FAZER LOGINأما لوكا، فبقي مسمراً في مكانه، متفاجئاً بل ومصدوماً من تلك الصرخة الهستيرية المرعبة: إنه مجرد كوب زجاجي سقط! لمَ كل هذا الرعب؟!
بدأت ليساندرا ترتجف بقسوة بالغة، وتنتفض كمن تصعقها الكهرباء. في تلك اللحظة، هرع بيدرو من الطابق السفلي راكضاً بقلق هائل، وهو ينادي بصوت يقطع الأنفاس: — ليساندرا! ليساندرا! ماذا يحصل بحق الجحيم؟! حاول لوكا تطويق الموقف بسرعة وهو ينظر لأبيه: — لا شيء يا أبي! لقد اصطدمنا ببعضنا وسقطت الأكواب، هذا كل ما في الأمر! وحين سمع بيدرو ذلك، زاد هرولته حتى وصل إليهما يلهث، وانحنى باهتمام بالغ نحو ليساندرا المرتجفة: — ليسا.. هل أنتِ بخير؟! ماذا جرى لكِ بحق الله؟! كرر لوكا بنبرة مرتبكة: أخبرتك يا أبي، لقد ارتطمنا وسقطت الأكواب لا أكثر! سأل بيدرو بقلق: هل كانت القهوة ساخنة وأحرقتكِ؟! رد لوكا سريعاً: لا.. لم تكن ساخنة، لقد بردت تماماً! تابع بيدرو التفتيش بملامح شاحبة نحو ليساندرا التي كانت ترتجف بعنف غير مسبوق، وسألها بصوت مرتجف: — ليسا.. هل أنتِ بخير حقاً؟ أجابت بصوت مقطع ومتقطع يغلب عليه الهلع: — نـ... نـ... نعم... خاف لوكا كثيراً مما حصل، وظهرت على محياه علامات الندم الصادق، فبادر بالاعتذار لليساندرا بصوت مهتز: — أنا حقاً أعتذر.. لم أصدق أن الأمور ستصل إلى هذا الحد. نظر بيدرو بحدة إلى ابنه، فهتف لوكا مبرراً موقفه بتهالك: — ماذا فعلت يا أبي؟! لقد ارتطمنا بالخطأ، ولم أقصد ذلك أبداً.. أقسم لك! نظرت إليه ليساندرا وهي لا تزال ترتجف بقوة، وقالت بصوت شاحب يغلب عليه الهلع والذهول: — لم يقصد... الاصطدام بي.. لم ننتبه.. أبدًا. وما إن انتهت من كلماتها المتقطعة، حتى استدارت بخطوات متعثرة كأن الأرض تميد تحت قدميها، وهرعت نحو غرفتها. أغلقت الباب وراءه بعنف، وأحكمت قفله مرتين، ولم تترك لمايك فرصة للتدخل أو الدخول خلفها. سنَدَتْ ظهرها إلى الباب المغلق حتى انزلقت منهارةً إلى الأرض خلفه، وشرعت تبكي بصمتٍ مُطبق؛ بلا صوت، فقط دموعٌ تنهمر بغزارة وجسدٌ يرتجف كالعصفور المبلَّل. لم تعد تعلم ما الذي يمكن أن يحصل، ولم تعد تفهم لماذا تبكي بهذه القسوة الهستيرية؛ فجاكسون لم يكن هنا.. كان في الماضي، لكن الماضي تجذّر في فكرها المنهك واستعبد روحها تماماً. ظلّت تبكي وتبكي وحدها في عتمة الذكريات المرعبة. بعد فترة، سُمع طرق خفيف على الباب، وصوت مايك الحنون يتردد من الخارج: — ليساندرا.. لقد أضعت معك قنينة ماء بارد، هل لكِ بأخذها؟ مسحت ليساندرا دموعها المنسكبة بسرعة، وقالت بصوت واهن ومتقطع: — حسناً.. دقيقة واحدة. وقفت بتثاقل، وفتح الباب قليلاً، وأخرجت يدها المرتجفة ليتلقى مايك منها الإشارة وتأخذ قنينة الماء. أدرك مايك فوراً من خلال عينيها المحمرتين الشاحبتين أنها كانت تبكي بمرارة. سألها بحنان حارس أمين: — هل ترغبين في شرب شيء دافئ؟ أغلقت ليساندرا الباب بسرعة فائقة وقالت باختصار: — لا... ابتعد مايك عن الباب بخطوات قلقة وثقيلة، وسحب هاتفه ليتصل فوراً بـ أندرسون. جاءه صوت أندرسون المترقب والمليء بالتوتر: — هل كل شيء على ما يرام يا مايك؟ أجاب مايك بصوت جاد ومضطرب: ابتعد مايك عن الباب بخطوات قلقة وثقيلة، وسحب هاتفه ليتصل فوراً بأندرسون. جاءه صوت أندرسون المترقب المليء بالتوتر: — هل كل شيء على ما يرام يا مايك؟ أجاب مايك بصوت جاد مضطرب: — أظن أنها بحاجة ماسة إلى الدكتور فيكتور الآن يا سيدي.. أين هو؟ ردّ أندرسون: — يُفترض أنه في طريقه إلى مدريد، وسيصل بعد ساعتين من الآن.. ماذا جرى بحق الجحيم؟ شرح مايك بتركيز: — لقد انكسرت الأكواب جرّاء اصطدام عرضي بين ليساندرا ولوكا، فاستبد بها هلع شديد أيقظ كوابيسها.. وأظنها تبكي وحدها في غرفتها الآن، فلم تدعني حتى أرى وجهها. قال أندرسون بحزم وقلق متصاعد: — ابقَ بجانب بابها.. لم نعثر على الحقير جاكسون بعد، ولا أستطيع الارتياح. سأله مايك بذكاء حذر: — هل جرّبتم البحث في شقة أخيه؟ ألا يزال كريستيان يقيم في إحدى ضواحي باريس؟ أجاب أندرسون بنبرة مظلمة: — سأرسل بروس لتفتيش كافة ممتلكات عائلته بدقة.. عقّب مايك سريعاً: — ركّز على والديه أيضاً، فهما لم يتدخلا بشكل مباشر بعد، وغيابهما يثير الشك والريبة. قال أندرسون: — سنرى ذلك.. ركّز أنت على ليساندرا الآن، أُريد أن أعرف كل صغيرة وكبيرة كأني معكم تماماً في القصر. —أمرك يا سيدي. أثناء ذلك، مرّ لوكا بجانب غرفة ليساندرا بينما كان مايك واقفاً على مسافة قريبة يراقب الوضع. طرق لوكا الباب برفق، وقال بنبرة مكسورة: — ليساندرا.. هل لي بالدخول؟ لم ترد ليساندرا بأي حرف. عاود طرقه بإلحاح لطيف: — ليسا.. هل أنتِ بخير؟ أنا آسف حقاً، لم أقصد ذلك أبداً أقسم لك.. هل لي بالتحدث إليكِ قليلاً لتسامحيني؟ جاء ردها كهمس متعب من خلف الباب: — سأنام الآن... ألحّ بلطف: — بعد استيقاظكِ إذن؟ ما رأيكِ؟ ردت بجمود تام: — سنرى وقتها... قال بنبرة آسفة ومنكسرة: حسناً.. كما تحبين. ظلت ليساندرا حبيسة غرفتها لما يقارب الإثنتي عشرة ساعة متواصلة؛ فقد حلّت الساعة الحادية عشرة ليلاً، وهي لم تتناول لقمة واحدة منذ الإفطار الصباحي البسيط! تسلل القلق المروع إلى قلب مايك، فلم يتحمل الصمت أكثر من ذلك. تقدم وطرق الباب بقوة متعقلة: — ليساندرا.. هل أنتِ بخير؟ أجيبيني من فضلكِ! لم تصدر أي استجابة أو صوت يُذكر من الداخل. عاود الطرق مرة أخرى وثالثة، لكن الصمت المطبق كان رفيق المكان. فزع مايك، وذهب مسرعاً للبحث عن مفتاح إضافي للغرفة. صادف الخادمة ليزي وسألها بلهفة، فأجابت بحزم وبيروقراطية صارمة: — عليك سؤال ك بيدرو أولاً.. لا يمكنني تزويدك بأي مفاتيح أو فتح الأبواب دون إذنه الصريح. غضب مايك من هذه القواعد في هذا التوقيت الحرج، لكنه أدرك أنها على حق تماماً. فركض نحو مكتب بيدرو وطرق بابه بقوة وعجلة. جاءه الصوت الحازم من الداخل: تفضل. دخل مايك دون أن ينتظر أذناً ثانية، وبادر بيدرو بلهفة واضحة: — أليس الوقت متأخراً للقدوم لمكتبي الآن؟سأله بيدرو باستغراب. قال مايك متجاهلاً العتاب تماماً: هل بإمكاني الحصول فوراً على المفتاح الإضافي لغرفة ليساندرا؟ إنها لا تجيبني نهائياً، ولم تخرج من غرفتها منذ الحادية عشرة ظهراً! انتفض بيدرو من مكانه بذهول صاعق، واتسعت عيناه برعب: — ماذا؟! ولماذا لم تخبرني بذلك منذ البداية؟! لماذا! برر مايك: لقد ردت عليّ وقت العشاء.. لكنها الآن صامتة تماماً ولا ترد على أي طرق! نهض بيدرو مسرعاً، ونادى على ليزي لترافقهما بالمفاتيح، وهرع الثلاثة نحو جناح ليساندرا. طرق بيدرو الباب بقوة للتأكد من كلام مايك، ولم يأتِ أي جواب.. ظلت ليساندرا غارقة في صمت مميت. أخرج بيدرو المفتاح الإضافي وفتح الباب بسرعة وسهولة، والتفت إلى ليزي بأمر حاسم: — انظري.. هل هي مستيقظة؟ دخلت ليزي بخطوات بطيئة نحو السرير، والتفتت إليهم قائلة: — لا.. إنها نائمة بعمق. سأل بيدرو بحذر وخوف مخالط: هل بإمكاني الدخول؟ — نعم، بالطبع . دخلا سويةً، وتقدم بيدرو بخطوات بطيئة نحو السرير حيث تستلقي ليساندرا تحت الأغطية. ظل يحدق بها لبرهة؛ بلا حراك، وبلا كلمات، كأنه يقرأ ملامح وجهها الشاحب. ثم مدّ يده برهبة ليتأكد من أنها على قيد الحياة، ووضع كفه برفق على رقبتها عند موضع النبض.. وما إن لامست يده بشرتها حتى تراجع للخلف بفزع واهتزاز، كمن وضع يده في تنور نار ملتهب من شدة سخونة جسدها! صاح بيدرو بذعر وجنون هز أركان الغرفة: — حرارتها مرتفعة بشكل جنوني وكأنها تحترق! أين الطبيب اللعنة؟! أين الطبيب فوراً؟! لم تمضِ ساعات قليلة على ذعر الغرفة حتى سهرت البا وصوفيا وطاقم التمريض طوال الليل تحت إشراف بيدرو ومايك، معالجةً ليساندرا بكمادات الماء البارد وخافضات الحرارة المركزة، حتى انحسرت تلك الحمى المرعبة تدريجياً مع أضوء الفجر الأولى. وفي اليوم التالي، وحين استقرت أنفاسها وعادت حرارتها إلى معدلها الطبيعي، وصل الدكتور فيكتور إلى القصر، متجهاً مباشرة بخطوات هادئة نحو غرفة ليساندرا ليشرع في جلسته العلاجية الحاسمة. جلست ليساندرا على حافة السرير، وجهها شاحب ومهرول بآثار التعب والإرهاق، بينما جلس فيكتور قبالتها بنبرة دافئة وهادئة: — كيف حالكِ اليوم يا ليساندرا؟ سمعت أن ليلتكِ كانت متعبة للغاية. أجابت بصوت واهن وخافت: — أنا بخير الآن.. الحمى خفت قليلاً. — جميل.. هل لي أن أتحدث معكِ قليلاً عما يعتري صدركِ من رعب؟ أود منكِ أن تخرجي كل ما في داخلكِ بلا خجل أو خوف. حدقت به ليساندرا لبرهة مطولة، ثم بدأت تفرك كفيها بتوتر وقالت بصوت مكسور: — أنا.. أنا لا أعلم.. أنا في الحقيقة لا تخيفني الأفكار وحدها، ولا أعاني من جبن دائم.. لكن الخوف.. الخوف هو من يتملكني تماماً في اللحظة التي يحدث فيها كل شيء! حين تتدافع الأحداث فجأة، أفقد السيطرة على جسدي وعقلي، وكأني أعود لنفس النقطة المظلمة. أومأ فيكتور برأسه بتفهم عميق، وتابع بنبرة فاحصة: — أفهمكِ تماماً يا ليساندرا.. الخوف رد فعل طبيعي لصدمة غير طبيعية. لكن.. دعينا نتحدث عن جاكسون. لماذا تخافين منه بهذا القدر رغم أنكِ أثبتِ شجاعتكِ بتحطيم المزهرية على رأسه؟ ما الذي تبدل في داخلكِ حين تتذكرينه؟ ترقرقت الدموع في عينيها، وانقبض وجهها بألم وهي تسترجع تلك الكوابيس: — لأنني رأيته... رأيته في أسوأ حالات غضبهِ ربما او هذا ما ضننته لكنه لم يرحمني صمتت ليساندرا وهي تلتقط أنفاسها المتعبة، فتقدم فيكتور بكلماته المهدئة والعميقة، يفكك خيوط ذكرياتها ويربطها بالحاضر الآمن، شارحاً لها الفرق بين ماضٍ انتهى وحاضر تحرست فيه جدران قصر بيدرو. وقبيل انتهاء الجلسة، رمقها فيكتور بابتسامة خفيفة وقال: — لقد بذلتِ مجهوداً رائعاً اليوم يا ليساندرا. وقبل أن أغادر.. أخبريني، هل يوجد هنا في هذا القصر شيء يساعدكِ على الإسترخاء أو الابتعاد عن التوتر؟ في منزلكِ في نيويورك كان لديكِ البيانو الذي عزفتِ عليه ببراعة.. فهل عثرتِ على شيءٍ هنا؟ هزت رأسها بضعف وقالت: — لا أعلم بعد.. فهذا ثاني يوم لي فقط في هذا المكان، ولم أكتشف أرجاء القصر جيداً. — حسناً.. لا بأس، سنكتشف ذلك معاً قريباً. استأذن فيكتور وغادر الغرفة. وما إن خرج من أبواب القصر حتى أخرج هاتفه وسارع بالاتصال بـ أندرسون ليضعه في صورة الوضع: — سيد أندرسون.. أنا أكملت جلستي للتو مع ليساندرا. جاءه صوت أندرسون بلهفة بالغة: كيف حالها؟ هل هناك أي تقدم حقيقي؟ أجاب فيكتور بهدوء مهني: — ليس تقدماً هائلاً بعد، لكنه خطوة صغيرة وثمينة جداً.. وعلينا أن نعتمد عليها لنبني فوقها. تنهد أندرسون بارتياح نسبي: شكراً لك يا فيكتور.. أبقِيني على اطلاع بكل التفاصيل. أغلق فيكتور الخط، وركب سيارته متوجهاً مباشرة نحو منزله الجديد في مدريد؛ وهو المنزل الذي اشتراه له أندرسون خصيصاً ليكون قريباً جداً من قصر بيدرو، وليكون على أهبة الاستعداد لأي طارئ يخص ليساندرا في أي وقت.بينما كان الجميع يجلسون حول مائدة الغداء، بدأت تتردد في أرجاء القصر أصوات غريبة ومكتومة؛ حركة أثاث،أصوات فك أخشاب، وأصوات نقل معدات ثقيلة تقترب شيئاً فشيئاً من الجناح الأرضي.تعالت الأصوات قليلاً مع مرور الوقت، وبدأت ملامح التوتر والقلق تتسلل بوضوح إلى وجه ليساندرا. تجمدت شوكتها في يدها، وبدأت ترمق الممر بنظرات زائغة ومحذرة خشية أن يكون هناك ما يترقبها مجدداً.لاحظ بيدرو اضطرابها الفوري، فمال نحوها وقال بنبرة دافئة و حنونة:— ليسا.. هل أنتِ بخير؟ هل يزعجكِ شيء؟قالت بصوت مهتز وهي تشير برأسها نحو مصدر الصوت:— ما هذه الضوضاء القادمة من الخارج؟ابتسم بيدرو بغموض لطيف:— لا تقلقي.. لربما يركبون شيئاً ما أو يقومون ببعض الترتيبات الصيانة المعتادة في القصر.التفت بيدرو فوراً إلى إحدى العاملات الواقفات في الخدمة وكانت تدعى ماريا، وقال لها:— ماريا.. ماذا يجري هناك؟ ولماذا هذه الضوضاء العالية؟ تفقدي الوضع واعرفي السبب فوراً.أجابت العاملة باحترام:— حسناً يا سيدي، سأذهب حالاً.استدارت ماريا وخرجت بسرعة لترى مصدر الصوت، وما إن وصلت حتى وجدت خوان يشرف بنفسها على عملية إدخال وتركيب قطع خشبية ثقي
دخل بيدرو إلى مكتبه بالدور الأرضي، وكان مساعده خوان يقف في انتظاره وبيده بعض الأوراق. نظر إليه بيدرو وقال:— خوان.. أخبرني أندرسون أنه أرسل بعض الكتب لليساندرا، أين هي؟أجابه خوان باحترام:— لقد وضعتها في مكتبك بعد أن تأكدنا من سلامتها بالكامل، بإمكانك تسليمها لها وقتما تشاء.— جميل.. لا بأس، سأدع لوكا يسلمها الكتب بنفسه. أريدك أيضاً أن تجلب بيانو اليوم لليساندرا.. فرغ غرفة في الطابق الأرضي إذا تطلب الأمر لتكون مخصصة لها.سأله خوان بتساؤل:— حسناً يا سيدي.. هل هناك حجم أو نوع معين؟— يجب أن يكون مناسباً تماماً لما اعتادت عليه ليساندرا، دعني أحدث أندرسون لأتأكد.رفع بيدرو هاتفه وتحدث مع أندرسون لدقائق، وقبل أن يغلق الخط، أرسل أندرسون صورة للبيانو الخاص بليساندرا في منزلهم القديم. أعاد بيدرو توجيه الصورة إلى خوان وقال:— لقد أرسلت لك صورة بيانو ليساندرا، أحضر واحداً يطابقه تماماً.أومأ خوان برأسه طائعاً:— حسناً يا سيدي، سيكون هنا في القصر قبيل الغروب بإذن الله.— ممتاز.. أنا بانتظارك.خرج خوان على الفور لتنفيذ الأمر وإحضار البيانو.أما في الطابق العلوي، فقد فتحت ليساندرا باب غرفتها ببط
فتحت ليساندرا باب غرفتها ببطء بعد خروج الطبيب فيكتور، لتجد مايك يقف كعادته بوقفة ثابتة في الممر. سألته بصوت منخفض وخافت يكاد يختفي: - هل بإمكاننا النزول للمطبخ؟ أجابها مايك بنبرة عملية ومهذبة: - بالطبع ليسا. خرجت مغلقة باب غرفتها بحذر، وما إن وطئت قدماها أرجاء المطبخ الواسع والفاخر حتى استقبلتها الطاهية بابتسامة دافئة، وسألتها باهتمام: - صباح الخير.. هل تريدين مني تحضير شيء خاص لكِ للإفطار؟ أجابت ليساندرا بصوت مهتز: - أريد إفطاراً بسيطاً إذا أمكن.. وقهوة. سألتها الطاهية بحرص: أي نوع من القهوة تفضلين؟ - بالحليب.. شكراً لكِ. ظلت ليساندرا جالسة بصمت، تتابع بحواس متعبة حركة الطاهية وهي تعد لها الشطيرة بعناية فائقة. وبعد دقائق معدودة، انتهت الطاهية وقدمت لها الطبق الدافئ بجانبه كوب ماء نقي، وقالت: - سأعد لكِ القهوة الآن حالاً. وبينما كانت ليساندرا تتناول لقيمات قليلة من الإفطار في زاوية المطبخ، انفتح الباب فجأة ودخل الأمير بيدرو برفقة مساعده خوان، وكان يناقشه بصوت حازم حول خطط تأمين مداخل القصر ومخارجه. وفور أن وقعت عينا بيدرو على ليساندرا جالسة بهدوء في المطبخ، توقف عن الكلام
أما لوكا، فبقي مسمراً في مكانه، متفاجئاً بل ومصدوماً من تلك الصرخة الهستيرية المرعبة: إنه مجرد كوب زجاجي سقط! لمَ كل هذا الرعب؟! بدأت ليساندرا ترتجف بقسوة بالغة، وتنتفض كمن تصعقها الكهرباء. في تلك اللحظة، هرع بيدرو من الطابق السفلي راكضاً بقلق هائل، وهو ينادي بصوت يقطع الأنفاس: — ليساندرا! ليساندرا! ماذا يحصل بحق الجحيم؟! حاول لوكا تطويق الموقف بسرعة وهو ينظر لأبيه: — لا شيء يا أبي! لقد اصطدمنا ببعضنا وسقطت الأكواب، هذا كل ما في الأمر! وحين سمع بيدرو ذلك، زاد هرولته حتى وصل إليهما يلهث، وانحنى باهتمام بالغ نحو ليساندرا المرتجفة: — ليسا.. هل أنتِ بخير؟! ماذا جرى لكِ بحق الله؟! كرر لوكا بنبرة مرتبكة: أخبرتك يا أبي، لقد ارتطمنا وسقطت الأكواب لا أكثر! سأل بيدرو بقلق: هل كانت القهوة ساخنة وأحرقتكِ؟! رد لوكا سريعاً: لا.. لم تكن ساخنة، لقد بردت تماماً! تابع بيدرو التفتيش بملامح شاحبة نحو ليساندرا التي كانت ترتجف بعنف غير مسبوق، وسألها بصوت مرتجف: — ليسا.. هل أنتِ بخير حقاً؟ أجابت بصوت مقطع ومتقطع يغلب عليه الهلع: — نـ... نـ... نعم... خاف لوكا كثيراً مما حصل، وظهرت على محياه ع
أطلقت ليساندرا ضحكة خفيفة وعذبة، وبدأت تتناول إفطارها بارتياح نسبي. وبعد الانتهاء، ظل بيدرو يحدق بابنه لوكا بنظرات حادة لأنه لم يرفع عينيه عن ليساندرا طوال الوقت، وحين زاد الأمر، ضرب بيدرو قدم ابنه خفية من تحت الطاولة لتنبيهه.— أوتششش! تأوه لوكا بصوت خافت.بدأ بيدرو يشير بعينيه نحو الخارج، معطياً إياه إشارة صارمة للنهوض من على المائدة ومغادرة المكان. جلس لوكا قليلاً ليكمل رشفة قهوته الأخيرة، ثم نهض مرغماً.التفت بيدرو نحو ليساندرا وقال بنبرة حانية:— ليسا.. هل يناسبكِ أن يفحصكِ الطبيب الآن؟ جروحكِ بالغة وعميقة، وأخشى أن يصيبكِ أي مكروه إن لم نعيد تضميد الشاش وتعقيمها.ردت باعتراض خفيف:— لا بأس.. سأضمد نفسي بنفسي.ابتسم بيدرو بلطف وهز رأسه:— يا ليسا.. لا أظنكِ فهمتِ، أنا أحرص عليكِ ولا أريد إرهاقكِ أو تعب نفسكِ بنفسكِ. دعي الطبيبة تنظر إليها.. كما أنها طبيبة أنثى وليست رجلاً، أرجوكِ وافقي من أجلي.تنهدت بخفوت واستسلمت لرغبته:— لا بأس.. حسناً.— ممتاز.. هل بعد نصف ساعة يناسبكِ الوقت؟— نعم، مناسب جداً.— حسناً، ستناديكِ ليزي حين تصل الطبيبة للفحص.— حسناً.همّ بيدرو بالنهوض واستأذن
ما إن وصلوا إلى مدرج الطائرات الخاصة، حتى ترجل الجميع عدا أندرسون. سارع مايك بإخراج الكرسي المتحرك لتثبيت ليساندرا ونقلها بحذر شديد إلى داخل الطائرة. توجه أندرسون نحو طاقم العمل وسأل العامل بلهفة:— هل طائرتي جاهزة تماماً؟— بالطبع يا سيدي.. لقد ملأنا خزانات الوقود بالكامل وأصبحت جاهزة للإقلاع.— حسناً.صعد أندرسون حاملاً ليساندرا برفق بالغ، وأجلسها على مقعدها المريح وربط حزام الأمان حول جسدها المنهك بحرص، ثم نادى على مايك ليجلس بجانبها طوال الرحلة للاطمئنان عليها. خرج بروس من مقصورة القيادة مؤكداً:— كل شيء على ما يرام يا أندرسون، الطائرة مؤمنة بالكامل.— جميل.. هيا بنا إذن.قاد أندرسون الطائرة بنفسه، شاقاً عباب الليل حتى هبطت بسلام في مطار مدريد بإسبانيا.فور هبوط الطائرة، أنزل أندرسون ليساندرا وأجلسها على الكرسي المتحرك مجدداً. وفي تلك اللحظة، تقدم بيدرو (ولي العهد) لاستقباله بترحيب حار:— أهلاً بك يا أندرسون!— أهلاً بك يا بيدرو. وتصافحا بحرارة.سأله بيدرو باهتمام: كيف حالك؟— بخير.. وأنت؟— سنكون بخير دائماً متى ما كنتَ كذلك. ثم سأله بنظرات قلقة: هل لي أن أسأل؟ ما الذي يجري بحق







