Home / المراهقة / نداء الجسد / الفصل السادس صباح اليوم الثالث

Share

الفصل السادس صباح اليوم الثالث

last update publish date: 2026-08-03 12:11:40

استيقظت ليلى هذه المرة قبل كريم. الضوء الذي دخل الغرفة كان مختلفًا عن ضوء الصباح السابق: أكثر بياضًا ونقاءً، وأقل رمادًا، كأن السماء في الخارج قد صفت تمامًا من أي غيم. فتحت عينيها ببطء، وظلت للحظات تحدق في السقف وهي تستعيد تدريجيًا تفاصيل الليلة الماضية: الحديث الخافت، والقبلات المتباعدة، والشعور بالأمان الذي نامت عليه.

كانت رأسها ما زالت على ذراعه، ويده الأخرى مستريحة على خصرها تحت الغطاء. أنفاسه العميقة المنتظمة كانت تدل على أنه غارق في نوم هادئ. ابتسمت لنفسها دون صوت، وفضّلت ألا تتحرك كي لا توقظه. بقيت على حالها وقتًا إضافيًا، تستمع إلى دقات قلبه البطيئة تحت أذنها، وتتبع بإحساسها دفء جلده الملامس لها طوال الليل.

بعد فترة، حركت أصابعها برفق على صدره في حركة دائرية صغيرة غير مقصودة. استجاب هو بحركة خفيفة في نومه، ثم بزفير أعمق، قبل أن تفتح عيناه ببطء. نظر إليها للحظات دون أن يتكلم، كأن عقله ما زال يلتقط خيوط الواقع. ثم ابتسم ابتسامة نعسان هادئة، وقربها أكثر إليه دون أن يقول شيئًا.

«صباح الخير»، همست هي أولًا بصوت ما زال مبحوحًا من النوم.

«صباح الخير»، أجاب هو بصوت أجش قليلاً، ثم قبل أعلى رأسها قبلة قصيرة.

بقيا على هذه الحالة بعض الوقت الإضافي، يتبادلان النظرات الهادئة واللمسات الخفيفة تحت الغطاء. الغرفة كانت مضيئة الآن بما يكفي ليرى كل منهما تفاصيل وجه الآخر بوضوح تام: خطوط النوم على الخد، وشعيرات متمردة، ولمعان العينين بعد ساعات من الراحة. لم يكن هناك استعجال للنهوض. بدا أن الصباح نفسه يمنحهما إذنًا إضافيًا بالبقاء على هذه الهيئة.

عندما نهضا أخيرًا، كان الوقت قد اقترب من منتصف الصباح. خرجا معًا إلى المطبخ، وهذه المرة كانت هي من تعد القهوة بينما هو يقف قرب النافذة المفتوحة يراقب الشارع في الأسفل. الهواء الداخل كان منعشًا ونظيفًا، يحمل رائحة صباح مشمس حقيقي. عندما انتهت من إعداد الفناجين، انضم إليها هو عند الطاولة الصغيرة، وجلسا متقابلين يشربان ببطء ويتحدثان عن أحلام الليلة الماضية، أو عن غياب الأحلام، وعن الشعور الغريب بأن الأيام الثلاثة الأخيرة صارت كأنها أسبوع أو أكثر في الإحساس.

بعد القهوة، اقترح هو أن يخرجا قليلاً هذه المرة، ولو لنزهة قصيرة في الحي. وافقت هي بعد تردد قصير، وذهبا ليرتديَا ملابس بسيطة مريحة. قبل أن يغادرا الشقة، وقفَا مرة أخرى عند الباب، ونظر كل منهما إلى الآخر كمن يتأكد من شيء. ثم ابتسمَا معًا وخرجا.

الشمس في الخارج كانت مشرقة ودافئة دون أن تكون حارة. الشوارع أكثر حركة مما توقعَا، والناس يمضون في يومهم العادي. سارَا جنبًا إلى جنب على الرصيف، أحيانًا تتلامس أيديهما، وأحيانًا يبتعدان قليلاً ثم يعودان. لم يتحدثا كثيرًا في الدقائق الأولى، كأنهما يحتاجان إلى وقت للتأقلم مع العالم الخارجي بعد يومين من العزلة الهادئة داخل الشقة.

دخلا مقهى صغيرًا في زاوية هادئة، وجلسا في طاولة قرب النافذة الزجاجية. طلبَا مشروبًا خفيفًا، وجلسا يتأملان المارة من خلف الزجاج. هي لاحظت كيف ينظر هو إلى الناس أحيانًا بنظرة بعيدة، كمن يقارن بين عالمين. هو لاحظ كيف تبتسم هي لطفل صغير يمر مع أمه، وكيف تعود ملامحها إلى هدوئها السابق بسرعة.

«هل تشتاقين إلى شيء من الخارج؟» سألها فجأة وهو يقلب فنجانه بين يديه.

فكرت قبل أن تجيب:

«أشتاق إلى فكرة الخروج... لا إلى الخروج نفسه. الآن أجدني أفكر في العودة أكثر مما أفكر في البقاء هنا».

ابتسم وفهم ما تقصده. بعد أن أنهيا مشروبهما، خرجا وتمشيا قليلاً إضافيًا في شارع مشجر هادئ، ثم قررا العودة دون أن يقولا كثيرًا. في الطريق إلى الشقة، أمسك هو بيدها هذه المرة وظل ممسكًا بها حتى وصلا إلى الباب.

عندما دخلا وأغلقت هي الباب خلفهما، بدا المكان فجأة أكثر دفئًا وألفة مما تركاه في الصباح. وقفت هي ظهرها إلى الباب للحظة، ونظرت إليه وهو يخلع حذاءه. ثم قالت بضحكة خفيفة:

«كأننا غبنا أيامًا لا ساعات».

وافقها هو، واقترب منها وقبلها قبلة قصيرة على جبينها قبل أن يمرا معًا إلى داخل الشقة.

قضيا بقية الصباح وبداية الظهيرة في هدوء مماثل للأيام السابقة، لكن مع شعور إضافي بالامتنان لهذه العزلة المختارة. قرآ قليلاً، واستمعا إلى موسيقى خافتة من السماعات الصغيرة، وتحدثا عن خطط بعيدة غير ملزمة: سفر محتمل، أو كتاب يريدان قراءته معًا، أو حتى فكرة تغيير ترتيب الأثاث في الغرفة. كل الحديث كان خفيفًا ومليئًا بضحكات متفرقة منخفضة.

مع اقتراب العصر، جلسا مرة أخرى على السجادة قرب النافذة، والضوء الذهبي يعود ليملأ المكان كما فعل في اليوم السابق. هي استندت إليه بظهرها، وهو لف ذراعيه حولها من الخلف، وبقيا يراقبان حركة الظلال وهي تطول ببطء على الأرضية. في لحظة صمت ممتدة، همست هي:

«ثلاثة أيام... يبدو الرقم صغيرًا حين أقوله، وكبيرًا حين أشعر به».

فأجاب هو قرب أذنها، وصوته يحمل ابتسامة هادئة:

«لأننا لم نعشها كثلاثة أيام عادية... عشناها كزمن مختلف».

هي أمسكت بيديه اللتين حولها، وتركت رأسها يميل إلى الخلف حتى لامس خده. خارج النافذة كانت المدينة تمضي في عصرها كالمعتاد، أما هما فقد شعرا من جديد أن الزمن داخل هذه الشقة ما زال يعمل وفق قاعدة خاصة بهما وحدهما، قاعدة تسمح لثلاثة أيام أن تبدو كبداية لشيء أطول وأعمق مما توقعا حين أغلقت هي الباب في الليلة الأولى.

ومع ميل الشمس أكثر نحو الغروب، بقيَا في مكانهما على السجادة، صامتين معظم الوقت، متلاصقين، يراقبان الضوء وهو يتحول تدريجيًا إلى برتقالي، ويعلمان أن المساء سيعود قريبًا، وأن الليل الذي يليه سيكون امتدادًا طبيعيًا لكل ما سبق، لا تكرارًا له بل إضافة هادئة جديدة إلى الطبقات التي تتراكم بينهما يومًا بعد يوم.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • نداء الجسد   الفصل السادس عشر **الإيقاع الجديد**

    **نداء الجسد**### الفصل السادس عشر **الإيقاع الجديد**مرّت ثلاثة أيام على عودتهما التدريجية إلى العالم الخارجي. لم تعد الشقة هي المكان الوحيد الذي يعيشان فيه، لكنها بقيت النقطة التي يعودان إليها كلما استطاعا. في اليوم الأول بعد خروجهما الكامل، التقيا في المساء فقط لساعتين. في اليوم الثاني قضيا الليلة معًا. في اليوم الثالث افترقا تمامًا لأن مواعيدهما تعارضت، واكتفيا برسائل قصيرة ومكالمة هاتفية قبل النوم.في مساء اليوم الرابع من هذا الإيقاع الجديد، وصلت ليلى إلى الشقة قبل كريم بقليل. فتحت الباب بالمفتاح الذي صار معها الآن، ودخلت. المكان كان هادئًا ونظيفًا، والنوافذ مغلقة لأن الجو صار أبرد قليلاً مع اقتراب المساء. أشعلت المصباح الخافت أولًا، ثم فتحت نافذة واحدة، ووضعت حقيبتها جانبًا. جلست على حافة الأريكة تنتظره، تشعر بشيء يشبه الحنين الخفيف إلى الأيام الخمسة الأولى، دون أن ترغب في إعادتها كما كانت تمامًا.عندما وصل هو بعد عشرين دقيقة، وجد الضوء الخافت يملأ الغرفة، ووجدها تنتظره. وضع مفاتيحه بجانب مفاتيحها، واقترب واحتضنها دون كلام كثير. الاحتضان كان أطول من المعتاد في الأيام الأخيرة،

  • نداء الجسد   الفصل الخامس عشر اليوم الذي عاد فيه الإيقاع الخارجي

    **نداء الجسد**### الفصل الخامس عشر **اليوم الذي عاد فيه الإيقاع الخارجي**استيقظا معًا مع أول ضوء حقيقي للصباح. هذه المرة لم يكن هناك تلك الرغبة المشتركة في البقاء تحت الغطاء لساعات إضافية. كلاهما كان يعرف أن اليوم يحمل التزامات لا يمكن تأجيلها. ليلى فتحت عينيها ووجدته يراقب السقف بهدوء، يداه خلف رأسه. عندما أحسّ بنظرها التفت إليها وابتسم ابتسامة قصيرة هادئة.«اليوم يبدأ مبكرًا»، قال بصوت ما زال مبحوحًا. «نعم»، أجابت هي، ومدّت يدها لتلمس ذراعه لمسة خفيفة قبل أن تنسحب من السرير.تحرّكا في الصباح بسرعة أكبر مما اعتادا عليه خلال الأيام الماضية. الاستحمام كان منفصلًا هذه المرة، والقهوة شُربت بسرعة أكبر، والحديث بينهما كان عمليًا ومقتضبًا: من سيخرج أولًا، ومتى سيعود كل منهما، وهل سيلتقيان في المساء أم يؤجلان اللقاء إلى الغد. لم يكن في الكلام برودة، بل واقعية هادئة تقبل أن الإيقاع قد تغيّر.قبل أن يغادرا الشقة، وقفَا عند الباب للحظة. هو أمسك بوجهها بيديه وقبل جبينها ثم شفتيها قبلة قصيرة لكنها غير مستعجلة. هي ردت على القبلة وأبقت يديها على صدره ثانية إضافية قبل أن تبتعد. ثم خرجا معًا ون

  • نداء الجسد   الفصل الرابع عشر

    **نداء الجسد**### الفصل الرابع عشر **الصباح الذي بدأ فيه العالم يعود**استيقظت ليلى وحدها هذه المرة. المكان إلى جانبها على السرير كان ما زال دافئًا، لكن كريم لم يكن هناك. سمعت صوتًا خفيفًا قادمًا من المطبخ: حركة فنجان، وصوت ماء يغلي، وخطوات هادئة على البلاط. فتحت عينيها ببطء، والضوء الأبيض الناصع يملأ الغرفة من النافذة المفتوحة جزئيًا. كان صباحًا صافيًا، والشمس مرتفعة أكثر مما اعتادت في الأيام السابقة.نهضت وارتدت قميصه الفضفاض الذي كان ملقى على الكرسي، ومشت حافية نحو المطبخ. وجدته يقف أمام النافذة الصغيرة، يشرب قهوته وينظر إلى الشارع. عندما أحسّ بوجودها التفت إليها وابتسم ابتسامة هادئة فيها شيء من الإرهاق الخفيف والرضا معًا.«صباح الخير»، قال بصوت منخفض. «صباح الخير»، أجابت وهي تقترب منه وتضع رأسها على كتفه للحظة قصيرة.أدار إليها فنجانًا ثانيًا كان قد أعدّه مسبقًا. جلسا إلى الطاولة الصغيرة ككل صباح، لكن الحديث هذه المرة كان أقل همسًا وأكثر وضوحًا. هو أخبرها أنه يحتاج إلى الخروج لساعتين أو ثلاث لإنجاز أمور مؤجلة لا يمكن تأجيلها أكثر. هي أنصتَت بهدوء، ثم قالت إنها أيضًا سترد على

  • نداء الجسد   الفصل الثالث عشر الليلة التي تحمل في طياتها غدًا مختلفًا

    **نداء الجسد**### الفصل الثالث عشر **الليلة التي تحمل في طياتها غدًا مختلفًا**كان الباب إلى غرفة النوم مواربًا كالعادة عندما دخله، والضوء الخافت من غرفة المعيشة يرسم مستطيلًا باهتًا على الأرض. لم يضيئا أي مصباح إضافي. اكتفيا بما يصل من الخارج وبما تبقى من ضوء المصباح الأحمر البعيد. الهواء داخل الغرفة كان دافئًا وساكنًا، يحمل رائحة مألوفة صارت خلال الأيام الماضية رائحة البيت نفسه.ليلى جلست على حافة السرير وخلعت ما تبقى من ملابسها ببطء، ثم انزلقت تحت الغطاء. كريم تبعها بعد لحظات واستلقى إلى جانبها. في البداية بقيَا على ظهريهما ينظران إلى السقف المعتم، أيديهما متقاربة فوق الغطاء. الصمت كان كثيفًا، لكنه لم يكن ثقيلًا. كان أشبه بصمت من يعرف أن الغد سيحمل شيئًا مختلفًا قليلًا، ويختار أن يبقى في اللحظة الحاضرة حتى آخرها.بعد دقائق استدارت هي نحوه. مدّت يدها لتلامس صدره، وهو أدار رأسه وابتسم في شبه الظلام. اقترب منها حتى صارت المسافة بينهما قصيرة جدًا، وقبل جبينها ثم صدغها ثم زاوية فمها بقبلات بطيئة متتالية. هي أغلقت عينيها واستسلمت لتلك اللمسات، يدها ما زالت تشعر بارتفاع صدره وهبوطه تحت

  • نداء الجسد   الفصل الثاني عشر ساعات الانتقال الهادئ

    **نداء الجسد**### الفصل الثاني عشر **ساعات الانتقال الهادئ**كان الظهر قد اكتمل عندما وضعَا الهاتفين جانبًا بشكل نهائي هذه المرة، كأنهما اتفقا صامتًا على ألا يدعَا الشاشات تسرق المزيد من النهار. الضوء في الغرفة كان قويًا وواضحًا، يملأ كل زاوية ويجعل الغبار المتطاير في الهواء يبدو كخيوط ذهبية دقيقة. ليلى نهضت من الأريكة ومدّت يديها إلى أعلى في تمدد طويل، ثم التفتت إلى كريم الذي كان ما زال جالسًا يراقبها.«ماذا لو خرجنا قليلاً؟» قالت فجأة. «لا للبقاء طويلاً... فقط كي نتنفس هواءً مختلفًا ثم نعود».ابتسم هو ووافق دون تردد. ارتديَا ملابس بسيطة، وخرجا هذه المرة بخطوات أهدأ مما كان عليه خروجهما السابق. الشمس في الخارج كانت دافئة ومباشرة، والشارع أكثر ازدحامًا مما تذكراه. سارَا جنبًا إلى جنب، أيديهما تتلامس بين الحين والآخر دون أن تتشابك تمامًا، كأنهما يحافظان على مسافة خفيفة بينهما وبين العالم.تمشيا نحو الحديقة الصغيرة التي رأياها من النافذة مرات عديدة خلال الأيام الماضية. كانت الأشجار فيها تظلل المقاعد الخشبية القديمة، والأطفال يلعبون في الجهة المقابلة، والعجائز يجلسون في صمت يشبه صمتهم

  • نداء الجسد   الفصل الحادي عشر صباح يحمل في طياته نهاية خفيفة

    **نداء الجسد**### الفصل الحادي عشر **صباح يحمل في طياته نهاية خفيفة**استيقظا معًا هذه المرة، كأن جسديهما قد اتفقا في النوم على لحظة واحدة للعودة إلى اليقظة. الضوء الذي ملأ الغرفة كان صافيًا وذهبيًا مبكرًا، يدل على أن الشمس قد طلعت في سماء خالية من الغيم. ليلى فتحت عينيها لتجد كريم ينظر إليها بالفعل، ابتسامة هادئة صغيرة على وجهه. لم يتكلما في الثواني الأولى. اكتفيا بالنظر، ثم اقترب هو وقبل جبينها قبلة طويلة بطيئة قبل أن يهمس:«صباح اليوم الخامس».ضحكت هي ضحكة خافتة مبحوحة، وأجابت:«صرنا نعدّ الأيام... كأننا نخاف أن نفقدها».«ربما نعدّها كي نتذكر أنها حدثت»، قال هو، ثم جذبها إليه حتى صار رأسها على صدره من جديد.بقيا على هذه الحالة وقتًا أطول من المعتاد. الغرفة كانت هادئة تمامًا إلا من صوت تنفسهما وصوت بعيد لطيور في الخارج. تحدثا همسًا عن الليلة السابقة، عن الإحساس الغريب بأن هذه الأيام صارت تشبه بيتًا مؤقتًا بنياه معًا من الضوء والصمت والقرب. كل كلمة كانت تخرج ببطء، كأنهما يعرفان أن هذا الصباح يحمل في طياته شيئًا مختلفًا قليلًا عن الصباحات الأربعة السابقة.عندما نهضا أخيرًا، كان الو

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status