Masukكان الظهر قد اقترب عندما غادرا السرير أخيرًا، لا عن رغبة في الابتعاد، بل لأن الجسد نفسه بدأ يطلب حركة مختلفة، وتنفسًا أوسع، وضوءًا أقوى. الشمس كانت عالية الآن، تدخل من النافذة الكبيرة بلا استئذان، فتحول الغرفة كلها إلى مساحة مضيئة دافئة تغمر كل شيء بلون ذهبي ناعم. الستائر لم تعد تتحرك كثيرًا، والهواء داخل الشقة صار أدفأ، يحمل بقايا رائحتهما المختلطة مع رائحة القهوة التي بردت منذ ساعات.
ليلى وقفت أمام المرآة الطويلة في غرفة النوم، ما زالت ترتدي قميصه الأبيض الفضفاض. نظرت إلى صورتها بهدوء: شعرها مبعثر قليلاً، وعيناها تحملان أثر النوم العميق والقرب الطويل، وجلدها يبدو أكثر إشراقًا تحت الضوء القوي. لم تشعر بأي حاجة إلى ترتيب نفسها بسرعة. مرّرت أصابعها في شعرها ببطء، ثم التفتت عندما أحسّت بوجوده خلفها. كريم كان يتكئ على إطار الباب، يراقبها منذ لحظات دون أن يعلن عن نفسه. اقترب بخطوات هادئة ووقف وراءها مباشرة، ووضع يديه على كتفيها وهو ينظر إلى انعكاسهما معًا في المرآة. لم يقل شيئًا في البداية. فقط استند قليلاً إليها من الخلف، وترك دفأه ينتقل إلى ظهرها. هي مالت برأسها إلى الجانب حتى لامس خدها خده، وأغلقت عينيها للحظة قصيرة. «هل تريدين أن نخرج اليوم؟» سأل بصوت منخفض قرب أذنها. فكرت قليلاً قبل أن تجيب، وهي ما زالت تنظر إلى صورتيهما في المرآة: «ليس الآن... ربما لاحقًا. أو ربما لا نخرج أصلًا». ابتسم في المرآة، ويده انزلقت من على كتفها إلى ذراعها في حركة بطيئة. ثم ابتعد قليلاً وتركها تكمل استعدادها بهدوء. خرجت خلفه بعد دقائق إلى غرفة المعيشة، فوجدته قد فتح النافذة على آخرها، والهواء الخارجي يدخل محملًا بأصوات المدينة في أوج حركتها: سيارات، وبائعين بعيدين، وضحكات أطفال في مكان ما في الأسفل. جلسا معًا على الأريكة هذه المرة متقابلين تقريبًا، أقدامهما متلامسة على السجادة. تحدثا ببطء عن أشياء لم يتحدثا عنها في الليلة الماضية: عن طفولته في مدينة أخرى، وعن أول مرة شعرت هي فيها أن البيت يمكن أن يكون شخصًا لا مكانًا، وعن الكتب التي يحب قراءتها في الليل، وعن السفر الذي يؤجلانه منذ شهور. كان الحديث هادئًا ومتقطعًا أحيانًا، تتخله فترات صمت طويلة مريحة لا يحتاجان فيها إلى ملء الفراغ بكلمات. في إحدى فترات الصمت تلك، مدّ يده وأمسك بيدها، وأخذ يقلب أصابعها برفق بين أصابعه، يتأمل خطوط راحتها كأن فيها خريطة لم يقرأها من قبل. هي تركت يدها مسترخية في يده، وراحت تتأمل وجهه في الضوء القوي: كيف يبدو مختلفًا قليلًا في النهار، أقل غموضًا وأكثر وضوحًا، لكنه لا يزال يحمل في عينيه الشيء نفسه الذي رأته الليلة الماضية. بعد وقت، نهضت وذهبت إلى المطبخ لتعيد تسخين بقايا القهوة أو تحضير شيء خفيف. تبعها هو بعد دقائق، ووقف عند الباب يراقبها وهي تتحرك بين الرفوف والطاولة. عندما التفتت إليه، وجدته يبتسم تلك الابتسامة الهادئة التي صارت مألوفة لها الآن. اقترب ووضع يديه على جانبيها من الخلف، واستند إليها مرة أخرى وهو يقول قرب أذنها: «لا أريد أن يمر هذا اليوم بسرعة». هي أمسكت بيديه على بطنها وردت بصوت خافت: «لن نتركه يمر بسرعة إذن». عادا إلى غرفة المعيشة حاملين فنجانين جديدين، وجلسا هذه المرة على السجادة قرب النافذة المنخفضة، ظهراهما إلى الحائط، والمدينة تمتد أمامهما من تحت. الشمس كانت تميل قليلاً الآن، والضوء الذهبي صار أعمق وأكثر دفئًا. وضع رأسه على كتفها لبعض الوقت، ثم العكس، في تناوب هادئ على الاستناد والاحتضان الخفيف. مرّت الساعات ببطء ملحوظ. كانا يتحدثان أحيانًا، ويصمتان أحيانًا أطول، ويتلامسان باستمرار تقريبًا: يد على يد، أو رأس على كتف، أو قدم تلمس قدمًا تحت البطانية الخفيفة التي سحباها عليهما رغم دفء النهار. في لحظة ما، أخذت هي كتابًا من الطاولة الجانبية وحاولت أن تقرأ، لكنه كان يقاطعها كل بضع صفحات بقبلة خفيفة على كتفها أو صدغها، حتى أغلقت الكتاب أخيرًا ووضعتها جانبًا قائلة بضحكة منخفضة: «يبدو أن القراءة مستحيلة اليوم». فوافقها هو بضحكة مماثلة، وجذبها أقرب إليه حتى صارت رأسها على صدره من جديد، والكتاب ملقى على السجادة بلا أهمية. مع اقتراب العصر، تغير لون الضوء مرة أخرى. صار أكثر ليونة، وأطول ظلالًا، وأقرب إلى اللون البرتقالي الهادئ. فتحا النافذة أكثر، ودخلا كمية أكبر من الهواء الخارجي الذي كان يحمل الآن رائحة مختلفة قليلًا، كأن المدينة نفسها تستعد للمساء. تحدثا عن المساء القادم دون أن يخططا لشيء محدد، فقط عن الرغبة في أن يبقى هذا الإحساس بالامتلاء والهدوء أطول فترة ممكنة. في لحظة صمت طويلة، رفعت ليلى رأسها من على صدره ونظرت إليه عن قرب في الضوء الذهبي المائل. مدّت يدها ولامست خده، ثم شفته السفلى بإصبعها، كأنها تتأكد من وجوده بهذه الطريقة أيضًا. هو أمسك بإصبعها وقبله برفق، ثم جذبها لقبلة أطول هذه المرة، قبلة تحمل كل هدوء النهار وكل بقايا الليل في آن واحد. عندما انفصلَا، بقيت جباههما متلامسة لبعض الوقت، وأنفاسهما مختلطة في المسافة القصيرة بينهما. همست هي دون أن تبتعد: «أشعر أن اليوم كله امتداد لتلك الليلة». فأجاب هو بصوت منخفض جدًا: «لأنه كذلك... لم نخرج منها بعد». ابتسمت وأعادت رأسها إلى مكانه على صدره، ويده عادت تتحرك ببطء على شعرها في حركة مهدئة متكررة. خارج النافذة كانت الشمس تميل أكثر فأكثر نحو الغروب، والظلال تطول على أرضية الغرفة، وأصوات المدينة تتغير تدريجيًا نحو إيقاع المساء. أما هما فقد بقيا في مكانهما على السجادة، ملتصقين، صامتين معظم الوقت، يراقبان الضوء وهو يتغير حولهما، ويشعران أن الزمن ما زال يعمل وفق قاعدة مختلفة داخل هذه الشقة، قاعدة لا تعترف بالساعات بقدر ما تعترف بعمق اللحظة وامتدادها. مع غروب الشمس تقريبًا، كان الضوء قد صار برتقاليًا دافئًا يملأ الغرفة كلها، وهما ما زالا على السجادة، أقرب إلى بعضهما مما كانا في الصباح، وأكثر هدوءًا وامتلاءً مما كانا في الليلة السابقة. لم يحتاجا إلى الكلام ليقولا إن المساء سيكون استمرارًا طبيعيًا لكل ما سبق، وإن الأبواب التي فُتحت في الليلة الأولى ما زالت مفتوحة، وإن هذا اليوم الذهبي لم يكن إلا جسرًا هادئًا بين ليلتين.**نداء الجسد**### الفصل السادس والعشرين والمئة **ليلة قبل القرار**الليل نزل تقيل وساكن على الفيلا.العيال ناموا من ساعتين ونص. سارة قفلت بابها بدري جدًا ومفيش أي نور طالع من تحت الباب فوق. ليلى فضلت قاعدة في المطبخ لوحدها، بتشرب مية على مهلة، بعدين قامت وغسلت الكوباية وحطتها، ومشيت على السجاد بخطوات خفيفة ناحية أوضة كريم. دفعت الباب، دخلت، وقفلت بالمفتاح مرتين، وفضلت ظهرة على الباب ثانية قبل ما تتكلم.كريم كان مستند على الوسائد، العكازين في الركن، والجبيرة الخفيفة مغطاة.«جتي»، قال بصوت واطي. «أيوه. هي فوق؟» «من ساعتين الباب اتقفل. مفيش حركة». ليلى قعدت على طرف السرير. «النهاردة سارة مكلمتنيش غير على الأكل والعيال»، قالت. «سكوتها بقى أوضح من الكلام». «أيوه. كل ما أعدي جنبها بحس إن في حاجة تقيلة في الهوا». كريم سكت شوية. «إنتي عايزة توقفي الليلة؟» ليلى بصت في إيديها. «لو قلت أيوه هبقى كذابة. لو قلت لأ هبقى ضعيفة. أنا بين الاتنين».مدّت إيدها وحطتها على إيده السليمة. «لما العكازين يتشالوا… وأنا لسة بنزل كل ليلة… هتبقى إيه؟» «إنتي اللي هتقرري. أنا مش همسك فيكي
**نداء الجسد**### الفصل الخامس والعشرين والمئة **كلام أطول وليلة أتقل**الليل كان تقيل أوي على الفيلا.العيال ناموا من ساعتين. سارة قفلت بابها بدري ومفيش أي حركة فوق. ليلى فضلت قاعدة لوحدها في المطبخ شوية، بتشرب كوباية مية ساقعة وبتفكر، بعدين قامت ومشيت على مهلة ناحية أوضة كريم. دفعت الباب بهدوء، دخلت، وقفلت بالمفتاح مرتين، وبعدين وقفت ظهرة على الباب لحظة قبل ما تتكلم.كريم كان قاعد على السرير مستند على الوسادة، العكازين جنب الحيطة، والجبيرة الخفيفة مغطاة بنص البطانية.«جتي»، قال بصوت واطي. «أيوه. هي فوق؟» «من ساعة ونص الباب اتقفل. مفيش صوت خالص». ليلى قعدت على طرف السرير، بعيد عن رجله شوية. «النهاردة طول اليوم كنتِ هادية أكتر من اللازم»، قال كريم. «عشان مش عارفة أفتح بقي. كل ما سارة تبصلي بحس إنها بتقولي من غير كلام: أنا عارفة إنتي بتنزلي». «وقالت حاجة؟» «لأ. السكوت بقى أصعب من أي كلام».سكتوا. صوت الساعة في الصالة كان بيعدّ بوضوح، والليل بره ساكن.ليلى مدّت إيدها وحطتها على إيد كريم السليمة. «لما العكازين يتشالوا الأسبوع الجاي أو اللي بعده… إيه اللي هيحصل؟» «إنت
**نداء الجسد**### الفصل الرابع والعشرين والمئة **ليلة أطول من اللي قبلها**الليل نزل على الفيلا بهدوء تقيل.العيال ناموا من ساعة ونص. سارة قفلت باب أوضتها بدري ومفيش أي صوت طالع من فوق. ليلى فضلت قاعدة في المطبخ شوية، بتشرب مية ساقعة، بعدين مشيت على مهلة ناحية الباب بتاع أوضة كريم. دفعت الباب ودخلت وقفلت بالمفتاح مرتين عشان تتأكد.كريم كان ممدد على السرير، العكازين واقفين في الركن، والجبيرة الخفيفة باينة تحت البطانية.«جتي»، قال بصوت واطي. «أيوه. هي فوق؟» «الباب اتقفل من ساعة. مفيش حركة خالص». ليلى قعدت على طرف السرير. «النهاردة طول اليوم كنتِ هادية زيادة عن اللزوم»، قال كريم. «عشان مش عارفة أفتح بقي قدام سارة. كل نظرة منها بتقولي إني عارفة». «وقالت حاجة؟» «لأ. بس السكوت بقى أعلى من أي كلام».سكتوا. صوت الساعة في الصالة كان بيعدّ الثواني بوضوح.ليلى مدّت إيدها ولمست إيد كريم السليمة. «لما العكازين يتشالوا… إيه اللي هيحصل بينا؟» «إنتي اللي تقرري يا ليلى. أنا مش ماسك فيكي». «عارفة. بس القرار صعب. كل ما أنام جنبك بالليل أنسى كل حاجة، وكل ما أطلع السلم أفتكر إن في س
**نداء الجسد**### الفصل الثالث والعشرين والمئة **كلام بين اتنين بس**الليل كان هادي أوي في الفيلا.العيال ناموا من ساعة. سارة قفلت بابها بدري ومفيش صوت طالع من فوق. ليلى كانت قاعدة في المطبخ بتطفّي النور، بعدين مشيت على مهلة ناحية أوضة كريم تحت. الباب كان موارب. دفعتُه ودخلت وقفلت بالمفتاح من وراها.كريم كان قاعد على السرير، العكازين واقفين جنبه في الركن. الجبيرة الخفيفة باينة تحت البنطلون الواسع.«دخلتِ»، قال بصوت واطي. «أيوه. هي فوق؟» «الباب اتقفل من ساعة ونص. مفيش حركة». ليلى قعدت على طرف السرير، بعيد عن رجله المكسورة شوية. «النهاردة طول اليوم وشي متقبض»، قالت. «عشان كلام الصبح؟» «عشان كل حاجة. سارة بقت بتبصلي نظرة واحدة وتسكت. والعيال حاسين إن في حاجة مش طبيعية». كريم سكت لحظة. «إنتي عايزة توقفي الليلة؟» ليلى بصت في الأرض. «لو قلت عايزة أوقف هبقى كذابة. جسمي من ساعة ما العيال ناموا وهو بيشدني لتحت».سكتوا شوية. صوت الساعة في الصالة كان واضح.ليلى رفعت راسها وبصت فيه: «لما العكازين يتشالوا الأسبوع الجاي… إيه اللي هيحصل؟» «إنتي اللي تقولي». «أنا مش عارفة
**نداء الجسد**### الفصل الثاني والعشرين والمئة **ليلة قبل ما العكازين يتشالوا**الصباح كان فيه حركة أكتر من الأيام اللي فاتت.كريم جرب يمشي من غير عكازين جوه الأوضة كام خطوة، بس رجله تعبت بسرعة ورجع مسكهم. سارة نزلت لقتُه واقف مستند.«بقيت تحاول من غيرهم؟» «بجرب. لسة بدري». «متجهدش نفسك. الدكتور قال بالتدريج». البنت جرت ناحيته وهو قعد على الكرسي. «بابا»، قالت ومدت إيديها. كريم شالها على رجله السليمة.ليلى نزلت بالولد. «إنتوا صاحيين من بدري أوي». سارة ردت: «هو بيتمرن. أنا هجهز فطار».بعد ما سارة اختفت في المطبخ، ليلى قعدت جنب كريم وقالت بصوت واطي: «الليلة فاتت الباب اتقفل وهي لسة صاحية. سمعت خطواتها فوق». «قالت حاجة الصبح؟» «لأ. بس مش بتكلم معايا غير على العيال». كريم بص لها: «عايزة توقفي؟» ليلى سكتت: «جسمي لأ. ودماغي أيوه. مش عارفة أنصر مين».الفطار عدّى والعيال بياكلوا ويتكلموا. سارة كانت مركزة مع البنت، ليلى مع الولد. كريم كان بيبص فيهم من غير كلام كتير.سارة فجأة قالت وهي بتمسح بق البنت: «الأسبوع الجاي الدكتور هيشوفك تاني. لو مشيت من غير عكازين، ه
**نداء الجسد**### الفصل الحادي والعشرين والمئة **آخر ليالي العكازين**الصباح فتح على صوت العكازين وهما بيخبطوا في الأرض.كريم كان بيتمشى من الأوضة للصالة ذهاب وإياب. سارة نزلت بالبنت لقتُه واقف في النص.«بقيت تمشي أطول»، قالت وهي بتبتسم خفيف. «بحاول. الدكتور قال لو فضلت كده الأسبوع الجاي أشيل العكازين». البنت جرت ناحيته. كريم قعد على الكرسي عشان يلحقها. «بابا»، قالت وهي بتتمدد على رجله السليمة. سارة حذّرته: «متشلهاش وأنت واقف. لسة بدري».ليلى نزلت بالولد. «الصوت واصل من بدري. إنتوا صاحيين ولا إيه؟» سارة ردت: «هو بيتمرن على المشي. أنا هعمل فطار».بعد ما سارة دخلت المطبخ، ليلى قربت من كريم وقالت بصوت واطي: «الليلة فاتت سارة قعدت صاحية لحد ما رجعت فوق». «حست بيكي؟» «أكيد. وشوها الصبح كان بيقول كل حاجة». كريم سكت. «عايزة توقفي الليلة؟» ليلى بصت ناحية المطبخ بعدين ردت: «مش قادرة. جسمي لسه بيصحى بالليل ويدور عليك».الفطار عدّى بهدوء متوتر. العيال بياكلوا، سارة بتساعد البنت، ليلى بتساعد الولد، وكريم بيبص من الكرسي. الكلام بين الكبار كان مقطوع.سارة فجأة رفعت







