تسجيل الدخولالفصل العاشر: قُبْلَةُ الجَحِيمِ.. وَأَصْفَادُ الروح!!
*** أَيَحْسَبُ أَنَّنِي لِلصَّدِّ أَهْـوَى وَأَنَّ القَلْبَ فِي الأَصْفَادِ يَقْوَى؟ رَمَيْتُ سِوَارَ غَيْرِي فِي مَهَبٍّ لِتَعْلَمَ أَنَّنِي لِلرِّوحِ مَأْوَى تُقَاوِمُ بِي وَعَيْنَاكَ انْكِسَارِي وَحُبُّكَ فِي دَمِي قَهْرٌ وَبَلْوَى سَأَمْلِكُ كُلَّ نَبْضٍ فِيكَ حَتَّى يَصِيـرَ البُعْدُ أَوْجَاعاً وَشَكْوَى ... كانت تحاول التحرر منه رغم إدراكها استحالة ذلك الأمر ومع ذلك حاولت بكل قوتها الابتعاد عنه لكن لا لم تستطع فمن أين لها بقوة مثل قوته . قبضته كالفولاذ، قيد غير مرئي لكنه أقوى من أي سلاسل فبعد هي أنثى ضعيفة اضف إلى ذلك هؤلاء. الوحوش البشرية حولها مدججون بالأسلحة و، يقفون كزبانية الجحيم، وكأنهم يراقبون أي حركة منها ليُفجّروا رأس شقيقها. ذلك الشقيق الذي يمشي بثقة زائفة، متظاهرًا بأنه غير مكترث، بينما الحقيقة تفضحه... إنهم جميعًا رهائن لهذا الرجل المتوحش لكن نازلي، التي رُضعت من لبان الكبرياء والأنفة، لم تكن لتستسلم بسهولة لمصيرٍ لم تختره. لن تسمح له بأن يأخذها هكذا، كجاريةٍ مسلوبة الإرادة، بلا مقاومة تليق باسمها. إذا كان يظن أن مجرد حملها قسراً على متن هذه الطائرة البائسة قد أخضع روحها وأطفأ شعلة تمردها، فهو مخطئ تماماً، بل هو واهمٌ حد الهذيان وحان الوقت ليستيقظ من أوهامه تصاعدت نيران الغضب في أعماقها كإعصارٍ يرفض الهدوء، واشتعلت روحها بثورةٍ عنيفة كادت تحرق كيانها وهي تتذكر الطريقة الدنيئة التي استدرجها بها إلى هنا، ذاك الخداع المتقن الذي غلّفه بوعود النجاح الأدبي، إصراره المريض على فرض سيطرته المطلقة عليها... كلها أمور جعلت الغضب يتوهج في عروقها كالزيت المغلي. سألت نفسها بمرارةٍ تفتت الكبد: "كيف استطاع هذا الشيطان أن يغويني على المجيء معه؟ والأهم... كيف كنتُ ساذجة كفاية لأقع في فخه وأخرج من حصن منزلي بيدي؟" لكن الأسوأ... الجرح الذي لا يندمل والذكرى التي تنهش عقلها كوحشٍ ضارٍ، هو زكريا! ذاك اللعين قتله بدمٍ بارد، دون أن يرمش له جفن، وكأنه يقتلع عُشباً ضاراً من طريقه. شهقت بصوتٍ مكتوم كأن خنجراً غُرس في حنجرتها، ويدها تنقبض بقوةٍ مخيفة على طرف مقعدها الجلدي حتى غارت أظافرها فيه. "لقد تسببتُ بمقتله... أنا من فعلت ذلك!" صرخت في سرها وهي تغرق في بحر من تأنيب الضمير. "حتى لو كان ينوي اغتصابي... كان يجب ألا أتصل بقيس! كان يجب أن أحتمل أي شيء إلا أن أكون سبباً في سفك دم.. دمه" يا إلهي... كيف سأواجه عائلته الآن؟ بماذا سأبرر هذا الغياب الأبدي؟ هل سأقف أمام عمتي المكلومة قائلة: "عمتي أنا آسفة، ابنكِ حاول اغتصابي لذا اتصلتُ بزوجي السابق ليقتله؟". ثم ارتجفت وهي تفكر في كلمة "زوجي"... لا، ليس زوجي إطلاقاً! هذا اللعين ليس زوجي ولن يكون كذلك فهو منذ أن تخلى عني لثلاث سنوات عجاف، طلقته من سويداء قلبي ورمت بذكراه في حاوية المهملات. بل وأحرقتها ونثرت رمادها في وجه الرياح اذن عليها اللعنة وعلى قلبها إن حنّ يوماً! مهما فعل، لن تعود إليه أبداً شعرت بالغثيان يزحف إلى جوفها، وحاولت أن تلتقط أنفاسها اللاهثة لكنها لم تستطع. ليس فقط لأن الشعور بالذنب كان يخنقها، بل لأن نظرات قيس كانت تلتهمها حرفيا ببطءٍ سادي، وكأنه يفكك جزيئات كرامتها ببرود. تطلعت إليه بعيونٍ مختلفة تماماً، وكأن الغشاوة قد سقطت عنها لتراه للمرة الأولى على حقيقته البشعة. أين ذهب الرجل الذي أحبته ذات يوم؟ ذلك الرجل الذي كان لطيفاً معها، الذي لم يرفع صوته يوماً في وجهها، الذي كان يحتضنها بحنانٍ يذيب الصخر حين تبكي ويبكي معها كأنه مرآتها؟ أين ذهب كل ذلك الحنان؟ هذا الذي يجلس بجوارها الآن رجلٌ آخر تماماً؛ غريب، مخيف، ومتوحش يقطر دماً وقسوة. "كم أكرهه!" صرخت بها في صمتها الجريح. أغمضت عينيها بقوةٍ كأنها تحاول حجب رؤيته، محاوِلة كبح الدموع التي تهدد بالانهيار وفضح انكسارها. لكنها لم تستطع كبح ارتجافة جسدها العنيفة حين سمعت ضحكته الخافثة، تلك الضحكة المستفزة التي شقت صمت الطائرة المطبق كخنجرٍ مسموم. وعندما فتحت عينيها بذعر، كان قد أحكم قبضته على يدها بالفعل، يمرر أصابعه الطويلة القوية بين أناملها الناعمة برقةٍ غير متوقعة تخفي خلفها عاصفة من التملك. شهقت بعنف وحاولت أن تجذب يدها من براثنه المتوحشة لكنه شدّ عليها بقوةٍ هائلة، كما لو كانت معصميها مقيّدين بأصفادٍ فولاذية غير مرئية. همست باستغفارٍ خافت يقطر ذلاً وقهراً، لكنه سمعها بحواسه الحادة. ابتسم، بل ضحك بصوتٍ خفيض هزّ كيانها، وكأنه وجد في استغفارها شيئاً يثير تسليته ويغذي جنونه وشغفه المريض بها. تمتم في سره وهو يتأمل احمرار وجنتيها وبريق الغضب في عينيها: "يا الله، كم هي رائعة الجمال عندما تكون غاضبة... وكم أنا مجنون بحبها، بل قد تجاوزت الجنون بمراحل!" وقبل أن تستوعب ما يحدث، كان قد جذبها نحوه فجأة بقوةٍ مباغتة، فأسقطها بين ذراعيه وكأنها ملكيةٌ حصرية خاصة لا حق لأحدٍ فيها غيره. تأوهت بصدمةٍ زلزلت كيانها، وحاولت الابتعاد والفكاك منه لكنه كان قد أحكم قبضته حول خصرها، ممسكاً بها كما لو كانت جزءاً لا يتجزأ من جسده. "إلى متى سنظل على متن هذه الطائرة اللعينة؟" تمتم بضيقٍ وهو يزفر الهواء الحار من فمه فوق عنقها، بينما هي تخوض معركةً خاسرة لتحرير نفسها بكل الطرق الممكنة. كانت تقاوم بكل ما أوتيت من وهن، وهذا التمرد هو بالذات ما أزعجه... بل أثار جنونه الكامن؛ يريدها ساكنة في حضنه، يريدها خاضعة، يريدها أن تشتعل غضباً لكن بين يديه، لا أن تفرض هذا الصمت القاتل الذي يمزقه. ويؤرقه ويضنيه في المقعد الخلفي، كان المشهد لا يقل توتراً. جلس جواد بجوار أحد رجال قيس، رجلٍ ضخم ذو شعرٍ داكن وملامح حادة يُدعى "إلياس". كان جواد يراقب قيس بصمتٍ مشوب بانبهارٍ غير معلن. رغم كل هذه السنوات العِشرة التي عرفه بها إلا أن هذه الليلة أظهرت له جانباً مرعباً من قيس؛ جانب الحزم المطلق، والسيطرة الجبروتية التي جعلت الجميع ينحنون أمام سطوته دون أن ينطق بكلمة واحدة. راقبه وهو يجلس بثقةٍ تامة، ممسكاً بنازلي بتلك الطريقة التملكية كأنها جزء لا يتجزأ منه. ذلك المشهد وحده جعله يدرك يقيناً أن قيس لم يكن يمزح حين قال إنه لن يسمح لأحدٍ في هذا الكون بأخذها منه. التفت جواد إلى إلياس وسأله بنبرةٍ ساخرة يحاول بها كسر حاجز الرعب وخلق موضوع للحوار معه لتمضية الوقت: "يبدو أن سيدك لا يقبل بالهزيمة في قاموسه، أليس كذلك؟" نظر إليه إلياس للحظة بعينين باردتين كالثلج، ثم ابتسم ابتسامةً خفيفة وقال بلهجةٍ قاطعة: "الزعيم روبرتو لا يخسر أبداً.. ضع هذه الحقيقة حلقة في أذنك." أطلق جواد ضحكةً خافتة ومخنوقة، وعاد ليحملق في صديقه/سجانه. كان يعرف ذلك جيداً... قيس لم يولد ليُهزم. لكن الذي صدمه هو روبرتو هل هو اسمه الثاني أم ماذا!! في تلك الأثناء، راود قيس خاطرٌ شيطاني لكسر هذا الجمود القاتل. سمح لها برفع رأسها والابتعاد عنه لتتجاهله كلياً، بينما ظلت يدها أسيرةً عالقة بين أصابعه القوية. بدأ يعبث بها ببطءٍ مستفز، يمرر أنامله الخشنة على معصمها الرقيق، ثم تحرك ببطءٍ سادي صعوداً حتى وصل إلى مرفقها، مستمتعاً بارتعاش جلدها تحت لمساته. "ألن تترك يدي؟" قالت بغضبٍ وهي تحاول سحبها بعنف. ابتسم بمكرٍ لا يلين، ثم قرّب كفها من شفتيه وطبع قبلةً عميقة وحارة عليها. "ولماذا أتركها وهي موطني؟" تمتم بمرحٍ وهو يتابع مداعبة أصابعها. لكن، ما إن وقعت عيناه على أصابعها الفارغة من أي شيء يخصه، باستثناء سوارٍ صغير يزين معصمها بوقاحة - رآى زكريا يضعه لها ليلة أمس - حتى انقلبت ملامحه تماماً. عبس وجهه وساد فيه سوادٌ مرعب، وسرعان ما انتزع السوار من يدها بقوةٍ غاشمة جعلتها تصرخ، رامياً إياه بعيداً في أرجاء الطائرة كأنه جمرةٌ تحرق يده. "أوه! لقد آلمتني أيها السافل!" صرخت وهي تدعك معصمها الذي احمر لونه بشدة وبدأت الكدمات تظهر عليه. كان يحاول كبح ثورة بركانه، لكنه لم يستطع. كان يحاول نسيان "هفوتها" الصغيرة بالارتباط بغيره، لكن القدر والشواهد كانت تصرّ على تذكيره في كل مرة يجتمعان فيها! نهضت نازلي فجأة، محاولةً الابتعاد عنه بكل قوتها، لكنها لم تستطع تجاوز مقعده الضخم الذي سدّ عليها الطريق. "إلى أين؟" سأل ببرودٍ يسبق العاصفة. "إلى الحمام، هل تسمح لي يا حضرة الطليق المحترم؟" ردت بسخريةٍ لاذعة تقطر سماً. وقبل أن تتمكن من الابتعاد خطوة، جذبها نحوه بقوةٍ جعلت توازنها يختل وسقطت بين ذراعيه مجدداً. شهقت برعبٍ بينما هو يهمس بجانب شفتيها بنبرةٍ تذيب الحجر: "لا داعي لكل هذا الغضب العقيم.. حبيبتي..." رمقته بنظرةٍ تحذيرية تملؤها الكراهية، لكنه لم يهتم. حدّق في عينيها للحظةٍ بدت كالأبد، قبل أن يميل نحوها ويلتصق بشفتيها في قبلةٍ عنيفة، تملكية، منعتها من الفرار أو الصراخ. اتسعت عيناها بصدمةٍ شلت أطرافها. "ماذا يفعل؟ وأمام أخي وأمام الجميع؟!" شعرت بحرارة الخجل تشتعل في كامل جسدها، وانسحبت منه بسرعةٍ جنونية بمجرد أن أرخى قبضته، وجهها محمرٌّ كحبة طماطم ناضجة. نظرت حولها بقلقٍ يمزق أحشاءها، لكنها لم تجد أحداً يجرؤ على النظر إليهما مباشرة؛ فطاقم الطائرة ورجاله كانوا يخفضون رؤوسهم بإجلالٍ مريب، وكأنهم لم يروا أو يسمعوا شيئاً. "ذلك اللعين!" فكرت وهي تهرول بعيداً نحو الحمام، تهرب من نظراته ومن إحراجها الذي كاد يقتلها. حبست نفسها في الحمام، تفتح صنبور الماء البارد وتمسح وجهها المشتعل، تحاول تهدئة أنفاسها اللاهثة ونبضات قلبها التي قرعت طبول الحرب. في تلك الأثناء، استدار قيس للخلف وبدأ حديثاً مطولاً وهادئاً مع جواد، يسأله بتفصيلٍ ممل عما كانت تفعله نازلي طوال أيام اغترابه القسري عنها. قصّ عليه جواد كل ما حدث منذ أن تركها حتى مجيئه بها إلى هذه الطائرة دون أن يذكر ذلك الحادث ، ليختتم كلامه قائلاً بلهجةٍ ناصحة: "صدقني يا قيس، أنا أعرف أختي أكثر من أي أحد آخر. عندما أقول لك إنها عندما ابتعدت عنك، فهي أيضاً ابتعدت عن جنس الرجال بأكمله.. هي تحبك، لكنها فقط غاضبة منك وكبرياؤها جريح، لذلك امنحها الوقت... وأنا سأساعدك في استعادتها." شكره قيس بامتنانٍ بارد وهو يلمح طيفها يعود من بعيد، ثم انتفض من مكانه فجأة وعيناه تشتعلان برغبةٍ لا تنطفئ: "والآن.. يكفينا ثرثرة فارغة وبلا فائدة ولا تسمن ولا تغني من جوع ، أين ذهبت أميرتي المتمردة العاصية ألم تعد بعد ومد عينيه ليمسح المقصورة بعينيه اللامعتان لكنه لم يجدها فزفر أنفاسه بقوة قائلاً: يا لها من طفلة صغيرة ...طفلتي أنا؟"الفصل الخمسون بعد المئة: مَقَابِرُ الزُّجَاجْ.. وَلِقَاءُ العَمَالِقَةِ فَوْقَ المَاءْ *** فَوْقَ المِيَاهِ تَمُوتُ كُلُّ رَجَاءِ ... وَتَسِيلُ غَصَّاتٌ بِغَيْرِ شِفَاءِ عَيْنَانِ زَرْقَاوَانِ فَوْقَ عَرِيفِهَا ... تَسْتَنْجِدَانِ بِآخِرِ الأَنْوَاءِ وَالآخَرُ المَسْجُونُ خَلْفَ سَوَادِهِ ... يَبْكِي الحَيَاةَ بِدَمْعَةٍ خَرْسَاءِ حَانَ الصِّدَامُ فَمَا لِخَوْفٍ مَهْرَبٌ ... فِينِيسْيَا أَمْسَتْ مَسْرَحَ الشُّهَدَاءِ ... حين تلتقي أقدار الطغاة فوق أرض عائمة بُنيت على الأسرار والمؤامرات، تذوب الفوارق بين النصر والهزيمة لتصبح الحياة والموت مجرد ورقتين في لعبة قمار مافيوية لا ترحم. فبين جنون التملك الذي يقود سيارة "سامويل" ببطء سادي قاتل مستمتعاً بسجن فراشته خلف سواد الحرير، وبين رعب الفقد الذي يعصف بكيان "التمساح" وهو يشق عباب شوارع فينيسيا بلمح البصر متخطياً حواجز المستحيل، تتقاطع المسارات عند عتبة قصر عتيق يطفو فوق مياه إيطاليا الباردة الغامضة. هنا.. خلف الأبواب الحجرية الصماء، لم يعد الصراع صراع نفوذ أو ثأر قادم من أزقة وهران، بل تحول إلى مواجهة عارية لحبس الأنفاس، وتعرية الوج
الفصل التاسع والأربعون بعد المئة: مَتَاهَةُ الخِدَاعْ.. وَصَدْمَةُ العَاصِفَةِ الإِيطَالِيَّةْ ** يَسْتَيْقِظُ الأَسْرُ فِي عَيْنَيْكِ أَغْلَالَا ... كَأَنَّ حُلْمَكِ ضَاعَ اليَوْمَ أَوْ زَالَا تَصْحُو الصَّهْبَاءُ وَالأَقْدَارُ تَعْصِفُ بِهَا ... لِتَلْقَى جَلَّادَهَا المَجْنُونَ مَازَالَا ظَنَّتْ دِيَارَ الأَمَانِ اسْتَقْبَلَتْ دَمَهَا ... فإذا بفينيسيا تُغَرِّقُ الحلم أهوالا ... حين تتداخل خيوط اللعبة المافيوية، يصبح الاستيقاظ من سكرات الموت مجرد تذكرة عبور إلى جحيم جديد صُمم بعناية؛ فبين غفوة دافئة فرضتها العقاقير المهدئة وصحوة مريرة على واقع مشحون بالخديعة، تتلاشى الوعود وتتبدل الخرائط تحت وطأة التحكم المطلق. لم تكن الطائرة المصفحة مجرد وسيلة هرب من صخب نيويورك، بل كانت جسراً سرياً عبره "التمساح" ليحكم قفصه الحديدي حول فراشته المتمردة، وينقل الصراع من أزقة روما المنتظرة إلى معقل جديد يفيض بالتاريخ والدم والمؤامرات؛ حيث تصبح الأنفاس معدودة، واللعنات عاجزة أمام طغيان العناد المتبادل. فتحت نازلي جفنيها ببطء شديد، تشعر بثقل جبل يربض فوق وعيها المستعاد، بينما رائحة الجلد
الفصل الثامن والأربعون بعد المئة: أَثْوَابُ العُزْلَةْ.. وَإِعْلَانُ الرَّحِيلِ الـمُبَاغِتْ * ** تَمُدُّ إِلَى الصُّنْدُوقِ كَفَّاً رَعُوشَةً ... لِتَلْقَى رِدَاءً كَالفِنَاءِ مُفَصَّلَا طَوِيلٌ وَمَسْتُورٌ يَغُصُّ بِهِ الـمَدَى ... كَأَنَّ السَّوَادَ العَتْمَ فِيهِ تَكَلَّلَا يَقُولُ طَغَاةُ الـمَكْرِ حَانَ رَحِيلُنَا ... وَإِنَّ سَمَاءَ الأَسْرِ لَنْ تَتَبَدَّلَا ... حين تتحول الثياب في قاموس الهوس إلى زنازين متنقلة تصنعها أصابع الجلاد بعناية، يفقد النسيج الفاخر بريقه ليصبح غلافاً يخنق ما تبقى من كبرياء الفريسة خلف الأبواب الصامتة. فبين جدران قصر "دواكيلا" الموحش، تكتشف الفراشة المحاصرة "كاثيا" أن قيدها الجديد لم يكن حريرياً فحسب، بل كان ثوباً من عتمة واحتشام مبالغ فيه، صُمم خصيصاً ليطمس ملامح وجودها ويحجبها عن أعين العالم الذي يغار منه سامويل. لكن الأنفاس لا تكاد تستوعب صدمة الشروط العارية، حتى تدق طبول المغادرة المباغتة في ليل نيويورك العاصف، معلنةً انقشاع العاصفة الطبية وجاهزية الطائرات المصفحة لرحيل يعود بالجميع نحو الديار التي شهدت بداية الكابوس ونهايته. في القصر، و
الفصل السابع والأربعون بعد المئة: عُرِيُّ الـحَقَائِقْ.. وَمَخَاضُ الشُّرُوطِ الأَخِيرَةْ***خَرَجَتْ تَسِيرُ إِلَى الـهَلَاكِ بِعِزَّةٍ ... كَالمَهْرِ يُسَاقُ لِلذَّبْحِ وَالمُدْيَا تُرَى تَبْغِي الخَلَاصَ مِنَ العُيُونِ وَمَكْرِهَا ... وَالـمَكْرُ خَلْفَ فِرَاشِ السَّادَةِ دُبِّرَا وَفِي الـمَشَافِي تَرْنِيمَةٌ قُدْسِيَّةٌ ... فِيهَا الأُخُوَّةُ بَعْدَ الـمَوْتِ تُبْتَكَر...حين تنقشع مساحيق الخداع النفسي وتتحطم الدروع الواهية خلف الحصون الصامتة، يجد المرء نفسه عارياً تماماً أمام شروطه المصيرية التي لا تقبل القسمة على اثنين. فبين جدران القصر المعتم بظلال الهوس، بلغت حرب الأعصاب ذروتها الخانقة؛ حيث لم يعد أمام الفراشة المحاصرة "كاثيا" سوى التخلي عن مهلتها الأخيرة، والتقدم بخطى مرتجفة لتواجه جلادها المتربص ببرود فوق فراش السيطرة المطلقة. وفي ذات الوقت، تشهد أروقة الجناح الطبي بنيويورك مخاضاً من نوع آخر، حيث تذوب قسوة "التمساح" أمام دفء الأخوة المستجدة، لتتحول المحاكمة الشرسة إلى عهد أمان يربط بين دماء الجزائر بلد المليون شهيد وبين أرض الزيتون والتين الجريحة، إيذاناً ببدء فصول جديدة
الفصل السادس والأربعون بعد المئة: مَوَازِينُ النُّفُوسْ.. وَانْكِسَارُ المَرَايَا المَصْقُولَةْ***طَبِيبٌ بَكَى فِي مَهْدِهِ الأَصْلَ حَسْرَةً ... وَظَنَّ عُيُونَ الصَّهْبِ تَرْمِيهِ بِالعَمَى وَمَا عَلِمَ المِسْكِينُ أَنَّ دُمُوعَهَا ... عَقِيدَةُ شَوْقٍ قَدْ جَرَتْ فِي الشَّرَايِنَا وَفِي القَصْرِ خَلْفَ الرَّخَامِ صَبِيَّةٌ ... تَسِيرُ لِفَرَّاشِ الغَرِيمِ تَحَسُّرَا تَظُنُّ حِبَالَ القَزِّ نَجَاةَ أَسِيرِهَا ... وَمَا القَزُّ إِلَّا المَوْتُ يَبْدُو مُزَيَّنَا...تتحرك خيوط الأقدار في ليل نيويورك العاصف بآلية بالغة التعقيد، تضع النفوس أمام مراياها الحقيقية لتعري الأوهام التي سكنت الصدور طويلاً. فبين جدران الجناح الطبي المعقم، حيث يتشابك ذهول الهوية المشتركة مع انكسار المهاجر الذي أخطأ قراءة صمت المبادئ، تنبض المعجزة بالانتماء الذي يذيب جليد الغربة، ويحول الشراسة اللفظية إلى دموع أخوة تتدفق في عقر دار الخصوم. وعلى الجانب الآخر من الولاية المظلمة، خلف الأبواب الصماء لقصر "سامويل دواكيلا"، تسير كاثيا المذعورة بخطوات متهالكة فوق الأرضية الرخامية، لتخرج من سكون بخارها الساخن نحو ع
الفصل الخامس والأربعون بعد المئة: تَرْجَمَةُ التَّمَرُّدْ.. وَسُؤَالُ العَقِيدَةِ الـمَحْظُورْ***شَفَتَاكِ صَاعِقَةٌ وَلَفْظُكِ مِقْصَلَةْ ... وَعَلَى ضِفَافِ الـمَوْتِ تَبْدَأُ مَسْأَلَةْ تَسْتَنْطِقِينَ الحَقَّ فِي مَهْدِ العِدَا ... وَالبَحْرُ فِي عَيْنَيْكِ يَحْمِلُ قُنْبُلَةْ مَا هَمَّهَا طِبُّ النَّصَارَى وَالعَجَمْ ... إِنْ لَمْ يَكُنْ حُرَّاً بَدَا كَالمَزْبَلَةْ...حين يمتزج كبرياء العقيدة والوطن بدماء متمردة لا تعرف الانحناء، تصبح الغرف الطبية المعقمة ساحات حرب فكرية لا تنفع معها تكنولوجيا الغرب ولا بروفيسورات الرفاهية. خلف أبواب الجناح الطبي الفاخر في نيويورك، لم تكن معجزة عودة الأنفاس لجسد نازلي النحيل هي الحدث الأبرز، بل كانت تلك "الثورة اللفظية" المباغتة التي أيقظت شياطين المكان، وجعلت من لسانها السليط شفرة حلاقة تمزق هدوء الطاقم الأمريكي وجبروته العلمي المعتاد.وقف البروفيسور "أندريس" متصلباً كتمثال ملحي عند عتبة الباب، وعيناه تتسعان خلف نظارته الطبية بوجل حقيقي وذهول مطلق، وهو يرى المريضة التي كانت قبل ساعات تصارع الموت الإكلينيكي وتعيش على المعجزات الرقمية للشاشات،
الفصل الحادي عشر: صرخةُ الذاكرة.. وقيودُ الحاضر!! *** أَتَسْأَلُنِي العَوائِدُ عَنْ طَهَارِي وَفِي عَيْنَيْكِ غَدْرٌ كَالعَارِ مَضَيْتُ وَقَدْ غَدَا المَاضِي سَرَاباً وَنَارُ الوَجْدِ تَحْرِقُ كُلَّ دَارِ أَيَا قَيْسُ انْتَزَعْتَ الرُّوحَ مِنِّي وَعُدْتَ لِتَسْتَبِيحَ لِيَ انْكِسَارِي
الفصل التاسع: ترانيمُ الرَّحيل.. وعَصْفُ القَدَر *** أَمُسْتَسْلِمٌ لِلرِّيـحِ أَمْ أَنْتَ عَاصِفُ وَفِي صَدْرِكَ المَكْتُومِ تَبْكِي العَوَاصِفُ مَضَيْنَا وَدَرْبُ الرَّاحِلِيـنَ مَتَاهَةٌ تُسَاقُ بِهَا نَحْوَ المَصِيرِ المَوَاقِفُ أَيَا قَيْسُ هَلْ حَقًّا سَتَمْحُو مَوَاجِعِي أَمِ الغَد
الفصل الثامن: فخُّ الحرير.. ورحيلٌ نحو المجهول *** أَتَظُنُّ أَنَّ مَقادِيرِي بِكَ انْعَقَدَتْ وأنَّ قَلْبِي بِنارِ الهَجْرِ قَدْ خَمَدَا يَا قَيسُ رِفْقاً بِمَن ضَاقَتْ مَذاهِبُها فَالظُّلمُ أَرْدَى بِنورِ الحَقِّ مَا وُجِدا تَقُولُ "زَوجِي" وَعَقْدُ الوَصْلِ مُمَزَّقٌ كَأنَّما الغَدرُ في شِ
الفصل السابع : هطولُ السماويّ.. وحُكمُ "السيّـد"***أَمَا كَفَاكَ مِنَ الأَيَّامِ سَطوتُهَاحَتَّى غَدَوتَ لِأَحلامي هِيَ القَدَرُتَمزِيـقُ ثَوبِيَ لَم يَكسِر لِيَ شَمَمًافَالعِزُّ في الرُّوحِ لَا في المَظهَرِ يُختَصَرُأَلبَستَنِي لَونَ السَّمَاءِ وَلَيتَ لِي أَن أَبلُغَ الغَيمَ.. لَا أَن يَحبِ






