LOGINوضعني ببطء خلف ظهره على العرش العاجي، ثم سحب سيفين عريضين من جثة أحد القتلى بجانبه. التفت نحو الجيش المحاصر لنا، واستدارت عيناه لتبث نيران الانتقام الساطعة.
– تعالوا واقتلعوا عرشي إن استطعتم! زمجر بها بكسر هادئ هز أركان القلعة، واندفع وحده نحو الجيش الفضي في ملحمة موتى لا تبقي ولا تذر. اندفع داريان كالشهاب في قلب جيش "المخالب الفضية". كانت سيفاه يتحركان بسرعة خاطفة، يقصمان الأجساد ويرسمان خطوطاً من الدم الفائر على جدران القاعة المصنوعة من الحجر الأسود. لم يكن يقاتل كرجل، بل كإعصار مدمر أطلقته الطبيعة للفتك بكل من يتجرأ على تدنيس عرشه. كنتُ أراقب المشهد من خلف عرشه العاجي، أنفاسي متقطعة ويدي تضغطان على جرح قدمي النازف. كانت صرخات القتلى وعواء الذئاب الجريحة تتصاعد لتصك الأذان، لكن عينيّ لم تفارقا داريان. بالرغم من الوحشية المطلقة التي كان يقاتل بها، إلا أن حركة واحدة منه جعلت قلبي يخفق بشدة... كان يتراجع للتدريج بين كل ضربة وأخرى ليظل جسده سداً منيعاً بيني وبين نبال الأعداء. – داريان! انتبه! صرختُ بكل ما أوتيتُ من قوة وأنا أرى الألفا فالكان يستل خنجراً مسموماً يتوهج بلون أخضر زمردي، ويندفئ من الخلف ونحو ظهر داريان المكشوف. التفت داريان في أسرع من الرمشة، لكن الوقت لم يكن كافياً لتفادي الضربة بالكامل. غُرس الخنجر المسموم في كتفه الأيسر. زمجر داريان بصوت هز أركان القلعة، واستدار ليلطم فالكان بقبضته الحديدية، مطيحاً به عبر القاعة ليرتطم بالعمود الرخامي الضخم. – داريان! لم أفكر في طريقي، ولم أعد أبالي بالخوف أو بالنيران التي تلتهم السجاد. اندفعتُ من خلف العرش وركضتُ نحوه. تساقطت النبال حولي كالمطر، لكن شيئاً سحرياً في الهواء كان يدفعني للإمام... رابطة الرفقة التي حاولتُ إنكارها كانت تصرخ في عروقي لحمايته. استدار داريان ونظر إليّ بعينين بدأ يتسلل إليهما الضباب بسبب السم الخبيث. – لماذا... لم تبقي في الخلف يا غبية؟ قالها بنبرة مبحوحة وهو يترنح على ركبة واحدة، والسيف يسقط من يده المخدرة. – لن أتركك تموت هنا! جلستُ بجانبه على الأرض المدماة، وأمسكتُ بيده الضخمة التي كانت ترتجف لأول مرة. أخرجتُ من حقيبتي الجلدية الصغيرة التي لم تفارق خصري زجاجة صغيرة تحتوي على مسحوق زهرة "جذور القمر" التي جمعتها من الحدود في الصباح. – هذا السم سيرياني... سينتشر في قلبك خلال دقائق إن لم أستخرج القاطرة المسمومة الآن! – أنتِ... مجرد بشرية... ماذا تعرفين عن سموم الذئاب؟ كزّ على أسنانه وأمسك بياقة فستاني وهو يصارع الإغماء، وعيناه السوداوان تفيضان بمزيج مرعب من الألم والرغبة. – أعرف كيف أنقذ حياتك، لذا اغلق فمك واثبت! مزقتُ قميصه الأسود عند كتفه بجرأة لم أعهدها في نفسي. كان الجرح ينزف دماً أسود كالحبر، ورائحة الكبريت تنبعث منه. شققتُ موضع الجرح برأس دبابيس شعرية حادة، ثم وضعتُ المسحوق على الشق مباشرة. صرخ داريان صرخة مدوية هزت القلعة، وانتفض جسده الضخم كمن ضربته صاعقة. أمسك بمعصمي بقوة كادت تكسره، لكنني لم أبتعد. وضعتُ يدي الأخرى على خده، ومررتُ أصابعي فوق ندبته الشهيرة. – أنظر في عيني يا داريان! لا تستسلم للظلام! فتح عينيه بصعوبة. التقت أعيننا وسط جحيم المعركة، وفي تلك اللحظة بالذات، سرت موجة حرارة خرافية من يديه إلى جسدي. لم تكن حرارة السم، بل كان تدفق القوة الصافية للرابطة. شعرتُ بذئبه داخل صدره يستجيب للمساتي، يهدأ، ويبدأ في محاربة السم بكفاءة مضاعفة. في هذه الأثناء، كان فالكان ينهض من بين الركام، يمسح الدم عن فمه بابتسامة نصر خبيثة. – انتهت أسطورة الألفا العظيم! ستموت بدم بارد، وسآخذ هذه البشرية لتكون أمة في قطيعي! تقدم فالكان ورفاقه المتبقون ونحو خطوة بخطوة، وأسيافهم مرفوعة للإجهاز علينا. وقف داريان ببطء شديد. بالرغم من أن شحوب الموت كان يغطي وجهه، إلا أن هيبته لم تنكسر. وقف أمامي وحجبني بالكامل بجسده العريض. – أتعرف يا فالكان... ما هو الخطأ الأكبر الذي ارتكبته الليلة؟ قالها داريان بصوت خفيض، ينبض ببرود يجمّد الدماء في العروق. – الخطأ هو أنك ظننت أن هذه البشرية هي نقطة ضعفي... بينما هي القوة التي أيقظت الوحش الحقيقي في داخلي! دوى عواء أسطوري في أرجاء القلعة، عواء لم يصدر من حنجرة رجل، بل من كيان قديم ومظلم. اهتزت الأرض تحت أقدامنا، وبدأت الوشوم السحرية على أذرع داريان تتوهج باللون الذهبي القاطع. تحول داريان أمام أعين الجميع. لم يكن تحولاً عادياً إلى ذئب؛ بل تضخم جسده، وبدأت عظام كفيه تطول لتتحول إلى مخالب من الفولاذ الأسود، وشعره الفاحم امتد ليغطي ظهر جبار. ظهر ذئبه الملكي المظلم، بعينين ذهبيتين كالشمس، وندبة بيضاء متوهجة تزنّر وجهه المرعب. تراجع فالكان حطوات إلى الخلف، والذعر ينهك ملامحه. – غير ممكن... ذئب الألفا الملكي؟ كيف استطاع كسر القيد المسموم؟ لم يمنحه داريان ثانية واحدة للاستيعاب. اندفع الذئب الأسود العملاق كالبرق الماحق. وفي القلعة المظلمة، تعالت صرخات الرعب والتمزق. كان داريان يتحرك بسرعة تسبق الضوء، يطوح بجنود المخالب الفضية ويمزق أجسادهم كالأوراق الجافة. انقض الذئب الأسود على فالكان، وأغلق فكيه الضخمين حول عنقه. صرخ فالكان صرخة أخيرة قبل أن يُسمع صوت كسر عظام الرقبة المدوّي. سقط قائد الغزاة جثة هادمة، ليعم الصمت القاتل في القاعة الكبرى، باستثناء صوت أنفاس الذئب الثقيلة وصوت قطرات الدم التي تتساقط من مخالبه. التفت الذئب العملاق نحوي. تجمّدت في مكاني. كان ينبض بالوحشية المطلقة، ورائحة الموت والدم تفوح منه. خطى نحوي بخطوات ثقيلة هزت الأرض، وجلس أمامي مباشرة. انخفض رأسه الضخم ليصبح بمستوى وجهي. كانت عيناه الذهبايتان الحادتان تنظران إليّ بشغف حارق، وجلسته توحي بالخضوع التام والتملك المطلق. مددتُ يدي المرتجفة ببطء شديد، ووضعتُ كفي على فرائه الأسود الناعم عند موضع الندبة. أغمض الذئب عينيه وأصدر خريراً خفيضاً مليئاً بالراحة، وكأن لمستي هي الدواء الوحيد لجنونه. فجأة، انفتحت الأبواب الساحلية للقلعة، واندفع العشرات من حراس قطيع الليل الصامدين بعد أن حسموا المعركة في الخارج، يتقدمهم القائد الثاني للقطيع. عندما رأوا المشهد، ركع الجميع فوراً على ركبهم وأحنو رؤوسهم للأرض. – الألفا... والملكة. هتف بها القائد الثاني بصوت يملؤه الذهول والتبجيل. تراجع الذئب ببطء، وبدأ جسده يعود لصورته البشرية. سقط داريان على ركبتيه، متكئاً على سيفه المغروس في الأرض، والتفت إليّ بابتسامة شاحبة لكنها مليئة بالتملك والكبرياء. – لقد رأوا قدركِ يا هيلين... لم تعد هناك طريقة لإخفائكِ. – داريان... أنت نازف ومريض، عليك أن ترتاح! اقتربتُ منه لأسنده، لكنه أمسك بمعصمي وجذبني نحو صدره بقوة تجعل الفراق مستحيلاً. – الظلام الذي يلاحقنا لم ينتهِ بعد يا رفيقتي... فالكان كان مجرد بيدق. والسيد الحقيقي للحرب أرسله ليختبر قوّتكِ أنتِ... لا قوّتي. اتسعت أعين الحراس والمقاتلين الراكعين في القاعة، وتسربت إلى النفوس هيبةٌ خرافية أطفأت أصداء الحرب التي كانت تشتعل قبل لحظات. كان داريان يتنفس بصعوبة، والدم الأسود المسموم الذي يمتزج بدماء أعدائه ينزف على صدره العاري، لكنه رفض السقوط. أمسك بيدي بقوة تجعلني أشعر بكل ضربة من ضربات قلبه الجريء. التفتَ نحو سيروس، القائد الثاني للقطيع، الذي كان يحاول لم شعث جنوده وتضميد جراحهم. – سيروس! زمجر داريان بصوت أجش يتحدى السم الذي ما زال يغلي في عروقه. – ارفعوا جثث الخونة والمتسللين، واجمعوا القادة في القاعة السفلية فوراً. "فالكان" لم يجرؤ على اقتحام قلعتي إلا لأنه كان يعلم بالسم الذي يجرى في خنجره... هناك خائن بين أسوارنا تسلل إلى نياط القطيع. ترددت أصداء كلماته بين الجدران الحجرية الشاهقة كالرعد. شحب وجه سيروس، وانحنى بجسده الكامل معلناً الطاعة المطلقة. – أمرك يا ألفا. سأنبش كل جحر في هذه القلعة حتى أقتلع الخائن من جذوره! التفت داريان إليّ مجدداً، وكانت عيناه تتأرجحان بين اللون الذهبي المتوهج لربه المتمرد واللون الأسود المظلم لجانبه البشري المنهك. كانت قبضة يده على معصمي تدفئ برودة جسدي المرتجف. – أنتِ... همس بها وهو ينظر إلى قدميّ النازفتين بفعل الزجاج المكسور والركام. – كيف تجرأتِ على الوقوف في وجه سيف فالكان؟ لمَ لم تستغلي الشغب لتهربي نحو الغابة كما تمنيتِ دائماً؟ رفعتُ رأسي ونظرتُ في عينيه الشرسة بثبات، رغم الضباب الذي بدأ يغشاني من شدة التعب والإرهاق. – لأنني لستُ جبانة يا داريان. ولأنني أعلم أن الموت على يديك أكثر شرفاً من الوقوف أمةً تحت أقدام ذئب خائن كـ "فالكان". ارتسمت على شفتيه الدافئتين ابتسامة جانبية خفيفة، وشُدت ندبة خدّه الحادة لتضفي على ملامحه سحراً مظلماً لا يُقاوم. – الموت على يدي؟ انحنى نحوي مجدداً، وفي لحظة خاطفة رفعني بين ذراعيه الفولاذيتين قبل أن تجف صرختي في حنجرتي. – أنتِ لا تفهمين بعد يا صغيرة... الموت لن يجرؤ على الاقتراب منكِ وأنا أتنفس. أنتِ الآن القوة والضعف في آنٍ واحد، والذئب الذي داخل صدري لن يسمح لكِ بالابتعاد خطوة واحدة بعد اليوم.تداعت أسقف معبد مالاكور المظلم كأوراق الشجر اليابسة تحت وقع عواء داريان الملكي الذي مزق سكون الجبال وأيقظ أصداء الرعب في قلوب أتباع الساحر المنهزم. الغبار الأسود كثف الأجواء وحجب نور الشموع الزرقاء، بينما كانت الحجارة الضخمة تتساقط من الأعلى لتدفن بقايا الجنود والتعاويذ المحرمة. وقفتُ وسط تلك الفوضى العارمة، أستنشق رائحة البارود والدماء المختلطة بعبق الصنوبر والمطر المنبعث من كيان داريان، وأشعر بطاقات سحرية جديدة تتفجر في عروقي كينابيع لا تهادن.– انتهى كل شيء يا مالاكور، وعصر طاعونك الملعون قد دُفن هنا تحت أنقاض معبدك!صرختُ بها بكل ما أوتيتُ من قوة، متجاوزة الخوف الذي كان يعتصر فؤادي طوال الأيام الماضية، لأرى الساحر العجوز يترنح على عرشه المكسور، ودمائه الحمراء الداكنة تسيل من فمه بغزارة بعد أن حطمت صاعقة داريان سحره الأخير.– أتعتقدين أنك انتصرتِ يا ابنة الحدود؟سعل مالاكور دماً وهو يبتسم بابتسامة صفراء مرعبة مزقت ملامحه الملتوية.– الموت ليس سوى بداية العقد، وقبل أن يرتفع القمر لليلته الثانية، ستدركين أن دماءكِ هي المفتاح الأخير لفتح البوابة التي لا يمكن لألفا ولا لقطيع إغلاق
تمرغ ضباب الكهف الجبلي في رائحة الكبريت والرماد، بينما كانت ألسنة اللهب الزرقاء تلتهم جدران معبد مالاكور المظلم. وقفتُ أمام مرآة فضية تتدلى من سقف الغرفة السرية، أراقب انعكاس عينيَّ اللتين بدأتا تتحولان ببطء من اللون البشري المعتاد إلى بريق ذهبي نقي يحمل في طياته سلالة الزهرة المنسية.– هل تعتقدين أن إخفاءكِ لهذه الطاقات سيمنع القدر من أخذ مجراه يا ابنة الحدود؟جاء صوت مالاكور أجوّف ومثقلاً بقرون من السحر الأسود، وهو يخرج من بين الظلال الكثيفة، وعيناه الحمراوان تلمعان بشر لئيم. كان يجلس على عرش من عظام وحوش الشمال، محاطاً بعدة جنود مدججين بدروع شيطانية، بينما كانت تعاويذ الطاعون تتراقص بين أصابعه كأفاعٍ سامة.– أنا لا أختبئ يا مالاكور، وكل ما تفعله لن يغير حقيقة أن نهايتك ستكون تحت أقدام الألفا داريان وجيشه.قلتُها بنبرة ثابتة رغم دقات قلبي المتسارعة التي كانت تطرق صدري كطبول حرب لا تهادن.– داريان؟ضحك مالاكور ضحكة مجنونة اهتزت لها جدران الكهف الصخري.– ذلك الأحمق الذي يعتقد أن رابطة وهْمية ستنقذه من طاعوني. بعد يومين، وعندما يكتمل القمر في كبد السماء، لن يبقى في قلعته حجر واح
ارتجف جسدي بين ذراعيه، لا من الخوف هذه المرة... بل من الشغف والغموض الذي بدأ يلف هذه الرابطة الملعونة التي تحولت إلى خيارنا الوحيد للنجاة. وصلنا إلى الأبواب المصفحة الخاصة بالجناح الملكي في أعلى قمة القلعة. فتح داريان الباب بقدمه ودخل بي، قبل أن يرده خلفنا بضغطة واحدة أحدثت صดยً حاسماً في أرجاء الممر. كان الجناح واسعاً بشكل مهيب، تزينه الفراء الفاخرة ورائحة الحطب المشتعل في المدفأة الحجرية الضخمة. وضعني ببطء على السجاد الناعم أمام الجمر المتوهج، لكنه لم يبتعد. ظل جائثاً أمامي، وعيناه تفككان كل خصلة شعر متناثرة على وجهي. – لماذا لم تتركهم يقتلونني أو يسلمونني لمالاكور؟ سألته بصوت خفيض، وأنا أضم ركبتيّ إلى صدري محاولة الاختباء من نظرته الثاقبة. – قطيعك سيتدمر بسبب بشرية لا تنتمي لعالمكم. امتدت يده الضخمة لتمسك بذقني ببطء، وتجبرني على مواجهة عينيه الذهبيتين اللتين خفت حدة غضبهما لتفسح المجال لشيء آخر... شيء أكثر عمقاً وخطورة. – القطيع الذي لا يستطيع حماية رفيقة الألفا لا يستحق الحياة يا هيلين. قالها بنبرة هادئة لكنها أثقل من الجبال. – مالاكور لا يريدكِ لمجرد كسر الرابطة
– داريان... ضعني أرضاً، أنت نزيفك لم يتوقف! ضغطني إلى صدره العريض بقوة أطاحت بأي مقاومة تبقت في جسدي. – جرحي يلتئم برائحتكِ وقربكِ يا هيلين. الرابطة التي أسميتها "خطأً" هي الشيء الوحيد الذي يمنع هذا السم من حرق أحشائي بالكامل. خطى بي عبر حطام قاعة العرش، متجاوزاً الجثث والدماء المتناثرة كأنه يسير في بستان من الزهور، بينما الحراس يفتحون الطرقات إجلالاً وهيبة. كنت أسمع همساتهم المخفية وتسقيفهم الخافت، فقد رأوا بأعينهم كيف جثت ملكتهم البشرية لتعالج الألفا وتنقذه في قلب المعركة. وصلنا إلى السلم الحلزوني الموصل إلى البرج الشرفي والجناح الملكي. توقف داريان لبرهة، والتفت ينظر إلى البوابة المكسورة، والدمار الذي لحق بالساحة الخارجية، ثم نظر إليّ بعينين تشتعلان بوعيد حارق. – فالكان كان مجرد عاصفة صغيرة... أما الجحيم الحقيقي فسيأتي عندما يعلم الجميع أن رفيقة الألفا الملكي لا تملك ذئباً، بل تملك ما هو أخطر وأثمن منه بكثير. ارتجف فؤادي من الغموض القاتل في كلماته، وأغمضتُ عينيَّ مستسلمةً للدوار الذي بدأ يجتاح عقلي، وأنا متمسكة برقبة الوحش الذي أصبح حصني الوحيد في هذا العالم المظلم. اس
وضعني ببطء خلف ظهره على العرش العاجي، ثم سحب سيفين عريضين من جثة أحد القتلى بجانبه. التفت نحو الجيش المحاصر لنا، واستدارت عيناه لتبث نيران الانتقام الساطعة.–تعالوا واقتلعوا عرشي إن استطعتم!زمجر بها بكسر هادئ هز أركان القلعة، واندفع وحده نحو الجيش الفضي في ملحمة موتى لا تبقي ولا تذر.اندفع داريان كالشهاب في قلب جيش "المخالب الفضية". كانت سيفاه يتحركان بسرعة خاطفة، يقصمان الأجساد ويرسمان خطوطاً من الدم الفائر على جدران القاعة المصنوعة من الحجر الأسود. لم يكن يقاتل كرجل، بل كإعصار مدمر أطلقته الطبيعة للفتك بكل من يتجرأ على تدنيس عرشه.كنتُ أراقب المشهد من خلف عرشه العاجي، أنفاسي متقطعة ويدي تضغطان على جرح قدمي النازف. كانت صرخات القتلى وعواء الذئاب الجريحة تتصاعد لتصك الأذان، لكن عينيّ لم تفارقا داريان. بالرغم من الوحشية المطلقة التي كان يقاتل بها، إلا أن حركة واحدة منه جعلت قلبي يخفق بشدة... كان يتراجع للتدريج بين كل ضربة وأخرى ليظل جسده سداً منيعاً بيني وبين نبال الأعداء.–داريان! انتبه!صرختُ بكل ما أوتيتُ من قوة وأنا أرى الألفا فالكان يستل خنجراً مسموماً يتوهج بلون أخضر زمر
انقضّ داريان نحو بسرعة شاذة، وفي لحظة واحدة كان يده تحيط بعنقي دون أن يضغط، لكن انفاسه الحارقة كانت تلامس وجهي. شُدّت الندبة على خدّه لتبدو أشرس من ذي قبل.–أتتحدينني يا صغيرة؟ أنسيتِ أين تقفين؟ كلمة واحدة مني، ويمكن لحراسي أن يجعلوا قريتكِ هباءً ذارياً قبل أن تشرق شمس الغد.تجمّدت في مكاني. الخوف على عائلتي وأطفال المأوى كان السلاح الوحيد الذي يملكه ضدي.–خذوها إلى البرج الشرفي، ولا تسمحوا لها بالخروج. إن حاولت الهرب... كسروا أقدامها.أشار داريان لحارسين ضخمين، فتقدم أحدهما وأمسك بكتفي بقسوة ليقتادني بعيداً. قبل أن أُسحب عبر الممر المظلم، التقت عيناي بعينيه مجدداً. كان هناك شيء آخر في نظراته... شيء يحاول دفنه بأعماق كبريائه المظلم، شعور بالرغبة والجاذبية الشديدة التي فرضتها الرابطة، والتي كان يقاومها بشراسة تنعكس في عينيه.**طُرحتُ داخل غرفة في أعلى البرج. الأثاث كان بسيطاً: سرير خشبي قديم، وطاولة صلبة، ونافذة صغيرة ذات قضبان حديدية تطل على الغابة المظلمة. أُغلق الباب الثقيل وخلفه صوت أقفال متعددة تُقفل بإحكام.ارتميتُ على الأرض المسدودة بالحجارة، والدموع تنهمر أخيراً من عي







