Share

نزيف داخل اسوار الذئب

last update publish date: 2026-08-24 18:37:04

وضعني ببطء خلف ظهره على العرش العاجي، ثم سحب سيفين عريضين من جثة أحد القتلى بجانبه. التفت نحو الجيش المحاصر لنا، واستدارت عيناه لتبث نيران الانتقام الساطعة.

– تعالوا واقتلعوا عرشي إن استطعتم!

زمجر بها بكسر هادئ هز أركان القلعة، واندفع وحده نحو الجيش الفضي في ملحمة موتى لا تبقي ولا تذر.

اندفع داريان كالشهاب في قلب جيش "المخالب الفضية". كانت سيفاه يتحركان بسرعة خاطفة، يقصمان الأجساد ويرسمان خطوطاً من الدم الفائر على جدران القاعة المصنوعة من الحجر الأسود. لم يكن يقاتل كرجل، بل كإعصار مدمر أطلقته الطبيعة للفتك بكل من يتجرأ على تدنيس عرشه.

كنتُ أراقب المشهد من خلف عرشه العاجي، أنفاسي متقطعة ويدي تضغطان على جرح قدمي النازف. كانت صرخات القتلى وعواء الذئاب الجريحة تتصاعد لتصك الأذان، لكن عينيّ لم تفارقا داريان. بالرغم من الوحشية المطلقة التي كان يقاتل بها، إلا أن حركة واحدة منه جعلت قلبي يخفق بشدة... كان يتراجع للتدريج بين كل ضربة وأخرى ليظل جسده سداً منيعاً بيني وبين نبال الأعداء.

– داريان! انتبه!

صرختُ بكل ما أوتيتُ من قوة وأنا أرى الألفا فالكان يستل خنجراً مسموماً يتوهج بلون أخضر زمردي، ويندفئ من الخلف ونحو ظهر داريان المكشوف.

التفت داريان في أسرع من الرمشة، لكن الوقت لم يكن كافياً لتفادي الضربة بالكامل. غُرس الخنجر المسموم في كتفه الأيسر. زمجر داريان بصوت هز أركان القلعة، واستدار ليلطم فالكان بقبضته الحديدية، مطيحاً به عبر القاعة ليرتطم بالعمود الرخامي الضخم.

– داريان!

لم أفكر في طريقي، ولم أعد أبالي بالخوف أو بالنيران التي تلتهم السجاد. اندفعتُ من خلف العرش وركضتُ نحوه. تساقطت النبال حولي كالمطر، لكن شيئاً سحرياً في الهواء كان يدفعني للإمام... رابطة الرفقة التي حاولتُ إنكارها كانت تصرخ في عروقي لحمايته.

استدار داريان ونظر إليّ بعينين بدأ يتسلل إليهما الضباب بسبب السم الخبيث.

– لماذا... لم تبقي في الخلف يا غبية؟

قالها بنبرة مبحوحة وهو يترنح على ركبة واحدة، والسيف يسقط من يده المخدرة.

– لن أتركك تموت هنا!

جلستُ بجانبه على الأرض المدماة، وأمسكتُ بيده الضخمة التي كانت ترتجف لأول مرة. أخرجتُ من حقيبتي الجلدية الصغيرة التي لم تفارق خصري زجاجة صغيرة تحتوي على مسحوق زهرة "جذور القمر" التي جمعتها من الحدود في الصباح.

– هذا السم سيرياني... سينتشر في قلبك خلال دقائق إن لم أستخرج القاطرة المسمومة الآن!

– أنتِ... مجرد بشرية... ماذا تعرفين عن سموم الذئاب؟

كزّ على أسنانه وأمسك بياقة فستاني وهو يصارع الإغماء، وعيناه السوداوان تفيضان بمزيج مرعب من الألم والرغبة.

– أعرف كيف أنقذ حياتك، لذا اغلق فمك واثبت!

مزقتُ قميصه الأسود عند كتفه بجرأة لم أعهدها في نفسي. كان الجرح ينزف دماً أسود كالحبر، ورائحة الكبريت تنبعث منه. شققتُ موضع الجرح برأس دبابيس شعرية حادة، ثم وضعتُ المسحوق على الشق مباشرة.

صرخ داريان صرخة مدوية هزت القلعة، وانتفض جسده الضخم كمن ضربته صاعقة. أمسك بمعصمي بقوة كادت تكسره، لكنني لم أبتعد. وضعتُ يدي الأخرى على خده، ومررتُ أصابعي فوق ندبته الشهيرة.

– أنظر في عيني يا داريان! لا تستسلم للظلام!

فتح عينيه بصعوبة. التقت أعيننا وسط جحيم المعركة، وفي تلك اللحظة بالذات، سرت موجة حرارة خرافية من يديه إلى جسدي. لم تكن حرارة السم، بل كان تدفق القوة الصافية للرابطة. شعرتُ بذئبه داخل صدره يستجيب للمساتي، يهدأ، ويبدأ في محاربة السم بكفاءة مضاعفة.

في هذه الأثناء، كان فالكان ينهض من بين الركام، يمسح الدم عن فمه بابتسامة نصر خبيثة.

– انتهت أسطورة الألفا العظيم! ستموت بدم بارد، وسآخذ هذه البشرية لتكون أمة في قطيعي!

تقدم فالكان ورفاقه المتبقون ونحو خطوة بخطوة، وأسيافهم مرفوعة للإجهاز علينا.

وقف داريان ببطء شديد. بالرغم من أن شحوب الموت كان يغطي وجهه، إلا أن هيبته لم تنكسر. وقف أمامي وحجبني بالكامل بجسده العريض.

– أتعرف يا فالكان... ما هو الخطأ الأكبر الذي ارتكبته الليلة؟

قالها داريان بصوت خفيض، ينبض ببرود يجمّد الدماء في العروق.

– الخطأ هو أنك ظننت أن هذه البشرية هي نقطة ضعفي... بينما هي القوة التي أيقظت الوحش الحقيقي في داخلي!

دوى عواء أسطوري في أرجاء القلعة، عواء لم يصدر من حنجرة رجل، بل من كيان قديم ومظلم. اهتزت الأرض تحت أقدامنا، وبدأت الوشوم السحرية على أذرع داريان تتوهج باللون الذهبي القاطع.

تحول داريان أمام أعين الجميع. لم يكن تحولاً عادياً إلى ذئب؛ بل تضخم جسده، وبدأت عظام كفيه تطول لتتحول إلى مخالب من الفولاذ الأسود، وشعره الفاحم امتد ليغطي ظهر جبار. ظهر ذئبه الملكي المظلم، بعينين ذهبيتين كالشمس، وندبة بيضاء متوهجة تزنّر وجهه المرعب.

تراجع فالكان حطوات إلى الخلف، والذعر ينهك ملامحه.

– غير ممكن... ذئب الألفا الملكي؟ كيف استطاع كسر القيد المسموم؟

لم يمنحه داريان ثانية واحدة للاستيعاب. اندفع الذئب الأسود العملاق كالبرق الماحق. وفي القلعة المظلمة، تعالت صرخات الرعب والتمزق. كان داريان يتحرك بسرعة تسبق الضوء، يطوح بجنود المخالب الفضية ويمزق أجسادهم كالأوراق الجافة.

انقض الذئب الأسود على فالكان، وأغلق فكيه الضخمين حول عنقه. صرخ فالكان صرخة أخيرة قبل أن يُسمع صوت كسر عظام الرقبة المدوّي. سقط قائد الغزاة جثة هادمة، ليعم الصمت القاتل في القاعة الكبرى، باستثناء صوت أنفاس الذئب الثقيلة وصوت قطرات الدم التي تتساقط من مخالبه.

التفت الذئب العملاق نحوي.

تجمّدت في مكاني. كان ينبض بالوحشية المطلقة، ورائحة الموت والدم تفوح منه. خطى نحوي بخطوات ثقيلة هزت الأرض، وجلس أمامي مباشرة.

انخفض رأسه الضخم ليصبح بمستوى وجهي. كانت عيناه الذهبايتان الحادتان تنظران إليّ بشغف حارق، وجلسته توحي بالخضوع التام والتملك المطلق.

مددتُ يدي المرتجفة ببطء شديد، ووضعتُ كفي على فرائه الأسود الناعم عند موضع الندبة.

أغمض الذئب عينيه وأصدر خريراً خفيضاً مليئاً بالراحة، وكأن لمستي هي الدواء الوحيد لجنونه.

فجأة، انفتحت الأبواب الساحلية للقلعة، واندفع العشرات من حراس قطيع الليل الصامدين بعد أن حسموا المعركة في الخارج، يتقدمهم القائد الثاني للقطيع. عندما رأوا المشهد، ركع الجميع فوراً على ركبهم وأحنو رؤوسهم للأرض.

– الألفا... والملكة.

هتف بها القائد الثاني بصوت يملؤه الذهول والتبجيل.

تراجع الذئب ببطء، وبدأ جسده يعود لصورته البشرية. سقط داريان على ركبتيه، متكئاً على سيفه المغروس في الأرض، والتفت إليّ بابتسامة شاحبة لكنها مليئة بالتملك والكبرياء.

– لقد رأوا قدركِ يا هيلين... لم تعد هناك طريقة لإخفائكِ.

– داريان... أنت نازف ومريض، عليك أن ترتاح!

اقتربتُ منه لأسنده، لكنه أمسك بمعصمي وجذبني نحو صدره بقوة تجعل الفراق مستحيلاً.

– الظلام الذي يلاحقنا لم ينتهِ بعد يا رفيقتي... فالكان كان مجرد بيدق. والسيد الحقيقي للحرب أرسله ليختبر قوّتكِ أنتِ... لا قوّتي.

اتسعت أعين الحراس والمقاتلين الراكعين في القاعة، وتسربت إلى النفوس هيبةٌ خرافية أطفأت أصداء الحرب التي كانت تشتعل قبل لحظات. كان داريان يتنفس بصعوبة، والدم الأسود المسموم الذي يمتزج بدماء أعدائه ينزف على صدره العاري، لكنه رفض السقوط.

أمسك بيدي بقوة تجعلني أشعر بكل ضربة من ضربات قلبه الجريء. التفتَ نحو سيروس، القائد الثاني للقطيع، الذي كان يحاول لم شعث جنوده وتضميد جراحهم.

– سيروس!

زمجر داريان بصوت أجش يتحدى السم الذي ما زال يغلي في عروقه.

– ارفعوا جثث الخونة والمتسللين، واجمعوا القادة في القاعة السفلية فوراً. "فالكان" لم يجرؤ على اقتحام قلعتي إلا لأنه كان يعلم بالسم الذي يجرى في خنجره... هناك خائن بين أسوارنا تسلل إلى نياط القطيع.

ترددت أصداء كلماته بين الجدران الحجرية الشاهقة كالرعد. شحب وجه سيروس، وانحنى بجسده الكامل معلناً الطاعة المطلقة.

– أمرك يا ألفا. سأنبش كل جحر في هذه القلعة حتى أقتلع الخائن من جذوره!

التفت داريان إليّ مجدداً، وكانت عيناه تتأرجحان بين اللون الذهبي المتوهج لربه المتمرد واللون الأسود المظلم لجانبه البشري المنهك. كانت قبضة يده على معصمي تدفئ برودة جسدي المرتجف.

– أنتِ...

همس بها وهو ينظر إلى قدميّ النازفتين بفعل الزجاج المكسور والركام.

– كيف تجرأتِ على الوقوف في وجه سيف فالكان؟ لمَ لم تستغلي الشغب لتهربي نحو الغابة كما تمنيتِ دائماً؟

رفعتُ رأسي ونظرتُ في عينيه الشرسة بثبات، رغم الضباب الذي بدأ يغشاني من شدة التعب والإرهاق.

– لأنني لستُ جبانة يا داريان. ولأنني أعلم أن الموت على يديك أكثر شرفاً من الوقوف أمةً تحت أقدام ذئب خائن كـ "فالكان".

ارتسمت على شفتيه الدافئتين ابتسامة جانبية خفيفة، وشُدت ندبة خدّه الحادة لتضفي على ملامحه سحراً مظلماً لا يُقاوم.

– الموت على يدي؟

انحنى نحوي مجدداً، وفي لحظة خاطفة رفعني بين ذراعيه الفولاذيتين قبل أن تجف صرختي في حنجرتي.

– أنتِ لا تفهمين بعد يا صغيرة... الموت لن يجرؤ على الاقتراب منكِ وأنا أتنفس. أنتِ الآن القوة والضعف في آنٍ واحد، والذئب الذي داخل صدري لن يسمح لكِ بالابتعاد خطوة واحدة بعد اليوم.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ندبة الألفا: رفيقة بالخطأ   اسطورة الحب وسطوة الجبروت

    ​التفتُّ ببطء داخل طوق ذراعيه القويين، ورفعتُ كفيّ لأضع أصابعي الناعمة على فكه الصلب، متتبعة حافة الندبة القديمة التي تحولت إلى وسام شرف يروي قصة بطولتنا وعنفوان لقائنا الأول، ونظرتُ في عينيه الذهبايتين اللتين تفيضان بولع جارف لا يهدأ:​– لستُ أسرق شيئاً ليس حقاً لي يا داريان... كنتُ فقط أسترجع تلك اللحظات الأولى التي دخلتُ فيها هذه القلعة مرجفة الخائف، وكيف غيرتَ أنت كل موازين القسوة لتجعل مني شريكة لعرش لا يرتعش أمامه سوى الظالمين أتعلم؟ كلما نظرتُ إلى هذا الاستقرار المطلق، تيقنتُ أن حبنا لم يكن مجرد صدفة عابرة، بل كان القدر الأعظم الذي كتبه الله لهذه الأرض المنهكة لكي تتطهر من أوزار الماضي.​اتسعت عيناه الذهبايتان بوهج ساحر، وانحنى ليطبق على شفتيّ بققبلة عميقة، حارقة، ومفعمة بظمأ لا ينتهي قبلة طويلة أفرغت كل مخاوف الماضي، وأعلنت سيادة الشغف الأبدي على كل تفصيلة في حياتنا استسلمتُ تماماً لدفء قبضته وقوة أنفاسه، وأنا أشعر بأن العالم بأسره يتلاشى ولا يبقى سوى نبض قلبينا المندمجين في كيان واحد لا يقهر.​وفي تلك اللحظة التي تداخلت فيها الأنفاس وبلغ فيها العشق ذروته، اخترق سكون الغرفة صو

  • ندبة الألفا: رفيقة بالخطأ   معكِ... حتى لو كان العرش من نار

    ​أحاطني داريان بتمسكه الأبدي، وجذبني برفق نحو صدره العريض الذي كان ينبض بإيقاع قوي وثابت استند بذقنه الناعم على كتفي، ولامست أنفاسه الساهمة عنقي بحرارة مشتعلة تذيب جبال الصقيع، ليهمس بصوته الخفيض والرخيم الذي يحمل نبرة الألفا الساحرة:​– أترضين بجلوس ملكتي في زوايا التأمل، تاركةً قلب الألفا يشتعل شوقاً في حضرة عينيها؟ ألا يكفيكِ أنكِ تملِكين عرش الشمال والجنوب، لتسرقي روحي معكِ في كل ثانية؟​التفتُّ ببطء داخل طوق ذراعيه، ورفعتُ كفيّ لأضع أصابعي الناعمة على فكه الصلب، متتبعة حافة الندبة القديمة التي تحولت إلى رمز لأعظم قصة عشق عرفها التاريخ، ونظرتُ في عينيه الذهبايتين اللتين تفيضان بولع جارف لا يهدأ:​– لستُ أسرق شيئاً ليس حقاً لي يا داريان... كنتُ فقط أسترجع تلك اللحظات الأولى التي دخلتُ فيها هذه القلعة مرجفة الخائف، وكيف غيرتَ أنت كل موازين القسوة لتجعل مني شريكة لعرش لا يرتعش أمامه سوى الظالمين أتعلم؟ كلما نظرتُ إلى هذا الاستقرار، تيقنتُ أن حبنا لم يكن مجرد صدفة، بل كان القدر الأعظم الذي كتبه الله لهذه الأرض المنهكة.​اتسعت عيناه الذهبايتان بوهج ساحر، وانحنى ليطبق على شفتيّ بققبلة ع

  • ندبة الألفا: رفيقة بالخطأ   جروه الفضي والزهور النادرة لها سحرا خاص

    وضع ذقنه الناعم على كتفي، واقتربت أنفاسه الساهمة لتداعب عنقي بحرارة مشتعلة تذيب أي أثر لبرودة الطقس الخارجي، ليهمس بصوته الخفيض والرخيم الذي يحمل بحة الألفا الساحرة وجذوة الشغف الأبدي:– ما الذي يشغل بال ملكتي الفاتنة في هذا الوقت المبكر من المساء؟ ألا يكفيها أنها تملك قلبي وعرشي، لتشغل روحها بأفكار بعيدة عني وعن دفء هذا المكان؟التفتُّ ببطء داخل طوق ذراعيه، ورفعتُ كفيّ لأضع أصابعي الناعمة على فكه الصلب، متجاوزة حافة الندبة القديمة التي باتت وسام شرف يروي قصة بطولتنا وعنفوان لقائنا الأول، ونظرتُ في عينيه الذهبايتين اللتين أضحتا مأواي الوحيد ومرفأي الآمن في هذا العالم الواسع:– أفكر في المسافة الهائلة التي قَطَعناها يا داريان... من تلك الليلة المرعبة التي دخلتُ فيها هذه القلعة كإنسانة ترتجف خوفاً من بطشك وأنيابك، إلى هذه اللحظة التي أصبح فيها طغيانك مخصصاً بالكامل لحمايتي، وصار قلبك القاسي وطناً أبدياً لروحي أتعلم؟ ما زلت أسترجع صدى تلك الأيام التي ظننا فيها أن الخلاص مستحيل، وكيف تحولت النيران التي حاصرتنا إلى نور يضيء الأقاليم السبعة بأسرها.اتسعت عيناه الذهبايتان ببريق ساحر يفيض بال

  • ندبة الألفا: رفيقة بالخطأ   انظري إلى هذا الصغير يا هيلين...

    ​وفي تلك اللحظة التي بلغ فيها الشغف ذروته، اخترق سكون الجناح صوت ضحكات طفولية بريئة من المهد المجاور المصنوع من الخشب العطري.​فتح الصغير "أريان" عينيه الذهبيتين اللتين تشعان ببريق سحري نقي ومبهر، وأخذ يلوح بيديه الصغيرتين في الهواء بحيوية مفرطة، بينما دار حول رأسه الصغير عصفور ضوئي متلألئ صنعه بسحره الفطري المتنامي الذي يزداد قوة واتساعاً كل يوم.​ضحك داريان بصوت رجولي عميق ومليء بالفخر الأبوي، ونهض بحذر ليحمل الطفل بين يديه الضخمتين برقة وحنان مذهلين يتناقضان تماماً مع هيبته كقائد للقطيع ومحارب لا يُهزم أقبل به نحوي ووضعه بين أحضاني، لتكتمل لوحة العائلة الأسطورية التي لطالما حلمنا بها وسط أهوال الماضي.​– انظري إلى هذا الصغير يا هيلين...قال داريان وهو يضع يده الدافئة فوق كتفي، ويحدق بابنه بفخر طاغٍ تلمع له عيناه:– إنه ينمو بسرعة فائقة تعادل ضعف نمو الأطفال العاديين سحر الذئاب وقوة البشر تتحدان فيه لتخلقا مستقبلاً استثنائياً لا تجرؤ أي قوة مظلمة على تهديده أبداً إنه السليل الذي سيحرس هذا العرش لقرون طويلة قادمة، وسيكون ضامناً أبدياً لوحدة الأقاليم وتماسكها.​– إنه ثمرة حبنا يا داري

  • ندبة الألفا: رفيقة بالخطأ   لم أكن أهرب كنت اريد معرفة انتصار الحروب

    ​كنتُ أستند إلى حافة النافذة الكبيرة المفتوحة جزئياً، أستنشق عبق الهواء النقي الممزوج برائحة الصنوبر الثلجي والمسك الملكي الذي يملأ المكان كان فستان التتويج الفضي المطرّز بالألماس ينسدل حول جسدي بثقل محبب، وشعري الأسود الطويل يتدفق فوق كتفيّ كشلال من الحرير.​وفجأة، شعرت بأنفاسه الساخنة تلامس عنقي قبل أن تحيط بي ذراعاه القويتان لم يكن بحاجة لأن يتكلم؛ فحرارة جسده المفتول وعضلاته الصلبة التي استندت إلى ظهرِي كانت كافية لأعرف أن داريان قد انسل من مهامه القيادية ليجد راحته الوحيدة بين أحضاني.​لف ذراعيه بإحكام مطلق حول خصري النحيل، وجذبني نحو صدره العريض الذي كان ينبض بإيقاع متسارع يشي بعشق جارف لا يهدأ، ووضع ذقنه على كتفي، ليهمس بصوته الخفيض والرخيم الذي يبعث القشعريرة في أوصالي:​– هل هربتِ من صخب المهرجان يا ملكتي، أم أنكِ كنتِ تبحثين عني بين الحشود؟​التفتُّ ببطء داخل طوق ذراعيه، ورفعتُ كفي لأضع أصابعي الناعمة على فكه الصلب، متتبعة حافة الندبة القديمة التي باتت وسام شرف لملحمتنا، ونظرتُ في عينيه الذهبايتين اللتين تلمعان ببريق ناري لا يراه سواي:​– لم أكن أهرب يا داريان... كنتُ فقط أت

  • ندبة الألفا: رفيقة بالخطأ   لقد تحققت النبوءة القديمة التي دُونت قبل أربعة قرون في هذا السفر!

    ​وقف داريان بجانبي كالجبل الأشم، عباءته المخملية السوداء المطرزة بخيوط الفضة تحاك أطرافها مع نسيم الليل كانت يده القوية تشد على يدي بتمسكٍ أزلي، محولاً شحنة القوة الخارقة التي تجري في عروقه إلى حنانٍ خالص يتدفق إلى جسدي. تطلعتُ في عينيه الذهبايتين، فرأيت فيهما انعكاساً لكل معركة خضناها، ولكل قطرة دم ذرفناها وصولاً إلى هذا العرش الذي لا يزول.​– هيلين...قالها بصوت خفيض، صوتٍ يحمل بحة الألفا التي طالما جعلت فرسان الشمال يرتعدون هيبة، لكنها الآن كانت تشع بالعشق والولاء المطلق:– أترين تلك الأفق الممتدة من جبال الجليد إلى سهول الجنوب الخضراء؟ لم تكن هذه الأرض يوماً تعترف بحاكم واحد، ولا بقانون واحد... حتى وطأت أقدامكِ هذه القلعة. لقد ظننتُ أن القوة هي القدرة على إخضاع الآخرين بالمخالب والسيف، حتى علمتِني أن القوة الحقيقية هي القادرة على صهر القلوب وتوحيد الأعداء في جسدٍ واحد.​ابتسمتُ برقة ورفعتُ كفي لأضع أناملي على صدره المفعم بالحيوية، أستشعر ضربات قلبه المنتظمة والقوية التي باتت إيقاع حياتي:– لم أعلّمك شيئاً لم يكن في أعماقك يا داريان... كان الذئب القاسي يحتاج فقط إلى نور يضيء ظلمات

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status