بيت / الرومانسية / ميراث الشك / الفصل الثالث وجوه من الماضي

مشاركة

الفصل الثالث وجوه من الماضي

مؤلف: فاطيما
last update تاريخ النشر: 2026-07-30 22:46:32

ساد الصمت في قصر المنصور.

توقفت ليان عن الحركة، بينما انعقدت نظرات جميع الحاضرين نحو باب القاعة.

دخل مروان الراوي أولًا.

كان يرتدي بدلة سوداء بسيطة، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الوقار أكثر من الحزن.

لم يتلفت حوله.

ولم يحاول كسر الصمت الذي استقبله.

خلفه مباشرة، دخل عمر.

كان طويل القامة، عريض المنكبين، يحمل ملامح حادة وعينين ثابتتين لا تكشفان ما يدور داخله.

لم يكن متوترًا...

لكنه لم يكن مرتاحًا أيضًا.

كان يشعر منذ اللحظة الأولى أنه دخل مكانًا لا يريده.

تقدمت هالة بخطوات هادئة.

ورغم المفاجأة، قالت باحترام:

"أهلًا بك يا أستاذ مروان."

بادلها مروان التحية في هدوء.

"البقاء لله... كان عزيز رجلًا يصعب تعويضه."

أومأت هالة شاكرة.

أما ليان...

فاكتفت بالنظر إليه دون أن تنطق.

كانت تحاول أن تفهم.

كيف يتحدث الرجل بهذه المرارة عن شخص كانت تظنه عدوه الأول؟

قطع المحامي ذلك الصمت.

"أشكر حضوركم جميعًا. لقد طلب المرحوم عزيز المنصور أن تُقرأ وصيته بحضور كل من ورد اسمه فيها."

جلس الجميع حول الطاولة الكبيرة.

اختار مروان المقعد الأبعد عن ليان.

بينما جلس عمر إلى جوار والده، واضعًا الملف الجلدي الذي أحضره معه أمامه.

أما سليم، فقد دخل بهدوء كعادته.

صافح الحاضرين فردًا فردًا، ثم جلس في مكانه دون أن يتحدث.

وجوده كان يمنح الجميع شعورًا بالاطمئنان.

فهو الرجل الذي عرف تفاصيل أعمال العائلتين لعقود طويلة، وكان دائمًا يلجأ إليه الجميع عند اختلافهم.

نظر المحامي إلى الحاضرين.

ثم فتح الملف.

وقال:

"بسم الله..."

بدأ بقراءة البنود الأولى.

كانت تتعلق بالممتلكات الشخصية، وبعض التبرعات التي أوصى بها عزيز قبل وفاته.

لم يعترض أحد.

حتى وصل إلى الجزء الخاص بالشركة.

توقف لحظة.

ثم رفع رأسه.

"أوصى المرحوم الأستاذ عزيز المنصور بأن تنتقل جميع أسهمه وحقوقه الإدارية إلى ابنته الكبرى، ليان المنصور."

تنفست هالة الصعداء.

أما مالك، فقد ظل ينظر إلى الطاولة في صمت.

لكن المحامي واصل القراءة.

"...وذلك شريطة تنفيذ البند التالي."

ارتفعت أنظار الجميع إليه.

قال بوضوح:

"تلتزم ليان المنصور، بصفتها الرئيس التنفيذي للمجموعة، بإبرام شراكة استراتيجية مع شركة الراوي في المشروع المرفق بهذه الوصية، على أن تتولى إدارة المشروع بالتعاون مع عمر مروان الراوي لمدة عام كامل."

ساد صمت ثقيل.

ثم نهض مالك من مقعده.

"هذا مستحيل."

نظر إليه المحامي بهدوء.

"اجلس يا أستاذ مالك... فما زال هناك بقية."

لكن مالك لم يهدأ.

"كيف يطلب منا والدي أن نضع مستقبل شركتنا في يد منافسنا؟"

رد مروان لأول مرة، بصوت هادئ خالٍ من الاستفزاز:

"وليس هذا ما نريده نحن أيضًا."

التفتت إليه ليان.

كان يتحدث بصدق.

ولم يبدُ عليه أي ارتياح لما يسمعه.

تابع المحامي القراءة:

"وفي حال رفضت ليان تنفيذ هذا الشرط خلال المدة المحددة، تنتقل أسهم المرحوم المسيطرة إلى مجلس أمناء مستقل يتولى إدارة المجموعة وفقًا للنظام الأساسي المرفق، حتى يقرر المجلس خلاف ذلك."

ساد الوجوم.

كانت ليان أول من تكلم.

"وهل ذكر والدي سبب هذا الشرط؟"

أغلق المحامي الملف الصغير الملحق بالوصية.

"لا."

ثم أضاف:

"لكنه قال لي جملة واحدة فقط..."

تعلقت به الأنظار.

"قال: سيأتي يوم يدركون فيه أن ما فرّقهم لم يكن الحقيقة."

لم يفهم أحد المقصود.

حتى مروان بدا عليه الذهول.

أما عمر، فقد شبك يديه أمامه وقال ببرود:

"مع كامل احترامي لرغبة الأستاذ عزيز... شركة الراوي ليست ملزمة بهذه الوصية."

هز المحامي رأسه.

"بالتأكيد."

نظر الجميع إليه.

فأكمل:

"الوصية لا تُلزم شركة الراوي بشيء. هي تُلزم فقط شركة المنصور إذا أرادت ليان الاحتفاظ بحق إدارة المجموعة."

نظر عمر إلى والده.

ثم قال:

"إذًا انتهى الأمر."

لكن مروان لم يُجبه.

ظل صامتًا يفكر.

كان يعلم أن الأمر لم ينتهِ بعد.

فشركة الراوي لم تعد بالقوة التي يظنها الجميع.

وكانت هناك ملفات مالية تنتظر قرارًا مصيريًا خلال أيام.

لاحظ سليم صمت مروان.

فقال بابتسامته الهادئة التي اعتادها الجميع:

"ربما لا داعي لاتخاذ قرار اليوم."

التفتت إليه ليان.

فأردف:

"الأستاذ عزيز كان رجلًا لا يتخذ قرارًا دون دراسة. ومن حق الجميع أن يفكر بهدوء قبل أن يحكم."

أومأ مروان موافقًا.

وقال:

"أتفق مع الأستاذ سليم."

ثم نظر إلى ليان للمرة الأولى منذ بداية الاجتماع.

وقال باحترام:

"لن أتوقع منكِ جوابًا الآن."

بادلتْه النظرة نفسها.

"وأنا أيضًا لن أطلب منكم جوابًا."

نهض المحامي وجمع أوراقه.

"إذن نؤجل الاجتماع أسبوعًا، حتى يراجع كل طرف موقفه."

بدأ الجميع يغادر القاعة.

وقبل أن يخرج عمر، التفت مصادفة نحو ليان.

التقت عيناهما لثوانٍ.

لم تكن نظرة تحدٍّ...

ولا نظرة ود.

بل كانت نظرة شخصين يدركان أن القدر وضعهما على طريق واحد، رغم أن كليهما يتمنى السير في الاتجاه المعاكس.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • ميراث الشك   الفصل الرابع والخمسون ما بعد الاعتراف

    لم تكن ليان تعرف كيف يمكن لكلمة واحدة أن تغيّر شكل الأشياء من حولها. كل شيء في المكان بدا كما هو. الغرفة نفسها. النافذة نفسها. والليل نفسه. لكنها لم تعد تشعر بأنها الفتاة ذاتها التي دخلت إلى هذه الغرفة قبل ساعات. كانت قد قالت لعمر أخيرًا ما حاولت طويلًا أن تخفيه. أحبك. لم تعرف كيف خرجت الكلمة من فمها. ولم تعرف كيف امتلكت الشجاعة لتقولها. لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا. أنها لم تكن كذبة. وللمرة الأولى، لم تحاول أن تقنع نفسها بأن ما تشعر به مجرد امتنان، أو خوف من فقدانه، أو تعلق نشأ بسبب الظروف التي جمعتهما. لقد أحبته. وهذا كل ما في الأمر. وضعت رأسها على الوسادة، وأغمضت عينيها. لكن النوم لم يأتِ بسهولة. كانت تتذكر نظرات عمر إليها بعد اعترافها. لم يضغط عليها. لم يطلب منها شيئًا. ولم يحاول استغلال لحظة ضعفها. فقط أخبرها بأنه يشعر بالأمر نفسه. ابتسمت ليان رغمًا عنها. ثم دفنت وجهها في الوسادة. "ماذا فعلتِ بنفسك؟" في الصباح التالي، وصلت إلى الشركة مبكرًا. كانت تأمل ألا تجد عمر. لكنها ما إن دخلت مكتبها حتى وجدته هناك. كان يقف أمام النافذة، وقد بدا وكأنه وصل قبلها بو

  • ميراث الشك   الفصل الثالث والخمسون ما بين القلب والماضي

    في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان وهي تشعر بخفة لم تعرفها منذ وقت طويل. لم تكن المشاكل قد انتهت. ولم تختفِ الملفات المعقدة من حياتها. ولم يتغير شيء كبير في الواقع. ومع ذلك، كان هناك شيء مختلف. للمرة الأولى، لم تحاول أن تقنع نفسها بأن ما تشعر به تجاه عمر مجرد امتنان. كانت تعرف الآن أن الأمر تجاوز ذلك. ربما لم تصل إلى مرحلة تستطيع فيها أن تقول له: أنا أحبك. لكنها لم تعد تخاف من الاعتراف لنفسها بأنها أصبحت تحبه. كان هذا الاعتراف وحده كافيًا ليجعل قلبها مضطربًا طوال الصباح. وصلت إلى الشركة قبل الموعد بقليل. كانت تحمل ملفات المشروع، وعندما دخلت مكتبها وجدت عمر هناك. رفع عينيه إليها. وتوقفت نظراته عندها للحظات. قال: "صباح الخير." ابتسمت. "صباح النور." "أنتِ مبكرة اليوم." "وأنت أيضًا." "لم أستطع النوم." سألته دون تفكير: "لماذا؟" ابتسم. "هل ستقلقين عليّ الآن؟" ارتبكت. "كنت أسأل فقط." اقترب منها قليلًا. "وأنا كنت أمزح." جلست إلى مكتبها. لكنها كانت تبتسم. لاحظ عمر ذلك. وقال: "أنتِ سعيدة اليوم." "هل هذا ممنوع؟" "بالعكس." ثم أضاف بهدوء: "أحب أن أراكِ هكذا."

  • ميراث الشك   الفصل الثاني والخمسون حين يبدأ القلب في الاختيار

    لم تنم ليان جيدًا تلك الليلة. لم يكن هناك شيء محدد يمنعها من النوم، ومع ذلك ظلت مستيقظة وقتًا طويلًا، تتذكر حديث عمر معها. لم يقل لها إنه يحبها. ولم يطلب منها أن تكون معه. بل كان واضحًا عندما قال إنه لا يريد منها جوابًا. ومع ذلك، كانت كلماته قد أحدثت شيئًا بداخلها. شيئًا لم تستطع تجاهله. كانت تقلب هاتفها بين يديها، ثم تضعه جانبًا، ثم تعود إليه من جديد. فتحت محادثتها مع عمر. لم تكن هناك رسالة جديدة. ابتسمت بسخرية من نفسها. "وماذا كنتِ تتوقعين؟" أغلقت الهاتف. ثم تنهدت. كان أكثر ما يخيفها أنها لم تعد تستطيع التعامل مع مشاعرها باعتبارها مجرد امتنان له. الامتنان شيء... أما أن يصبح وجود شخص آخر قادرًا على تغيير مزاجك طوال اليوم، فذلك شيء مختلف تمامًا. في الصباح، دخلت والدتها غرفتها. وجدتها جالسة أمام المرآة. قالت: "أنتِ لم تنامي." التفتت ليان بسرعة. "نمت." ابتسمت أمها. "لا تحاولي." ثم اقتربت منها. "هل هناك شيء يشغلك؟" "لا." "ليان." صمتت. كانت والدتها تعرفها جيدًا. قالت: "هل الأمر متعلق بالعمل؟" ترددت ليان. "ربما." "أم بشخص في العمل؟" رفعت ليان عينيها إلي

  • ميراث الشك   الفصل الحادي والخمسون شيء يشبه الاعتراف

    في اليوم التالي، حاولت ليان أن تتعامل مع عمر بصورة طبيعية. لكن الأمر لم يكن سهلًا كما توقعت. كلما نظرت إليه، تذكرت كلمته: "لأنك تهمينني." كانت جملة قصيرة، لكنه لم يكن من السهل عليها أن تتجاوزها. أما عمر، فكان يتصرف وكأنه لم يقل شيئًا. وهذا زاد ارتباكها. دخلت ليان المكتب في الصباح، فوجدت عمر يقف أمام النافذة. قال دون أن يلتفت: "صباح الخير." "صباح النور." التفت إليها. "هل نمتِ جيدًا؟" "نعم." "جيد." جلست إلى مكتبها. وبدأت في فتح الملفات. بعد دقائق، قال: "ليان." "نعم؟" "بخصوص ما قلته أمس..." توقفت يدها. رفع عينيه إليها. "لا أريد أن تفهميه بطريقة خاطئة." شعرت بشيء من الخيبة، لكنها أخفت ذلك. "لم أفهم شيئًا أصلًا." اقترب قليلًا. "أنتِ تعرفين أنني أقصد أنك مهمة بالنسبة إليّ." "كشريكة في العمل؟" تردد. ثم قال: "في البداية كان الأمر كذلك." صمتت. شعرت بقلبها يخفق بصورة أسرع. لكنه لم يكمل. رن هاتفه في تلك اللحظة. نظر إلى الشاشة. كانت سارة. ابتعد قليلًا وأجاب. "مرحبًا." جلست ليان مكانها، تحاول التركيز في أوراقها. سمعت عمر يقول: "نعم، أخبريني." ثم صمت يستم

  • ميراث الشك   الفصل الخمسون سؤال بلا إجابة

    ظلت ليان تنظر إلى رسالة عمر لثوانٍ طويلة. "هل أنتِ غاضبة مني؟" كانت أصابعها فوق الشاشة، لكنها لم تكتب شيئًا. لم تكن غاضبة منه بالمعنى الحقيقي. لكنها لم تكن مستعدة أيضًا لأن تقول له إنها شعرت بالضيق عندما رأته مع سارة. لأنها هي نفسها لم تفهم سبب ذلك الضيق. وضعت الهاتف جانبًا. ثم عادت إليه بعد دقائق. فتحت المحادثة وكتبت: "لا." ثم ترددت. وأضافت: "لماذا سأكون غاضبة؟" وأرسلتها. جاء الرد سريعًا: "لأنك غادرتِ دون أن تخبريني." حدقت في الشاشة. لم تكن تتوقع هذه الإجابة. كتبت: "كنت أريد العودة إلى المنزل." جاء الرد: "حسنًا." ثم بعد لحظات: "هل وصلتِ؟" ابتسمت دون قصد. "نعم." لم يكتب شيئًا بعدها. وضعت الهاتف جانبًا. لكنها اكتشفت أنها كانت تنتظر رسالة أخرى. في اليوم التالي، حاول عمر أن يتصرف بصورة طبيعية. وصل إلى الشركة في الموعد المعتاد، ودخل مكتبه دون أن يتوقف عند مكتب ليان. بعد دقائق، دخلت هي. قالت: "صباح الخير." رفع عينيه إليها. "صباح النور." ساد صمت قصير. ثم قالت: "بخصوص الملف..." قاطعها: "راجعت الأرقام صباحًا." اقتربت. "وماذا وجدت؟" "هناك اختلافات فع

  • ميراث الشك   الفصل التاسع والأربعون أول اختبار

    كان صباحًا مختلفًا قليلًا. منذ بداية اليوم، شعرت ليان بأن هناك شيئًا غير معتاد في الشركة. الموظفون يتحركون بسرعة، والاتصالات لا تتوقف، وعمر كان منشغلًا منذ وصوله بمراجعة مجموعة من الأوراق. دخلت ليان مكتبه. "هل هناك مشكلة؟" رفع عينيه إليها. "ليس بالضبط." "إذن ماذا حدث؟" أشار إلى الملف أمامه. "وصلتنا ملاحظات جديدة على المشروع." اقتربت منه. "ملاحظات من المستثمرين؟" "نعم." أخذت الملف وبدأت في القراءة. وبعد دقائق، قالت: "هذه الملاحظات ليست منطقية." "هذا ما أعتقده." "هناك أرقام تم تغييرها." أومأ. "لاحظت ذلك." رفعت عينيها إليه. "هل تعتقد أن الخطأ منهم؟" "لا أعرف." ثم أضاف: "لكنني لا أريد أن أتهم أحدًا قبل أن أتأكد." وافقت. "إذن نراجع كل شيء." ابتسم. "كنت أعلم أنك ستقولين ذلك." استمرا في العمل لساعات. لم يكن أي منهما يتحدث إلا فيما يتعلق بالمشروع. لكن التوتر كان واضحًا. وفي منتصف النهار، دخل آدم. قال: "ماذا يحدث؟" أجابه عمر: "هناك بعض التعديلات غير المفهومة." جلس آدم وبدأ يراجع الأوراق. وبعد فترة، قال: "علينا أن نتأكد من مصدرها." قالت ليان: "هذا ما نف

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status