LOGINرمى هاتفه بعصبية من هذا الوضع المتشعب ..هو هنا مع خطيبته ....وعائلته في مكان اخر عليه ان ينهي موضوع الاوراق حالاً ..
استرخى اكثر في جلوسه وارجع رأسه للخلف عله يستريح قليلاً بعيدا عن افكاره المتشعبة
...................................
في الصباح الباكر نزل الى عمله كالمعتاد في مؤسسة السباعي للعقارات
مؤسسة ضخمة تعود لأعرق عائلات البلد هنا ...
لاينكر احمد تعلقه بالسيد هاشم صاحب المؤسسة الذي ضم خبراته عن طيب قلب بل وخاطر ..
وجد نفسه في تلك المؤسسة وصاحبها كان له خير السند والموجه
لم يرى رجل مثله بقدره وقدرته على استيعاب جميع الخبرات ومن جميع الاعمار والجنسيات
ليونته في التعامل واضحه للجميع وسلاسته البسيطة في التوجيه وإصدار الأوامر تدفع الى الألفه السريعه
واحمد تشبث اكثر بتلك المؤسسة بعد ان اصبح هو وأبناء السيد هاشم اصدقاء
وصل إلى مكتبه بحلته الرمادية المتألقه وارتمى على كرسيه ...
الملفات أمامه مكومة والاوراق مبعثره ....في الأمس لم يستطع العمل وعقله مشغول في كل الاتجاهات ..خطيبته ووالدته وصاحب المؤسسه الذي بات يلح عليه بعزوماته الكثيرة
فرقع اصابعه واخذ حفنة اوراق ليبدأ بتوريقها وتصنيفها
طال الوقت وهو مشغول منهمك بعمله حتى تسرب الى عقله صوت صديقه المقرب
الوليد
رفع نظره عن الأوراق قبل أن يقول بشئ من الانزعاج
(كيف دخلت مكتبي دون أن أشعر ..أنت يا أخي لديك حساسية من الأبواب لايمكنك طرقها ابداً)
ابتسامه مشرقه بالحيويه كصاحبها طلت على ثغره قبل ان يقول بمودة
(أنت يارجل نزيه اكثر من اللازم حين تباشر العمل لايزحزحك عنه شئ)
رفع حاجبه بزهو وجمع الاوراق بيديه قبل ان يطلب منه الجلوس،
استرخى وليد في الكرسي المقابل له ثم قال بضجر
(أنا وريث هذه الشركه مستقبلاً يمكنني متى ماشئت أن ارسلك في إجازة اطلب فحسب يارجل ولله سيكون يوم المنى أن أراك في عطله خارج نطاق العمل)
ابتسم احمد وأشار للوليد بيده ان يصمت ولايتحدث فيما يكمل هو عمله
طال الوقت ومازال مشغول بأوراقه لايمهل وليد لحظة لإضاعة ماتبقى من وقته الثمين
وعندما انتهى رفع رأسه باتجاه وليد ليقول بصوت ساخر
(ماذا ستفعل من دوني يارجل الاوراق التي كانت سترسل لك ..بطريقه ما ارسلت لي لأدققها )
صمت مبتلعاً ريقه ليكمل وحاجبه مرفوع باستفزاز
(اظنها من صنع فاعل)
وغمزه بعدها بعينه ليقهقه وليد مردف باستمتاع
(اسمع يا أحمد هذا ابتزاز صريح منك ..انت لاتخجل ان تبتز احد اصحاب النفوذ في الشركة)
تعبير مبهم رسمه احمد بدقه على وجهه قبل ان يتحدث باسترخاء
(ولماذا اخجل ... أنا ابتزك بحكم أفعالك وتصرفاتك ... أما انت ايها الوقح فتبتزني بحكم صداقتي معك ومركزك في الشركة وموقعي في عائلتك)
لم يستطع وليد كتم إعجابه الصريح باحمد فقال بتقدير جعله ساخر
(بدأ موشح الفروق المركزية والمادية ... اسمع دعنا ننهي الحوار حتى لايتاجج ونتحدث عن الفروق القومية بين بلدين لينتهي الحوار بخلاف لا اطيقه انا ..)
كشر احمد عن أنيابه باستمتاع ونهض وهو يلتقط سترته قائلا
(
اذا ً الغداء عليك .. اريد وجبه كبيرة لنهاية يوم طويل..واتصل ببدر ...فأنا لم أره اليوم ولاحتى الامس)
هز رأسه بأسى ونهض هو الاخر متمتما
(هذا وأنا صاحب الشأن هنا اعامل هكذا ..كيف لوكنت موظف عادي مثلك)
ضحك احمد وهو يتخطاه ليضيف
(والشقة التي اسكنها لك .. وأختك ستكون زوجتي عما قريب ..اعرف كف عن التذمر هذا هو الموجود)
اتسعت ابتسامة وليد وهو يهمس بصوت عالي
(ماهذا الرجل اقسم أنك متحجر ..أعان الله سارة عليك)
بعد ساعة
...... ...
كان ثلاثتهم يجلسون بأريحه على طاولة ضخمة في مطعم فاخر تصطف عليها أنواع كثيرة وشهية من الطعام
أمسك أحمد طبق ورق العنب واحتكره أمامه ومازال مشغول مع بدر بالحديث
إلى أن فاجئه وليد وهو يخطتف الصحن من أمامه رافعاً حاجبه بتحدي
انفجر بدر ضاحكاً على رعونة وليد وقال وهو يلتقط ورقة عنب محشيه من الطبق المختطف
(يارجل دعه يستمتع بطبق من بلده لمرة واحدة دون ان تفرض وجودك )
لعب وليد بحاجبيه وهو يلتهم ورقات العنب بشراهة مجيب
(لذيذ هذا الطبق لذيذ لا استطيع ان اتركه له وانا متفرج لمجرد انه طبق من بلده )
قهقه أحمد باستمتاع ليقول
(هذا لذيذ امنا ولاتستطيع البقاء متفرج .. ماذا عن طبق الكبه الكرزيه ومحشي الباذنجان هاا هل اذكر باقي الاطباق ام يكفي )
لعق وليد شفتيه ثم اخذ من امامه المنديل المثني بعنايه ومسح فمه قبل ان يقول ساخراً
(احب كل شئ تحبه )
ضيق احمد عينيه باستمتاع يسأله بمراوغه
(ايها الكاذب كل شئ احبه تحبه ... كل شئ وأي شئ )
يرد وليد بروعونه ومزاح
(ولو كان لديك اخوة للزواج لفعلتها وتزوجت إحداهن فقط لأغيظك )
حينها انتفض احمد بحمائيه وغيرة تمزقه ليقول بصوت جامد
(وليد لا اسمح لك بالخوض في عرضي تعرف انني اكره هذا المزاح)
ليضيف بعصبية بعد ان استقام بسرعه وهو يعدل من وضع سترته
(انا راحل )
امسك بدر بيده بعزم يثنيه على الرحيل يقول باستعطاف وقليل من الترجي
(مابك يااحمد انه يمزح ..انت تعررف وليد لايوفر كلمه كما انه ممازح من الدرجه الاولى..ثم أنه لايقولها إلا عن طيب خاطر فلا تفزع هكذا بلا سبب )
تدخل وليد بحذر بعد ان شعر انه تجاوز الحدود بينهما
ليقول
(اهدأ يارجل اقسم بالله العظيم لم اقصد شئ تعرف انني احبك كااخي وعرضك عرضي وحدودك حدوي وزد عن هذا اشعر بالانتماء معك الى بلدك مابك لما كل هذه الحدة والعصبية اليوم )
ثم اضاف وليد بجدية
(لا اعلم سبب حدتك كلما تتطرقت لهذا الأمر رغم انك ستتزوج اختي أعلي منذ اللحظة اعتبارك خائضٌ في عرضي)
بلع احمد ريقه وحول نظره الى وليد يرمقه بغموض قبل ان يعاود الجلوس متحدثاً بهدوء
(لا احب ان يذكر أحداً اختي مهما كانت صلته بي وأسف للمبالغة ربما لست بخير اليوم )
حمحم وليد معتذرا يقول بأسف جلي
(حقك على رأسي وتاخذه من عيني ...لكن موضوع الزواج حقاً لا اعتبره سخرية وخوض في العرض لذا حلمك علينا فلربما حقاً دارت الايام وأصبحت أنا من اقاربك)
ودون مزيد من المشاكسه الحارة بينهما مرر له صحن ورق المحشي ليقول ببراءة
(تناوله وحدك لابارك الله في طعامي ان تجرأت واكلت منه مجدداً اليوم )
ابتسم بحبور وهو يضيف
(هل انت راضٍ الآن)
احمرت أذنا احمد بعد ان شعر انه فقد سيطرته على غضبه بسرعة ودون سبب ليهمهم
(لاباس اعذرني ايضاً على غضبي السريع يبدو ان مزاجي سئ هذه الايام )
ابتسم بدر بعد أن فرد يديه على الطاولة بأريحيه يقول خاتماً همهماتهم الحانقة
(هل أطلب الشاي على طريقتنا أم طريقتكم يا أحمد)
ضحك احمد بعفويه دون أن يعرب ليضيف وليد بمزاح خشن
(لا أعلم مانوع السحر الذي يلقيه بدر عليك حتى تتقبل منه كل أنواع المزاح وما إن أفعل أنا المثل حتى تبدأ بمحاضراتك القومية والاصلاحية)
رفع احمد حاجبه ببراءة وهو يلتهم ورقه محشي باستفزاز مستطرد
(يقال في بلدي لاتاخذ صاحب الا من بعد عركة وانت هو الصاحب الذي جئتني من بعد عركة فكيف برأيك ستكون علاقتنا)
انفجر بدر ضاحكاً يهز رأسه باستمتاع اما الاخر زم شفتيه باعتراض صريح
......................
بعد اسبوع
( في الشركه )
دخل احمد متجهم الوجه شاحب البشرة الى مكتب وليد دون أن يطرقه يحاول جاهداً ان يكبت غضبه المتفاقم
وقف وليد بهدوء بعد ان استشعر هالة التوتر التي تحيط احمد وشرع لاستقباله بصوت مازح كعادته قائلاً
(يا اهلا وسهلا برائحة البلدان المجاورة )
لم يستجب أحمد لمزاحه بل قال من فوره بشئ من الغليان
(احتاج اجازة لمدة شهر ياوليد افعلها لاجلي وامضي على الاجازة والدك خارج البلد وانا مضطر للسفر الى بلدي بأسرع وقت)
شعر وليد بخطب ما يحتل رفيقه فسأله بتوتر
مابك هل حدث شئ سىء لوالدتك ..لاختك
عبس احمد بحزن ظهر على صفحات وجه ليقول بنبرة فاضتت ألم
(توفيت والدتي )
اومئ وليد بتعاطف وحزن وهو يقول بعد ان ربت على كتف احمد
(انا لله وإنا إليه راجعون ..)
واتبع كلامه بمأذرة صادقه
(لاتقلق ساهتم هنا بكل شئ )
مسح احمد عبرة فرت من عينيه افلتت من سلطانه وهو يهز رأسه يقول
(لن انسى معروفك ياوليد )
وهم بالرحيل قبل ان يستوقفه صوت وليد قائلا
(سنقوم بواجب العزاء يا اخي حين يعود والدي )
استدار احمد برأسه إليه معترضا يقول
(لا داعي يكفي)
قاطعه وليد بصرامه يخبره بعزم
(لن يقبل والدي ولا حتى بدر ولا انا إلا بالواجب )
اغمض احمد عينيه واستدار ليخرج بهدوء بعد تلك العاصفة التي تلقاها صباح اليوم برحيل والدته
لم يشعر بالغربة الحقيقة إلى اليوم ... الى الدقيقة التي اخبره بها والده ان والدته لفظت انفاسها الاخيرة مع شروق الشمس
الغربة الحقيقه بدأت للتو واللحظة
.......
في ساحة العزاء المعدة خصيصاً لأحزان اهل بلدته
يقف بشموخ بحلته السوداء الى جانب أبيه وعمه الوحيد يستقبل التعازي من المعارف واهل بلدته يمسد جبينه كل برهة وعينيه سارحه مع افكاره الساهمة تصلب في وقوفه بعد أن سمع صوت مألوف يعرفه يقول بود
البقاء لله وانحنى صاحب الصوت الى كتف والده وقبله
اقترب منه واضعاً ذراعه على كتفه يقول
البقاء لله يا احمد عليك ان تقوي عزيمتك وايمانك بالله
لم يشعر الا بعينيه ادمعت وهو يرى صاحب المؤسسه التي يعمل بها وحماه في ذات الوقت في البلد المجاور وولداه معه يقومون بواجب العزاء تجاهه
شعر بشئ قوي وخاص لهذا الرجل استوطن فؤاده أيما استوطان
قال بعد ان مسد على جبينه يخفي تأثره الواضح برؤية صاحب عمله يقف الى جانبه في داره وبلده
(لا اعرف كيف ارد جميلك سيد هشام.)
ابتسم بحبور وهو يضغط على يده بسلام قوي مردد
(ياولدي هذا ليس جميل انت بمثابة ولديّ وستكون منا بعد فترة قصيرة )
وانصرف بعدها ليستريح على المقاعد المخصصة للمعزيين ليتبعه ولداه بعد أن قامو بواجب العزاء
نقل أحمد نظره بين الجميع بجمود غلبه فمفجعه بوالدته استنفذ طاقاته كلها
... ..........
بعد عام
...........
وضعت ريم حقيبتها على طرف السرير الكبير المستعرض في الغرفة العصرية وهي تتلفت بعينيها كالعادة ترسم معالم هذه الغرفة بمقلتيها الهادئة ...غرفتها أنيقة الطراز ألوانها هادئة تفي بذوقها
تنهدت بعمق بعد أن جلست على طرف الفراش وهي تتذكر ماحصل قبل عام.
عدة اشهر قلبت حياتها وحياة إخوتها رأساً على عقب فلم تعد هي ذاتها ريم الحالمة ولم تعد أحلامها تفرض وجودها في حياتها وومخيلتها
ذاك العام المنصرم عام المصائب عام الشئم والكوراث
غاصت أكثر في تفاصيل الايام السابقة وهي تتذكر حالتها النفسيه المتأزمة بعد رحيل والدتها
كانت فاجعت الفقد مدمرة بالنسبة لها ..مدمرة لأمانها ولولا وجود أحمد لانهارت بالفعل فوالدتها لم تكن فحسب بئر المشاعر الدافئة والداعمه والغرائز الامومية المتعارف عليها بل كانت أكثر بكثير من لقب امرأه تحمل اسم أم ..كانت السند المتين والدعم الدافع في زمن قل فيه كل شئ يخص القيم والمبادئ
بل أكثر بكثير لايوجد في القاموس بأكمله كلمة تعبر عن كمالها
حتى الدرب الذي كانت تسير عليه بكل فخر واعتزاز من رسم تلك الأم حتى سفر احمد الى الخارج كان من رسمها المتقن أيضاً رغم الألم الذي عانته والاشتياق الذي كتمته لإبنها الوحيد
لكنها لم تتوانى عن كسر هذا الألم ونحتت بدلاً منه مشاعر الفخر به لأنه استطاع بفترة وجيزه اكتساب مركز مرموق في بلد يتنافس المتنافسون فيه لتثبيت أقدامهم
تنهدت ريم اكثر حتى تأوهت وهي تغوص أكثر بمعاناتها
رحيل والدتها تليها الصدمة العنيفه المزلزلة التي تلقتها بوجود أخت لها تصغرها بخمس اعوام
وللعجب انها انتقلت للعيش معهم فرضاً والطامة التي قسمت ظهرها أن زوجة والدها انتقلت للعيش معهم لتحل مكان والدتها ببساطه
لاتنكر لولا وجود احمد لحرقت المنزل بمن فيه لكن احمد هدئها بالقول اللين العطوف وصبرها كثيراً على تحمل وجود تلك الفتاة ووالدتها .. كانت تشعر أن اخيها يعلم بوجود تلك الطفلة سابقاً وإلا لما إستطاع ضبط نفسه وقتها
حتى أنه ثابر على دفعها دفعاً دون ملل ولاكلل لتتقبل وجود اخت لهما حتى لوكان تقبلاً سطحياً
مر الشهر الأول بعد رحيل والدتها بسلام مضطرب دون حوادث و كوارث بينها وبين زوجة والدها لأنها ببساطة كانت ماتزال تحت خدر صدمة رحيل والدتها وظهور اخت لهم
مازالت تحمد الله الى الأن لبقاء احمد بجانبها لانه ساعدها كثيراً على إمتصاص غضبها وحجره
لكن الأمور لم تسر على مسارها المسالم السوي لأن والدها فجأه انتقلت روحه إلى بارئه مع انه رجل سوي سليم لايشكو حتى من مرض السكري
وهنا حل البلاء حقاً عليها وعلى الجميع ...لم يكن الجرح قد إلتئم بعد رحيل والدتها حتى عاد وانفتح غائراً بعمق برحيل والدها المفاجئ
مسحت ريم عبراتها بوهن وهي تتذكر الخطوب التي حلت عليهم بعد وفاة والدها وتشكر الله في سرها ان احمد كان قد قرر البقاء فترة اطول حتى تتماسك هي اكثر وتنسجم مع شقيقتهم الاصغر فتلقا خبر وفاة والدهم سوياً جنباً إلى جنب وتساندا ملتحمين كتشابك الأصابع في اليد
حل السواد في قلبها تجاه هذا العالم البغيض الذي لايرحم وخاصة أن وفاة والدها خلف الكثير
زوجة والدها قررت السفر الى عائلتها بطلب منهم حتى تباشر في عدتها الشرعية وتركت ابنتها الوحيدة بعد أن اخبرت احمد ان هذه الفتاة منذ اللحظة قد اصبحت مسؤوليته فهي اخته كما ريم وأن الدم لايصبح ماء كما يقولون ....حينها فحسب شعرت بمعاناة تلك الفتاة الصغيرة التي منحها إياهم القدر لتكون اخت لهم بعد ان تخلى عنها اقرب الاقربون
لاتعلم حتى الأن كيف لامرأه تحمل في صدرها مشاعر الأمومه ان تتخلى عن نتاجها في هذه الحياة ببساطه وخاصة بعد رحيل والدها وإلى من إلى شاب وفتاة لربما يحملون ضغينه عليها لانها بذرة لرجل قد قهر والدتهم حتى أضناها
والاجرام الحقيقي أن الفتاة الصغيرة التي تخلت عنها والدتها بأول مفترق طرق لاتشعر بالانتماء سوى لأمها لوالدتها.... الوالدة التي تنازلت عنها بتلك البساطة ودون أي عناء .
الحياة تعطيك وتأخذ منك .ترضيك تارة لتسرق منك ثبات نفسك تارة أخرى
مر الشهر الثاني بجنون مطبق على الجميع
على أحمد الذي أصبح مسؤول فجأه عن فتاتين في بلده الأم وفتاة أخرى على اسمه في بلد عربي أخر
تلقى طعنتين قسمتاه قسماً برحيل والدته ووالده
و ريم التي اختفت منها معالم الطفولة لتحل محلها معالم النضوج والمسؤولية
كانت تسمع من الكثير أن الأم وطن لكنها لم تعي اعماق الكلمة حتى تناثر وطنها واختفى
اما سمارة الطفلة الصغيرة التي وجدت نفسها فجأه في مكان وزمان مختلفين عما كانت فيه انحدرت الأرض تحتها بشدة لتنزلق الى المجهول مسيرة لامخيرة رغم أن حياتها لم تكن بذلك الابتهاج كما سمعت فقد عاشت طفوله غريبه بعد أن ادركت ان وجودها في هذه الحياة خطأ لان والدها ببساطة تزوج من والدتها رغبة وطمعاً للحصول على ذكر أخر وياللى الحظ العاثر ان تأتي هي بدل ذلك الذكر
كم كرهت نفسها وهي تشعر بنفور والدها المخفي تجاهها
الذنب ليس ذنبها بكل هذا لكنها تحملت ان تبقى الفتاة المخفيه عن الأنظار دون أن تضعف وعلاوة على هذا نفاها والدها بمكان بعيد جدا عن إخوتها بحيث لاتمكنها الصدفة من رؤية إخوتها ولا حتى التشابك معهم تحت أي ظرف وهي بمكان بعيد عنهم ووالدتها.
لذا حياة تلك الطفلة كانت بائسة بدرجة لاتوصف ورغم شعورها بالنبذ إلا أنها سعت لتكون ذلك الذكر بعيون والدها فلم تختلف عن الذكور في طباعهم ولباسهم وحدتهم
وهذا صعب من مهمة أحمد وريم كثيراً حين انتقلت رعاية تلك الفتاة الصغيرة لهم
ورغم كل الصعاب وكل سوء مرو به إلا أن ألسن القرية لم ترحمهم كيف أن أحمد نبذ العيش هنا وعاد بعد رحيل والديه .. كيف أن والده تزوج من أخرى وأخفاها عن الجميع .. وأخته الصغيرة بطباعها النارية الغريبةولباسها وحياتها المعقد لم تسلم منهم فرأى أن عليه السفر بإخوته بعيداً عن تلك العادات الخانقة وتلك الألسن الغابرة التي لن تزيد حياته إلا شقاء
رفعت ريم عينيها وغامت عيناها أكثر وهي تتذكرالعنصر النسائي الثالث المقيم معهم هنا فتنهدت واستلقت بملابسها تغوص بذكرياتها أكثر .
و
تمددت ريم اخيرا على السرير الانيق بملابس الخروج الأنيقه التي ترتديها وهي تسترجع ذكرياتها المتبقية دفعة واحدة
السفر كان وقتها الورقه الوحيدة التي ستخلصهم من كل هذا لكن البلاء لم يترك لهم تحديد مصيرهم كما يشاءون
لأن عمهم الوحيد وزوجته توفيا في حريق شب في إحدى المؤسسات التجارية القريب من قريتهم
كان حدث عظيم بالنسبة لهم جميعاً ان يتوفى اخر شخصين كانا في الحسبان
العم الوحيد المتبقي من نسل الهلالية
يقال أن هذه العائلة مشئومة منذ زمن منذ ان توفت جدتهم أثناء الولادة وقد أنجبت ذكرين تؤام لايشبهان بعض لأن كل واحد منهما في كيس لكنهما تؤام في الصفات والجينات
والى الأن هذه العائلة مشئومة او هذا مايقال
لم يكن وفاة عمها وزوجته المشكلة الوحيدة بل تلك الفتاة الشابة التي تركاها خلفهم فتاة بعمر ريم ابنة عمهم المدلله في العائله رامه
رامه التي خسرت والديها دفعه واحدة ولم يتبقى لها احد سوى إخوتها البنات المتزوجات
هذه الكارثة كانت صعبة الحل والتعامل معها فالفتاة كانت جميلة جداً وتدير جميع الامور المتعلقة في الزراعة بمزارعهم في القرية غير هذا لاتملك اي اخوة ذكور فقط اناث وجميعهم متزوجين رغم ان عمه قد تزوج اربعه لكنه لم يحظى بذكر واحد
عضت ريم باطن خدها وهي تتذكر عودتهم في تلك الاثناء الى قريتهم مجدداً ليحضروا مراسم الدفن والعزاء وفعلا تم كل شئ بسلاسة العزاء لم يكن صاخبا كما عزاء والديها والحزن لم يكن مؤلم كما السابق
لكن الخلافات التي حدثت من أجل ابنة عمهم جعلتهم في حالة تأهب وتشوش مربك
أخوال الفتاة بدأو بالتنازع حول بقاءها كل واحد منهم يريد سحبها بل جرها جراً الى داره لتخدمه أو لتدير شؤونه او ربما طمعا لمالها التي سترثه وقد ترك والديها نصف الأراضي بإسمها
وهذا ماولد الحقد في قلوب إخوتها تجاهها
اخوتها الاناث كانو الاكثر عنفاً وتشدداً بشأنها لا أحد منهن أرادت أن تبقى معها في دارها خوفا ان تنفاسها في زوجها بل وتتحكم بمجرى حياتهموقد ورثت القسم الكبير من أملاك والدها
القتال بين الأ خوال وأبناءهم بدأ يكبر والزيجات بدأت تتهافت عليها لتنهي الخلاف الدائر حولها ... ورامه عالقة بينهم جميعاً
إلى أن قرر احمد ان يتخذ موقفاً صارماً بشأنها ويتزوجها حتى ينهي كل هذا... فهي في النهاية كانت دمه هو وقلبه هو وعشقه السري المدفون في قلبه
كان الحل الوحيد امامه أن يتزوجها أمام الجميع حتى تتوقف تلك الخلافات رغم إعتراضها عليه لكن كلمته كانت الفاصلة فهو ابن عمها والأولى بهالم توافق راما مطلقاً في البداية فذلك الشاب رفضها سابقاً وقد هرب من ساحتها دون سبب مقنع مما جعلها تنقم عليه ... لكن مع تأزم وضعها الحالي بين الجميع وخاصة إخوتها رضخت دون مقاومة وضعت تحت الأمر الواقع وفعلا هذا ماحدث تزوجها احمد أمام الجميع وأخذها مع إخوته بعد ان حسم الاجراءات اللازمه لنقل ورثها لاسمها ثم سافرو الى العاصمة ليغادرو بعدها البلد بأكمله بكل مافيهوهاهم جميعاً تحت رعاية احمداخيها الحنون لن يأتي الزمن برجل مثله لا لن يأتي الزمن بمثله قط .رجل بالف رجل يدير شؤون ثلاث فتيات وحيداً دون حتى ان يتأفف أو يتذمر وفي بلاد بعيدة عن بلادهموابنة عمهم صحيحٌ انه تزوجها لكنه وعدها وعد رجل حر أن يسرحها متى ما إنتهت شروط أخوالها التي وضعوها مقابل زواجه بها دون أن يلزمها بشئ....طُرِق الباب ليفتح بعدها ويطل أحمد من خلفه بحلته السوداء الانيقه وهو يقول باسماً(ريم ألم تنتهي من تجهيز نفسك ماهذا الخمول)نهضت ريم من مكانها بهدوء وقد توقفت ذكريات
رمى هاتفه بعصبية من هذا الوضع المتشعب ..هو هنا مع خطيبته ....وعائلته في مكان اخر عليه ان ينهي موضوع الاوراق حالاً ..استرخى اكثر في جلوسه وارجع رأسه للخلف عله يستريح قليلاً بعيدا عن افكاره المتشعبة...................................في الصباح الباكر نزل الى عمله كالمعتاد في مؤسسة السباعي للعقاراتمؤسسة ضخمة تعود لأعرق عائلات البلد هنا ...لاينكر احمد تعلقه بالسيد هاشم صاحب المؤسسة الذي ضم خبراته عن طيب قلب بل وخاطر ..وجد نفسه في تلك المؤسسة وصاحبها كان له خير السند والموجهلم يرى رجل مثله بقدره وقدرته على استيعاب جميع الخبرات ومن جميع الاعمار والجنسياتليونته في التعامل واضحه للجميع وسلاسته البسيطة في التوجيه وإصدار الأوامر تدفع الى الألفه السريعهواحمد تشبث اكثر بتلك المؤسسة بعد ان اصبح هو وأبناء السيد هاشم اصدقاءوصل إلى مكتبه بحلته الرمادية المتألقه وارتمى على كرسيه ...الملفات أمامه مكومة والاوراق مبعثره ....في الأمس لم يستطع العمل وعقله مشغول في كل الاتجاهات ..خطيبته ووالدته وصاحب المؤسسه الذي بات يلح عليه بعزوماته الكثيرةفرقع اصابعه واخذ حفنة اوراق ليبدأ بتوريقه
(أحمد )اسمه المنطوق بلوعة الإشتياق جعله يحني رأسه وهاتفه معلق بأذنه مسنود بيده يجلس على شرفة منزله المتواضع في بارجه عالية بعيداً عن منازل وطنهتمعن النظر بالاضواء الساطعة المتبعثرة في الأعالي من شرفته ليقطع تأملاتهاسمه مجدداً لكن هذه المرة كان الصوت أقل حدة وأكثر رقة(احمد ألم تسمع ماقلتله لك ارجوك ..ابي ليس على مايرام وانت لم تأتي منذ،عام )تنهد الصوت الرقيق يضيف بغصة(وامي ايضاً تذوب من بعدك عنا ألا يكفيك خمسة أعوام من الغربة ..ولاتأتي لزيارتنا الا شهر واحد وتعود على خلاف جديد بينك وبين والدي)صمت الصوت ليضيف خاتمة هذه المكالمة التي اصبحت معتادة( ماذا عني أنا ....انا أحتاجك ..وأريدك هنا معي والدي يزداد شراسة علينا انا وأمي ارجوك.. وسمارة ماذا عنها ألم تفكر بمصيرها )واخيراً تحدث أحمد قائلاً بذات هدوءه المعتاد(صغيرتي ريم ساحاول أنا انهي الأوراق اللازمة سريعاً حتى تأتي انت ووالدتك إلي .. وإن عدل والدي عن رأيه سيكون معكم أما فكرة عودتي الى الوطن فليست في قاموسي الأن يكفي الحرب الباردة بيني وبينه والعائله برمتها )قاطعته







