Share

الفصل الثامن

last update publish date: 2026-03-23 12:53:19

شجاعة كانديس

وصلت سيارة الشركة الفاخرة إلى الحي المتواضع، فتوقفت أمام باب منزل كانديس الذي كان يضج بالقلق. ترجلت كانديس والدموع في عينيها، لتجد شقيقتيها كريستين وكريستينا في حالة ذعر عند المدخل.

كانديس بصوت حازم رغم الألم): "لا وقت للبكاء الآن! كريستينا، ساعديني في حمل أمي.. السيارة بانتظارنا بالخارج."

دخلت كانديس الغرفة لتجد أمها برناديت مستلقية على فراشها، وجهها شاحب كالشمع، وأنفاسها ثقيلة. وبمساعدة السائق وشقيقتيها، تم نقل الأم بسرعة إلى السيارة. طوال الطريق، كانت كانديس تحتضن يد أمها الباردة، وتهمس في أذنها بكلمات من الأمل، بينما كانت أصابعها تلمس "الشيك" في حقيبتها؛ ذلك الورق الذي تحول فجأة من مجرد مكافأة إلى "طوق نجاة" لوالدتها.

عند وصولهم إلى المستشفى: كانت الطوارئ بانتظارهم بتوجيه مسبق من فيليبون.

سارع الأطباء لنقل الأم إلى غرفة الفحص، ووقفت كانديس في الرواق الطويل، تلاحق طيف أمها وهي تغيب خلف الأبواب الزجاجية. شعرت بالوحدة رغم وجود شقيقتيها، لكن صورة مارك ونظرته الداعمة، ووقفة فيليبون النبيلة، كانت تمنحها القوة للصمود في تلك اللحظات القاسية.

انفتحت الأبواب الكهربائية لردهة الطوارئ بصرير حاد، ليدخل الدكتور وايلكنز بخطواته السريعة والواثقة، وخلفه طاقم من الممرضين. كان وايلكنز يرتدي معطفه الأبيض الناصع، وعيناه خلف نظارته الطبية تمسحان المكان بتركيز شديد.

بمجرد وصول السرير الذي ترقد عليه برناديت، أشار وايلكنز بيده ليتوقف الجميع، وبدأ بفحص النبض وبؤبؤ العين بسرعة فائقة، بينما كانت كانديس تقف على بعد خطوات، تحبس أنفاسها وتراقب كل حركة من حركاته.

الدكتور وايلكنز بنبرة هادئة ولكنها صارمة للممرضين): "جهزوا وحدة العناية المركزة فوراً! الضغط منخفض جداً، ونحتاج إلى تخطيط قلب شامل وتحليل دم عاجل. لا نريد إضاعة ثانية واحدة."

ثم التفت إلى كانديس، ورغم صرامته المهنية، إلا أنه خفف من حدة صوته عندما رأى الرعب في عينيها: "آنسة كانديس، السيد فيليبون اتصل بي شخصياً. والدتكِ في أيدٍ أمينة، لكنني سأكون صريحاً معكِ؛ الإراد العضلي والضغط النفسي الذي تعرضت له لسنوات بدأ يظهر أثره الآن. سنفعل كل ما بوسعنا."

كانديس بصوت متهدج): "أرجوك يا دكتور.. هي كل ما نملك. أخبرني أن هناك أملاً."

الدكتور وايلكنز: "الأمل موجود دائماً في الطب. الآن، أحتاج منكِ أن تكوني قوية من أجل شقيقاتكِ. سأخرج إليكِ فور ظهور النتائج الأولية."

مرت ساعة من الانتظار كانت أثقل على كانديس من سنوات الفقر الماضية. كانت تجلس على مقعد خشبي بارد، وشقيقتاها كريستين وكريستينا غافيتان من فرط التعب والقلق بجانبها. وفجأة، انفتح باب الردهة وخرج الدكتور وايلكنز وهو ينزع قفازاته الطبية، وكانت ملامحه قد استرخت قليلاً.

فزعت كانديس واقفة، ولسانها يعجز عن النطق، لكن الدكتور وايلكنز سارع بابتسامة هادئة طمأنت قلبها قبل أن ينطق بكلمة.

الدكتور وايلكنز بصوت رزين ودافئ): "اطمئني يا آنسة كانديس.. والدتكِ تجاوزت المرحلة الحرجة. لقد كان هبوطاً حاداً في الدورة الدموية ناتجاً عن إرهاق مزمن وتغذية غير كافية، لكن قلبها قوي.. قوي جداً، وكأنه يستمد قوته من تمسككم بها."

أغمضت كانديس عينيها، وأطلقت زفيراً طويلاً كان يحمل معه كل أوجاع اليوم. شعرت وكأن جبلاً قد انزاح عن صدرها.

كانديس (بصوت يملؤه الامتنان): "الحمد لله.. شكراً لك يا دكتور، شكراً جزيلاً. هل يمكنني رؤيتها الآن؟"

الدكتور وايلكنز: "ليس الآن، هي نائمة تحت تأثير المهدئات وتحتاج للراحة التامة. لقد نقلناها إلى غرفة خاصة بناءً على تعليمات السيد فيليبون المشددة. يمكنكِ البقاء بجانبها، لكن دون إزعاج. اذهبي الآن، وأريحي قلبكِ، فوالدتكِ بخير."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل الثالث والعشرون

    من رماد المزاد إلى عرش السيادةفي قاعة المزاد الكبرى بباريس، حبس كبار القوم أنفاسهم بينما كانت مطرقة الدلال تهوي معلنةً تفتت إمبراطورية دورجان. لم يجرؤ أحدٌ على مقارعة القوة الصاعدة حين وقفت كانديس بشموخها المعهود.نادى الدلال: عشرة ملايين يورو.. هل من مزيد؟رفعت كانديس يدها بيقينٍ صلب: خمسة عشر مليوناً.. نقداً.هوت المطرقة ثلاثاً: بيعت للسيدة كانديس!.وفي الحال، غدت إلى المقر القديم، وبعزيمةٍ لا تلين، أزالت اسم دورجان عن الرتاج بيديها، ونظرت إلى الوجوه الواجمة قائلة: هذا المكان لم يعد وكراً للغدر. من اليوم، نغسل هذه الجدران من عار الماضي. ارفعوا لافتة 'العهد الجديد'، وليعلم القاصي والداني أن ليل الظلام قد انقشع، وبدأ عصر الثروة الحقيقية.التفتت لـ راشفورد بابتسامة نصرٍ باردة: استرددتُ إرثي يا راشفورد وزدتُ عليه الآن، ليراقب دورجان من خلف قضبانه كيف تدار مملكته بيد المرأة التي توهم يوماً أنه سحقها.مشهد: تحت ظلال المهابة.. ارتباك مارك:كان مارك يقف في ردهة الشركة، يستنشق هواءً غريباً لم يألفه من قبل. رأى الشعار الذهبي لـ كانديس يحل محل سواد دورجان، فشعر ببرودةٍ تغزو أطرافه.تم

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل الثاني والعشرون

    انكسار الطغاة.. وبرد الانتقامارتمى فاندروك على الأرض رعباً، بينما تجمد دورجان تحت وطأة رصاصة تحذيرية من لوكاس. دنت منه كريستينا، وكبلت يديه وهي تهمس بحرقة:هذا القيد من أجل كرستين التي سممتَ روحها.. ومن أجل كانديس التي سرقتَ فجرها اليوم، ستتجرع مرارة الانكسار الذي أذقته لنا لسنوات.التفتت إلى مارك، الذي وقف شامخاً كمن نفض عن كاهله غبار السنين، وأومأت له بشكرٍ صامت.. لقد قُضي الأمر، وذاق المظلوم برد القصاص.مشهد: غروب الحقبة المظلمة.. تحرر مارك:كانت الشمس تميل للغرق في بحر مارسيليا، معلنةً أفول عصر الظلام وسط ذهول دورجان ورعب فاندروك ، كان الرصيف يضيق عليهما برجال القوات الخاصة هدر لوكاس بصوتٍ كالرعد: انتهى زمانك يا دورجان! هذه الشحنة التي راهنت عليها، هي السلسلة التي ستجرُّك إلى خلف القضبان للأبد.أمسكت كريستينا بتلابيب فاندروك المرتعد: أين ضحكاتك الخبيثة الآن؟ أين مكرك الذي ظننتَ أنه سيعلو على العدالة؟.أما مارك، فقد وقف بعيداً يرقب البحر بعينين مغرورقتين لم يكن يرى الأصفاد، بل كان يشعر بالأغلال وهي تتساقط عن روحه , لقد استعاد إنسانيته في مارسيليا، وغسل بفعله الشجاع دنس الماضي.

  • وشم الفقر على الذهب     الفصل الواحد والعشرون

    حقيقة الضباب الاسودساد الصمت الغرفة لبرهةٍ ثقيلة، قبل أن تخبو أضواء القوة في عيني كريستينا، وتحل محلها نبرةٌ شجية ترتجف بآلام السنين. اقتربت من مارك، وسألته بصوتٍ مخنوق بالوجد:- مارك.. أصدقني القول، هل التقت عيناك بـ كرستين هناك؟ هل عرفتْ من تكون؟ هل أيقظت في ذاكرتها طفولتنا الموؤودة؟خفض مارك رأسه أسفاً، وخرجت كلماته مثقلةً بمرارة الندم:نعم يا سيدتي.. رأيتها، لكنها لم تعد تعرف أحداً، ولا حتى نفسها كرستين التي تنشدينها قد غابت خلف ضبابٍ أسود من السموم؛ لقد استعبدها دورجان بالمخدرات، سلبها إرادتها وحطم كبرياءها لتغدو مجرد ظلٍ باهت في إمبراطورتيه المظلمة.سقطت الكلمات كالصاعقة على كريستينا، فترنحت لولا يد لوكاس التي امتدت لتسندها كالجدار المنيع. غطت وجهها بكفيها وهي تهمس بحرقة: يا إلهي.. لم يكتفِ بتشريدنا، بل أراد قتل روحها وهي على قيد الحياة!اشتعلت عينا لوكاس بشرر الغضب، وشدد قبضته على كتف مارك قائلاً بصوتٍ كالرعد: - الآن انقطع خط الرجعة, في مارسيليا، لن نحطم تجارته فحسب، بل سننتزع كرستين من بين براثنه، وسيدفع هذا الوغد ثمن كل ذرة سمٍ نفثها في جسدها.مشهد: فحيح الخديعة.. تغيير قو

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل العشرون

    شفرة مارسيليا في ساعةٍ متأخرة من الليل، والوجوم يلفُّ ممرات الشركة، جلس مارك وحيداً تحت ضوء مصباحه الشاحب، يقلب أوراقاً وخرائط لوجستية كأنها طلاسم قدرٍ محتوم.كانت الصفقة في ظاهرها توريد معدات ثقيلة لشركةٍ في مارسيليا، بيد أن حسه التجاري العتيق كان يهمس له بأن ثمة سراً دفيناً يختبئ بين طيات السطور.تمتم مارك لنفسه وهو يغوص في لغة الأرقام:مارسيليا.. الشركة المتحدة.. الأوزان هنا لا تستقيم مع حجم الصناديق! ثمة فراغاتٌ شحن كبرى، وهذا لا يعني سوى أمرٍ من اثنين: إما تهريبُ أرواحٍ بائسة، أو بضائع محظورة حُشيت في تجاويف الحديد.شرع يدون ملاحظاته بدقة الصائغ، وقارن التواريخ بسجلاتٍ صورها خفية، ليتأكد أن الشركة المتحدة ليست سوى واجهةٍ وهمية يديرها دورجان بأسماءٍ مستعارة. وبغتةً، عثر على مسمار النعش الأخير؛ ملاحظةً بخط اليد على الهامش: الشحنة تمر عبر الرصيف 9.. بعيداً عن أعين الجمارك المحلية التقط الصورة بيقين من يمسك بحبل المشنقة.*****مشهد: نذير الرحيل.. مهمة مارسيليا المسمومة:اقتحم فاندروك المكتب بلا استئذان، وعلى ثغره ابتسامةٌ صفراء تواري مكيدةً كبرى. وضع تذكرة القطار السريع وملفاً مختو

  • وشم الفقر على الذهب     الفصل التاسع عشر

    العرض المسمومفي ذلك المكتب الذي تزدحم فيه رائحة الأنا المتورمة، نفث دورجان دخان سيجاره الكثيف، راصداً مارك بحدة الصقر. ساد صمتٌ ثقيل قبل أن يقطعه بصوته الواثق:يا سيد مارك.. لا يعنيني ماضيك المترب مع كانديس أو فيليبون؛ ما يعنيني هو باعك الطويل في شعاب التجارة ودرايتك بما يُحاك في الخفاء , لذا، نصبّتُك مديراً تنفيذياً لقسم الاستيراد والتصدير، براتبٍ ينسيك أيامك العجاف.. فما قولك؟خفق قلب مارك؛ فهذا القسم هو الوريد الأبهر الذي تتدفق عبره أسرار التهريب والاختطاف حافظ على جموده، ورسم ابتسامة الطامح:عرضك لا يُرد يا سيد دورجان هذا القسم يتطلب حزماً وعقلاً يجيد عبور المضائق، وأنا الرجل المناسب , أعدك بأن ثقتك ستثمر مجداً.صافحه دورجان ببرود، بينما كان مارك يهمس لروحه: لقد منحتني المفتاح الذي سأقوض به أركان جحيمك.خلف رتاج الأبواب.. فحيح الخيانة:ما إن توارى مارك خلف الباب، حتى انخلع عن دورجان قناع الوقار واستحال سخريةً لاذعة. استند إلى كرسيه الوثير ونفث دخاناً نحو السقف، ثم التفت إلى فاندروك ذي الابتسامة الصفراء:يا صديقي.. أخيراً ظفرنا بهذا 'التافه' ليكون طعماً مثالياً لشحنت

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل الثامن عشر

    عرض فاندروك:في مقهى شعبيٍ قصي، كسر خلوة مارك صوتُ صديقه الوفي فاندروك. وضع الأخير يده على كتفه قائلاً: مارك.. كفاك ارتداداً للوراء, أنا الآن أدير دفة العمل في شركة 'دورجان للتجارة'، وقد عرضتُ اسمك على مجلس الإدارة؛ إنها فرصتك لتعود للميدان، كمحترفٍ خبير لا كصاحب سطوة , لقد توسطت لك عند صديقي دورجان وابدى موافقته وسروره الكبير لعملك معنا نظرا لما تملكه من مؤهلات كبيرة .استنكر مارك بضعف:أأعمل أجيراً يا فاندروك ؟ أنا الذي طاولت ناطحات السحاب؟فأجابه فاندروك بحزم: العمل شرف، والاستسلام للسواد عار ,المكتب ينتظرك غداً لتصحح مسار القدر. غادر فاندروك تاركاً مارك أمام خيارين: إما سجن الندم، أو ولوج عالم دورجان بوجهٍ جديد.اكتشاف الحقيقة.. الجاسوس النادم:في عتمة غرفته، ظل اسم دورجان يتردد في مسمعه كطنينٍ مزعج. وفجأة، انتفض كمن مسّه تيارٌ كهربائي؛ جحظت عيناه وضُربت الطاولة بيده: دورجان! نعم.. إنه الشيطان الذي كان خلف اختطاف 'كريستين' من حضن عائلة كانديس! كيف عميتُ عن هذا؟.أدرك مارك أن القدر لم يمنحه وظيفة، بل منحه صك غفران. قال بنبرةٍ حديدية: إذا كان دورجان هو من أحرق قلب كان

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل السادس عشر

    تحالف الأوفياءاستدعت كانديس الممثل القانوني للمجموعة على وجه السرعة، لترسم معه ملامح العهد الجديد. وأمام طاولة الاجتماعات، وبينما كانت مسودة النظام الأساسي الجديد للمجموعة تفترش المكان، التفتت كانديس بشموخٍ يطاول السحاب، ونبرتها تحمل ثقل المسؤولية وهيبة القرار:- سيد راشفورد.. في لُجّة العاصفة

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل الخامس عشر

    مرثية الحديد والضباب في تلك الليلة المشؤومة، كان القدرُ يحيكُ خيوطَ الفجيعةِ على الطريقِ المفضي إلى باريس. كان المطرُ ينقرُ على الزجاجِ برتابةٍ كئيبة، بينما تجلسُ كانديس قرب النافذة، تحتضنُ كوبَ قهوتها الدافئ وتغرقُ في أفكارها، ليقطعَ سكونَ المكانِ رنينُ هاتفها الحاد؛ كان المتصلُ ماركوس، السائق ال

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل الثالث عشر

    لمعة الفخر.. لغة الروحلمعت عينا فيليبون ببريقٍ لم يعهده أساطين المال؛ لم يكن بريق صفقةٍ رابحة، بل كان نور الامتنان لرجلٍ وجد ضالته في قلب امرأةٍ تعفُّ عما يتصارع عليه الآخرون. اقترب منها بوقارٍ، وطبع قبلةً حانية على جبينها كأنما يختم بها ميثاقاً أبدياً:شكراً لكِ يا كانديس.. لقد بعثتِ فيّ الإيمان

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل الثاني عشر

    عباءة الكتمانبعد أن جف مداد الصكوك، جرد فيليبون نظراته من كل هوادة، ووضع كفه على الملف الموصد كأنه يغلق باباً من أبواب القدر:راشفورد.. أريد لهذا الملف أن يُقبر في قرار خزائن , لا يُسمح لمخلوقٍ كائناً من كان أن يسترق السمع لخبر هذه الوصية، ولا حتى كانديس ذاتها.ثم اكمل :أريد لقوتها أن تنبثق من وج

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status