نظر نبيل إلى ملامحها المنكسرة، وتفهم حجم الضغط الذي تعيشه، فتوقف بسيارته على جانب الطريق، وقال بصوت هادئ ومريح: "هل تحبين أن تبتعدي قليلاً عن كل شيء؟ عن القصر، وعن العمل، وعن هذه المدينة بأكملها؟".أومأت برأسها وقالت بلهفة: "أتمنى ذلك من كل قلبي".فاستدار نبيل بسيارته وانحرف بها عن الطريق الرئيسي. سألته بتعجب: "إلى أين تذهب بنا؟"، فالتفت إليها وابتسم بثقة قائلاً: "سأجعل الكون لكِ وحدكِ الليلة".ضحكت تاليا رغماً عنها، واعتقدت في البداية أنه يمازحها أو يل

  • من هو أبي   الفصل التاسع والثلاثون

    نظر نبيل إلى أمه وشعر بالتوتر الساري في الأجواء، فتقدم نحوها بهدوء وقبّل يدها كعادته وسألها باهتمام مصطنع: "ماذا بكِ يا أمي؟ وجهكِ لا يبشر بالخير". رمقته بنظرة عتاب ممتزجة بالخيبة وقالت باقتضاب: "لا شيء.. مجرد تعب مفاجئ، سأصعد إلى غرفتي لأستريح".فهم نبيل من داخله على الفور أن والده قد أخبرها بكل ما رأى في الغرفة، فتنهد في صمت وصعد هو الآخر إلى غرفته. تمدد على السرير وسند رأسه إلى الخلف مغمض العينين، وفجأة ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة من أعماقه وهو يتذكر ملامح وجه تاليا المذعورة عندما وجدته يخلع قميصه بسرعة، وعينيها الواسعتين اللتين اتسعتا بذهول وهي تراه يلقي بجسده فوقها على السرير، ونظرة الدهشة العارمة الممتزجة بالغضب التي ظلت تحدق بها إليه وهو يقبلها بعنف ليخرس صوتها. رفع يده ببطء ووضعها على خده الأيسر، يتحسس أثر صفعاتها القاسية بمتعة غريبة ولذة لم يعهدها من قبل، ثم التفت جانباً وأمسك بالقميص القطني (التيشرت) الأسود الذي كانت ترتديه منذ قليل وقربّه من وجهه، وظل يستنشق رائحتها الذكية العالقة بين ثناياه بشغف أفقده صوابه.أيقظه من حلمه الجميل طرقات قوية على الباب

  • من هو أبي   الفصل الثامن والثلاثون

    ولكنه لم يردها أن تخاف من اقترابه أو تسيء فهم حمايته لها، فكبح رغبته في ضمها وتراجع خطوة إلى الخلف محاولاً تهدئتها بكلماته فقط. وعندما وصلا إلى المصعد الضيق وركبا معاً وانغلق الباب عليهما، انفرط عقد صمود تاليا تماماً؛ وبلا تفكير، ارتمت في أحضانه كالطفلة الصغيرة، وتباكت بحرقة وألم لم تعد تقوى على كتمانه.لم يشعر نبيل بنفسه إلا وهو يحتضنها بكل حب وحنان جارف، مطوقاً إياها بذراعيه ليحتويها بداخل صدره العريض ويخبئها عن العالم كله وعن كل أذى. أحست تاليا بصدق أمانه، فلفت ذراعيها حول رقبته بشدة وتشبثت به كأنها تتعلق بحبال النجاة، مما زاد من شعوره بالرغبة في ضمها أكثر فأكثر إلى ضلوعه لكي تشعر بالدفء والسكينة وتنسى تلك التجربة المريرة. استمرت اللحظة الحابسة للأنفاس حتى وصل المصعد إلى الطابق الأرضي، فانحنى نبيل وقبّل رأسها برقة بالغة، وهمس في أذنها بصوت دافئ ورخيم: "لقد وصلنا يا تاليا.. اهدي".أدركت تاليا موقعهما، فتركت رقبته ببطء ومسحت دموعها الساخنة التي أغرقت قميصه، وخرجا معاً مسرعين وركبا السيارة. وبعد فترة من الصمت المطبق قطعته أنفاسهما المتلاحقة، التفتت تاليا ونظرت إلى نبي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status