LOGINتداعت أسقف معبد مالاكور المظلم كأوراق الشجر اليابسة تحت وقع عواء داريان الملكي الذي مزق سكون الجبال وأيقظ أصداء الرعب في قلوب أتباع الساحر المنهزم. الغبار الأسود كثف الأجواء وحجب نور الشموع الزرقاء، بينما كانت الحجارة الضخمة تتساقط من الأعلى لتدفن بقايا الجنود والتعاويذ المحرمة. وقفتُ وسط تلك الفوضى العارمة، أستنشق رائحة البارود والدماء المختلطة بعبق الصنوبر والمطر المنبعث من كيان داريان، وأشعر بطاقات سحرية جديدة تتفجر في عروقي كينابيع لا تهادن.– انتهى كل شيء يا مالاكور، وعصر طاعونك الملعون قد دُفن هنا تحت أنقاض معبدك!صرختُ بها بكل ما أوتيتُ من قوة، متجاوزة الخوف الذي كان يعتصر فؤادي طوال الأيام الماضية، لأرى الساحر العجوز يترنح على عرشه المكسور، ودمائه الحمراء الداكنة تسيل من فمه بغزارة بعد أن حطمت صاعقة داريان سحره الأخير.– أتعتقدين أنك انتصرتِ يا ابنة الحدود؟سعل مالاكور دماً وهو يبتسم بابتسامة صفراء مرعبة مزقت ملامحه الملتوية.– الموت ليس سوى بداية العقد، وقبل أن يرتفع القمر لليلته الثانية، ستدركين أن دماءكِ هي المفتاح الأخير لفتح البوابة التي لا يمكن لألفا ولا لقطيع إغلاق
تمرغ ضباب الكهف الجبلي في رائحة الكبريت والرماد، بينما كانت ألسنة اللهب الزرقاء تلتهم جدران معبد مالاكور المظلم. وقفتُ أمام مرآة فضية تتدلى من سقف الغرفة السرية، أراقب انعكاس عينيَّ اللتين بدأتا تتحولان ببطء من اللون البشري المعتاد إلى بريق ذهبي نقي يحمل في طياته سلالة الزهرة المنسية.– هل تعتقدين أن إخفاءكِ لهذه الطاقات سيمنع القدر من أخذ مجراه يا ابنة الحدود؟جاء صوت مالاكور أجوّف ومثقلاً بقرون من السحر الأسود، وهو يخرج من بين الظلال الكثيفة، وعيناه الحمراوان تلمعان بشر لئيم. كان يجلس على عرش من عظام وحوش الشمال، محاطاً بعدة جنود مدججين بدروع شيطانية، بينما كانت تعاويذ الطاعون تتراقص بين أصابعه كأفاعٍ سامة.– أنا لا أختبئ يا مالاكور، وكل ما تفعله لن يغير حقيقة أن نهايتك ستكون تحت أقدام الألفا داريان وجيشه.قلتُها بنبرة ثابتة رغم دقات قلبي المتسارعة التي كانت تطرق صدري كطبول حرب لا تهادن.– داريان؟ضحك مالاكور ضحكة مجنونة اهتزت لها جدران الكهف الصخري.– ذلك الأحمق الذي يعتقد أن رابطة وهْمية ستنقذه من طاعوني. بعد يومين، وعندما يكتمل القمر في كبد السماء، لن يبقى في قلعته حجر واح
ارتجف جسدي بين ذراعيه، لا من الخوف هذه المرة... بل من الشغف والغموض الذي بدأ يلف هذه الرابطة الملعونة التي تحولت إلى خيارنا الوحيد للنجاة. وصلنا إلى الأبواب المصفحة الخاصة بالجناح الملكي في أعلى قمة القلعة. فتح داريان الباب بقدمه ودخل بي، قبل أن يرده خلفنا بضغطة واحدة أحدثت صดยً حاسماً في أرجاء الممر. كان الجناح واسعاً بشكل مهيب، تزينه الفراء الفاخرة ورائحة الحطب المشتعل في المدفأة الحجرية الضخمة. وضعني ببطء على السجاد الناعم أمام الجمر المتوهج، لكنه لم يبتعد. ظل جائثاً أمامي، وعيناه تفككان كل خصلة شعر متناثرة على وجهي. – لماذا لم تتركهم يقتلونني أو يسلمونني لمالاكور؟ سألته بصوت خفيض، وأنا أضم ركبتيّ إلى صدري محاولة الاختباء من نظرته الثاقبة. – قطيعك سيتدمر بسبب بشرية لا تنتمي لعالمكم. امتدت يده الضخمة لتمسك بذقني ببطء، وتجبرني على مواجهة عينيه الذهبيتين اللتين خفت حدة غضبهما لتفسح المجال لشيء آخر... شيء أكثر عمقاً وخطورة. – القطيع الذي لا يستطيع حماية رفيقة الألفا لا يستحق الحياة يا هيلين. قالها بنبرة هادئة لكنها أثقل من الجبال. – مالاكور لا يريدكِ لمجرد كسر الرابطة
– داريان... ضعني أرضاً، أنت نزيفك لم يتوقف! ضغطني إلى صدره العريض بقوة أطاحت بأي مقاومة تبقت في جسدي. – جرحي يلتئم برائحتكِ وقربكِ يا هيلين. الرابطة التي أسميتها "خطأً" هي الشيء الوحيد الذي يمنع هذا السم من حرق أحشائي بالكامل. خطى بي عبر حطام قاعة العرش، متجاوزاً الجثث والدماء المتناثرة كأنه يسير في بستان من الزهور، بينما الحراس يفتحون الطرقات إجلالاً وهيبة. كنت أسمع همساتهم المخفية وتسقيفهم الخافت، فقد رأوا بأعينهم كيف جثت ملكتهم البشرية لتعالج الألفا وتنقذه في قلب المعركة. وصلنا إلى السلم الحلزوني الموصل إلى البرج الشرفي والجناح الملكي. توقف داريان لبرهة، والتفت ينظر إلى البوابة المكسورة، والدمار الذي لحق بالساحة الخارجية، ثم نظر إليّ بعينين تشتعلان بوعيد حارق. – فالكان كان مجرد عاصفة صغيرة... أما الجحيم الحقيقي فسيأتي عندما يعلم الجميع أن رفيقة الألفا الملكي لا تملك ذئباً، بل تملك ما هو أخطر وأثمن منه بكثير. ارتجف فؤادي من الغموض القاتل في كلماته، وأغمضتُ عينيَّ مستسلمةً للدوار الذي بدأ يجتاح عقلي، وأنا متمسكة برقبة الوحش الذي أصبح حصني الوحيد في هذا العالم المظلم. اس
وضعني ببطء خلف ظهره على العرش العاجي، ثم سحب سيفين عريضين من جثة أحد القتلى بجانبه. التفت نحو الجيش المحاصر لنا، واستدارت عيناه لتبث نيران الانتقام الساطعة.–تعالوا واقتلعوا عرشي إن استطعتم!زمجر بها بكسر هادئ هز أركان القلعة، واندفع وحده نحو الجيش الفضي في ملحمة موتى لا تبقي ولا تذر.اندفع داريان كالشهاب في قلب جيش "المخالب الفضية". كانت سيفاه يتحركان بسرعة خاطفة، يقصمان الأجساد ويرسمان خطوطاً من الدم الفائر على جدران القاعة المصنوعة من الحجر الأسود. لم يكن يقاتل كرجل، بل كإعصار مدمر أطلقته الطبيعة للفتك بكل من يتجرأ على تدنيس عرشه.كنتُ أراقب المشهد من خلف عرشه العاجي، أنفاسي متقطعة ويدي تضغطان على جرح قدمي النازف. كانت صرخات القتلى وعواء الذئاب الجريحة تتصاعد لتصك الأذان، لكن عينيّ لم تفارقا داريان. بالرغم من الوحشية المطلقة التي كان يقاتل بها، إلا أن حركة واحدة منه جعلت قلبي يخفق بشدة... كان يتراجع للتدريج بين كل ضربة وأخرى ليظل جسده سداً منيعاً بيني وبين نبال الأعداء.–داريان! انتبه!صرختُ بكل ما أوتيتُ من قوة وأنا أرى الألفا فالكان يستل خنجراً مسموماً يتوهج بلون أخضر زمر
انقضّ داريان نحو بسرعة شاذة، وفي لحظة واحدة كان يده تحيط بعنقي دون أن يضغط، لكن انفاسه الحارقة كانت تلامس وجهي. شُدّت الندبة على خدّه لتبدو أشرس من ذي قبل.–أتتحدينني يا صغيرة؟ أنسيتِ أين تقفين؟ كلمة واحدة مني، ويمكن لحراسي أن يجعلوا قريتكِ هباءً ذارياً قبل أن تشرق شمس الغد.تجمّدت في مكاني. الخوف على عائلتي وأطفال المأوى كان السلاح الوحيد الذي يملكه ضدي.–خذوها إلى البرج الشرفي، ولا تسمحوا لها بالخروج. إن حاولت الهرب... كسروا أقدامها.أشار داريان لحارسين ضخمين، فتقدم أحدهما وأمسك بكتفي بقسوة ليقتادني بعيداً. قبل أن أُسحب عبر الممر المظلم، التقت عيناي بعينيه مجدداً. كان هناك شيء آخر في نظراته... شيء يحاول دفنه بأعماق كبريائه المظلم، شعور بالرغبة والجاذبية الشديدة التي فرضتها الرابطة، والتي كان يقاومها بشراسة تنعكس في عينيه.**طُرحتُ داخل غرفة في أعلى البرج. الأثاث كان بسيطاً: سرير خشبي قديم، وطاولة صلبة، ونافذة صغيرة ذات قضبان حديدية تطل على الغابة المظلمة. أُغلق الباب الثقيل وخلفه صوت أقفال متعددة تُقفل بإحكام.ارتميتُ على الأرض المسدودة بالحجارة، والدموع تنهمر أخيراً من عي







