LOGINانقضّ داريان نحو بسرعة شاذة، وفي لحظة واحدة كان يده تحيط بعنقي دون أن يضغط، لكن انفاسه الحارقة كانت تلامس وجهي. شُدّت الندبة على خدّه لتبدو أشرس من ذي قبل.
– أتتحدينني يا صغيرة؟ أنسيتِ أين تقفين؟ كلمة واحدة مني، ويمكن لحراسي أن يجعلوا قريتكِ هباءً ذارياً قبل أن تشرق شمس الغد. تجمّدت في مكاني. الخوف على عائلتي وأطفال المأوى كان السلاح الوحيد الذي يملكه ضدي. – خذوها إلى البرج الشرفي، ولا تسمحوا لها بالخروج. إن حاولت الهرب... كسروا أقدامها. أشار داريان لحارسين ضخمين، فتقدم أحدهما وأمسك بكتفي بقسوة ليقتادني بعيداً. قبل أن أُسحب عبر الممر المظلم، التقت عيناي بعينيه مجدداً. كان هناك شيء آخر في نظراته... شيء يحاول دفنه بأعماق كبريائه المظلم، شعور بالرغبة والجاذبية الشديدة التي فرضتها الرابطة، والتي كان يقاومها بشراسة تنعكس في عينيه. ** طُرحتُ داخل غرفة في أعلى البرج. الأثاث كان بسيطاً: سرير خشبي قديم، وطاولة صلبة، ونافذة صغيرة ذات قضبان حديدية تطل على الغابة المظلمة. أُغلق الباب الثقيل وخلفه صوت أقفال متعددة تُقفل بإحكام. ارتميتُ على الأرض المسدودة بالحجارة، والدموع تنهمر أخيراً من عيني. الرابطة المقترنة... كنتُ أقرأ عنها في أساطير القرية القديمة. يقولون إنها تجعل الشخصين جسداً واحداً ورروحاً واحدة، لكن بالنسبة لي، كانت هذه الرابطة لعنة جحيمية صنعتها الأقدار لتعذيبي. تسلل الليل، وهبت عاصفة رعدية قوية، وأصوات الرعد كانت تضرب القلعة كالمطارق. كنتُ أرتجف من البرد والخوف، عندما سمعتُ صرير المفتاح في القفل. انفتح الباب ببطء. ظننتُ أنها إحدى الخادمات تطرق لتجلب لي الطعام، لكن الشبح الذي دخل جعل قلبي يقفز إلى حلقي. كان داريان. لم يكن يرتدي عباءته الرسمية، بل قميصاً أسود خفيفاً يكشف عن عضلات صدره والوشوم التي تتلوى على جلده كالأفاعي. كانت عيناه تتوهجان باللون الأسود بالكامل... عين ذئبه المتمرد. – ماذا تفعل هنا؟ تراجعتُ إلى الخلف حتى ارتطم ظهري بالجدار الساخن. لم يجب. تقدم بخطوات بطيئة، كحيوان مفترس يحاصر فريسته في زاوية ضيقة. كانت الهالة المحيطة به هذه المرة مختلفة... لم تكن هالة غضب، بل هالة رغبة جامحة وشديدة لا يمكن السيطرة عليها. – الرابطة... قالها بصوت بحّاف يتألم، وهو يمسك برأسه بيده. – الذئب في داخلي... يطالب بكِ. إنه يريدكِ الآن. – ابتعد عني! صرختُ، لكنه كان قد وصل إليّ بالفعل. وضع يديه على الجدار خلفي، محاصراً إياي بجسده الضخم. كانت حرارة جسده تخرج كألسنة النار، ورائحة الصنوبر والمطر الممتزجة بالخطر تملأ أركان الممر. انحنى نحو رقبتي، واستنشق عبير شعري بجموح جعل جسدي بالكامل يرتجف بشدة. شعرتُ ببرودة أنيابه تدغدغ بشرتي عند الرقبة... المكان المخصص لعلامة الاقتراء التي تجعلني ملكاً له للأبد. – داريان... أرجوك... همستُ بنبرة توسل ضعيفة. توقف أنيابه على بُعد مليمترات من بشرتي. فتح عينيه، وشاهدتُ الصراع الملحمي بين ذئبه الرائع الحائر وكبريائه كرجل وألفا يكره هذا القدر. – لن أمنحكِ هذا الشرف. قالها بصوت مبحوح من شدة الألم، ثم ابتعد عني فجأة وكأنني لسعته نار. لكن قبل أن يستعيد أنفاسه، دوى انفجار هائل هز أركان القلعة بالكامل. تساقط الغبار من السقف، وانقطعت إضاءة المشاعل في الممرات. صرخ أحد الحراس من الأسفل بصوت مليء بالذعر: – الألفا! قطيع "المخالب الفضية" يعبر الحدود! إنهم يهاجمون القلعة! التفت داريان نحو الباب، وعيناه تشتعلان بغضب بركاني، ثم نظر إليّ بابتسامة مظلمة مرعبة: – يبدو أن ليلتنا ستكون طويلة جداً يا رفيقتي... إما أن نجتاز هذا الجحيم معاً، أو نلتهم جميعاً. دوى صوت انفجار آخر أقوى من الأول، لتهتز جدران القلعة الحجرية العتيدة وكأنها ورقة شجر في مهب الريح. تساقط الغبار والركام من السقف، وصاح أحدهم في الممر الخارجي بصيحات الفزع التي اختلطت بعواء الذئاب المرعب وصليل السيوف. التفتَ داريان نحو الباب بسرعة الفهد، وتجمدت حواسه القتالية في ثوانٍ. تحولت عيناه الذهبيتان إلى لون شاحب متوهج، بينما برزت أنيابه الحادة لتشق شفته السفلى. – انبطحي أرضاً ولا تتحركي! صرخ بها وهو يلتفت إليّ، صوته كان تحذيراً حاسماً ينبض بسلطة الألفا المطلقة. – لن أستمع لأوامرك! هذه القلعة تسقط، وأنا لن أبقى هنا لأكون ضحية حربك! تراجع داريان خطوة نحو الباب، لكن عينيه لم تفارقا وجهي. – إن خرجتِ من هذه الغرفة، سترتدين أكفانكِ قبل أن تصلي إلى البوابة السفلية. قطيع "المخالب الفضية" لا يرحم البشر، وخاصة من يحملون رائحة الألفا. لم يمهلني وقتاً للرد؛ إذ اندفع نحو الخارج مقتحماً الممر المظلم، ليرتطم الباب الجداري المصفح ويتركني وحيدة وسط أدخنة الانفجارات التي بدأت تتسلل عبر القضبان الحديدية للنافذة. كان قلبي يدق في صدري كطبل حرب. شعرتُ بالخوف يعصر أمعائي، لكن غريزة البقاء كانت أقوى. رفعتُ طرف فستاني الممزق، وركضتُ نحو النافذة المطلة على الفناء الخارجي. كان المشهد في الأسفل جحيماً أرضياً. مئات الذئاب الفضية والسوداء تتشابك في معارك دموية طاحنة. الدماء تخضب الثلوج المتراكمة، والدخان الأسود يعلو من المباني المجاورة. وفي وسط ذاك المعمعان، كان داريان يقاتل كإله الحرب. تحول جزئياً إلى هيئة الذئب؛ مخالبه تطول، وعضلات جسده تتضخم بصورة مرعبة، وندبة وجهه تتوهج باللون الأحمر الداكن وهو يطوح بثلاثة أجهزة من غزاة القطيع المنافس في وقت واحد. فجأة، سمعتُ صوت صرير حاد خلفي. التفتُّ بفزع لأجد الباب الخشبي للغرفة ينخلع من مفصلاته بسقطة مدوية. يخرق الدخان شخص طويل القامة، يرتدي درعاً فضياً مدمى، وبيده سيف يقطر منه الدم الطازج. كانت عيناه ضيقتين وقاسيتين، وعلامة "المخالب الفضية" محفورة على كتفه الأيسر. – أنثى بشرية في برج الألفا؟ قالها المقاتل بصوت حشرجي ساخر، ثم استنشق الهواء ببطء لتتسع عيناه بشرارة خبيثة. – هذه الرائحة... أنتِ رفيقة داريان! الأقدار أهدتني أثمن جائزة في هذه الليلة الملعونة! – ابتعد عني! التقطتُ قطعة حجرية مدببة كانت قد سقطت من السقف الصخري، ورفعتها في وجهه ببدن يرتجف وروح تأبى الاستسلام. – صغيرة ولذيذة... سأقطع رأسكِ وألقي به عند قدمي داريان لأرى كيف يركع الألفا المغرور! اندفع نحوي بسرعة غير بشرية. لم أفكر؛ ألقيتُ الحجر باتجاه وجهه بكل قوتي. أصاب الحجر جبهته، مما جعله يترنح لثانية واحدة. استغللتُ تلك اللحظة واندفعتُ من تحت ذراعه المرفوعة نحو الباب، ركضاً عبر الممر المظلم المحترق. – لن تهربي مني يا بشرية! كانت خطواته الثقيلة تطاردني كظل الموت. كنتُ أركض بحفاء فوق الحصى والزجاج المكسور، والدم يقطر من قدمي، والأكسجين يحترق في رئتي. نزلتُ الدرج الحلزوني وأنا أسمع صدى ضحكاته المريضة خلفي. وصلتُ إلى قاعة العرش الكبرى، التي أصبحت مجرد ساحة للمعارك. جثث الحراس ملقاة على الأرض، والمشاعل متساقطة تشعل النيران في السجاد الفاخر. فجأة، امتدت يد قوية من الخلف وقبضت على شعري بقسوة، لتسحبني إلى الخلف بقوة جعلتني أصرخ من الألم. – انتهت اللعبة يا صغيرة. رفع المقاتل سيفه الفضي ليغرزه في صدري. أغلقتُ عينيَّ واستسلمتُ للموت المترقب، وانتظرتُ نصل السيف الحاد. لكن الصدمة لم تأتِ. صوت تمزق لحم وبشرة، يليه خوار ألم مكتوم. فتحتُ عينيَّ لأجد يداً ضخمة مغطاة بالدماء حفرت في صدر المقاتل من الخلف، واقتنعت قلبه في أجزاء من الثانية. سقط المقاتل صريعاً عند قدمي، ليظهر خلفه الألفا داريان. كان يتنفس كالبركان الثائر، صدره يعلو ويهبط بصعوبة، ودماء أعدائه تغطي وجهه وجسده بالكامل. عينه السوداء المظلمة أغلقت القاعة برمتها. – لمسَكِ... قالها بصوت خفيض، يقطر بالوحشية التي جعلت فرائصي ترتعد. – أقسمتُ ألا يلمسكِ أحد غيري. خطى نحوي بخطوات ثقيلة، وشعرتُ بالهالة المغناطيسية للرابطة تجذبني نحوه رغماً عني. بالرغم من الوحشية التي تحيط به، وبالرغم من الدماء التي تلطخه، إلا أن جسدي المنهك وجد الأمان الغريب بالقرب منه. سقطتُ على ركبتيَّ من التعب والنزيف في قدمي، لكنه التقاطني قبل أن ألمس الأرض. رفعني بين ذراعيه القويتين وكأنني لا أزن شيئاً، وضغط جسدي إلى صدره الدافئ. – داريان... القلعة تسقط... همستُ بنبرة متقطعة وأنا أضع يدي المرتجفة على صدره. – القلعة لا تسقط طالما أنا أتنفس يا هيلين. لأول مرة ينطق اسمي. كان لصوته نغمة ساحرة شقت جدار البرود الذي يحيط بقلبي. نظر إلى البوابة الكبرى التي انكسرت، حيث دخل عشرات المقاتلين الأعداء يحيطون بنا من كل جانب، يتقدمهم رجل ذو شعر أبيض وعينين حمراوين... الألفا "فالكان"، قائد المخالب الفضية. – داريان! صاح فالكان بابتسامة نصر خبيثة. – انتهت أسطورتك اليوم. سلّمني بشرتكَ وسلّمني هذه الفتاة، وسأدع حراسكَ يعيشون كعبيد! نظر داريان إلى فالكان، ثم نظر إليّ. انحنى وقبل جبهتي بقسوة وشغف مفاجئ أرسل قشعريرة كهربائية في كل خلية من جسدي، ثم مسح الدموع من على خدي بإبهامه المدمى. – أنتي رفيقتي يا هيلين... بالخطأ أو بالقدر، لن يسمح ذئبي لأحد بأخذكِ مني.التفتُّ ببطء داخل طوق ذراعيه القويين، ورفعتُ كفيّ لأضع أصابعي الناعمة على فكه الصلب، متتبعة حافة الندبة القديمة التي تحولت إلى وسام شرف يروي قصة بطولتنا وعنفوان لقائنا الأول، ونظرتُ في عينيه الذهبايتين اللتين تفيضان بولع جارف لا يهدأ:– لستُ أسرق شيئاً ليس حقاً لي يا داريان... كنتُ فقط أسترجع تلك اللحظات الأولى التي دخلتُ فيها هذه القلعة مرجفة الخائف، وكيف غيرتَ أنت كل موازين القسوة لتجعل مني شريكة لعرش لا يرتعش أمامه سوى الظالمين أتعلم؟ كلما نظرتُ إلى هذا الاستقرار المطلق، تيقنتُ أن حبنا لم يكن مجرد صدفة عابرة، بل كان القدر الأعظم الذي كتبه الله لهذه الأرض المنهكة لكي تتطهر من أوزار الماضي.اتسعت عيناه الذهبايتان بوهج ساحر، وانحنى ليطبق على شفتيّ بققبلة عميقة، حارقة، ومفعمة بظمأ لا ينتهي قبلة طويلة أفرغت كل مخاوف الماضي، وأعلنت سيادة الشغف الأبدي على كل تفصيلة في حياتنا استسلمتُ تماماً لدفء قبضته وقوة أنفاسه، وأنا أشعر بأن العالم بأسره يتلاشى ولا يبقى سوى نبض قلبينا المندمجين في كيان واحد لا يقهر.وفي تلك اللحظة التي تداخلت فيها الأنفاس وبلغ فيها العشق ذروته، اخترق سكون الغرفة صو
أحاطني داريان بتمسكه الأبدي، وجذبني برفق نحو صدره العريض الذي كان ينبض بإيقاع قوي وثابت استند بذقنه الناعم على كتفي، ولامست أنفاسه الساهمة عنقي بحرارة مشتعلة تذيب جبال الصقيع، ليهمس بصوته الخفيض والرخيم الذي يحمل نبرة الألفا الساحرة:– أترضين بجلوس ملكتي في زوايا التأمل، تاركةً قلب الألفا يشتعل شوقاً في حضرة عينيها؟ ألا يكفيكِ أنكِ تملِكين عرش الشمال والجنوب، لتسرقي روحي معكِ في كل ثانية؟التفتُّ ببطء داخل طوق ذراعيه، ورفعتُ كفيّ لأضع أصابعي الناعمة على فكه الصلب، متتبعة حافة الندبة القديمة التي تحولت إلى رمز لأعظم قصة عشق عرفها التاريخ، ونظرتُ في عينيه الذهبايتين اللتين تفيضان بولع جارف لا يهدأ:– لستُ أسرق شيئاً ليس حقاً لي يا داريان... كنتُ فقط أسترجع تلك اللحظات الأولى التي دخلتُ فيها هذه القلعة مرجفة الخائف، وكيف غيرتَ أنت كل موازين القسوة لتجعل مني شريكة لعرش لا يرتعش أمامه سوى الظالمين أتعلم؟ كلما نظرتُ إلى هذا الاستقرار، تيقنتُ أن حبنا لم يكن مجرد صدفة، بل كان القدر الأعظم الذي كتبه الله لهذه الأرض المنهكة.اتسعت عيناه الذهبايتان بوهج ساحر، وانحنى ليطبق على شفتيّ بققبلة ع
وضع ذقنه الناعم على كتفي، واقتربت أنفاسه الساهمة لتداعب عنقي بحرارة مشتعلة تذيب أي أثر لبرودة الطقس الخارجي، ليهمس بصوته الخفيض والرخيم الذي يحمل بحة الألفا الساحرة وجذوة الشغف الأبدي:– ما الذي يشغل بال ملكتي الفاتنة في هذا الوقت المبكر من المساء؟ ألا يكفيها أنها تملك قلبي وعرشي، لتشغل روحها بأفكار بعيدة عني وعن دفء هذا المكان؟التفتُّ ببطء داخل طوق ذراعيه، ورفعتُ كفيّ لأضع أصابعي الناعمة على فكه الصلب، متجاوزة حافة الندبة القديمة التي باتت وسام شرف يروي قصة بطولتنا وعنفوان لقائنا الأول، ونظرتُ في عينيه الذهبايتين اللتين أضحتا مأواي الوحيد ومرفأي الآمن في هذا العالم الواسع:– أفكر في المسافة الهائلة التي قَطَعناها يا داريان... من تلك الليلة المرعبة التي دخلتُ فيها هذه القلعة كإنسانة ترتجف خوفاً من بطشك وأنيابك، إلى هذه اللحظة التي أصبح فيها طغيانك مخصصاً بالكامل لحمايتي، وصار قلبك القاسي وطناً أبدياً لروحي أتعلم؟ ما زلت أسترجع صدى تلك الأيام التي ظننا فيها أن الخلاص مستحيل، وكيف تحولت النيران التي حاصرتنا إلى نور يضيء الأقاليم السبعة بأسرها.اتسعت عيناه الذهبايتان ببريق ساحر يفيض بال
وفي تلك اللحظة التي بلغ فيها الشغف ذروته، اخترق سكون الجناح صوت ضحكات طفولية بريئة من المهد المجاور المصنوع من الخشب العطري.فتح الصغير "أريان" عينيه الذهبيتين اللتين تشعان ببريق سحري نقي ومبهر، وأخذ يلوح بيديه الصغيرتين في الهواء بحيوية مفرطة، بينما دار حول رأسه الصغير عصفور ضوئي متلألئ صنعه بسحره الفطري المتنامي الذي يزداد قوة واتساعاً كل يوم.ضحك داريان بصوت رجولي عميق ومليء بالفخر الأبوي، ونهض بحذر ليحمل الطفل بين يديه الضخمتين برقة وحنان مذهلين يتناقضان تماماً مع هيبته كقائد للقطيع ومحارب لا يُهزم أقبل به نحوي ووضعه بين أحضاني، لتكتمل لوحة العائلة الأسطورية التي لطالما حلمنا بها وسط أهوال الماضي.– انظري إلى هذا الصغير يا هيلين...قال داريان وهو يضع يده الدافئة فوق كتفي، ويحدق بابنه بفخر طاغٍ تلمع له عيناه:– إنه ينمو بسرعة فائقة تعادل ضعف نمو الأطفال العاديين سحر الذئاب وقوة البشر تتحدان فيه لتخلقا مستقبلاً استثنائياً لا تجرؤ أي قوة مظلمة على تهديده أبداً إنه السليل الذي سيحرس هذا العرش لقرون طويلة قادمة، وسيكون ضامناً أبدياً لوحدة الأقاليم وتماسكها.– إنه ثمرة حبنا يا داري
كنتُ أستند إلى حافة النافذة الكبيرة المفتوحة جزئياً، أستنشق عبق الهواء النقي الممزوج برائحة الصنوبر الثلجي والمسك الملكي الذي يملأ المكان كان فستان التتويج الفضي المطرّز بالألماس ينسدل حول جسدي بثقل محبب، وشعري الأسود الطويل يتدفق فوق كتفيّ كشلال من الحرير.وفجأة، شعرت بأنفاسه الساخنة تلامس عنقي قبل أن تحيط بي ذراعاه القويتان لم يكن بحاجة لأن يتكلم؛ فحرارة جسده المفتول وعضلاته الصلبة التي استندت إلى ظهرِي كانت كافية لأعرف أن داريان قد انسل من مهامه القيادية ليجد راحته الوحيدة بين أحضاني.لف ذراعيه بإحكام مطلق حول خصري النحيل، وجذبني نحو صدره العريض الذي كان ينبض بإيقاع متسارع يشي بعشق جارف لا يهدأ، ووضع ذقنه على كتفي، ليهمس بصوته الخفيض والرخيم الذي يبعث القشعريرة في أوصالي:– هل هربتِ من صخب المهرجان يا ملكتي، أم أنكِ كنتِ تبحثين عني بين الحشود؟التفتُّ ببطء داخل طوق ذراعيه، ورفعتُ كفي لأضع أصابعي الناعمة على فكه الصلب، متتبعة حافة الندبة القديمة التي باتت وسام شرف لملحمتنا، ونظرتُ في عينيه الذهبايتين اللتين تلمعان ببريق ناري لا يراه سواي:– لم أكن أهرب يا داريان... كنتُ فقط أت
وقف داريان بجانبي كالجبل الأشم، عباءته المخملية السوداء المطرزة بخيوط الفضة تحاك أطرافها مع نسيم الليل كانت يده القوية تشد على يدي بتمسكٍ أزلي، محولاً شحنة القوة الخارقة التي تجري في عروقه إلى حنانٍ خالص يتدفق إلى جسدي. تطلعتُ في عينيه الذهبايتين، فرأيت فيهما انعكاساً لكل معركة خضناها، ولكل قطرة دم ذرفناها وصولاً إلى هذا العرش الذي لا يزول.– هيلين...قالها بصوت خفيض، صوتٍ يحمل بحة الألفا التي طالما جعلت فرسان الشمال يرتعدون هيبة، لكنها الآن كانت تشع بالعشق والولاء المطلق:– أترين تلك الأفق الممتدة من جبال الجليد إلى سهول الجنوب الخضراء؟ لم تكن هذه الأرض يوماً تعترف بحاكم واحد، ولا بقانون واحد... حتى وطأت أقدامكِ هذه القلعة. لقد ظننتُ أن القوة هي القدرة على إخضاع الآخرين بالمخالب والسيف، حتى علمتِني أن القوة الحقيقية هي القادرة على صهر القلوب وتوحيد الأعداء في جسدٍ واحد.ابتسمتُ برقة ورفعتُ كفي لأضع أناملي على صدره المفعم بالحيوية، أستشعر ضربات قلبه المنتظمة والقوية التي باتت إيقاع حياتي:– لم أعلّمك شيئاً لم يكن في أعماقك يا داريان... كان الذئب القاسي يحتاج فقط إلى نور يضيء ظلمات