LOGINكانت ماريا تجلس خلف مكتبها في زاوية الاستوديو، وتضع سماعاتها حول رقبتها، ثم ترفع عينيها كل بضع ثوانٍ نحو الشاشة أمامها. كانت تراجع قائمة طويلة من الملاحظات، وتحذف سطرًا، ثم تعيده، ثم تتنهد وتكتب ملاحظة جديدة. وفي الجهة الأخرى كانت ليان تقف أمام الشاشة الكبيرة، وتحرك القلم الإلكتروني ببطء فوق التصميم، بينما وقف آدم إلى جوارها وهو يعقد ذراعيه ويتابع ما تفعله.
قال آدم وهو يميل قليلًا نحو الشاشة ويشير بإصبعه إلى طرف الملصق"أظن أن اللون هنا داكن أكثر من اللازم." توقفت ليان عن تحريك القلم، ثم نظرت إلى المكان الذي أشار إليه قبل أن تنظر إليه مباشرة"أنا تعمدت أن أجعله داكنًا، لأن الخلفية فاتحة، وإذا خففته أكثر سيضيع." اقترب آدم من الشاشة، ثم وضع يده على حافة المكتب"لكن العنوان سيصبح أضعف، والعين ستتجه إلى هذه الزاوية بدلًا منه." رفعت ليان حاجبها، ثم حركت القلم مرة أخرى"وهذا هو سبب وجود المساحة الفارغة هنا، حتى يبقى العنوان واضحًا." تراجع آدم نصف خطوة، ثم وضع يده على ذقنه وهو يتأمل التصميم"لكنني ما زلت أعتقد أن درجة أفتح ستكون أفضل." نظرت ليان إليه لحظة، ثم عادت إلى الشاشة"وأنا ما زلت أعتقد أنك تحاول تغيير عملي لأنك تحب رؤية نفسك وأنت تعطي ملاحظات." ابتسم آدم، ثم هز رأسه"أنا فقط أحاول مساعدتك." ردت ليان وهي تحرك القلم بسرعة أكبر"مساعدتي لا تعني أن تجعل كل شيء كما تريد." رفع آدم يديه قليلًا وكأنه يستسلم"حسنًا، حسنًا، لن أجادلك." نظرت إليه ليان بطرف عينها"أنت تقول ذلك الآن." ضحكت ماريا من خلف مكتبها، ثم أخفت ابتسامتها بسرعة عندما التفت إليها الاثنان. قالت ماريا وهي تعود إلى شاشة حاسوبها"أنا لم أسمع شيئًا." ضحك آدم، بينما هزت ليان رأسها وهي تبتسم. ثم عاد آدم إلى التصميم، وأشار مرة أخرى إلى اللون"جربي فقط أن تخففيه قليلًا." تنهدت ليان، ثم حركت القلم فوق اللون وخفضت درجته قليلًا"هكذا؟" اقترب آدم من الشاشة، ثم أمال رأسه"نعم، هكذا أفضل." رفعت ليان رأسها بسرعة"إذن كنت محقّة." ابتسم آدم"لم أقل ذلك." وضعت ليان القلم على الطاولة، ثم عقدت ذراعيها"لكنك قلت إن الشكل أفضل." ضحك آدم"قلت إن هذه الدرجة أفضل، وليس أنك كنت محقّة." اقتربت ليان منه خطوة، ثم نظرت إليه بنظرة ساخرة"أنت مستحيل." ابتسم آدم، ثم تراجع خطوة وهو يرفع كفيه"وأنت عنيدة." قالت ليان"أنا دقيقة." قال آدم"عنيدة." قالت ليان"دقيقة." قال آدم"عنيدة." ضحكت ماريا مرة أخرى، ثم أغلقت فمها بيدها وهي تهز رأسها. في تلك اللحظة، وصل صوت طرق خفيف من الخارج، لكن لم ينتبه إليه أحد. كانت مريم تقف أمام الباب. رفعت يدها، ثم توقفت قبل أن تطرق مرة أخرى. سمعت صوت آدم من الداخل، فبقيت مكانها. قال آدم"لا بأس، ستكون نظيفة بعد الغسيل. اللون الأغمق قليلًا لا يهم." سمعت مريم صوت ليان وهي ترد بتردد بسيط"هممم... إذا كنت متأكدًا، فلا بأس." اقتربت مريم من الباب دون أن تفتحه. سمعت آدم يضحك، ثم قال"أنا متأكد." قالت ليان"أنت دائمًا واثق جدًا." رد آدم"لأنني أعرف أنك لن تتركي شيئًا ناقصًا." توقفت مريم عن التنفس للحظة. خفضت يدها ببطء. لم تكن الجملة غريبة، ولم تكن تحمل اعترافًا بالحب، لكنها شعرت بها كأنها شيء يضغط مباشرة على صدرها. ثم سمعت ليان تضحك. أغمضت مريم عينيها للحظة، ثم فتحتهما بسرعة. قال آدم من الداخل"لا تقلقي، إذا حدثت مشكلة سأتحملها معك." سكتت ليان قليلًا، ثم أجابت بصوت هادئ"أعرف." وضعت مريم يدها على حزام حقيبتها وشدت عليه. تراجعت خطوة. ثم سمعت ماريا تقول وهي تضحك"أنتم تتحدثون عن التصميم أم عن شيء آخر؟" ضحك آدم فورًا، وقال"عن التصميم طبعًا." ردت ليان وهي تحاول إخفاء ضحكتها"ماريا، عودي إلى عملك." قالت ماريا"أنا أعمل أصلًا، أنتما من تشتتانني." ابتسمت مريم بسخرية صغيرة، لكنها لم تجد في داخلها أي رغبة في الضحك. سمعت صوت ليان مرة أخرى"آدم، اجلس، أنت لم ترتح منذ الصباح." رد آدم"وأنت أيضًا لم ترتاحي." قالت ليان"لأنني أعمل." قال آدم"وأنا أيضًا." ردت ليان"لكن عملك أكثر." قال آدم"لهذا قلت إنني سأساعدك." سكتت مريم. أنزلت عينيها. بدأ الغضب يتجمع داخلها ببطء، وكل كلمة تسمعها كانت تزيده قليلًا. لم تكن غاضبة لأن آدم تحدث مع ليان، بل لأنها شعرت أن بينهما شيئًا لم تعد تستطيع الوصول إليه؛ ثقة بسيطة، كلام عفوي، واهتمام يظهر في تفاصيل صغيرة دون أن يطلبه أحد. أخذت نفسًا عميقًا. ثم تراجعت عن الباب. خطت خطوة. ثم خطوة أخرى. وعندما وصلت إلى نهاية الممر، أسرعت في مشيها. لم تلتفت خلفها. خرجت من المبنى، ودفعت الباب الزجاجي بقوة أكبر مما قصدت، ثم توقفت في الخارج عندما ضربها الهواء البارد. وقفت للحظة، ثم أخذت نفسًا آخر. قالت لنفسها بصوت خافت"لماذا أغضب؟" لم يجبها أحد. رفعت رأسها نحو نافذة الاستوديو، ثم نظرت إليها طويلًا. تحرك ظل شخصين خلف الزجاج. عرفت أحدهما فورًا. خفضت عينيها، ثم ضحكت ضحكة قصيرة مليئة بالضيق. "إنهما يتحدثان عن العمل فقط." قالتها لنفسها، ثم سكتت. وبعد لحظة أضافت بصوت أكثر مرارة"إذن لماذا أشعر وكأنني أنا التي بقيت خارج الباب؟" شدت حقيبتها إلى كتفها، ثم استدارت. بدأت تمشي بسرعة في الرصيف، بينما بقي الاستوديو خلفها، وبقيت أصوات آدم وليان في ذاكرتها رغم أنها ابتعدت عنها. وفي الداخل، لم يعرف أحد أنها جاءت. ولم يعرف أحد أنها وقفت خلف الباب. ولم يعرف أحد أنها غادرت وهي تحمل غضبًا أكبر مما جاءت به خرجت مريم من الشارع المؤدي إلى الاستوديو، لكنها لم تذهب بعيدًا. خففت خطواتها بعد عدة أمتار، ثم توقفت أمام واجهة متجر مغلق، ووقفت تحت ظله وهي تنظر إلى انعكاسها على الزجاج. رفعت يدها وأصلحت طرف شعرها الذي بعثره الهواء، ثم أنزلت يدها بسرعة عندما أدركت أنها تفعل ذلك بلا سبب. تمتمت بضيق"أنا غاضبة من ماذا أصلًا؟" ظلت تنظر إلى انعكاسها، ثم أمالت رأسها قليلًا. "هما يعملان فقط." سكتت لحظة، ثم شدّت شفتيها. "يعملان فقط..." كررت الجملة وكأنها تحاول إقناع نفسها بها، لكن صوت آدم وهو يقول لليان إنه يثق بها عاد إلى ذاكرتها، فعبست من جديد. رفعت حقيبتها إلى كتفها، ثم استدارت ومشت. في داخل الاستوديو، لم يكن آدم وليان يعرفان شيئًا عن خروج مريم. جلست ليان أمام الحاسوب، وأعادت فتح التصميم الذي كانت تعمل عليه، بينما جلس آدم في المقعد المقابل لها، ووضع جهازه اللوحي على الطاولة. قال آدم"إذن، هل انتهينا من الغلاف؟" حركت ليان القلم بين أصابعها وقالت"من الغلاف تقريبًا، لكن الملصقات تحتاج إلى تعديل." نظر آدم إليها باستغراب"مرة أخرى؟" رفعت عينيها إليه"نعم، مرة أخرى." تنهد آدم، ثم ابتسم"حسنًا، ماذا تريدين هذه المرة؟" أشارت إلى مجموعة من النماذج على الشاشة"أريد أن نختار تصميمًا بسيطًا للواجهة، لكن لا أريد أن يبدو عاديًا." اقترب آدم من الشاشة"ما الفرق بين البسيط والعادي؟" ابتسمت ليان"البسيط يجعل الناس يتوقفون، والعادي يجعلهم يمرون." سكت آدم، ثم نظر إلى التصميم طويلًا. قال"إذن نحتاج إلى شيء يجعل الشخص يتوقف." "بالضبط." "وليس شيئًا يصرخ في وجهه؟" نظرت إليه ليان بسرعة، ثم ابتسمت"أخيرًا بدأت تفهم." رفع آدم يده بإشارة صغيرة"لا تعتادي على مدحي." ضحكت ليان، ثم عادت إلى العمل. كانت ماريا تتابع عملها بصمت، لكنها لاحظت أن الجو بينهما أصبح أكثر راحة من الأيام السابقة. لم تعد ليان تتوتر عندما يقترب آدم من مكتبها، ولم يعد آدم يتردد في إبداء رأيه، ومع ذلك بقي بينهما شيء من الحذر، كأن كل واحد منهما يتعلم حدود الآخر خطوة بعد خطوة. وضعت ماريا ملفًا جانبًا، ثم قالت"ليان، لدي موعد تسليم النموذج الأول بعد يومين." رفعت ليان رأسها"أعرف." قالت ماريا"وأحتاج إلى موافقة العميل قبل أن أبدأ النسخة النهائية." أومأت ليان"أرسليه لي بعد قليل، سأراجعه." قال آدم"أرسليه لي أيضًا." نظرت ماريا إليه"أنت لست مسؤول التصميم." ابتسم آدم"أعرف." ثم أضاف"لكنني العميل الذي سيدفع." ردت ماريا فورًا"وهذا أسوأ." ضحكت ليان، بينما هز آدم رأسه. قال"بدأت أشك أنك لا تحترمين صاحب العمل." أجابته ماريا دون أن ترفع عينيها عن الشاشة"أحترم صاحب العمل، لكنني لا أحترم من يحاول تحويل الاستوديو إلى غرفة نقاش عائلية." توقفت ليان عن الكتابة لحظة، ثم التفتت إلى آدم. نظر آدم إليها. ثم قال بهدوء"هل قالت عائلية؟" أجابته ليان بسرعة"لا تبدأ." ابتسم آدم، ثم عاد إلى جهازه. قالت ماريا لنفسها وهي تهز رأسها"كنت أعرف أنني سأندم على هذا العمل." في الخارج، كانت مريم قد وصلت إلى سيارتها. فتحت الباب، ثم بقيت واقفة قبل أن تدخل. نظرت إلى مبنى الاستوديو مرة أخرى. لم تكن تريد العودة. لكنها كانت تريد أن تعرف ماذا كان يحدث في الداخل. أغلقت باب السيارة دون أن تركب، ثم أخذت هاتفها. فتحت محادثة آدم. كتبت: "هل أنت مشغول؟" نظرت إلى الجملة طويلًا. ثم حذفتها. كتبت: "كنت في الاستوديو." توقفت. ثم حذفتها أيضًا. وضعت الهاتف في حقيبتها، وقالت لنفسها"لا شأن لي." دخلت السيارة أخيرًا، وأغلقت الباب. جلست خلف المقود، لكنها لم تشغل المحرك. أسندت رأسها إلى المقعد، وأغمضت عينيها. حاولت أن تفكر في شيء آخر. في عملها. في حياتها. في ياسين. لكن صورة ليان وهي تضحك داخل الاستوديو عادت إلى ذهنها. فتحت عينيها فجأة. قالت بضيق"لماذا هي؟" سكتت. ثم تنفست ببطء. "ولماذا أنا التي أشعر أنني خسرت؟" شغلت المحرك أخيرًا، وانطلقت. وفي الوقت نفسه، داخل الاستوديو، كان آدم يرفع عينيه عن جهازه للحظة، ثم ينظر نحو الباب. قالت ليان"ماذا هناك؟" هز آدم رأسه"لا شيء." ثم عاد إلى عمله. لكنه بقي للحظات ينظر إلى الباب وكأنه شعر بأن شخصًا كان هناك، دون أن يعرف من هو، ودون أن يعرف أن تلك الوقفة القصيرة خلف الزجاج ستترك أثرًا أكبر مما توقع الجميع.كانت ماريا تجلس خلف مكتبها في زاوية الاستوديو، وتضع سماعاتها حول رقبتها، ثم ترفع عينيها كل بضع ثوانٍ نحو الشاشة أمامها. كانت تراجع قائمة طويلة من الملاحظات، وتحذف سطرًا، ثم تعيده، ثم تتنهد وتكتب ملاحظة جديدة. وفي الجهة الأخرى كانت ليان تقف أمام الشاشة الكبيرة، وتحرك القلم الإلكتروني ببطء فوق التصميم، بينما وقف آدم إلى جوارها وهو يعقد ذراعيه ويتابع ما تفعله. قال آدم وهو يميل قليلًا نحو الشاشة ويشير بإصبعه إلى طرف الملصق"أظن أن اللون هنا داكن أكثر من اللازم." توقفت ليان عن تحريك القلم، ثم نظرت إلى المكان الذي أشار إليه قبل أن تنظر إليه مباشرة"أنا تعمدت أن أجعله داكنًا، لأن الخلفية فاتحة، وإذا خففته أكثر سيضيع." اقترب آدم من الشاشة، ثم وضع يده على حافة المكتب"لكن العنوان سيصبح أضعف، والعين ستتجه إلى هذه الزاوية بدلًا منه." رفعت ليان حاجبها، ثم حركت القلم مرة أخرى"وهذا هو سبب وجود المساحة الفارغة هنا، حتى يبقى العنوان واضحًا." تراجع آدم نصف خطوة، ثم وضع يده على ذقنه وهو يتأمل التصميم"لكنني ما زلت أعتقد أن درجة أفتح ستكون أفضل." نظرت ليان إليه لحظة، ثم عادت إلى الشاشة"وأنا ما ز
كان الاستوديو قد دخل في ذلك الهدوء الذي لا يشبه السكون، بل يشبه ورشة عمل تعمل بكامل طاقتها من دون ضجيج زائد؛ صوت لوحة المفاتيح يأتي من الزاوية، وحفيف الأوراق يتحرك بين المكاتب، وصوت القلم الإلكتروني يلامس سطح الجهاز اللوحي أمام ليان في نقرات متتابعة وخفيفة. كانت الشمس تدخل من النوافذ الكبيرة بزاوية مائلة، فتسقط على الأرض الخشبية وعلى أطراف المكاتب، بينما بقيت بعض الشاشات مضاءة بألوان مختلفة جعلت المكان يبدو كأنه يعيش بين عالمين؛ عالم العمل الواقعي، وعالم الصور والأفكار التي لم تولد بعد إلا على الشاشات. جلست ليان أمام جهازها، وقد رفعت شعرها إلى الخلف بطريقة عملية، وتركت بعض الخصلات القصيرة تنسدل قرب وجهها. كانت ترتدي قميصًا أخضر داكنًا بأكمام مطوية إلى ما فوق المعصمين، وبنطالًا أسود بسيطًا، وحذاءً مسطحًا مريحًا يناسب ساعات العمل الطويلة. لم تكن ملابسها تحمل شيئًا من المبالغة؛ كل ما فيها كان عمليًا وهادئًا، مثل طريقتها في العمل نفسها. كان أمامها غلاف كتاب على الشاشة، وقد وضعت بجواره ثلاث نسخ مختلفة للملصق الترويجي. في الأولى كان العنوان كبيرًا جدًا، وفي الثانية كانت الصورة أكثر وضوح
«بدأ الحب هادئًا كضوءٍ لا يُرى، ثم صار في القلب بابًا لا يُغلق.» لم يكن آدم قد اعتاد أن يرى العمل يتوقف أمامه بهذه الطريقة. كان مكتبه ممتلئًا بالأجهزة والملفات، وعلى الطاولة أمامه نسخة من الكتاب الذي قضى الفريق أسابيع طويلة في مراجعته وتجهيزه للنشر. كانت الصفحات مرتبة، والغلاف جاهزًا، والمواد الترويجية أُرسلت إلى الطباعة، وحتى خطة الإطلاق كانت قد حُددت بدقة. ثم وصل القرار. تأجيل نشر الكتاب. قرأ آدم الرسالة مرة، ثم أعاد قراءتها ببطء، كأن الكلمات قد تتغير إذا منحها فرصة أخرى. لم تتغير. وضع الجهاز اللوحي على المكتب، لكن أصابعه بقيت فوقه لحظة أطول مما ينبغي. كان التعب المتراكم من الأيام الماضية قد جعل أعصابه أضعف مما اعتاد، وكان في داخله شعور بأن كل ما بنوه بدأ يتداعى قبل أن يحصلوا حتى على فرصة لرؤية نتيجته. دخل ياسين، وكان يحمل بعض الأوراق. قال بهدوء: "وصلني القرار أيضًا. طلبوا تأجيل الموعد حتى تُراجع بعض الإجراءات." رفع آدم عينيه إليه. "أي إجراءات؟" "لم يوضحوا التفاصيل كاملة." ضحك آدم ضحكة قصيرة، خالية من المرح. "طبعًا لم يوضحوا." دخلت مريم بعده، وكانت تحمل حاسوبها تحت ذر
«بعضُ الحكايات لا تبدأ باعترافٍ صريح، بل بقلبٍ يجد في وجود شخصٍ آخر مكانًا يهدأ فيه.» لم يتغير شيء في اليوم التالي بصورة يمكن أن يلاحظها شخص من الخارج، ومع ذلك شعر كل واحد منهما بأن شيئًا صغيرًا قد تحرك في داخله. لم يصبحا فجأة عاشقين، ولم تتبدل طريقة حديثهما، ولم تتوقف حياتهما عن السير في الاتجاه الذي كانت تسير فيه؛ لكن المسافة بينهما لم تعد كما كانت. صار هناك شيء غير مرئي، يشبه بابًا فُتح قليلًا، ولم يعد أيٌّ منهما يريد أن يعيده إلى الإغلاق الكامل. استيقظ آدم قبل موعده بوقت قصير، وكان أول ما فكر فيه هو العمل، ثم تذكر فجأة أن ليان ستعود مساءً. استغرب من نفسه؛ فقد كان طوال سنوات يستيقظ وفي رأسه قائمة من الملفات والمواعيد والالتزامات، أما الآن فقد تسلل وجه واحد بين تلك الأشياء دون استئذان. جلس على حافة السرير، مرر يده على وجهه، ثم قال لنفسه بابتسامة ساخرة: "يبدو أن لدي مشكلة جديدة." وفي الجهة الأخرى من المنزل، كانت ليان تقف أمام المرآة وهي ترتب شعرها، وحين تذكرت أنه أمسك يدها الليلة الماضية، توقفت أصابعها لحظة. شعرت بالحرارة تصعد إلى وجهها. أدارت رأسها إلى الجانب، وكأن المرآة نفس
لم تعرف ليان ماذا تفعل بتلك الجملة. بقيت تحدق فيه لثانيتين، ثم شعرت فجأة بأن عينيها أصبحتا أكثر فضولًا مما ينبغي، فأدارت رأسها إلى الجانب، وأخذت تنظر من خلال النافذة إلى السماء التي بدأت تظلم فوق البيوت. كان ضوء المساء ينسحب ببطء من بين الغيوم، تاركًا خلفه لونًا أزرق هادئًا، لكنها لم تكن ترى شيئًا منه فعلًا. كانت فقط تحاول ألا تنظر إليه. ابتلع آدم ريقه بصعوبة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة مرتبكة. لم يكن يعرف إن كان قد تجاوز حدًا لا ينبغي تجاوزه، لذلك مرر يده على مؤخرة عنقه وقال: "أنا... ربما تكلمت أكثر مما يجب." أجابته ليان بسرعة، وكأنها كانت تنتظر فرصة لإنهاء الحديث: "لا، لا بأس." ثم سكتت. انتظرت لحظة. ولما أدركت أن آدم لم يقل شيئًا، أضافت بتوتر: "أقصد... يمكنك أن تقول ما تريد." رفع آدم حاجبه قليلًا، وقال بنبرة خفيفة: "هذا يبدو كأنه إذن رسمي." التفتت إليه بسرعة، ثم أدركت أن وجهه يحمل ابتسامة صغيرة. "لم أقصد ذلك." "أعرف." خفضت عينيها إلى الكأس. "فقط... لا تجعلني أبدو وكأنني قلت شيئًا غريبًا." ابتسم آدم، لكنه لم يضحك هذه المرة. قال: "أنتِ لم تقولي شيئًا غريبًا." ترددت، ثم قال
توقفت ليان على بعد خطوات من منزل آدم، لكنها لم تدخل مباشرة. كان ياسين ومريم قد وصلا بالفعل، وبدل أن يصعدا إلى السيارة فورًا، بقيا واقفين أمام الباب يتحدثان مع آدم في حديث بدا عاديًا في ظاهره، إلا أن ليان شعرت أن وجودها بينهم جعل قلبها أسرع من اللازم.قالت مريم وهي تبتسم لآدم: "كنا سنغادر مباشرة، لكن ياسين أراد أن يطمئن عليك قبل أن نذهب. قال إنك تبدو أفضل قليلًا، لكنه لا يثق بقدرتك على الاعتناء بنفسك."ضحك آدم بخفة، وأسند كتفه إلى إطار الباب وقال: "ياسين يعرف أنني أستطيع الاعتناء بنفسي، لكنه يحب أن يتصرف وكأنني سأضيع إذا تركني وحدي يومًا واحدًا."رفع ياسين حاجبه وقال بهدوء: "أنا فقط لا أريد أن أعود وأجدك في المستشفى مرة أخرى، لأنني حينها سأضطر إلى سماع محاضرة طويلة من الطبيب ومن والدتك معًا."قال آدم وهو يبتسم: "اطمئن، لن أعطيك هذه المتعة. سألتزم بالدواء والطعام والراحة، حتى لو اضطررت إلى كتابة جدول على الحائط."وقفت ليان قرب المدخل، تستمع إليهم بصمت، بينما كانت أصابعها تمسكان بحزام حقيبتها. لم تكن تعرف إن كان عليها الاقتراب أو الانتظار، لكنها عندما التقت عينا آدم بعينيها، شعرت فجأة أن







