登入بقّى عشر دقائق على بدء المرحلة الأخيرة.
تردّد الصوت الآلي في أنحاء المنشأة كأنه حكم نهائي لا يمكن التراجع عنه. وقفت رهف للحظات تحدق في الممرات السفلية حيث اختفى الرجال الذين حملوا آدم. شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها. آدم كان دائمًا أقوى شخص بينهم. الأكثر قدرة على النجاة. فإذا تمكنوا من القبض عليه... فهذا يعني أن خصومهم أقوى مما تخيلوا. إلى جوارها، كان يوسف يراقب المكان بعينين حادتين. ثم قال بصوت منخفض: "لازم نتحرك." أومأت رهف. لكنها لم تبعد نظرها عن الأسفل. "مش هنسيبه." التفت إليها يوسف. ورأى الإصرار في عينيها. ذلك الإصرار الذي أصبح يعرفه جيدًا. ابتسم ابتسامة خفيفة رغم خطورة الموقف. وقال: "عارف." ثم أضاف: "علشان كده لازم نوصل لغرفة الأصل." تحركا بسرعة عبر الممر المعدني. وكانت الاهتزازات تزداد مع كل دقيقة تمر. في بعض الأماكن ظهرت شقوق جديدة في الجدران. وفي أماكن أخرى كانت أنظمة الإضاءة تتعطل تدريجيًا. بدت المنشأة وكأنها تحتضر. وكأنها تستعد لدفن أسرارها معها. بعد دقائق من السير، وصلا إلى بوابة ضخمة لم تكن موجودة على الخرائط التي شاهداها سابقًا. باب معدني هائل. يمتد من الأرض إلى السقف. وفي منتصفه شعار غريب. دائرة يتوسطها مفتاح. توقفت رهف فجأة. شعور غامض اجتاحها. هذا المكان... رأته من قبل. أو هكذا شعرت. اقتربت من الباب دون وعي. ومدت يدها نحوه. في اللحظة التي لامست فيها أصابعها المعدن البارد... انفجرت صورة داخل رأسها. صورة حادة وواضحة. طفلة صغيرة تبكي. غرفة بيضاء. أجهزة كثيرة. وصوت رجل يقول: "هي الوحيدة اللي نجحت." تراجعت رهف خطوة وهي تضع يدها على رأسها. تسارعت أنفاسها. فأمسك يوسف بكتفيها فورًا. "رهف!" أغمضت عينيها بقوة. ثم فتحتها من جديد. كانت الدموع تلمع فيهما. "افتكرت حاجة." شحب وجه يوسف. "إيه اللي شفتيه؟" نظرت إلى الباب. ثم همست: "أنا كنت هنا." ساد الصمت. قبل أن يتمكن يوسف من الرد... صدر صوت إلكتروني من داخل البوابة. ثم بدأت خطوط الضوء الزرقاء تنتشر فوق سطحها. كأن النظام استيقظ بعد سنوات طويلة. ظهر نص مضيء: "تم التعرف على المستخدم." ثم: "مرحبًا... رهف سامر الرفاعي." شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. أما يوسف فحدق في الرسالة بصدمة. تحركت أجزاء الباب العملاق ببطء. وصدر صوت احتكاك معدني هائل. ثم بدأ ينفتح. كاشفًا عما خلفه. اتسعت عينا رهف. وتوقف يوسف عن التنفس للحظة. خلف الباب لم تكن هناك غرفة. بل مدينة كاملة تحت الأرض. صفوف لا تنتهي من الأجهزة. شاشات عملاقة. ممرات زجاجية معلقة. ومركز ضخم في المنتصف يشبه قلبًا إلكترونيًا ينبض بالضوء الأزرق. كان المكان أكبر من أي شيء تخيلوه. وأقدم من أن يكون مجرد مشروع حديث. همست رهف: "مستحيل..." لكن يوسف كان ينظر إلى شيء آخر. شيء موجود في منتصف القاعة. شيء جعله يتجمد تمامًا. تبعَت رهف نظرته. ثم شعرت بالصدمة تضربها هي الأخرى. في منتصف القاعة... داخل حجرة زجاجية ضخمة... كان يوجد شخص نائم. موصول بعشرات الأجهزة. وكأنه في سبات منذ سنوات. اقتربا ببطء. حتى أصبح الوجه واضحًا. وعندها شعرت رهف بأن الدم انسحب من عروقها. لأن الشخص داخل الحجرة... كان يشبه يوسف تمامًا. نفس الملامح. نفس الوجه. نفس العينين. وكأنه نسخة أخرى منه. أو ربما... يوسف نفسه. تراجع يوسف خطوة للخلف. غير مصدق ما يراه. أما رهف فكانت تحدق بينه وبين الرجل داخل الحجرة. وعقلها عاجز عن استيعاب المشهد. وفي تلك اللحظة... اشتعلت إحدى الشاشات القريبة تلقائيًا. وظهر وجه الرجل المسن الذي تحدث إليهما سابقًا. ابتسم بهدوء. ثم قال: "أهلًا بكما في غرفة الأصل." صمت لحظة. قبل أن يضيف الجملة التي قلبت كل شيء: "والآن حان الوقت لتعرفا... أي يوسف منهما هو الحقيقي." تردد صوت الرجل المسن داخل القاعة الهائلة. كأنه قادم من كل اتجاه في الوقت نفسه. أما رهف فشعرت أن العالم كله اختل توازنه. كانت تنظر إلى يوسف الواقف بجوارها. ثم إلى الرجل النائم داخل الحجرة الزجاجية. ثم تعود لتنظر إلى يوسف مرة أخرى. الوجه نفسه. التفاصيل نفسها. حتى الندبة الصغيرة القريبة من الحاجب الأيسر كانت موجودة. همست رهف بصوت مرتجف: "إيه ده؟" لكن أحدًا لم يجب. حتى يوسف نفسه بدا عاجزًا عن الكلام. --- اقترب أكثر من الحجرة الزجاجية. كأن قوة خفية تجذبه إليها. وفي كل خطوة كان الشعور الغريب داخله يزداد. شعور يعرفه. لكنه لا يستطيع تفسيره. وكأن جزءًا من روحه موجود خلف ذلك الزجاج. ينتظره منذ سنوات. --- ظهر صوت الرجل المسن مجددًا: "كنت أعلم أن هذه اللحظة ستكون صادمة." رفع يوسف رأسه نحو إحدى الكاميرات. وقال بحدة: "مين أنت؟" ضحك الرجل بهدوء. "سؤال متأخر جدًا." ثم ظهرت صورته على شاشة عملاقة في منتصف القاعة. رجل تجاوز السبعين. ملامحه حادة. وعيناه تحملان ذكاءً مخيفًا. قال: "اسمي فؤاد عزمي." "آخر المؤسسين الأحياء." --- تجمد سامر في ذهن رهف فور سماع الاسم. كانت قد رأته من قبل. في بعض الملفات. وفي إحدى الصور القديمة التي مرت سريعًا أثناء التسجيلات. كان الرجل الذي بدأ كل شيء. --- قال فؤاد: "أنتم تبحثون عن الحقيقة منذ بداية الرحلة." "وأعتقد أن الوقت حان لتحصلوا عليها." ثم أشار إلى الحجرة الزجاجية. "ابدأوا من هناك." --- فجأة أضاءت الأجهزة المحيطة بالحجرة. وظهرت مئات البيانات على الشاشات. ملفات. صور. تواريخ. تسجيلات. --- اقتربت رهف من أقرب شاشة. ثم شعرت بأن قلبها توقف. كان اسم يوسف مكتوبًا عليها. لكن ليس اسمًا واحدًا. بل اسمان. يوسف رقم 1. يوسف رقم 2. --- شحب وجهها. بينما اقترب يوسف بسرعة. وهو غير مصدق ما يراه. --- ظهر ملف جديد تلقائيًا. ثم بدأ تسجيل قديم يعمل. --- ظهر سامر شابًا. أصغر بعشرين عامًا. وكان يقف داخل هذه القاعة نفسها. إلى جواره فؤاد وعدد من العلماء. --- قال سامر في التسجيل: "المشروع خرج عن السيطرة." رد فؤاد: "بل نجح." "لأول مرة في التاريخ." --- انتقل التسجيل إلى لقطة أخرى. طفلان صغيران. ولد وبنت. يجلسان داخل غرفة بيضاء. --- شهقت رهف. كانت البنت هي. بلا شك. --- أما الولد... فكان يوسف. --- لكن الصدمة لم تنتهِ. لأن التسجيل أظهر طفلًا آخر يقف خلف الزجاج. طفلًا يشبه يوسف أيضًا. --- ارتفعت نبضات قلب رهف بعنف. بينما أكمل التسجيل. --- قال أحد العلماء: "النسخة المستقرة نجحت." رد آخر: "أما النسخة الأصلية فما زالت في مرحلة الاختبار." --- توقف التسجيل فجأة. --- ساد الصمت. صمت ثقيل. مخيف. --- نظر يوسف إلى الشاشة. ثم إلى الرجل النائم داخل الحجرة. ثم عاد ينظر إلى فؤاد. --- وقال بصوت أجش: "تقصد إيه بكلمة نسخة؟" --- ابتسم فؤاد. تلك الابتسامة الباردة التي بدأت رهف تكرهها. ثم قال: "أنت ذكي يا يوسف." "أعتقد أنك بدأت تفهم." --- "لا." صرخ يوسف. "قولها بوضوح." --- ساد الصمت للحظة. ثم نطق فؤاد بالحقيقة. الحقيقة التي غيرت كل شيء. --- "يوسف الذي يعيش بينكم الآن..." توقف. متعمدًا إطالة التوتر. --- ثم أكمل: "ليس أول يوسف." --- شعرت رهف بأن الأرض اختفت من تحت قدميها. --- أما يوسف... فوقف بلا حركة. بلا صوت. بلا قدرة حتى على التفكير. --- وتابع فؤاد: "يوسف الحقيقي مات منذ عشرين عامًا." --- انفجرت القاعة بالصمت. --- لكن فؤاد لم ينتهِ بعد. --- قال وهو ينظر مباشرة إلى يوسف: "أما أنت..." "فأكبر تجربة نجحت في تاريخ المشروع." --- ارتجفت يد رهف. ونظرت إلى يوسف. كانت تنتظر أن ينهار. أن يصرخ. أن يكذب ما يسمعه. --- لكنه لم يفعل. --- لأن شيئًا غريبًا حدث. --- بدأت ذكريات جديدة تضرب عقله دفعة واحدة. صور. أصوات. وجوه. مختبرات. أطباء. غرف مغلقة. وطفل يبكي داخل حجرة زجاجية. --- سقط يوسف على ركبتيه فجأة. وهو يضغط رأسه بكلتا يديه. --- صرخت رهف: "يوسف!" واندفعت نحوه فورًا. --- لكن قبل أن تصل إليه... فتح الرجل النائم داخل الحجرة الزجاجية عينيه ببطء. --- عينين زرقاوين متوهجتين بصورة غير طبيعية. --- ثم تحرك إصبع من أصابعه لأول مرة منذ عشرين عامًا. --- وانطلقت صفارات إنذار جديدة داخل غرفة الأصل. أشد عنفًا من أي إنذار سابق. --- بينما ظهر تحذير أحمر ضخم على جميع الشاشات: تم إيقاظ الأصل. يرجى الإخلاء الفوري."يوسف ما كانش صدفة في حياتك."انقطع التسجيل.وتحولت الشاشة إلى السواد.لكن الكلمات بقيت عالقة في الهواء.ثقيلة.موجعة.وكأنها فتحت بابًا لم يعد بالإمكان إغلاقه.---شعرت رهف بأن قلبها يخفق بعنف.ونظرت إلى الشاشة وكأنها تنتظر أن تعود الصورة من جديد.أن تكمل أمها الجملة.أن تشرح.أن تخبرها أي شيء.لكن الشاشة بقيت سوداء.صامتة.باردة.---قالت رهف بصوت مرتجف:"كمل..."وكأن أمها ما زالت تسمعها."لو سمحتي كملي..."---لكن لا أحد أجاب.---أما يوسف فكان واقفًا في مكانه.عاجزًا عن إبعاد عينيه عن الشاشة.شعر بشيء غريب داخل صدره.شيء بين الخوف والأمل.---لأن جزءًا منه كان يريد معرفة الحقيقة.وجزءًا آخر كان يخشاها.---اقترب سامر من لوحة التحكم.وبدأ يضغط على الأزرار بسرعة.محاولًا استعادة التسجيل.---ثوانٍ مرت كأنها ساعات.ثم عاد جزء من النظام للعمل.وظهرت صورة ليلى مجددًا.لكن التشويش كان أقوى هذه المرة.---رفعت ليلى رأسها نحو الكاميرا.وكان واضحًا أنها تبكي.---قالت بصوت متقطع:"لو وصلتي للمرحلة دي...""يبقى أكيد عرفتي جزء من الحقيقة."---توقفت للحظة.ثم أغلقت عينيها وكأنها تجمع شجاعتها
"يوسف ما كانش صدفة في حياتك."انقطع التسجيل.وتحولت الشاشة إلى السواد.لكن الكلمات بقيت عالقة في الهواء.ثقيلة.موجعة.وكأنها فتحت بابًا لم يعد بالإمكان إغلاقه.---شعرت رهف بأن قلبها يخفق بعنف.ونظرت إلى الشاشة وكأنها تنتظر أن تعود الصورة من جديد.أن تكمل أمها الجملة.أن تشرح.أن تخبرها أي شيء.لكن الشاشة بقيت سوداء.صامتة.باردة.---قالت رهف بصوت مرتجف:"كمل..."وكأن أمها ما زالت تسمعها."لو سمحتي كملي..."---لكن لا أحد أجاب.---أما يوسف فكان واقفًا في مكانه.عاجزًا عن إبعاد عينيه عن الشاشة.شعر بشيء غريب داخل صدره.شيء بين الخوف والأمل.---لأن جزءًا منه كان يريد معرفة الحقيقة.وجزءًا آخر كان يخشاها.---اقترب سامر من لوحة التحكم.وبدأ يضغط على الأزرار بسرعة.محاولًا استعادة التسجيل.---ثوانٍ مرت كأنها ساعات.ثم عاد جزء من النظام للعمل.وظهرت صورة ليلى مجددًا.لكن التشويش كان أقوى هذه المرة.---رفعت ليلى رأسها نحو الكاميرا.وكان واضحًا أنها تبكي.---قالت بصوت متقطع:"لو وصلتي للمرحلة دي...""يبقى أكيد عرفتي جزء من الحقيقة."---توقفت للحظة.ثم أغلقت عينيها وكأنها تجمع شجاعتها
"دي بداية تفعيل المشروع داخلك."سقطت الكلمات كالصاعقة.لكن هذه المرة...لم تكن الصدمة بسبب ما قيل.بل بسبب الطريقة التي نظر بها الرجل إلى رهف.وكأنه لا يرى فتاة.بل يرى سرًا دفن منذ عشرين عامًا.---ظهر العد التنازلي على جميع الشاشات.04:1204:1104:10وكانت الثواني تنزلق بسرعة مخيفة.بينما اهتزت أرضية القاعة من جديد.وتساقطت أجزاء صغيرة من السقف.---تقدمت رهف خطوة للأمام.ورغم الخوف الذي ينهش قلبها، رفعت رأسها بعناد.وقالت:"أنا تعبت."ساد الصمت.فأكملت بنبرة مرتجفة:"كل واحد بيقول نص حقيقة.""كل واحد بيخبي جزء.""وأنا اللي بدفع التمن."ثم أشارت إلى الشاشات حولها."قولوا الحقيقة كاملة."---نظر الرجل الذي يشبه يوسف إليها طويلًا.ثم ابتسم ابتسامة غريبة.ليست ساخرة.وليست باردة.بل حزينة.وكأنه يرى شخصًا يعرفه منذ زمن بعيد.---قال بهدوء:"الحقيقة كاملة هتوجعك."---ردت رهف بسرعة:"أنا عشت عمري كله في وجع.""مبقاش فارق."---في تلك اللحظة...شعر يوسف بشيء يتحرك داخله.ألم غريب.لأن كلماتها لم تكن موجهة للرجل فقط.كانت موجهة للحياة كلها.---نظر إليها.ورأى الإرهاق المختبئ خلف قوتها.س
تم إيقاظ الأصل.كانت العبارة الحمراء تومض على الشاشات المحيطة بهم كنبضات قلب عملاق يحتضر.صفارات الإنذار مزقت السكون.الأضواء الزرقاء تحولت إلى حمراء.والمنشأة بأكملها بدأت تهتز بعنف.لكن رهف لم ترَ شيئًا من ذلك.كل ما رأته كان يوسف.أو بالأحرى... الرجل الذي جلست إلى جواره، وثقت به، وخافت عليه، وتعلقت به دون أن تشعر.كان جاثيًا على ركبتيه وسط القاعة، يضغط رأسه بقوة وكأنه يحاول منع عقله من الانفجار.ركضت نحوه دون تفكير.هبطت بجواره على الأرض.وأمسكت وجهه بين كفيها."يوسف... بص لي."كان جسده يرتجف.وأنفاسه متقطعة.أما عيناه فكانتا مليئتين بالألم.ألم لم ترَه فيه من قبل.رفع نظره إليها بصعوبة.وقال بصوت مبحوح:"أنا مش عارف أنا مين."كانت الجملة بسيطة.لكنها أصابت قلبها مباشرة.لأنها خرجت من رجل يقف فوق أرض تتهاوى تحت قدميه.رجل اكتشف في دقائق أن حياته كلها قد تكون كذبة.وأن ذكرياته ربما ليست ذكرياته.وأن اسمه نفسه قد لا يكون اسمه.شعرت رهف بغصة مؤلمة.ثم هزت رأسها بقوة."لا."نظر إليها.فأكملت وهي تقترب أكثر:"أنا أعرف إنت مين."ارتجفت شفتاه.كأنها قالت شيئًا لا يصدق.أما هي فأكملت دون ت
بقّى عشر دقائق على بدء المرحلة الأخيرة.تردّد الصوت الآلي في أنحاء المنشأة كأنه حكم نهائي لا يمكن التراجع عنه.وقفت رهف للحظات تحدق في الممرات السفلية حيث اختفى الرجال الذين حملوا آدم.شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها.آدم كان دائمًا أقوى شخص بينهم.الأكثر قدرة على النجاة.فإذا تمكنوا من القبض عليه...فهذا يعني أن خصومهم أقوى مما تخيلوا.إلى جوارها، كان يوسف يراقب المكان بعينين حادتين.ثم قال بصوت منخفض:"لازم نتحرك."أومأت رهف.لكنها لم تبعد نظرها عن الأسفل."مش هنسيبه."التفت إليها يوسف.ورأى الإصرار في عينيها.ذلك الإصرار الذي أصبح يعرفه جيدًا.ابتسم ابتسامة خفيفة رغم خطورة الموقف.وقال:"عارف."ثم أضاف:"علشان كده لازم نوصل لغرفة الأصل."تحركا بسرعة عبر الممر المعدني.وكانت الاهتزازات تزداد مع كل دقيقة تمر.في بعض الأماكن ظهرت شقوق جديدة في الجدران.وفي أماكن أخرى كانت أنظمة الإضاءة تتعطل تدريجيًا.بدت المنشأة وكأنها تحتضر.وكأنها تستعد لدفن أسرارها معها.بعد دقائق من السير، وصلا إلى بوابة ضخمة لم تكن موجودة على الخرائط التي شاهداها سابقًا.باب معدني هائل.يمتد من الأرض إلى السقف.وفي
ما هو السر الذي يربط رهف ويوسف منذ الطفولة؟ظل السؤال يتردد داخل القاعة حتى بعد اختفاء الصورة.كان الظلام يحيط بهما من كل جانب، بينما بقيت الشاشة السوداء أمامهما كأنها تتعمد تركهما وسط دوامة من الاحتمالات.شعرت رهف بأن قلبها يخفق بسرعة.ليس بسبب الرجل الغامض.ولا بسبب ظهور آدم.بل بسبب ذلك الإحساس الغريب الذي بدأ يكبر داخلها كلما اقتربت من الحقيقة.كأن جزءًا من روحها يعرف الإجابة...لكن ذاكرتها ما زالت ترفض البوح بها.اشتعلت الأضواء الاحتياطية أخيرًا.بخفتوتها المعتادة.فعاد المكان إلى الظهور تدريجيًا.التفتت رهف نحو يوسف.فوجدته شاردًا.ملامحه متجهمة أكثر من المعتاد.وعيناه غارقتان في التفكير.همست:"بم تفكر؟"انتبه إليها فورًا.وكأنه كان بعيدًا جدًا وعاد في اللحظة الأخيرة.تنهد ببطء.ثم قال:"في حاجة مش مريحة."عقدت حاجبيها."إيه هي؟"أجاب وهو ينظر إلى الشاشة المنطفئة:"كل اللي بيحصل حاسس إنه متخطط له."ساد الصمت بينهما.ثم أومأت رهف ببطء.لأنها شعرت بالأمر نفسه.منذ بداية الأحداث وهناك من يدفعهم خطوة بعد خطوة نحو مكان معين.حقيقة معينة.أو ربما مصير معين.---واصلا السير عبر الممر
في بعض الأوقات...لا تأتي الصدمة من اكتشاف سر جديد.بل من اكتشاف أن كل ما عرفته سابقًا لم يكن سوى جزء صغير جدًا من الحقيقة.---بيت مصطفىكان المنزل هادئًا بشكل غريب.---مصطفى ما زال يتعافى من إصابته.وزينب تحاول إعادة الأمور إلى طبيعتها.---لكن رهف لم تعد كما كانت.---منذ عودتها من قصر كمال...
في بعض الأحيان...لا يكون أخطر شيء هو السر.بل الشخص الذي يعرف السر منذ البداية ويصمت.---كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل.---ولأول مرة منذ سنوات طويلة...كان لؤي عاجزًا عن النوم.---جلس على طرف سريره.والصندوق المعدني القديم أمامه.---فتح الصندوق مرة أخرى.رغم أنه حفظ محتوياته عن
ساد الصمت داخل قصر كمال الجارحي.الجميع ينظر نحو الباب.حتى كمال نفسه وقف من مكانه.ولأول مرة منذ ظهور رهف أمامه...اختفت ابتسامته الهادئة.دخل مصطفى الهلالي.بخطوات بطيئة.لكنها تحمل هيبة جعلت الحراس يبتعدون تلقائيًا.وقفت رهف مكانها.تحدق فيه.مشاعر كثيرة تضربها في نفس الوقت.غضب.اشتياق.خوف.حي
لم تكن رهف تعرف كم مر من الوقت.دقائق؟ساعات؟لم تعد قادرة على التمييز.كل ما تتذكره هو ذلك القناع الأسود الذي وضع فوق عينيها، وصوت محرك السيارة، والطريق الطويل الذي بدا وكأنه لا ينتهي.---كانت يداها غير مقيدتين.وهذا ما أثار خوفها أكثر.لأن من يختطف شخصًا ويتركه حر الحركة...يكون واثقًا أنه لن يس







