Home / مافيا / قسوة التمساح ( زوجة في الأسر) / الفصل التاسع: ترانيمُ الرَّحيل.. وعَصْفُ القَدَر

Share

الفصل التاسع: ترانيمُ الرَّحيل.. وعَصْفُ القَدَر

Author: Majdouline
last update Petsa ng paglalathala: 2026-04-02 01:25:50

الفصل التاسع: ترانيمُ الرَّحيل.. وعَصْفُ القَدَر

***

أَمُسْتَسْلِمٌ لِلرِّيـحِ أَمْ أَنْتَ عَاصِفُ

وَفِي صَدْرِكَ المَكْتُومِ تَبْكِي العَوَاصِفُ

مَضَيْنَا وَدَرْبُ الرَّاحِلِيـنَ مَتَاهَةٌ

تُسَاقُ بِهَا نَحْوَ المَصِيرِ المَوَاقِفُ

أَيَا قَيْسُ هَلْ حَقًّا سَتَمْحُو مَوَاجِعِي

أَمِ الغَدْرُ فِي عَينَيكَ حُكْمٌ مُرَادِفُ

أَمَامِي ضَبَابُ الرَّحْلِ وَالحُزْنُ

دَأْبُنَا وَخَلْفِي حَيَاةٌ غَادَرَتْهَا المَعَارِفُ

...

خيم على مقصورة السيارة سكونٌ مهيب، وهدوء صامت لم يكن من قبيل السكينة أو الطمأنينة التي تنشدها النفوس، بل كان أشبه بجمود المفترس الكاسر في اللحظة التي تسبق الوثبة القاتلة

كان قيس يمسك بمقود السيارة بيقينِ من لا تُرد له كلمة ولا يُعصى له أمر، يداه القويتان تلتفان حول الجلد الفاخر للمقود وكأنهما تقبضان على عنق عدوه نفسه، تُطوعانه حيثما يشاء. عيناه المثبتتان على الطريق ببرودٍ فولاذي كانتا توحيان بأن العالم بأسره، بشوارعه، وبحشوده، وبأقدار قاطنيه، ينحني الآن طوعاً أو كرهاً تحت عجلات سيارته المسرعة التي تنهب الأرض نهباً. لم يكلف نفسه عناء الالتفات ليرى أثر الزلزال الذي أحدثه على وجوههم، بل ألقى بكلماته الحارقة التي لم تكن مجرد إخبار، بل كانت حكماً مبرماً للإعدام غير قابل للاستئناف، سقط على مسمع نازلي كوقع شفرة المقصلة:

"أنت قادم معنا أيضاً.. يا جواد فالرحلة لن تكتمل بدونك، والترتيبات قد حُسمت وأُغلقت ملفاتها قبل أن يرتد إليك طرفك فإن كنت ستعاند كأختك فتفضل لكنك في النهاية ستذهب "

في تلك اللحظة، توقف الزمن لثوانٍ معدودة في المقعد الخلفي، وكأن الأكسجين قد فُقد فجأة من المكان، تاركاً صدورهم تضيق بانتظار المجهول، قبل أن ينكسر الجمود بصرخة حماسٍ طفولية مدوية صدرت من جواد، اخترقت جدار الصمت الثقيل كقذيفة طائشة لم تحسب حساباً للجروح. رمش الشاب بعينيه عدة مرات، محاولاً استيعاب حجم العطية التي هبطت عليه من السماء دون سابق إنذار، وفجأة، انفجرت أسارير وجهه عن ابتسامةٍ عريضة كالفجر، وكأنه سجينٌ محكوم بالسجن للأبد حصل لتوّه على صكّ حريةٍ مُذّهب ومختوم بختم الملوك. صاح بصوتٍ يرتجف من فرط الانبهار والذهول: ماذا أعاند هذا مستحيل يا صاح لكن هل قلت

"إيطاليا! هل قلتها حقاً يا قيس؟ وأكمل بنبرة الغريق الذي تم انقاذه : أرض الفن العريق، التاريخ الذي يضج في كل حجر، وحسناوات روما اللواتي نقرأ عن فتنتهن في الأساطير والقصائد! يا إلهي، هذا جنونٌ رائع ومثير! لم أكن أحلم حتى في أكثر خيالاتي جموحاً بأن تنتهي ليلتي الرتيبة بهذه المفاجأة السارة التي تفوق كل وصف وتتخطى كل توقع ومنطق !"

تلك الكلمات كانت تنزل على مسامع نازلي كوقع السياط المحماة التي تشق اللحم الحي وتترك ندوباً لا تندمل. شعرت بغصةٍ حارقة تذبح حنجرتها، والتفتت نحو شقيقها بحنقٍ لا يوصف، وجسدها كله ينتفض من فرط القهر والخذلان الذي شعرت به من أقرب الناس إليها. كانت عيناها تقدحان شرراً وذهولاً مرّاً، وهي تصرخ فيه بصوتٍ مخنوق كاد يتمزق من فرط الانفعال المكبوت الذي وصل مداه:

"جواااااااااااااااد! هل فقدت عقلك تماماً؟ أهذا كل ما استطاع كبرياؤك اللعين استيعابه في هذه اللحظة المهينة والقاتمة؟! النساء والجمال والرحلات السياحية؟ ألا تدرك أن هذا الوغد الجالس بجانبي يمارس علينا الآن عملية اختطافٍ كبرى مُغلّفة بالوعود الزائفة والحرير المسموم؟ ألا تشعر بكرامتك المهدورة التي تدهسها عجلات هذه السيارة اللعينة وأنت تُساق خلفه كقطيعٍ بلا إرادة ولا رأي ولا حتى حق في التساؤل؟! استيقظ يا أخي أيها المغفل ، فنحن نُسلب حريتنا وهويتنا في وضح النهار، وأنت تبارك للسجان فِعلته وتشكره بحرارة على القيد الذي يلفه حول عنقك ومعصمك!!"

لكن جواد، الذي أفقده بريق السفر توازنه وأغشاه عن رؤية القيود، لم يكن مستعداً إطلاقاً لإفساد تلك اللحظة "التاريخية" بمرارة أخته النكدة التي بات يراها مجرد "دراما" أنثوية مكررة تفتقر للمنطق والواقعية. بل اكتفى بإطلاق ضحكةٍ صافية مليئة بالرضا، ومال بجسده إلى الأمام ليضع يده على كتف قيس برعونةٍ وحميمية مستفزة لكرامة نازلي الجريحة التي تنزف بصمت:

"بصراحة يا صهري العزيز، لم أكن أتوقع منك هذه اللفتة الملكية الكريمة أبداً! لقد سئمتُ من رتابة هذه الجدران ومن غبار المدينة الذي يخنق أنفاسي، وهذه الرحلة هي المنقذ الوحيد الذي سيخرجني من قوقعتي ليريني النور. شكراً لك يا قيس، شكراً جزيلاً يا صاح لأنك تفتح لي أبواب العالم وأفاقه الواسعة وتأخذني لإيطاليا البلاد الذي حلمت كثيرا بزيارتها إذ لم أتمكن من رؤيتها ابدا إلا عبر الشاشات الباردة!"

رفعت نازلي يدها في الهواء بغريزةٍ هائجة، لتصفعه ولتخرسه كانت الرغبة في صفعه قوية لعلّه يفيق من غيبوبته الطوعية تملأ كيانها وتدفعها للجنون. لكن جواد، ببرودٍ مستفز ينم عن لا مبالاة تامة، تفادى حركتها بضحكةٍ مجلجلة صدى صوتها كان يمزق نياط قلبها، مما زاد من اشتعال نيران الحنق في صدرها. وبينما كانت تجمع شتات أنفاسها المتهدجة لتبدأ جولةً جديدة من الاحتجاج والصراخ العقيم، شعرت فجأة بقرصةٍ حادة، قوية، ومفاجئة على فخذها!

شهقت نازلي بقوة، وجحظت عيناها بصدمةٍ لجمت لسانها عن النطق للحظات. التفتت ببرقٍ غاضبة نحو قيس، فوجدته كما هو؛ شامخاً كالجبل الأشم الذي لا تحركه العواصف، نظراته مثبتة على الطريق ببرودٍ لا يهتز، وكأن يده لم تتحرك من مكانها قيد أنملة لتلمسها. لكن، لو دققت في ملامحه الرخامية الصارمة، لرأت تلك الزاوية الصغيرة جداً في زاوية فمه وهي ترتفع بابتسامةٍ شيطانية مستترة، ابتسامة من يتلذذ بكسر كبريائها وترويض تمردها بلمساتٍ وقحة وذكية تجيد اختيار التوقيت تمامًا. ضيقت عينيها بشكٍّ قاتل وهي تدرك الحقيقة المرة؛ لقد فعلها انتقاماً لكل كلمة شتيمة وجهتها له، فعلها ليخبرها بطريقته الخاصة أن جسدها وقرارها وصوتها باتوا جميعاً تحت سلطة "الملك" المتوج على عرش حياتها رغماً عن أنفها.

لكن مع انفجار غضبها وقلة حيلتنا وسخطها الشديد منه قالت بقسوة:

"أيها الـ..." بدأت تهمس بصوتٍ يرتجف من شدة الغيظ المكتوم الذي يكاد يفجر صدرها، لكن قيس قاطعها قبل أن تكمل جملتها، وبنبرةٍ هادئة، رخيمة، ومستفزة إلى أبعد الحدود الممكنة:

"هيا يا نازلي.. لا تكوني درامية بهذا الشكل المرهق الذي يستهلك أعصابكِ بلا طائل ولا فائدة. أمامنا رحلة طويلة تتطلب الهدوء، والضجيج ليس رفيقاً ممتازاً لمن يستعد للسفر لبلادٍ بعيدة. كوني عاقلة، فوقت الجدال قد انتهى منذ لحظة دخولكِ هذه السيارة، والآن بدأ وقت التنفيذ.. بل أقول لكِ إن وقتكِ القديم انتهى منذ أن غادرتِ منزلكِ وأنتِ تعلمين في قرارة نفسكِ أن العودة ليست خياراً مطروحاً على طاولتي أبداً."

قبضت نازلي على قبضتيها بقوةٍ جعلت أظافرها تنغرس في راحة يدها وتترك علاماتها الغائرة، مستشعرةً حرارة الغضب تتفجر في عروقها كالحمم التي لا تجد مخرجاً. أغمضت عينيها بقوة، وأخذت شهيقاً عميقاً ومطولاً محاولةً تمالك أعصابها التي اهترأت تماماً تحت وطأة تلاعبه الشيطاني بظروف حياتها. كانت تشعر بأنها داخل عنق زجاجةٍ مُغلقة بل محكمة الإغلاق، يحيط بها جدرانٌ من الفولاذ والقسوة يمثلها قيس، وجدرانٌ من اللامبالاة والسطحية المملة يمثلها شقيقها الأخرق الذي يبيع حريته وكرامته مقابل تذكرة سفرٍ وبريق عابر.

بدأت السيارة تنهب الطريق نهباً، متجهةً بسرعةٍ وثبات نحو قدرٍ رسمه قيس بدقةٍ متناهية وحساباتٍ باردة كالثلج في ليلة شتوية. باردة كانت نازلي تراقب أضواء المدينة وهي تتلاشى من خلف الزجاج، وتشعر بأن كل ذكرى جميلة، وكل حلمٍ نسجته بدم قلبها في خلواتها، يتبخر الآن مع كل مترٍ تقطعه السيارة بعيداً عن أمانها الزائف. روايتها التي كانت تخط فصولها بشغفٍ وحب، "قسوة التمساح"، لم تعد مجرد حبرٍ على ورق يداعب الخيال، بل أصبحت قيداً حقيقياً يلتف حول معصميها، واقعاً مراً يفرض عليها أن تكون "زوجة في الأسر"، أسيرةً لرجلٍ لا يعرف للرحمة سبيلاً، ولا للرأفة طريقاً ولأقدارٍ لم تعد تملك حيالها سوى الانصياع الصامت والمهين

تزايد الصمت الخانق داخل السيارة إلا من صوت جواد الذي بدأ يتحدث بحماسٍ لا ينقطع عن المناطق التي سيزورها والكاميرا التي يجب أن يشتريها ويحضرها لتوثيق رحلته، بينما كان قيس يكتفي بهز رأسه بوقارٍ مريب، وكأن كل شيء يسير وفق مقطوعةٍ موسيقية هو مايسترو ألحانها الوحيد. أما نازلي، فقد كانت غارقة في لجّة أفكارها السوداء التي تبتلعها.. تتساءل بمرارة تفتت الروح: كيف تحولت في غضون ساعاتٍ قليلة من كاتبةٍ طموحة تحتفل بانتصارها الأدبي وفوزها بكونها على أبواب الشهرة ، إلى رهينةٍ تُساق نحو مصيرٍ ضبابي خلف البحار كما يسوق الراعي نعاجه في المساحات الخضراء الواسعة؟

عندما بدأت لافتات المطار تلوح في الأفق ببرودها المعدني تحت الأضواء الكاشفة، شعرت نازلي برعشةٍ باردة تجتاح جسدها بالكامل وتجعل أطرافها تتجمد. لا من البرد بل لأن الأمر لم يعد مجرد تهديدٍ شفوي أو ضغطٍ نفسي، بل بات واقعاً جلياً يطبق على أنفاسها ويخنقها بقبضته المرعبة . ستغادر أرضها، ستترك هويتها وناسها وأهلها وذكرياتها، لترحل مع رجلٍ هجرها لثلاث سنوات ثقال و طوال ثم عاد فجأة ليمزق ما تبقى من حياتها ويبني فوق أنقاضها عرش تملكه. وهوسه أوقف قيس السيارة في منطقةٍ معزولة ومخصصة لكبار الشخصيات والبعثات الدبلوماسية. ترجل من السيارة بهيبة الملوك الذين لا يُنازعون، ودار حولها ليفتح باب نازلي بحركةٍ بدت في ظاهرها قمة الرقي والفروسية، لكنها كانت في جوهرها إعلاناً رسمياً وصارخاً عن الغطرسة والكبرياء و السيطرة والامتلاك المطلق الذي لا يقبل القسمة.

نظرت إليه نازلي بعينين تقدحان شرراً وكرهاً دفينًا يكفي لإحراق العالم، فدنا منها قيس ببطء مستفز، ومال برأسه نحو أذنها وهمس بصوتٍ دافئ يحمل في طياته قسوةً خفية ووعيداً لا يلين، صوتٌ يشبه فحيح الأفاعي في رقته وخطره:

"وفري هذه النظرات لرحلتنا الطويلة يا ملكتي.. فأمامنا فصولٌ كثيرة وطويلة لم تُكتب بعد في روايتك الجديدة ومن يدري قد يساعدك هواء روما الإيطالي على التفكير السوي ويسلمك موهبة تساعدك على خط صفحاتك، وسأكون أنا من يساعدك ويمسك معك القلم من الآن فصاعداً ليكتب النهاية التي تروق لي.. وتليق بمقامي كملوكٍ في عرش مملكتنا

ابتلعت ريقها بصعوبة مريرة كالعلقم، ونزلت من السيارة وهي تجرّ أذيال الانكسار والتمرد الذي بات يلفظ أنفاسه الأخيرة أمام سطوته، بينما كان جواد يسبقهم بخطواتٍ راكضة وحماسٍ أعمى نحو صالة المغادرة، غافلاً عما يُحاك في العتمة. لم تكن تعلم نازلي وهي تخطو فوق أرض المطار، أن هذه الرحلة ستمحو "نازلي القديمة" إلى الأبد، وأن ما ينتظرها خلف السحاب هو صراعٌ وجودي مرير لن تخرج منه كما دخلته. لقد أصبحت الآن بطلة روايته التي يكتبها بالحديد والنار والقسوة المفرطة، والرحلة لم تكن إلا البوابة الكبرى والمهيبة لجحيمٍ من نوعٍ فاخر، لا يخرج منه إلا من احترقت روحه تماماً.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App
Mga Comments (4)
goodnovel comment avatar
أبو يمان معين مرعي
جميل جداً. استمري لأن أسلوبك يخلي القارئ يحبس نفسه لآخر كلمة إبداع يستاهل التصفيق...
goodnovel comment avatar
بدر بدر
بالتوفيق يارب أحسنتي
goodnovel comment avatar
Majdouline
شكرا لك اخي
Tignan lahat ng Komento

Pinakabagong kabanata

  • قسوة التمساح ( زوجة في الأسر)   الفصل الخمسون بعد المئة والأخير: مَقَابِرُ الزُّجَاجْ.. وَلِقَاءُ العَمَالِقَةِ فَوْقَ المَاءْ

    الفصل الخمسون بعد المئة: مَقَابِرُ الزُّجَاجْ.. وَلِقَاءُ العَمَالِقَةِ فَوْقَ المَاءْ *** فَوْقَ المِيَاهِ تَمُوتُ كُلُّ رَجَاءِ ... وَتَسِيلُ غَصَّاتٌ بِغَيْرِ شِفَاءِ عَيْنَانِ زَرْقَاوَانِ فَوْقَ عَرِيفِهَا ... تَسْتَنْجِدَانِ بِآخِرِ الأَنْوَاءِ وَالآخَرُ المَسْجُونُ خَلْفَ سَوَادِهِ ... يَبْكِي الحَيَاةَ بِدَمْعَةٍ خَرْسَاءِ حَانَ الصِّدَامُ فَمَا لِخَوْفٍ مَهْرَبٌ ... فِينِيسْيَا أَمْسَتْ مَسْرَحَ الشُّهَدَاءِ ... حين تلتقي أقدار الطغاة فوق أرض عائمة بُنيت على الأسرار والمؤامرات، تذوب الفوارق بين النصر والهزيمة لتصبح الحياة والموت مجرد ورقتين في لعبة قمار مافيوية لا ترحم. فبين جنون التملك الذي يقود سيارة "سامويل" ببطء سادي قاتل مستمتعاً بسجن فراشته خلف سواد الحرير، وبين رعب الفقد الذي يعصف بكيان "التمساح" وهو يشق عباب شوارع فينيسيا بلمح البصر متخطياً حواجز المستحيل، تتقاطع المسارات عند عتبة قصر عتيق يطفو فوق مياه إيطاليا الباردة الغامضة. هنا.. خلف الأبواب الحجرية الصماء، لم يعد الصراع صراع نفوذ أو ثأر قادم من أزقة وهران، بل تحول إلى مواجهة عارية لحبس الأنفاس، وتعرية الوج

  • قسوة التمساح ( زوجة في الأسر)   الفصل التاسع والأربعون بعد المئة: مَتَاهَةُ الخِدَاعْ.. وَصَدْمَةُ العَاصِفَةِ الإِيطَالِيَّةْ

    الفصل التاسع والأربعون بعد المئة: مَتَاهَةُ الخِدَاعْ.. وَصَدْمَةُ العَاصِفَةِ الإِيطَالِيَّةْ ** يَسْتَيْقِظُ الأَسْرُ فِي عَيْنَيْكِ أَغْلَالَا ... كَأَنَّ حُلْمَكِ ضَاعَ اليَوْمَ أَوْ زَالَا تَصْحُو الصَّهْبَاءُ وَالأَقْدَارُ تَعْصِفُ بِهَا ... لِتَلْقَى جَلَّادَهَا المَجْنُونَ مَازَالَا ظَنَّتْ دِيَارَ الأَمَانِ اسْتَقْبَلَتْ دَمَهَا ... فإذا بفينيسيا تُغَرِّقُ الحلم أهوالا ... حين تتداخل خيوط اللعبة المافيوية، يصبح الاستيقاظ من سكرات الموت مجرد تذكرة عبور إلى جحيم جديد صُمم بعناية؛ فبين غفوة دافئة فرضتها العقاقير المهدئة وصحوة مريرة على واقع مشحون بالخديعة، تتلاشى الوعود وتتبدل الخرائط تحت وطأة التحكم المطلق. لم تكن الطائرة المصفحة مجرد وسيلة هرب من صخب نيويورك، بل كانت جسراً سرياً عبره "التمساح" ليحكم قفصه الحديدي حول فراشته المتمردة، وينقل الصراع من أزقة روما المنتظرة إلى معقل جديد يفيض بالتاريخ والدم والمؤامرات؛ حيث تصبح الأنفاس معدودة، واللعنات عاجزة أمام طغيان العناد المتبادل. فتحت نازلي جفنيها ببطء شديد، تشعر بثقل جبل يربض فوق وعيها المستعاد، بينما رائحة الجلد

  • قسوة التمساح ( زوجة في الأسر)   الفصل الثامن والأربعون بعد المئة: أَثْوَابُ العُزْلَةْ.. وَإِعْلَانُ الرَّحِيلِ الـمُبَاغِتْ *

    الفصل الثامن والأربعون بعد المئة: أَثْوَابُ العُزْلَةْ.. وَإِعْلَانُ الرَّحِيلِ الـمُبَاغِتْ * ** تَمُدُّ إِلَى الصُّنْدُوقِ كَفَّاً رَعُوشَةً ... لِتَلْقَى رِدَاءً كَالفِنَاءِ مُفَصَّلَا طَوِيلٌ وَمَسْتُورٌ يَغُصُّ بِهِ الـمَدَى ... كَأَنَّ السَّوَادَ العَتْمَ فِيهِ تَكَلَّلَا يَقُولُ طَغَاةُ الـمَكْرِ حَانَ رَحِيلُنَا ... وَإِنَّ سَمَاءَ الأَسْرِ لَنْ تَتَبَدَّلَا ... حين تتحول الثياب في قاموس الهوس إلى زنازين متنقلة تصنعها أصابع الجلاد بعناية، يفقد النسيج الفاخر بريقه ليصبح غلافاً يخنق ما تبقى من كبرياء الفريسة خلف الأبواب الصامتة. فبين جدران قصر "دواكيلا" الموحش، تكتشف الفراشة المحاصرة "كاثيا" أن قيدها الجديد لم يكن حريرياً فحسب، بل كان ثوباً من عتمة واحتشام مبالغ فيه، صُمم خصيصاً ليطمس ملامح وجودها ويحجبها عن أعين العالم الذي يغار منه سامويل. لكن الأنفاس لا تكاد تستوعب صدمة الشروط العارية، حتى تدق طبول المغادرة المباغتة في ليل نيويورك العاصف، معلنةً انقشاع العاصفة الطبية وجاهزية الطائرات المصفحة لرحيل يعود بالجميع نحو الديار التي شهدت بداية الكابوس ونهايته. في القصر، و

  • قسوة التمساح ( زوجة في الأسر)   الفصل السابع والأربعون بعد المئة: عُرِيُّ الـحَقَائِقْ.. وَمَخَاضُ الشُّرُوطِ الأَخِيرَةْ

    الفصل السابع والأربعون بعد المئة: عُرِيُّ الـحَقَائِقْ.. وَمَخَاضُ الشُّرُوطِ الأَخِيرَةْ***خَرَجَتْ تَسِيرُ إِلَى الـهَلَاكِ بِعِزَّةٍ ... كَالمَهْرِ يُسَاقُ لِلذَّبْحِ وَالمُدْيَا تُرَى تَبْغِي الخَلَاصَ مِنَ العُيُونِ وَمَكْرِهَا ... وَالـمَكْرُ خَلْفَ فِرَاشِ السَّادَةِ دُبِّرَا وَفِي الـمَشَافِي تَرْنِيمَةٌ قُدْسِيَّةٌ ... فِيهَا الأُخُوَّةُ بَعْدَ الـمَوْتِ تُبْتَكَر...حين تنقشع مساحيق الخداع النفسي وتتحطم الدروع الواهية خلف الحصون الصامتة، يجد المرء نفسه عارياً تماماً أمام شروطه المصيرية التي لا تقبل القسمة على اثنين. فبين جدران القصر المعتم بظلال الهوس، بلغت حرب الأعصاب ذروتها الخانقة؛ حيث لم يعد أمام الفراشة المحاصرة "كاثيا" سوى التخلي عن مهلتها الأخيرة، والتقدم بخطى مرتجفة لتواجه جلادها المتربص ببرود فوق فراش السيطرة المطلقة. وفي ذات الوقت، تشهد أروقة الجناح الطبي بنيويورك مخاضاً من نوع آخر، حيث تذوب قسوة "التمساح" أمام دفء الأخوة المستجدة، لتتحول المحاكمة الشرسة إلى عهد أمان يربط بين دماء الجزائر بلد المليون شهيد وبين أرض الزيتون والتين الجريحة، إيذاناً ببدء فصول جديدة

  • قسوة التمساح ( زوجة في الأسر)   الفصل السادس والأربعون بعد المئة: مَوَازِينُ النُّفُوسْ.. وَانْكِسَارُ المَرَايَا المَصْقُولَةْ

    الفصل السادس والأربعون بعد المئة: مَوَازِينُ النُّفُوسْ.. وَانْكِسَارُ المَرَايَا المَصْقُولَةْ***طَبِيبٌ بَكَى فِي مَهْدِهِ الأَصْلَ حَسْرَةً ... وَظَنَّ عُيُونَ الصَّهْبِ تَرْمِيهِ بِالعَمَى وَمَا عَلِمَ المِسْكِينُ أَنَّ دُمُوعَهَا ... عَقِيدَةُ شَوْقٍ قَدْ جَرَتْ فِي الشَّرَايِنَا وَفِي القَصْرِ خَلْفَ الرَّخَامِ صَبِيَّةٌ ... تَسِيرُ لِفَرَّاشِ الغَرِيمِ تَحَسُّرَا تَظُنُّ حِبَالَ القَزِّ نَجَاةَ أَسِيرِهَا ... وَمَا القَزُّ إِلَّا المَوْتُ يَبْدُو مُزَيَّنَا...تتحرك خيوط الأقدار في ليل نيويورك العاصف بآلية بالغة التعقيد، تضع النفوس أمام مراياها الحقيقية لتعري الأوهام التي سكنت الصدور طويلاً. فبين جدران الجناح الطبي المعقم، حيث يتشابك ذهول الهوية المشتركة مع انكسار المهاجر الذي أخطأ قراءة صمت المبادئ، تنبض المعجزة بالانتماء الذي يذيب جليد الغربة، ويحول الشراسة اللفظية إلى دموع أخوة تتدفق في عقر دار الخصوم. وعلى الجانب الآخر من الولاية المظلمة، خلف الأبواب الصماء لقصر "سامويل دواكيلا"، تسير كاثيا المذعورة بخطوات متهالكة فوق الأرضية الرخامية، لتخرج من سكون بخارها الساخن نحو ع

  • قسوة التمساح ( زوجة في الأسر)   الفصل الخامس والأربعون بعد المئة: تَرْجَمَةُ التَّمَرُّدْ.. وَسُؤَالُ العَقِيدَةِ الـمَحْظُورْ

    الفصل الخامس والأربعون بعد المئة: تَرْجَمَةُ التَّمَرُّدْ.. وَسُؤَالُ العَقِيدَةِ الـمَحْظُورْ***شَفَتَاكِ صَاعِقَةٌ وَلَفْظُكِ مِقْصَلَةْ ... وَعَلَى ضِفَافِ الـمَوْتِ تَبْدَأُ مَسْأَلَةْ تَسْتَنْطِقِينَ الحَقَّ فِي مَهْدِ العِدَا ... وَالبَحْرُ فِي عَيْنَيْكِ يَحْمِلُ قُنْبُلَةْ مَا هَمَّهَا طِبُّ النَّصَارَى وَالعَجَمْ ... إِنْ لَمْ يَكُنْ حُرَّاً بَدَا كَالمَزْبَلَةْ...حين يمتزج كبرياء العقيدة والوطن بدماء متمردة لا تعرف الانحناء، تصبح الغرف الطبية المعقمة ساحات حرب فكرية لا تنفع معها تكنولوجيا الغرب ولا بروفيسورات الرفاهية. خلف أبواب الجناح الطبي الفاخر في نيويورك، لم تكن معجزة عودة الأنفاس لجسد نازلي النحيل هي الحدث الأبرز، بل كانت تلك "الثورة اللفظية" المباغتة التي أيقظت شياطين المكان، وجعلت من لسانها السليط شفرة حلاقة تمزق هدوء الطاقم الأمريكي وجبروته العلمي المعتاد.وقف البروفيسور "أندريس" متصلباً كتمثال ملحي عند عتبة الباب، وعيناه تتسعان خلف نظارته الطبية بوجل حقيقي وذهول مطلق، وهو يرى المريضة التي كانت قبل ساعات تصارع الموت الإكلينيكي وتعيش على المعجزات الرقمية للشاشات،

  • قسوة التمساح ( زوجة في الأسر)   الفصل الأول: زلزالٌ تحتَ أضواءِ الكريستال!!

    أعزائي القراء، لقد قمتُ بعملية تنقيح شاملة للرواية وحذفتُ الأجزاء التي لم تكن تخدم المسار الدرامي القوي الذي أطمح إليه. آمل أن يعجبكم التغيير الفصل الأول: زلزالٌ تحتَ أضواءِ الكريستال!! *** ما كُنتُ أَعلَمُ أَنَّ الحُزنَ يَطرُقُني في لَيلَةِ العُرسِ وَالأَنوارُ تَشتَعِلُ رَأَيتُ وَجهاً ظَن

  • قسوة التمساح ( زوجة في الأسر)   الفصل الحادي عشر: صرخةُ الذاكرة.. وقيودُ الحاضر!!

    الفصل الحادي عشر: صرخةُ الذاكرة.. وقيودُ الحاضر!! *** أَتَسْأَلُنِي العَوائِدُ عَنْ طَهَارِي وَفِي عَيْنَيْكِ غَدْرٌ كَالعَارِ مَضَيْتُ وَقَدْ غَدَا المَاضِي سَرَاباً وَنَارُ الوَجْدِ تَحْرِقُ كُلَّ دَارِ أَيَا قَيْسُ انْتَزَعْتَ الرُّوحَ مِنِّي وَعُدْتَ لِتَسْتَبِيحَ لِيَ انْكِسَارِي

  • قسوة التمساح ( زوجة في الأسر)   الفصل الثالث: صخب الذاكرة.. ونذير الدم!!

    الفصل الثالث: صخب الذاكرة.. ونذير الدم!! *** نَسيتُ لِحينٍ مَن رَماني بِسَهمِهِ وَطِبتُ لِذِكرىٰ مَن أَراحَ وَقَرَّبا فَجاءَ غُرابُ البَينِ يَنفُثُ سُمَّهُ وَيَحسِبُ أَنَّ القَلبَ ما زالَ مُتْعَبا أَيا لَيتَ شِعري كَيفَ يُخفي جُنونَهُ وَفي نَظرَةِ العَينَينِ شَوقٌ تَغَرَّبا ...

  • قسوة التمساح ( زوجة في الأسر)   الفصل الثاني: رماد الملكية!!

    الفصل الثاني: رماد الملكية!! *** تَماديتَ في ظُلمي وكُنتَ مُلَكاً فأصبحتَ وحشاً يشتهي القتلَ والذما صَفعتُكَ كَي يصحو غُرورُكَ لحظةً فما زادَكَ الإقدامُ إلا تَجهُّما ... كانت أنصال الغيرة تنهش أحشاء "نازلي" كجمرٍ مستعر لا يهدأ، وهي تراقب تلك "الغجرية" التي كانت تتشبث بذراع "قيس" بكل وقاحة، ت

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status