Share

73

Author: Ikram
last update publish date: 2026-08-21 03:37:57

«بعضُ الحكايات لا تبدأ باعترافٍ صريح،

بل بقلبٍ يجد في وجود شخصٍ آخر مكانًا يهدأ فيه.»

لم يتغير شيء في اليوم التالي بصورة يمكن أن يلاحظها شخص من الخارج، ومع ذلك شعر كل واحد منهما بأن شيئًا صغيرًا قد تحرك في داخله. لم يصبحا فجأة عاشقين، ولم تتبدل طريقة حديثهما، ولم تتوقف حياتهما عن السير في الاتجاه الذي كانت تسير فيه؛ لكن المسافة بينهما لم تعد كما كانت. صار هناك شيء غير مرئي، يشبه بابًا فُتح قليلًا، ولم يعد أيٌّ منهما يريد أن يعيده إلى الإغلاق الكامل.

استيقظ آدم قبل موعده بوقت قصير، وكان أول ما فكر فيه هو العمل، ثم تذكر فجأة أن ليان ستعود مساءً. استغرب من نفسه؛ فقد كان طوال سنوات يستيقظ وفي رأسه قائمة من الملفات والمواعيد والالتزامات، أما الآن فقد تسلل وجه واحد بين تلك الأشياء دون استئذان.

جلس على حافة السرير، مرر يده على وجهه، ثم قال لنفسه بابتسامة ساخرة: "يبدو أن لدي مشكلة جديدة."

وفي الجهة الأخرى من المنزل، كانت ليان تقف أمام المرآة وهي ترتب شعرها، وحين تذكرت أنه أمسك يدها الليلة الماضية، توقفت أصابعها لحظة.

شعرت بالحرارة تصعد إلى وجهها.

أدارت رأسها إلى الجانب، وكأن المرآة نفسها أصبحت قادرة على فضح أفكارها.

"كان مجرد إمساك باليد."

قالتها بهدوء، ثم عادت إلى ترتيب شعرها.

لكن قلبها لم يقتنع.

ومع عودة آدم إلى العمل، بدأت الأيام تصبح أكثر قسوة.

كانت الملفات تتراكم على مكتبه بسرعة لم يعد قادرًا على مجاراتها. لم يعد العمل مجرد ترجمة نصوص ومراجعة مخطوطات؛ أصبحت هناك مشاريع متداخلة، مواعيد تسليم متقاربة، تعديلات متكررة، واتصالات لا تنتهي. كان يفتح الحاسوب في الصباح، ويغلقه بعد منتصف الليل، ثم يظل يفكر في الجمل التي لم يراجعها والصفحات التي لم ينته منها.

كان ياسين يلاحظ ذلك دون أن يعلق كثيرًا.

وفي إحدى الأمسيات، دخل المكتب فوجد آدم يكتب بسرعة غير معتادة.

قال ياسين: "توقّف عشر دقائق."

لم يرفع آدم عينيه عن الشاشة.

"لا أستطيع."

"قلت عشر دقائق، لا أسبوعًا."

"هناك موعد غدًا."

اقترب ياسين ونظر إلى الشاشة.

"وإذا انتهيت وأنت غير قادر على رؤية الكلمات؟"

رفع آدم رأسه، وبدا الغضب في عينيه للحظة.

"ياسين، لا تبدأ."

توقف ياسين.

كانت تلك النبرة مختلفة.

لم يكن آدم غاضبًا منه فعلًا، لكنه كان متعبًا إلى درجة جعلت أي نصيحة تبدو كأنها عبء جديد.

قال ياسين بهدوء: "أنا لا أبدأ شيئًا. أنت الذي وصلت إلى النهاية."

صمت آدم.

ثم أغمض عينيه، وسند جبهته إلى راحة يده.

"آسف."

لم يجب ياسين مباشرة.

ثم قال: "اذهب إلى البيت قبل أن تجعلني أكتب لك جدولًا للنوم."

ابتسم آدم رغم تعبه.

"لا تفعل."

"إذن لا تجبرني."

خرج ياسين، وبقي آدم وحده.

لكن بعد دقائق، وصلته رسالة من ليان.

"هل أكلت؟"

ظل ينظر إلى الشاشة.

ثم كتب:

"نعم."

جاء الرد سريعًا:

"ماذا أكلت؟"

ابتسم رغمًا عنه.

كتب:

"لماذا هذا التحقيق؟"

وصلته إجابة:

"لأن كلمة نعم لا تثبت شيئًا معك."

ضحك آدم بهدوء.

ثم نظر إلى الطبق البارد الموجود على طرف مكتبه.

التقط صورة له وأرسلها.

"حسنًا، كنت سأكذب."

جاء ردها:

"كنت أعرف."

بقي آدم يحدق في الرسالة.

لم تكن كلمات رومانسية.

لكنها جعلته يشعر بشيء دافئ في صدره وسط كل ذلك التعب.

وفي اليوم التالي، عاد إلى العمل منذ الصباح، وحاول أن يلتزم بما وعد به، لكنه وجد نفسه في منتصف النهار غارقًا من جديد في الملفات.

كان الضوء يتغير خلف النافذة، والشمس تتحرك ببطء فوق زجاج المكتب، بينما ظل هو في المكان نفسه.

ومع اقتراب المساء، شعر بثقل في رأسه.

أغلق عينيه للحظات.

كان جسده يطلب التوقف، لكن عقله ظل يردد أن هناك صفحة أخرى، ثم صفحة أخرى، ثم ملفًا آخر.

حتى جاءه اتصال.

رفع الهاتف.

كان أحد العملاء يتحدث بسرعة عن تعديلات جديدة، وعن ضرورة تسليم نسخة منقحة قبل الموعد.

حاول آدم أن يجيب بهدوء، لكن صوته كان أكثر حدة مما أراد.

بعد انتهاء الاتصال، رمى الهاتف على الطاولة.

ثم بقي ساكنًا.

تنفس ببطء.

كانت يده ترتجف قليلًا.

في تلك اللحظة، أدرك أن التعب لم يعد مجرد تعب.

لقد بدأ يسرق منه قدرته على الاحتمال.

وصلت ليان بعد قليل.

دخلت المنزل بهدوء، ثم توقفت عندما رأت الضوء مضاءً في مكتبه.

اقتربت من الباب.

وجدته جالسًا أمام الحاسوب، لكنه لم يكن يعمل.

كان ينظر إلى الشاشة الفارغة.

قالت: "آدم؟"

لم يجب.

دخلت خطوة أخرى.

"هل أنت بخير؟"

رفع رأسه إليها.

كانت عيناه مرهقتين إلى درجة جعلتها تنسى السؤال نفسه.

قال: "لا أعرف."

تقدمت نحوه.

"ماذا حدث؟"

هز رأسه.

"لا شيء."

ثم أضاف بعد لحظة: "وهذا هو الجزء الذي يخيفني. أحيانًا لا يحدث شيء واحد يستحق الانهيار، لكن كل الأشياء الصغيرة تتجمع حتى تشعر أنك لم تعد قادرًا على حمل نفسك."

بقيت ليان أمامه.

ثم سحبت الكرسي وجلست بجواره.

"إذن لا تحمل نفسك وحدك الليلة."

نظر إليها.

"وماذا ستفعلين؟"

ابتسمت بخفة.

"لا أعرف."

ثم وضعت يدها على الطاولة قرب يده.

"لكن يمكنني أن أبقى."

نظر آدم إلى يدها.

ثم إلى وجهها.

وللمرة الثانية، وجد نفسه يريد أن يقول شيئًا لكنه لم يعرف كيف.

ابتلع ريقه بصعوبة.

"ليان..."

"نعم؟"

تردد.

ثم قال: "أنا سعيد لأنكِ هنا."

أدارت وجهها قليلًا، ونظرت إلى النافذة حتى لا يرى احمرار وجنتيها.

"وأنا... سعيدة لأنك قلتها."

سكتا.

لم يكن هناك اعتراف.

ولا وعد.

فقط تلك البراعم الصغيرة التي بدأت تظهر بينهما، وسط التعب والضغط والأيام الثقيلة.

براعم لم يعرف أيٌّ منهما إلى أي شيء ستكبر.

لكن كلاهما، للمرة الأولى، لم يرغب في اقتلاعها.

لم تكن براعم العلاقة بين آدم وليان وحدها هي التي بدأت تكبر ببطء؛ فالحياة نفسها كانت تتحرك من حولهما، وتفتح لكل واحد منهما بابًا جديدًا دون أن تمنحه وقتًا كافيًا ليستوعب ما يحدث.

بعد أيام قليلة، وصل استوديو ليان إلى المرحلة التي انتظرتها طويلًا.

كان المكان قد اكتمل تقريبًا؛ الجدران أصبحت تحمل الألوان التي اختارتها بنفسها، والإضاءة ثبتت فوق طاولات الرسم، والأرفف امتلأت بالأدوات والكتب ودفاتر التخطيط. بقيت بعض الصناديق الصغيرة في الزوايا، لكنها لم تعد تجعل المكان يبدو فارغًا، بل جعلته يشبه مكانًا بدأ للتو في اكتشاف شخصيته.

كانت ليان واقفة أمام إحدى الطاولات، ترتب أقلامها واحدًا تلو الآخر، عندما رن هاتفها.

نظرت إلى الشاشة.

كان سامي.

رفعت الهاتف وقالت: "مرحبًا، سامي."

جاء صوته من الطرف الآخر سريعًا ومتحمسًا: "أخيرًا اتصلت بكِ. هل وصلت المعدات الجديدة؟"

نظرت ليان حولها.

"نعم، وصلت أمس، لكن لدي مشكلة في ترتيب بعض الأشياء."

ضحك سامي.

"كنت أعرف أنك ستقولين ذلك. أرسلت لكِ المخطط الذي تحدثنا عنه، افتحيه."

جلست ليان أمام الحاسوب وبدأت تتصفح الملف، وانشغلت معه في تفاصيل الاستوديو؛ مكان الطابعة، الإضاءة المناسبة للتصوير، ترتيب الطاولات، ومساحة تخزين الأعمال.

وللمرة الأولى منذ أيام، مرّت ساعات دون أن تفكر في آدم إلا لمامًا.

وفي الجهة الأخرى من المدينة، كان آدم يفعل شيئًا مختلفًا تمامًا.

كان قد أدرك أن محاولته إدارة كل شيء بنفسه لم تعد ممكنة.

لم يكن يريد أن يصبح العمل سببًا في تحوله إلى شخص لا يعرف سوى الملفات والشاشات، لذلك بدأ بتكوين فريق صغير يستطيع أن يشاركه المسؤوليات بدل أن يبقى هو نقطة الاختناق في كل مشروع.

كان أول من انضم إليه جسر، رجل طويل القامة، في أوائل الثلاثينيات، بملامح مرتبة وشعر أسود قصير، وكان يرتدي غالبًا قمصانًا بيضاء وسترات داكنة وساعة معدنية بسيطة. كان هادئ الحركة، قليل الكلام، لكنه يملك قدرة واضحة على ترتيب الفوضى.

كان جسر يتولى الاتصالات الأساسية مع العملاء، وينظم المواعيد، ويتابع البريد والطلبات، ويعرف متى يقاطع آدم ومتى يتركه يعمل.

وفي أول أسبوع، رن هاتف المكتب.

أجاب جسر وهو يقلب بعض الأوراق أمامه.

"مرحبًا، معك جسر من مكتب آدم. نعم، وصلتني ملاحظاتكم، وسأراجع الجدول الزمني مع الفريق ثم أرسل لكم الموعد النهائي."

كان يتحدث بثبات دون استعجال، وفي الوقت نفسه كان يكتب ملاحظات سريعة في دفتره.

لم يكن مجرد سكرتير.

كان أقرب إلى مدير تنفيذي صغير يحاول أن يمنع العمل من ابتلاع الجميع.

أما الرجل الثاني فكان نادر، المسؤول عن الجانب القانوني.

كان في منتصف الثلاثينيات، عريض الكتفين، متوسط الطول، يترك لحيته قصيرة ومرتبة، ويرتدي نظارات بإطار رفيع تجعل ملامحه أكثر جدية. لم يكن كثير الابتسام، وكان يحمل دائمًا حقيبة جلدية سوداء مليئة بالعقود والملفات.

كانت مهمته مراجعة العقود، وتدقيق الشروط، ومتابعة الصفقات، والتأكد من أن كل اتفاقية تمر عبر الفريق قبل توقيعها.

كان يجلس أحيانًا لساعات فوق عقد واحد، يضع خطًا تحت جملة، ويكتب ملاحظة صغيرة في الهامش، ثم يعود إلى آدم قائلًا: "هذه الفقرة تحتاج إلى تعديل. إذا وقعناها بهذه الصيغة، فسيكون الطرف الآخر قادرًا على تغيير السعر لاحقًا."

وكان آدم يستمع إليه دون جدال.

أما المرأة الثالثة فكانت سارة، مترجمة الفريق.

كانت في أواخر العشرينيات، طويلة نسبيًا، ذات شعر بني طويل كانت تربطه غالبًا خلف رأسها أثناء العمل. كانت ترتدي ملابس عملية وأنيقة؛ قمصانًا فضفاضة، سراويل داكنة، وأحيانًا سترة خفيفة فوق كتفيها. كانت هادئة في حضور الغرباء، لكنها تصبح أكثر حيوية عندما تتحدث عن اللغات.

كانت تعمل على ترجمة المخطوطات والوثائق والمراسلات، وتراجع النصوص بعد ترجمتها أكثر من مرة قبل تسليمها.

وفي أحد الأيام، وضع آدم أمامها ملفًا كبيرًا.

قال: "أريد هذه النسخة خلال ثلاثة أيام، لكن لا أريد ترجمة حرفية."

رفعت سارة عينيها عن الصفحات وقالت: "أعرف."

"أريد المعنى كما لو أن النص كُتب بلغتنا أصلًا."

ابتسمت.

"إذن لا تقلق. سأجعله يبدو وكأن الكاتب وُلد هنا."

ضحك جسر من مكانه.

"فقط لا تجعليه يبدو أفضل من الكاتب نفسه."

رفعت سارة حاجبًا.

"هذا يعتمد على الكاتب."

ضحك الثلاثة، حتى نادر أخفى ابتسامة صغيرة خلف ملفه.

وبمرور الأيام، بدأ المكتب يتغير.

لم يعد آدم يجلس وحده أمام عشرات الملفات.

أصبح جسر يتولى الاتصالات، ونادر يراجع العقود والصفقات، وسارة تتابع الترجمة، بينما احتفظ آدم بالقرارات الأساسية والمشاريع التي تحتاج إلى تدخله المباشر.

ومع ذلك، لم يختفِ ضغط العمل.

لكنه أصبح أقل وحشية.

وفي الجهة الأخرى، كانت ليان أكثر تحفظًا.

لم توظف فريقًا كاملًا.

اكتفت بمساعدة واحدة اسمها نور.

كانت نور في منتصف العشرينيات، قصيرة نسبيًا، ذات شعر أسود قصير يصل إلى أسفل أذنيها، وعينين واسعتين تتحركان بسرعة كلما انشغلت بالتفكير. كانت ترتدي غالبًا قمصانًا قطنية مريحة مع سراويل واسعة وحذاءً رياضيًا أبيض.

كانت سريعة الحركة بصورة ملحوظة.

تفتح الصناديق، ترتب الأدوات، تسجل الطلبات، تنظف الطاولة، ثم تنتقل إلى الحاسوب دون أن تحتاج ليان إلى تكرار تعليماتها.

وفي أول يوم لها، نظرت نور إلى الفوضى الموجودة فوق إحدى الطاولات وقالت: "هل تريدين أن أرتب هذه الأوراق؟"

رفعت ليان رأسها.

"نعم، لكن لا ترمي شيئًا."

ابتسمت نور.

"أنا لا أرمي شيئًا. أنا فقط أنقل الأشياء من فوضى إلى فوضى أكثر تنظيمًا."

ضحكت ليان.

"هذا بالضبط ما أحتاجه."

بدأت نور العمل.

ومع الوقت، أصبح وجودها مريحًا لليان، لأنها لم تكن تتدخل في قراراتها، بل كانت تنتظر التعليمات ثم تنفذها بطريقتها الهادئة.

وفي مساء أحد الأيام، كانت ليان تراجع تصميمًا على جهازها اللوحي عندما وصلتها رسالة من سامي.

رفعت عينيها عن الشاشة.

تذكرت فجأة أن عليها إرسال الملفات إليه.

فتحت مجلد المشروع، ثم بدأت العمل من جديد.

لم تنتبه إلى مرور الوقت.

ولم تنتبه أيضًا إلى أن هاتفها ظل صامتًا فوق الطاولة.

في الجهة الأخرى، كان آدم قد أنهى اجتماعًا طويلًا.

خرج جسر من المكتب وهو يحمل ملفًا.

قال: "انتهينا من العميل، لكنه يريد تعديلًا أخيرًا."

تنهد آدم.

"غدًا."

أجابه جسر: "قلت له ذلك."

دخل نادر بعدها مباشرة.

"وهناك عقد آخر يحتاج توقيعك."

ثم ظهرت سارة من خلفه.

"والترجمة أيضًا تحتاج مراجعتك."

نظر آدم إلى الثلاثة.

ثم ضحك للمرة الأولى منذ ساعات.

"هل وظفتكم لتخفيف العمل أم لتذكيري بكل الأشياء التي نسيتها؟"

قال جسر: "كلاهما."

ابتسم نادر.

"لكننا على الأقل نجعل النسيان قانونيًا."

قالت سارة: "وأنا أجعله مفهومًا بلغات أخرى."

هز آدم رأسه.

"واضح أنني ارتكبت خطأ بتوظيفكم."

لكن ابتسامته قالت عكس ذلك.

كان المكتب الذي كان يومًا مكانًا يختنق فيه وحده، قد بدأ يتحول إلى فريق حقيقي.

وفي مكان آخر، كانت ليان تبني عالمها الصغير ببطء، بطاولة رسم، ومساعدة واحدة، وأحلام أكبر من مساحة الاستوديو.

وكان كلاهما، دون أن يدرك، يتعلم شيئًا جديدًا.

آدم بدأ يتعلم أن مشاركة المسؤولية لا تعني فقدان السيطرة.

وليان بدأت تتعلم أن مشاركة الحياة لا تعني فقدان الذات.

وبين هذين التغييرين، كانت علاقتهما تنمو بهدوء، مثل شيء صغير لا يزال يخشى الضوء، لكنه لم يعد يريد العودة إلى الظلام.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وقعت في حب زوجي سابق بعد طلاق    تخطيط

    كانت ماريا تجلس خلف مكتبها في زاوية الاستوديو، وتضع سماعاتها حول رقبتها، ثم ترفع عينيها كل بضع ثوانٍ نحو الشاشة أمامها. كانت تراجع قائمة طويلة من الملاحظات، وتحذف سطرًا، ثم تعيده، ثم تتنهد وتكتب ملاحظة جديدة. وفي الجهة الأخرى كانت ليان تقف أمام الشاشة الكبيرة، وتحرك القلم الإلكتروني ببطء فوق التصميم، بينما وقف آدم إلى جوارها وهو يعقد ذراعيه ويتابع ما تفعله. قال آدم وهو يميل قليلًا نحو الشاشة ويشير بإصبعه إلى طرف الملصق"أظن أن اللون هنا داكن أكثر من اللازم." توقفت ليان عن تحريك القلم، ثم نظرت إلى المكان الذي أشار إليه قبل أن تنظر إليه مباشرة"أنا تعمدت أن أجعله داكنًا، لأن الخلفية فاتحة، وإذا خففته أكثر سيضيع." اقترب آدم من الشاشة، ثم وضع يده على حافة المكتب"لكن العنوان سيصبح أضعف، والعين ستتجه إلى هذه الزاوية بدلًا منه." رفعت ليان حاجبها، ثم حركت القلم مرة أخرى"وهذا هو سبب وجود المساحة الفارغة هنا، حتى يبقى العنوان واضحًا." تراجع آدم نصف خطوة، ثم وضع يده على ذقنه وهو يتأمل التصميم"لكنني ما زلت أعتقد أن درجة أفتح ستكون أفضل." نظرت ليان إليه لحظة، ثم عادت إلى الشاشة"وأنا ما ز

  • وقعت في حب زوجي سابق بعد طلاق    فصل 75 لغة الوان

    كان الاستوديو قد دخل في ذلك الهدوء الذي لا يشبه السكون، بل يشبه ورشة عمل تعمل بكامل طاقتها من دون ضجيج زائد؛ صوت لوحة المفاتيح يأتي من الزاوية، وحفيف الأوراق يتحرك بين المكاتب، وصوت القلم الإلكتروني يلامس سطح الجهاز اللوحي أمام ليان في نقرات متتابعة وخفيفة. كانت الشمس تدخل من النوافذ الكبيرة بزاوية مائلة، فتسقط على الأرض الخشبية وعلى أطراف المكاتب، بينما بقيت بعض الشاشات مضاءة بألوان مختلفة جعلت المكان يبدو كأنه يعيش بين عالمين؛ عالم العمل الواقعي، وعالم الصور والأفكار التي لم تولد بعد إلا على الشاشات. جلست ليان أمام جهازها، وقد رفعت شعرها إلى الخلف بطريقة عملية، وتركت بعض الخصلات القصيرة تنسدل قرب وجهها. كانت ترتدي قميصًا أخضر داكنًا بأكمام مطوية إلى ما فوق المعصمين، وبنطالًا أسود بسيطًا، وحذاءً مسطحًا مريحًا يناسب ساعات العمل الطويلة. لم تكن ملابسها تحمل شيئًا من المبالغة؛ كل ما فيها كان عمليًا وهادئًا، مثل طريقتها في العمل نفسها. كان أمامها غلاف كتاب على الشاشة، وقد وضعت بجواره ثلاث نسخ مختلفة للملصق الترويجي. في الأولى كان العنوان كبيرًا جدًا، وفي الثانية كانت الصورة أكثر وضوح

  • وقعت في حب زوجي سابق بعد طلاق    حين ضاق الوقت واتسع الطريق

    «بدأ الحب هادئًا كضوءٍ لا يُرى، ثم صار في القلب بابًا لا يُغلق.» لم يكن آدم قد اعتاد أن يرى العمل يتوقف أمامه بهذه الطريقة. كان مكتبه ممتلئًا بالأجهزة والملفات، وعلى الطاولة أمامه نسخة من الكتاب الذي قضى الفريق أسابيع طويلة في مراجعته وتجهيزه للنشر. كانت الصفحات مرتبة، والغلاف جاهزًا، والمواد الترويجية أُرسلت إلى الطباعة، وحتى خطة الإطلاق كانت قد حُددت بدقة. ثم وصل القرار. تأجيل نشر الكتاب. قرأ آدم الرسالة مرة، ثم أعاد قراءتها ببطء، كأن الكلمات قد تتغير إذا منحها فرصة أخرى. لم تتغير. وضع الجهاز اللوحي على المكتب، لكن أصابعه بقيت فوقه لحظة أطول مما ينبغي. كان التعب المتراكم من الأيام الماضية قد جعل أعصابه أضعف مما اعتاد، وكان في داخله شعور بأن كل ما بنوه بدأ يتداعى قبل أن يحصلوا حتى على فرصة لرؤية نتيجته. دخل ياسين، وكان يحمل بعض الأوراق. قال بهدوء: "وصلني القرار أيضًا. طلبوا تأجيل الموعد حتى تُراجع بعض الإجراءات." رفع آدم عينيه إليه. "أي إجراءات؟" "لم يوضحوا التفاصيل كاملة." ضحك آدم ضحكة قصيرة، خالية من المرح. "طبعًا لم يوضحوا." دخلت مريم بعده، وكانت تحمل حاسوبها تحت ذر

  • وقعت في حب زوجي سابق بعد طلاق    73

    «بعضُ الحكايات لا تبدأ باعترافٍ صريح، بل بقلبٍ يجد في وجود شخصٍ آخر مكانًا يهدأ فيه.» لم يتغير شيء في اليوم التالي بصورة يمكن أن يلاحظها شخص من الخارج، ومع ذلك شعر كل واحد منهما بأن شيئًا صغيرًا قد تحرك في داخله. لم يصبحا فجأة عاشقين، ولم تتبدل طريقة حديثهما، ولم تتوقف حياتهما عن السير في الاتجاه الذي كانت تسير فيه؛ لكن المسافة بينهما لم تعد كما كانت. صار هناك شيء غير مرئي، يشبه بابًا فُتح قليلًا، ولم يعد أيٌّ منهما يريد أن يعيده إلى الإغلاق الكامل. استيقظ آدم قبل موعده بوقت قصير، وكان أول ما فكر فيه هو العمل، ثم تذكر فجأة أن ليان ستعود مساءً. استغرب من نفسه؛ فقد كان طوال سنوات يستيقظ وفي رأسه قائمة من الملفات والمواعيد والالتزامات، أما الآن فقد تسلل وجه واحد بين تلك الأشياء دون استئذان. جلس على حافة السرير، مرر يده على وجهه، ثم قال لنفسه بابتسامة ساخرة: "يبدو أن لدي مشكلة جديدة." وفي الجهة الأخرى من المنزل، كانت ليان تقف أمام المرآة وهي ترتب شعرها، وحين تذكرت أنه أمسك يدها الليلة الماضية، توقفت أصابعها لحظة. شعرت بالحرارة تصعد إلى وجهها. أدارت رأسها إلى الجانب، وكأن المرآة نفس

  • وقعت في حب زوجي سابق بعد طلاق    72

    لم تعرف ليان ماذا تفعل بتلك الجملة. بقيت تحدق فيه لثانيتين، ثم شعرت فجأة بأن عينيها أصبحتا أكثر فضولًا مما ينبغي، فأدارت رأسها إلى الجانب، وأخذت تنظر من خلال النافذة إلى السماء التي بدأت تظلم فوق البيوت. كان ضوء المساء ينسحب ببطء من بين الغيوم، تاركًا خلفه لونًا أزرق هادئًا، لكنها لم تكن ترى شيئًا منه فعلًا. كانت فقط تحاول ألا تنظر إليه. ابتلع آدم ريقه بصعوبة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة مرتبكة. لم يكن يعرف إن كان قد تجاوز حدًا لا ينبغي تجاوزه، لذلك مرر يده على مؤخرة عنقه وقال: "أنا... ربما تكلمت أكثر مما يجب." أجابته ليان بسرعة، وكأنها كانت تنتظر فرصة لإنهاء الحديث: "لا، لا بأس." ثم سكتت. انتظرت لحظة. ولما أدركت أن آدم لم يقل شيئًا، أضافت بتوتر: "أقصد... يمكنك أن تقول ما تريد." رفع آدم حاجبه قليلًا، وقال بنبرة خفيفة: "هذا يبدو كأنه إذن رسمي." التفتت إليه بسرعة، ثم أدركت أن وجهه يحمل ابتسامة صغيرة. "لم أقصد ذلك." "أعرف." خفضت عينيها إلى الكأس. "فقط... لا تجعلني أبدو وكأنني قلت شيئًا غريبًا." ابتسم آدم، لكنه لم يضحك هذه المرة. قال: "أنتِ لم تقولي شيئًا غريبًا." ترددت، ثم قال

  • وقعت في حب زوجي سابق بعد طلاق    71

    توقفت ليان على بعد خطوات من منزل آدم، لكنها لم تدخل مباشرة. كان ياسين ومريم قد وصلا بالفعل، وبدل أن يصعدا إلى السيارة فورًا، بقيا واقفين أمام الباب يتحدثان مع آدم في حديث بدا عاديًا في ظاهره، إلا أن ليان شعرت أن وجودها بينهم جعل قلبها أسرع من اللازم.قالت مريم وهي تبتسم لآدم: "كنا سنغادر مباشرة، لكن ياسين أراد أن يطمئن عليك قبل أن نذهب. قال إنك تبدو أفضل قليلًا، لكنه لا يثق بقدرتك على الاعتناء بنفسك."ضحك آدم بخفة، وأسند كتفه إلى إطار الباب وقال: "ياسين يعرف أنني أستطيع الاعتناء بنفسي، لكنه يحب أن يتصرف وكأنني سأضيع إذا تركني وحدي يومًا واحدًا."رفع ياسين حاجبه وقال بهدوء: "أنا فقط لا أريد أن أعود وأجدك في المستشفى مرة أخرى، لأنني حينها سأضطر إلى سماع محاضرة طويلة من الطبيب ومن والدتك معًا."قال آدم وهو يبتسم: "اطمئن، لن أعطيك هذه المتعة. سألتزم بالدواء والطعام والراحة، حتى لو اضطررت إلى كتابة جدول على الحائط."وقفت ليان قرب المدخل، تستمع إليهم بصمت، بينما كانت أصابعها تمسكان بحزام حقيبتها. لم تكن تعرف إن كان عليها الاقتراب أو الانتظار، لكنها عندما التقت عينا آدم بعينيها، شعرت فجأة أن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status