Share

72

Author: Ikram
last update publish date: 2026-08-21 03:37:38

لم تعرف ليان ماذا تفعل بتلك الجملة.

بقيت تحدق فيه لثانيتين، ثم شعرت فجأة بأن عينيها أصبحتا أكثر فضولًا مما ينبغي، فأدارت رأسها إلى الجانب، وأخذت تنظر من خلال النافذة إلى السماء التي بدأت تظلم فوق البيوت. كان ضوء المساء ينسحب ببطء من بين الغيوم، تاركًا خلفه لونًا أزرق هادئًا، لكنها لم تكن ترى شيئًا منه فعلًا.

كانت فقط تحاول ألا تنظر إليه.

ابتلع آدم ريقه بصعوبة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة مرتبكة. لم يكن يعرف إن كان قد تجاوز حدًا لا ينبغي تجاوزه، لذلك مرر يده على مؤخرة عنقه وقال: "أنا... ربما تكلمت أكثر مما يجب."

أجابته ليان بسرعة، وكأنها كانت تنتظر فرصة لإنهاء الحديث: "لا، لا بأس."

ثم سكتت.

انتظرت لحظة.

ولما أدركت أن آدم لم يقل شيئًا، أضافت بتوتر: "أقصد... يمكنك أن تقول ما تريد."

رفع آدم حاجبه قليلًا، وقال بنبرة خفيفة: "هذا يبدو كأنه إذن رسمي."

التفتت إليه بسرعة، ثم أدركت أن وجهه يحمل ابتسامة صغيرة.

"لم أقصد ذلك."

"أعرف."

خفضت عينيها إلى الكأس.

"فقط... لا تجعلني أبدو وكأنني قلت شيئًا غريبًا."

ابتسم آدم، لكنه لم يضحك هذه المرة.

قال: "أنتِ لم تقولي شيئًا غريبًا."

ترددت، ثم قالت: "أنت من يقول الأشياء الغريبة."

"أنا؟"

هزت رأسها.

"نعم."

"حسنًا، وما الغريب في أن أقول إن وجودك يجعل اليوم أخف؟"

تجمدت للحظة.

ثم رفعت يدها إلى شعرها، وأخذت خصلة خلف أذنها في حركة عصبية لم تكن تفعلها عادةً.

"لا أعرف."

سألها آدم بهدوء: "لماذا لا تعرفين؟"

"لأنني..." توقفت، ثم عضت طرف شفتها قبل أن تكمل: "لأنني لا أعرف كيف أتعامل مع هذا النوع من الكلام."

نظر إليها آدم طويلًا، ثم قال: "لا تحتاجين إلى التعامل معه."

"كيف؟"

"اسمعيه فقط."

اتسعت عيناها قليلًا، ثم سرعان ما أبعدت نظرها عنه.

"هذا أسهل بالنسبة لك."

"لماذا؟"

"لأنك أنت الذي تقوله."

ساد الصمت.

نظر آدم إلى يديها، ولاحظ أنها كانت تعبث بطرف كمّها دون وعي. بدا عليها الارتباك بصورة واضحة، حتى إنها كانت تبحث بعينيها عن أي شيء في الغرفة يمكن أن ينقذها من الحديث.

أخذ آدم نفسًا بطيئًا.

"هل تريدين مني أن أغير الموضوع؟"

هزت رأسها بسرعة.

"نعم."

ثم توقفت.

"أعني... لا."

ابتسم آدم رغمًا عنه.

"إذن نعم أم لا؟"

أغمضت عينيها للحظة، وكأنها ندمت على الإجابة الأولى.

"لا أعرف."

ضحك آدم بخفة.

"هذه ثالث مرة تقولينها."

قالت وهي تخفي وجهها قليلًا خلف خصلة من شعرها: "لأنك تضعني في مواقف لا أعرف كيف أتصرف فيها."

"لم أقصد."

"أعرف."

قالها الاثنان في الوقت نفسه تقريبًا.

توقفت ليان، ثم نظرت إليه.

نظر آدم إليها.

للحظة، التقت عيناهما.

وكانت تلك اللحظة كافية لتشعر ليان بحرارة وجنتيها ترتفع.

أدارت رأسها بسرعة نحو النافذة.

"الجو جميل."

نظر آدم إلى السماء ثم عاد إليها.

"منذ دقيقة كنتِ لا تعرفين ماذا تفعلين، والآن أصبحتِ خبيرة في وصف الطقس."

ضحكت بخجل، ثم قالت: "الطقس موضوع آمن."

ابتسم.

"فهمت."

بقيت تنظر إلى السماء، بينما كانت أصابعها تستقر فوق حافة النافذة.

قال آدم بصوت أكثر هدوءًا: "ليان."

لم تلتفت.

"ماذا؟"

"هل أنتِ خائفة مني؟"

استدارت إليه فورًا.

"لا."

جاءت إجابتها أسرع مما توقع.

ظل آدم ينظر إليها.

أخفضت عينيها وقالت: "ليس منك."

"إذن من ماذا؟"

صمتت طويلًا.

ثم قالت بصوت خافت: "من نفسي."

لم يرد آدم.

ترك لها المساحة التي احتاجتها.

تنفست ببطء، ثم تابعت وهي تنظر إلى الخارج: "أخاف أحيانًا أن أتعلق بشيء، ثم أنسى كيف كنت أعيش من دونه. أخاف أن يصبح شخص آخر جزءًا من قراراتي إلى درجة أنني لا أعود أعرف أين تنتهي رغباتي وتبدأ رغباته."

ابتلع آدم ريقه، ثم أومأ ببطء.

"وأنا لا أريد منكِ أن تتخلي عن شيء."

ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة، لكنها بقيت مترددة.

"أعرف."

"حقًا؟"

"أعرف..." قالتها مرة ثانية، ثم أضافت بعد تردد: "لكن معرفة الشيء لا تمنع الخوف منه."

بقي آدم صامتًا.

ثم قال: "إذن لا تجبري نفسكِ على ألا تخافي."

التفتت إليه.

"ماذا أفعل إذن؟"

ابتسم بهدوء.

"خافي، لكن لا تهربي."

ثبتت عيناها عليه.

كانت الجملة بسيطة، لكنها أصابتها في مكان حساس.

أرادت أن تقول شيئًا، لكنها لم تجد الكلمات.

فاكتفت بأن أدارت وجهها نحو النافذة من جديد، ووضعت يدها على خدها محاولة إخفاء احمرار وجهها.

لاحظ آدم ذلك، فابتسم، ثم سعل سعالًا خفيفًا وكأنه أراد أن يمنحها مخرجًا.

"على أي حال... يجب أن أنام."

التفتت إليه بسرعة، وكأنها نجت أخيرًا من موقف محرج.

"نعم. هذا أفضل."

رفع حاجبه.

"أفضل؟"

ارتبكت.

"أقصد... النوم أفضل لك."

ضحك آدم بهدوء.

"كنت أعرف."

"ماذا كنت تعرف؟"

"أنك تبحثين عن أي سبب حتى تهربي من الحديث."

فتحت فمها لترد، ثم أغلقته.

"أنا لا أهرب."

نظر إليها مبتسمًا.

"طبعًا."

ضيقت عينيها وقالت: "لا تبتسم هكذا."

"كيف؟"

"هكذا."

"لم أفعل شيئًا."

"فعلت."

ضحك آدم، وهذه المرة ضحكت ليان معه، لكن خجلها لم يختفِ تمامًا.

وقبل أن تخرج، توقفت عند الباب دون أن تنظر إليه.

قالت بهدوء: "تصبح على خير."

أجابها آدم: "وأنتِ من أهله."

ترددت لحظة، ثم قالت دون أن تلتفت: "ولا تفكر كثيرًا."

ابتسم آدم.

"سأحاول."

خرجت وأغلقت الباب خلفها بهدوء.

وفي الممر، توقفت ليان لحظة، وأسندت ظهرها إلى الجدار، ثم وضعت يدها على وجهها.

كانت وجنتاها لا تزالان ساخنتين.

همست لنفسها بضيق خجول: "لماذا لا أستطيع أن أتصرف طبيعيًا أمامه؟"

وفي الغرفة، بقي آدم وحده.

نظر إلى الباب المغلق، ثم ابتسم، لكنه سرعان ما أخفى ابتسامته عندما شعر أن قلبه يخفق أسرع من المعتاد.

لم يكن أيٌّ منهما قد قال كلمة حب.

لكن الخجل الذي بقي بينهما بعد أن انتهى الحديث كان يقول شيئًا لم يجرؤ أحدهما على قوله بصوت مسموع.

في تلك الليلة، عاد كل واحد منهما إلى غرفته، لكن النوم لم يأتهما بسهولة.

أغلقت ليان باب غرفتها بهدوء، وأطفأت المصباح، ثم جلست على حافة السرير للحظات قبل أن تستلقي. بقيت عيناها معلقتين بالسقف، بينما كانت تفاصيل اليوم تعود إليها واحدة تلو الأخرى؛ يده فوق يدها، صوته المتعب، الطريقة التي اعترف بها للمرة الأولى بأنه لم يعد قادرًا على حمل كل شيء وحده، ثم ذلك الصمت الذي جمعهما دون أن يطلب أحدهما من الآخر تفسيرًا.

ولم تكن تلك الذكريات ثقيلة هذه المرة.

على العكس، أخذ خيالها ينسج منها حياة مختلفة عن حياتهما الواقعية؛ حياة لا توجد فيها رسائل عاجلة، ولا مرض، ولا خيانات قديمة، ولا خوف من الغد. تخيلت آدم يجلس أمامها في صباح مشمس، يحتسي شيئًا ساخنًا بينما كانت هي ترسم، ثم يمد يده إلى إحدى لوحاتها ويبدأ في إبداء رأيه، فتغضب منه لأنها لم تطلب رأيه أصلًا، فيبتسم وكأنه كان ينتظر غضبها تحديدًا.

تخيلت بيتًا هادئًا، ونوافذ مفتوحة، وأصواتًا بسيطة في المطبخ، وكتبًا وأوراقًا على الطاولة، وحياة لا تحتاج إلى أن يدافع فيها كل واحد منهما عن نفسه أمام الآخر.

ابتسمت ليان في الظلام.

ثم شعرت بالخجل من نفسها.

"أنا فعلًا بدأت أتخيل أشياء غريبة."

قالتها بصوت خافت، وسحبت الغطاء إلى أعلى، وكأن الغطاء قادر على إخفاء أفكارها أيضًا.

وفي الغرفة الأخرى، كان آدم أكثر صمتًا.

استلقى على سريره، ورفع يديه خلف رأسه، وبقي ينظر إلى السقف. لم يكن يفكر في العمل هذه المرة، بل في تلك المرأة التي دخلت حياته بهدوء، ثم بدأت دون أن يشعر تزيح شيئًا من الحواجز التي بناها حول نفسه.

كان يتذكر كيف بقيت إلى جواره دون أسئلة عندما كان عاجزًا عن الكلام.

لم تحاول معرفة كل ما يؤلمه.

لم تطلب منه أن يشرح نفسه.

ولم تقل له إن عليه أن يكون أقوى.

فقط بقيت.

وكان ذلك بالنسبة إليه أكثر تأثيرًا من أي كلمة.

أغمض عينيه، وسمح لخياله أن يذهب بعيدًا أيضًا.

تخيلها تضحك في مكان لا يعرفه، ثم تناديه من بعيد. تخيل نفسه يرد عليها دون أن يفكر في الوقت أو العمل أو الأشياء التي يجب إنجازها. وللحظات قليلة، لم يشعر بأنه الرجل الذي يجب أن يحل مشاكل الجميع.

كان فقط آدم.

والغريب أنه أحب ذلك الشعور.

مرت الأيام بعدها بهدوء نسبي، وتحسنت صحة آدم تدريجيًا. عاد لون وجهه إلى طبيعته، وخفت الحرارة التي كانت تترك في عينيه ذلك البريق المرهق، وأصبح يستطيع النوم دون أن يستيقظ كل ساعة وهو يشعر بثقل في جسده.

ظنت ليان أن الأسوأ انتهى.

لكنها لم تعرف أن عودة آدم إلى العمل ستفتح عليه بابًا آخر من التعب.

غادرت ليان المنزل في ذلك الصباح بعد أن اطمأنت إلى أنه تناول إفطاره وأخذ دواءه. وقفت عند الباب لحظة، تحمل حقيبتها بيد، بينما ظلت يدها الأخرى على المقبض.

كانت تستطيع المغادرة بسهولة.

ومع ذلك لم تفعل.

استدارت إليه وقالت: "أنت متأكد أنك ستأكل؟"

رفع آدم رأسه عن هاتفه وقال: "متأكد."

"وستأخذ الدواء؟"

"نعم."

"ولن تعمل طوال اليوم؟"

ابتسم آدم وقال: "هذا سؤال أصعب."

ضيقت عينيها.

"آدم."

رفع يده باستسلام وقال: "حسنًا، سأكون عاقلًا."

ظلت تنظر إليه، وكأنها تحاول اكتشاف إن كان يكذب.

ثم قالت: "أنا أعرف أنك ستقول إنك بخير، وبعدها ستنسى الوقت كله."

ابتلع آدم ريقه، ثم ابتسم لها.

"سأحاول ألا أعطيكِ سببًا لتقولي إنك كنتِ محقة."

هزت رأسها باستسلام، لكن قبل أن تخرج قالت: "لا تجعلني أقلق عليك."

توقفت عيناه عندها لحظة.

"لن أفعل."

أغلقت الباب خلفها.

وبقي آدم واقفًا في مكانه، ينظر إلى الباب المغلق، قبل أن يطلق نفسًا طويلًا ويعود إلى مكتبه.

في البداية، بدا العمل طبيعيًا.

فتح الحاسوب، ثم الجهاز اللوحي، وبدأ في مراجعة ملف ترجمة طويل كان قد وصل إليه في الصباح. كان إلى جواره دفتر ملاحظات، وفنجان قهوة ساخن، وبعض الأوراق المرتبة بعناية.

لكن خلال أقل من ساعة، بدأت الرسائل تصل واحدة تلو الأخرى.

ملف جديد.

مراجعة عاجلة.

مخطوط يحتاج إلى ترجمة كاملة.

عميل يريد تعديل فقرة.

موعد اقترب.

ثم رسالة أخرى تحمل عشرات الصفحات.

ومع كل مهمة كان ينجزها، كانت مهمة جديدة تظهر أمامه.

حتى بدا له في لحظة أن المكتب لم يعد مكانًا يعمل فيه، بل مكانًا تبتلعه الأشياء.

مرّ الظهر دون أن ينتبه.

ثم المساء.

وبقي الطعام الذي أعدته الخادمة في المطبخ حتى فقد حرارته.

وعندما أصبحت الساعة الحادية عشرة، كان آدم لا يزال أمام الشاشة.

في ظل ضغط العمل، لا يكون نقص النوم دائمًا المشكلة الأولى التي يلاحظها الإنسان. المشكلة الأشد أن الحرمان المتكرر من النوم يجعل المشاعر أثقل، والصبر أقصر، والأفكار السلبية أعلى صوتًا. الأشياء الصغيرة التي كان يمكن احتمالها في يوم عادي تبدأ فجأة وكأنها اعتداء شخصي، ويصبح العقل مثل برميل ممتلئ ينتظر شرارة واحدة فقط.

وكان آدم يقترب من تلك الشرارة يومًا بعد يوم.

في إحدى الليالي، تجاوزت الساعة الثانية بعد منتصف الليل.

كانت الغرفة مضاءة بضوء أبيض بارد صادر من الشاشات، بينما بقيت بقية المنزل غارقًا في الظلام. كانت عيناه جافتين، وكتفاه متيبسين، وظهره يؤلمه من الجلوس الطويل.

أما فنجان القهوة إلى جواره، فقد برد منذ أكثر من ساعة.

قرأ جملة.

ثم أعاد قراءتها.

ثم قرأها للمرة الثالثة.

لم يفهمها.

ضغط القلم بين أصابعه بقوة، ثم وضعه على الطاولة.

"ما الذي يحدث؟"

تمتم لنفسه، وفرك عينيه.

فتح الملف من جديد.

قرأ السطر.

ثم فجأة دفع الجهاز اللوحي بعيدًا.

لم يكن الدفع قويًا، لكنه كان كافيًا ليصدر صوتًا حادًا في الغرفة.

دخل ياسين بعد لحظات، وفي يده ملف آخر.

توقف عند الباب عندما رأى وجه آدم.

قال بهدوء: "بقيت هذه المجموعة، لكنها ليست مستعجلة. يمكننا إكمالها غدًا."

رفع آدم عينيه إليه ببطء.

"غدًا؟"

"نعم."

اقترب ياسين ووضع الملف على الطاولة.

"أنت تحتاج إلى النوم."

ابتسم آدم، لكن ابتسامته كانت متعبة إلى درجة جعلت ياسين لا يبادله الابتسام.

"أعرف."

قال ياسين: "إذن أغلق الجهاز."

ظل آدم ساكنًا.

"لا أستطيع."

"لماذا؟"

أخذ آدم نفسًا طويلًا، ثم قال: "لأنني إذا أغلقته الآن، سأبدأ بالتفكير."

"في العمل؟"

ضحك آدم ضحكة قصيرة بلا فرح.

"في كل شيء."

سكت ياسين.

تابع آدم بصوت منخفض: "العمل، الأشياء التي لم أنجزها، الناس الذين ينتظرون مني شيئًا، الأشياء التي حدثت ولم أفهمها، الأشياء التي فهمتها متأخرًا... أشعر أنني إذا توقفت، ستأتي كلها دفعة واحدة."

جلس ياسين أمامه.

"وأنت تظن أن إبقاء نفسك مشغولًا سيمنعها؟"

لم يجب آدم.

كانت عيناه ثابتتين على الشاشة، لكنهما لم تكونا تريان الكلمات.

قال ياسين: "أنت لا تعمل الآن يا آدم. أنت تهرب."

ارتجف فك آدم قليلًا.

ثم قال: "ربما."

ساد صمت طويل.

رفع آدم يده إلى وجهه، وضغط على جسر أنفه، ثم بقي هكذا لعدة ثوانٍ.

"أشعر أن كل شيء يريد مني شيئًا في الوقت نفسه."

خفض ياسين صوته.

"وأنت تحاول إعطاء الجميع كل شيء."

ابتسم آدم بمرارة.

"وماذا تريدني أن أفعل؟"

"أن تترك شيئًا لنفسك."

ظل آدم صامتًا.

ثم أُغلق الحاسوب.

لكن التعب لم يُغلق معه.

في اليوم التالي، تغير شيء صغير في آدم.

لم يعد سريع الانفعال أمام الآخرين، لكنه صار أكثر هدوءًا من اللازم. كان يسمع الكلام، يجيب، يوقع، يراجع، ويتابع العمل، لكنه بدا كأنه يقف خلف زجاج سميك يفصل بينه وبين العالم.

ومع كل يوم، كان ذلك الزجاج يصبح أكثر سماكة.

حتى عادت ليان مساءً، ووجدته جالسًا قرب النافذة.

لم يكن يعمل.

ولم يكن يقرأ.

كان فقط ينظر إلى الخارج.

وضعت حقيبتها جانبًا، ثم جلست إلى جواره.

لم تسأله فورًا.

كانت تعرف أنه إذا أراد الكلام فسيتكلم.

مرّت لحظات طويلة قبل أن يقول آدم: "أظن أنني بدأت أفهم شيئًا."

نظرت إليه.

"ماذا؟"

أخذ نفسًا بطيئًا، ثم قال: "فهمت لماذا كنتِ تخافين أحيانًا من فقدان السيطرة على حياتك."

بقيت صامتة.

أكمل: "عندما تتراكم الأشياء حولك، يصبح اتخاذ أبسط قرار متعبًا. حتى الأشياء التي تحبها تبدأ وكأنها واجبات. وحتى الشخص الذي تريد قربه قد يبدو أحيانًا كأنه شيء آخر يجب أن تعرف كيف تتعامل معه."

نظرت ليان إلى يده.

ثم قالت بهدوء: "وأنت الآن تشعر بهذا؟"

أومأ.

"أشعر أنني لم أعد أملك مساحة داخل رأسي."

مدت يدها ببطء.

وضعتها فوق يده.

لم تقل له إن كل شيء سيكون بخير.

لم تقل له إن الغد سيكون أفضل.

لم تحاول إصلاحه.

فقط بقيت.

وبعد لحظات، قلب آدم يده وأمسك يدها.

كانت قبضته ضعيفة في البداية، ثم اشتدت قليلًا.

قال بصوت خافت: "أنتِ لا تسألين."

"لأنني لا أريدك أن تشعر بأن عليك أن تشرح لي حتى أسمح لك بأن تتعب."

رفع عينيه إليها.

"وماذا تريدين؟"

ترددت ليان.

ثم قالت: "أريد أن أبقى."

كانت هذه المرة هي التي شعرت بالخجل بعد كلامها.

أدارت وجهها نحو النافذة، لكن آدم لم يترك يدها.

ابتلع ريقه بصعوبة، ثم ابتسم.

"إذن ابقي."

كانت جملة بسيطة.

لكن شيئًا في داخل ليان هدأ عندما سمعتها.

لقد فتحت له مساحة في حياتها كانت تخشى أن تمنحها لأحد.

وهو، للمرة الأولى، فتح لها بابًا لم يسمح لأحد بالدخول إليه بسهولة؛ باب التعب، والخوف، والحاجة، والضعف.

لم يعد الصمت بينهما مجرد غياب للكلام.

صار له معنى.

صار آدم يعرف أنه يستطيع أن يقول: أنا متعب، ولن تجعله ليان يشعر بأنه أقل قوة.

وصارت ليان تعرف أنها تستطيع أن تقول: أحتاجك، دون أن يعني ذلك أنها فقدت استقلالها.

لم تكن علاقتهما قد حصلت على اسم واضح بعد.

لكن شيئًا مهمًا حدث بالفعل.

كل واحد منهما فتح للآخر بابًا من قلبه.

ولم يحاول أيٌّ منهما إغلاقه من جديد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وقعت في حب زوجي سابق بعد طلاق    تخطيط

    كانت ماريا تجلس خلف مكتبها في زاوية الاستوديو، وتضع سماعاتها حول رقبتها، ثم ترفع عينيها كل بضع ثوانٍ نحو الشاشة أمامها. كانت تراجع قائمة طويلة من الملاحظات، وتحذف سطرًا، ثم تعيده، ثم تتنهد وتكتب ملاحظة جديدة. وفي الجهة الأخرى كانت ليان تقف أمام الشاشة الكبيرة، وتحرك القلم الإلكتروني ببطء فوق التصميم، بينما وقف آدم إلى جوارها وهو يعقد ذراعيه ويتابع ما تفعله. قال آدم وهو يميل قليلًا نحو الشاشة ويشير بإصبعه إلى طرف الملصق"أظن أن اللون هنا داكن أكثر من اللازم." توقفت ليان عن تحريك القلم، ثم نظرت إلى المكان الذي أشار إليه قبل أن تنظر إليه مباشرة"أنا تعمدت أن أجعله داكنًا، لأن الخلفية فاتحة، وإذا خففته أكثر سيضيع." اقترب آدم من الشاشة، ثم وضع يده على حافة المكتب"لكن العنوان سيصبح أضعف، والعين ستتجه إلى هذه الزاوية بدلًا منه." رفعت ليان حاجبها، ثم حركت القلم مرة أخرى"وهذا هو سبب وجود المساحة الفارغة هنا، حتى يبقى العنوان واضحًا." تراجع آدم نصف خطوة، ثم وضع يده على ذقنه وهو يتأمل التصميم"لكنني ما زلت أعتقد أن درجة أفتح ستكون أفضل." نظرت ليان إليه لحظة، ثم عادت إلى الشاشة"وأنا ما ز

  • وقعت في حب زوجي سابق بعد طلاق    فصل 75 لغة الوان

    كان الاستوديو قد دخل في ذلك الهدوء الذي لا يشبه السكون، بل يشبه ورشة عمل تعمل بكامل طاقتها من دون ضجيج زائد؛ صوت لوحة المفاتيح يأتي من الزاوية، وحفيف الأوراق يتحرك بين المكاتب، وصوت القلم الإلكتروني يلامس سطح الجهاز اللوحي أمام ليان في نقرات متتابعة وخفيفة. كانت الشمس تدخل من النوافذ الكبيرة بزاوية مائلة، فتسقط على الأرض الخشبية وعلى أطراف المكاتب، بينما بقيت بعض الشاشات مضاءة بألوان مختلفة جعلت المكان يبدو كأنه يعيش بين عالمين؛ عالم العمل الواقعي، وعالم الصور والأفكار التي لم تولد بعد إلا على الشاشات. جلست ليان أمام جهازها، وقد رفعت شعرها إلى الخلف بطريقة عملية، وتركت بعض الخصلات القصيرة تنسدل قرب وجهها. كانت ترتدي قميصًا أخضر داكنًا بأكمام مطوية إلى ما فوق المعصمين، وبنطالًا أسود بسيطًا، وحذاءً مسطحًا مريحًا يناسب ساعات العمل الطويلة. لم تكن ملابسها تحمل شيئًا من المبالغة؛ كل ما فيها كان عمليًا وهادئًا، مثل طريقتها في العمل نفسها. كان أمامها غلاف كتاب على الشاشة، وقد وضعت بجواره ثلاث نسخ مختلفة للملصق الترويجي. في الأولى كان العنوان كبيرًا جدًا، وفي الثانية كانت الصورة أكثر وضوح

  • وقعت في حب زوجي سابق بعد طلاق    حين ضاق الوقت واتسع الطريق

    «بدأ الحب هادئًا كضوءٍ لا يُرى، ثم صار في القلب بابًا لا يُغلق.» لم يكن آدم قد اعتاد أن يرى العمل يتوقف أمامه بهذه الطريقة. كان مكتبه ممتلئًا بالأجهزة والملفات، وعلى الطاولة أمامه نسخة من الكتاب الذي قضى الفريق أسابيع طويلة في مراجعته وتجهيزه للنشر. كانت الصفحات مرتبة، والغلاف جاهزًا، والمواد الترويجية أُرسلت إلى الطباعة، وحتى خطة الإطلاق كانت قد حُددت بدقة. ثم وصل القرار. تأجيل نشر الكتاب. قرأ آدم الرسالة مرة، ثم أعاد قراءتها ببطء، كأن الكلمات قد تتغير إذا منحها فرصة أخرى. لم تتغير. وضع الجهاز اللوحي على المكتب، لكن أصابعه بقيت فوقه لحظة أطول مما ينبغي. كان التعب المتراكم من الأيام الماضية قد جعل أعصابه أضعف مما اعتاد، وكان في داخله شعور بأن كل ما بنوه بدأ يتداعى قبل أن يحصلوا حتى على فرصة لرؤية نتيجته. دخل ياسين، وكان يحمل بعض الأوراق. قال بهدوء: "وصلني القرار أيضًا. طلبوا تأجيل الموعد حتى تُراجع بعض الإجراءات." رفع آدم عينيه إليه. "أي إجراءات؟" "لم يوضحوا التفاصيل كاملة." ضحك آدم ضحكة قصيرة، خالية من المرح. "طبعًا لم يوضحوا." دخلت مريم بعده، وكانت تحمل حاسوبها تحت ذر

  • وقعت في حب زوجي سابق بعد طلاق    73

    «بعضُ الحكايات لا تبدأ باعترافٍ صريح، بل بقلبٍ يجد في وجود شخصٍ آخر مكانًا يهدأ فيه.» لم يتغير شيء في اليوم التالي بصورة يمكن أن يلاحظها شخص من الخارج، ومع ذلك شعر كل واحد منهما بأن شيئًا صغيرًا قد تحرك في داخله. لم يصبحا فجأة عاشقين، ولم تتبدل طريقة حديثهما، ولم تتوقف حياتهما عن السير في الاتجاه الذي كانت تسير فيه؛ لكن المسافة بينهما لم تعد كما كانت. صار هناك شيء غير مرئي، يشبه بابًا فُتح قليلًا، ولم يعد أيٌّ منهما يريد أن يعيده إلى الإغلاق الكامل. استيقظ آدم قبل موعده بوقت قصير، وكان أول ما فكر فيه هو العمل، ثم تذكر فجأة أن ليان ستعود مساءً. استغرب من نفسه؛ فقد كان طوال سنوات يستيقظ وفي رأسه قائمة من الملفات والمواعيد والالتزامات، أما الآن فقد تسلل وجه واحد بين تلك الأشياء دون استئذان. جلس على حافة السرير، مرر يده على وجهه، ثم قال لنفسه بابتسامة ساخرة: "يبدو أن لدي مشكلة جديدة." وفي الجهة الأخرى من المنزل، كانت ليان تقف أمام المرآة وهي ترتب شعرها، وحين تذكرت أنه أمسك يدها الليلة الماضية، توقفت أصابعها لحظة. شعرت بالحرارة تصعد إلى وجهها. أدارت رأسها إلى الجانب، وكأن المرآة نفس

  • وقعت في حب زوجي سابق بعد طلاق    72

    لم تعرف ليان ماذا تفعل بتلك الجملة. بقيت تحدق فيه لثانيتين، ثم شعرت فجأة بأن عينيها أصبحتا أكثر فضولًا مما ينبغي، فأدارت رأسها إلى الجانب، وأخذت تنظر من خلال النافذة إلى السماء التي بدأت تظلم فوق البيوت. كان ضوء المساء ينسحب ببطء من بين الغيوم، تاركًا خلفه لونًا أزرق هادئًا، لكنها لم تكن ترى شيئًا منه فعلًا. كانت فقط تحاول ألا تنظر إليه. ابتلع آدم ريقه بصعوبة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة مرتبكة. لم يكن يعرف إن كان قد تجاوز حدًا لا ينبغي تجاوزه، لذلك مرر يده على مؤخرة عنقه وقال: "أنا... ربما تكلمت أكثر مما يجب." أجابته ليان بسرعة، وكأنها كانت تنتظر فرصة لإنهاء الحديث: "لا، لا بأس." ثم سكتت. انتظرت لحظة. ولما أدركت أن آدم لم يقل شيئًا، أضافت بتوتر: "أقصد... يمكنك أن تقول ما تريد." رفع آدم حاجبه قليلًا، وقال بنبرة خفيفة: "هذا يبدو كأنه إذن رسمي." التفتت إليه بسرعة، ثم أدركت أن وجهه يحمل ابتسامة صغيرة. "لم أقصد ذلك." "أعرف." خفضت عينيها إلى الكأس. "فقط... لا تجعلني أبدو وكأنني قلت شيئًا غريبًا." ابتسم آدم، لكنه لم يضحك هذه المرة. قال: "أنتِ لم تقولي شيئًا غريبًا." ترددت، ثم قال

  • وقعت في حب زوجي سابق بعد طلاق    71

    توقفت ليان على بعد خطوات من منزل آدم، لكنها لم تدخل مباشرة. كان ياسين ومريم قد وصلا بالفعل، وبدل أن يصعدا إلى السيارة فورًا، بقيا واقفين أمام الباب يتحدثان مع آدم في حديث بدا عاديًا في ظاهره، إلا أن ليان شعرت أن وجودها بينهم جعل قلبها أسرع من اللازم.قالت مريم وهي تبتسم لآدم: "كنا سنغادر مباشرة، لكن ياسين أراد أن يطمئن عليك قبل أن نذهب. قال إنك تبدو أفضل قليلًا، لكنه لا يثق بقدرتك على الاعتناء بنفسك."ضحك آدم بخفة، وأسند كتفه إلى إطار الباب وقال: "ياسين يعرف أنني أستطيع الاعتناء بنفسي، لكنه يحب أن يتصرف وكأنني سأضيع إذا تركني وحدي يومًا واحدًا."رفع ياسين حاجبه وقال بهدوء: "أنا فقط لا أريد أن أعود وأجدك في المستشفى مرة أخرى، لأنني حينها سأضطر إلى سماع محاضرة طويلة من الطبيب ومن والدتك معًا."قال آدم وهو يبتسم: "اطمئن، لن أعطيك هذه المتعة. سألتزم بالدواء والطعام والراحة، حتى لو اضطررت إلى كتابة جدول على الحائط."وقفت ليان قرب المدخل، تستمع إليهم بصمت، بينما كانت أصابعها تمسكان بحزام حقيبتها. لم تكن تعرف إن كان عليها الاقتراب أو الانتظار، لكنها عندما التقت عينا آدم بعينيها، شعرت فجأة أن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status