Share

الفصل 45 ما بين السطور

Author: Ikram
last update publish date: 2026-08-10 21:59:52

مرت عدة أشهر منذ استقر آدم في منزله الجديد، ومع مرور الأيام بدأت الأشياء التي كانت غريبة عنه تفقد غرابتها شيئًا فشيئًا، حتى صار وجودها في حياته يشبه الأشياء التي لا ينتبه الإنسان إلى لحظة تعوده عليها.

كان يعرف متى تصل الشمس إلى مكتبه، وأي زاوية من الحديقة تصبح أكثر دفئًا في الصباح، وأين يضع فنجانه بين الكتب دون أن يضطر إلى البحث عنه.

حتى صوت المصعد القديم، الذي كان يوقظ انتباهه في الأيام الأولى، أصبح الآن مجرد صوت بعيد يمر في المنزل ثم يختفي، مثل خطوة شخص يعرف أنه موجود ولا يحتاج إلى أن يراه.

ولم يعد يستيقظ كل صباح بذلك الشعور الغريب بأنه يعيش في مكان أُعطي له ولم يختره، فقد بدأت الأيام تترك آثارها عليه، وبدأ هو أيضًا يترك أثره على المكان.

كان يخرج متى أراد، ويقرأ ما يشاء، ويغلق هاتفه دون أن يخشى سؤالًا، ثم يعود إلى مكتبه حين يجد نفسه راغبًا في العمل.

لم يكن الماضي قد اختفى، لكنه فقد شيئًا من سلطته؛ لم يعد أول فكرة تعبر رأسه حين يفتح عينيه، ولا آخر شيء يطارده حين يطفئ الضوء.

وفي ذلك الصباح، كان جالسًا أمام مكتبه وبين يديه مخطوطة كبيرة نسبيًا، أوراقها القديمة تحمل رائحة الورق المعتق، بينما امتدت على شاشة الحاسوب صفحات الترجمة التي يعمل عليها مع مجموعة من الزملاء الذين جمعهم هذا الكتاب قبل أن تجمعهم الصداقة.

قال ياسين وهو يقلب الأوراق أمامه: "أقسم أن الكاتب كان يستطيع أن يقولها في سطر واحد، لكنه اختار أن يجعلنا نقضي نصف الصباح ونحن نبحث عن معنى جملته."

رفع آدم عينيه عن الصفحة، وقال بهدوء: "ربما لم يكن يريد أن يقولها في سطر واحد."

ابتسمت مريم وهي تضع كوبها قرب الحاسوب: "ها قد بدأ يدافع عنه، انتبهوا، بعد قليل سيخبرنا أن المشكلة ليست في الكاتب وإنما في مستوى فهمنا."

نظر إليها آدم وقال: "أنا لا أدافع عنه، أنا فقط أرفض أن نعاقبه لأننا لا نملك صبره."

ضحك ياسين وقال: "جميل، إذن نحن الآن ثلاثة ضد واحد، والكاتب معنا أيضًا."

كانت ضحكتهم خفيفة، ثم عادوا إلى الصفحات، لكن ذلك الصمت الذي أعقبها لم يكن صمت غرباء يعملون في مكان واحد، بل صمت أشخاص اعتادوا وجود بعضهم حتى أصبحت الكلمات الزائدة غير ضرورية.

قالت مريم بعد لحظات: "هناك شيء آخر يشغلني أكثر من هذه الجملة، هل لاحظتم كيف بدأ الكتاب ينتشر؟"

رفع ياسين رأسه وقال: "لاحظت، وهذا أكثر شيء يجعلني سعيدًا وخائفًا في الوقت نفسه."

نظر آدم إليه مستفسرًا، فقال ياسين: "سعيد لأن الناس بدأوا يتحدثون عنه، وخائف لأن الناس بدأوا يتحدثون عنه قبل أن ننتهي نحن من ترجمته."

قالت مريم وهي تبتسم: "وهذا يعني أن علينا أن نسرع."

هز آدم رأسه وقال: "ليس كثيرًا."

نظرا إليه معًا.

أضاف وهو يمرر إصبعه فوق أحد الأسطر: "الكتاب انتظر كل هذه السنوات حتى يصل إلينا، فلا أظن أنه سيغضب إذا منحناه أيامًا أخرى."

قال ياسين: "أنت تتحدث عن الكتاب وكأنه شخص."

أجاب آدم بابتسامة صغيرة: "أحيانًا تكون الكتب أكثر شبهًا بالبشر مما نحب أن نعترف."

سكت ياسين لحظة، ثم قال: "لهذا السبب أكره ترجمة الكتب."

ضحكت مريم وقالت: "كاذب، أنت تحبها، وإلا لما بقيت معنا حتى الآن."

نظر إليها ياسين متظاهرًا بالاستياء، ثم قال: "أنا هنا بسبب المال."

رفع آدم حاجبه وقال: "وأين هو المال؟"

توقف ياسين، ثم نظر إلى مريم.

ضحكت مريم حتى اضطرت إلى إبعاد كوبها عن حافة المكتب، بينما اكتفى آدم بابتسامة هادئة، تلك الابتسامة التي أصبحت تظهر على وجهه بسهولة أكبر خلال الأشهر الأخيرة.

عادوا إلى المخطوطة.

كان آدم يقرأ بتركيز، لكنه بين سطر وآخر كان يشعر بشيء لم يكن يعرفه في حياته القديمة؛ متعة بسيطة في أن يجلس مع أشخاص لا يعرفون اسم عائلته إلا بقدر ما يخص العمل، ولا ينتظرون منه أن يكون وريثًا أو ابنًا أو رجلًا يحمل مسؤولية أكبر من عمره.

هنا كان مجرد آدم.

شخص يختلف مع أصدقائه حول كلمة، ويضحك على نكتة سخيفة، ويؤجل فقرة لأن رأسه لم يعد يحتملها.

وربما كان هذا هو التغيير الحقيقي الذي حدث خلال الأشهر الماضية؛ لم يصبح أقوى فجأة، ولم يتخلص من ماضيه كما كان يتمنى، لكنه بدأ يكتشف أن الإنسان يستطيع أن يعيش إلى جانب ماضيه دون أن يسمح له بأن يمسك بيده كل صباح.

قلب آدم الصفحة التالية، فتوقفت عيناه عند هامش قديم كُتبت فيه جملة بحبر باهت.

قال بهدوء: "انتظروا... أظن أن هذه الملاحظة أهم من الصفحة نفسها."

اقترب ياسين ومريم من الشاشة، وانحنى الثلاثة فوق المخطوطة، بينما بدأ فضول جديد يتسلل بينهم.

ولم يكن أحد منهم يعرف أن السطر الصغير في الهامش سيقودهم لاحقًا إلى شيء أبعد بكثير من قصة كانوا يحاولون ترجمتها.

ظل الثلاثة فوق الصفحة لحظات، وكل واحد منهم يحاول أن يرى في الحبر الباهت شيئًا لم يره الآخر.

قال ياسين وهو يقرّب الصورة من وجهه: "أنا متأكد أن هذه الكلمة رأيتها في مكان آخر، لكن لا تسألني أين، لأن ذاكرتي قررت اليوم أن تأخذ إجازة."

ضحكت مريم وقالت: "ذاكرتك تأخذ إجازة كلما وصلنا إلى الجزء الصعب."

رفع ياسين رأسه إليها وقال: "وأنتِ تتذكرين كل شيء فقط عندما يكون الخطأ خطئي."

ابتسم آدم وهو لا يزال يتأمل الصفحة: "اتركا هذا الآن، الكلمة فعلًا مألوفة."

فتح إحدى الصفحات القديمة، ثم أخرى، حتى توقف عند فقرة في منتصف المخطوطة، وأشار إليها بطرف القلم.

قال: "هنا... انظروا إلى شكلها."

انحنت مريم فوق المكتب وقالت: "صحيح، هي نفسها تقريبًا، لكن معناها هنا مختلف."

رد آدم: "ليس مختلفًا تمامًا، الكاتب يستخدمها بالمعنى نفسه، لكنه يغير صورتها حسب السياق."

قال ياسين: "وهذا هو الشيء الذي يجعلني أكره هذه المخطوطة وأحبها في الوقت نفسه."

ضحكت مريم: "أنت تقول ذلك كل يوم."

أجاب وهو يعيد ظهره إلى الكرسي: "لأنها كل يوم تجد طريقة جديدة لتعذبني."

نظر آدم إلى الصفحات أمامه، ثم قال مبتسمًا: "ربما لهذا بدأت تنتشر."

سألته مريم: "تقصد أن الناس يحبون أن يتعذبوا أيضًا؟"

قال آدم: "لا، أقصد أن فيها شيئًا يجعل القارئ يريد معرفة الصفحة التالية، حتى عندما لا يفهم كل شيء."

قال ياسين: "وهذا واضح من التعليقات، أمس وجدت شخصًا يسأل عن موعد الترجمة، وشخصًا آخر يقول إنه قرأ الفصل ثلاث مرات وما زال لا يفهم النهاية."

ضحكت مريم وقالت: "إذن نحن لسنا الوحيدين الذين لا يفهمونها."

رفع آدم حاجبه وقال: "نحن نفهمها، فقط نحتاج إلى وقت."

قال ياسين: "هذه طريقة محترمة جدًا لقول إننا ضائعون."

ابتسم آدم، ثم عاد إلى الصفحة دون أن ينكر كلامه.

كان يحب هذه الجلسات أكثر مما توقع؛ لم يكن فيها شيء من الاجتماعات التي عرفها سابقًا، لا أحد ينتظر منه قرارًا لأنه ابن عائلة معينة، ولا أحد يزن كلماته قبل أن يتحدث.

كانوا يتجادلون حول كلمة، يضحكون على خطأ، ثم يعودون إلى العمل وكأن شيئًا لم يحدث.

قالت مريم بعد قليل: "بالمناسبة، هل تعرفون أن الكتاب تجاوز العدد الذي توقعه الناشر؟"

رفع آدم رأسه: "حقًا؟"

أومأت وهي تحرك الفأرة: "نعم، والطلبات على النسخة المترجمة بدأت قبل أن ننهي نصفها."

قال ياسين: "أرأيت؟ قلت لكم إننا يجب أن نسرع."

رد آدم: "نسرع، نعم، لكن لا نركض."

قالت مريم وهي تبتسم: "لماذا أشعر أنك تقول هذا لأنك لا تريد أن نترك لك وقتًا لتتأكد من كل كلمة ثلاث مرات؟"

نظر إليها آدم لحظة، ثم قال: "لأنك بدأتِ تعرفينني أكثر مما ينبغي."

ضحكا معًا، وعادت أعينهم إلى المخطوطة، بينما بقيت الملاحظة القديمة في الهامش مفتوحة أمامهم.

ولم يكن أيٌّ منهم يعرف بعد أن تلك الأسطر الصغيرة ستجعل هذا المشروع أكثر تعقيدًا مما تخيلوا.

كانت مريم تتابع حديث ياسين، لكنها سرعان ما وجدت عينيها تنزلقان نحو آدم دون قصد. لم يكن يفعل شيئًا لافتًا؛ كان فقط يقلب صفحات المخطوطة، وقد انعكس ضوء النافذة على جانب وجهه، فبدت ملامحه أكثر هدوءًا مما اعتادت رؤيته.

تأملت شعره المرتب بعناية، وقميصه البسيط ذي اللون الهادئ وساعته التي لم تكن فاخرة بطريقة تستعرض نفسها، ثم توقفت عند يديه وهما تتحركان فوق الأوراق بثقة وصبر. لم تعرف متى أصبحت تلاحظ مثل هذه التفاصيل، ولا لماذا شعرت فجأة أن النظر إليه أصبح أسهل من النظر إلى الصفحة.

رفع آدم عينيه فجأة، فالتقت عيناه بعينيها.

ارتبكت مريم وأخفضت نظرها بسرعة نحو المخطوطة، ثم أخذت تحرك القلم بين أصابعها وكأنها كانت منهمكة في قراءة شيء مهم. ابتسم آدم ابتسامة صغيرة ولم يقل شيئًا، وعاد إلى عمله، بينما بقي قلبها أسرع قليلًا مما ينبغي.

لكنها لم تلاحظ أن شخصًا آخر كان يراقبها.

كان ياسين جالسًا في الجهة المقابلة، وقد رأى نظرتها إلى آدم، ثم رأى ارتباكها حين التقت عيناهما. لم يتغير شيء في وجهه، لكنه أنزل عينيه إلى الأوراق وأخذ يقلبها ببطء.

كان يحب مريم منذ فترة، حبًا هادئًا لم يجرؤ على الاقتراب منه، ولذلك كان يعرف تفاصيل صغيرة عنها دون أن تخبره بها؛ طريقة ابتسامتها حين تجد خطأ في الترجمة، وكيف تعقد شعرها عندما تتوتر، وحتى الطريقة التي تخفي بها ارتباكها عندما يلاحظ أحد شيئًا في عينيها.

نظر إليها مرة أخرى، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لن يراها أحد.

أما مريم، فكانت قد عادت إلى المخطوطة، تحاول إقناع نفسها بأنها لم تكن تحدق في آدم قبل لحظات.

وكان آدم، الذي لم ينتبه إلى شيء من ذلك، منشغلًا تمامًا بالسطر الذي أمامه، بينما بدأت قصة أخرى بصمت شديد بين شخصين يجلسان حول الطاولة نفسها، دون أن يعرف أي منهما أن قلب الآخر قد سبق الكلمات.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وقعت في حب زوجي سابق بعد طلاق    الفصل 89: ما وراء الخطأ

    ما إن دخل المسعفون المنزل حتى عمّت المكان حركة سريعة ومتوترة. فُتحت حقيبة الإسعاف على عجل، وتداخلت الأسئلة مع الأوامر القصيرة والحازمة، بينما وقف آدم إلى جانب ليان، شاحب الوجه، يراقب كل حركة حولها كأنه يخشى أن يفقدها أمام عينيه.انحنى الطبيب فوق ليان وبدأ يفحصها بسرعة، في حين تولت الممرضة تثبيت قناع الأكسجين على وجهها.«ليان، هل تسمعينني؟ افتحي عينيك.»فتحت ليان عينيها بصعوبة وحاولت التنفس، لكن صدرها ظل يرتفع وينخفض بصورة متقطعة.قال الطبيب للممرضة: «راقبي نسبة الأكسجين، وجهزي جرعة مضاد الحساسية. نحتاج إلى تركيب خط وريدي فورًا.»أخرجت الممرضة الأدوات بسرعة وثبتت الإبرة في ذراع ليان، بينما واصل الطبيب مراقبة نبضها وضغطها.«هل لديكِ حساسية معروفة تجاه أي طعام أو دواء؟»حاولت ليان الإجابة، لكن صوتها خرج متقطعًا وغير واضح.اقترب آدم وقال بسرعة: «لم نكن نعلم أن لديها حساسية من هذا النوع. بدأت حالتها بعد تناول الطعام مباشرة.»سأله الطبيب دون أن يرفع عينيه عن المؤشرات: «ماذا تناولت؟ وهل ظهرت عليها أع

  • وقعت في حب زوجي سابق بعد طلاق    الفصل 88: ما لم يكن حادثًا عابرًا

    لم يفهم آدم ما حدث في اللحظة الأولى. . سقطت الشوكة من يدها. ارتطم طرفها بالصحن، فأصدر صوتًا معدنيًا صغيرًا وسط الحديث. رفع آدم رأسه إليها. «ليان؟» لم تجبه. وضعت يدها على حلقها، وحاولت أن تأخذ نفسًا، لكن الهواء بدا وكأنه لا يصل إليها بالطريقة التي اعتادت عليها. نهض آدم بسرعة حتى اصطدم كرسيه بالأرض. «ليان، ماذا حدث؟ انظري إليّ.» حاولت أن تجيبه، إلا أن صوتها خرج متقطعًا. «أنا... لا...» ثم أخذت نفسًا قصيرًا آخر، وبدأ الخوف يظهر في عينيها. شعر آدم بأن الدم انسحب من وجهه.

  • وقعت في حب زوجي سابق بعد طلاق    الفصل 87:حين صمت

    مرّت دقائق أخرى قبل أن يُسمع صوت سيارة تتوقف أمام المنزل. كان آدم واقفًا قرب النافذة، يتحدث مع ياسين عن بعض تفاصيل العمل، حين التفت دون اهتمام حقيقي إلى الخارج. ثم رأى ليان. توقفت الكلمات في فمه للحظة. اتسعت عيناه قليلًا، وكأن وجودها أمام المنزل كان أجمل مما توقع، ثم ظهرت ابتسامة تلقائية على شفتيه. قال آدم وهو يقترب من الباب: "وصلت أخيرًا، كنت أخشى أنك ستتأخرين كثيرًا." فتح الباب قبل أن تطرقه. وقفت ليان أمامه، تحمل حقيبتها الصغيرة، وشعرها تحركه نسمة المساء. ابتسمت وهي ترفع حاجبها قليلًا. "قلت لك إنني سأصل قبل العشاء، ولم أعتد أن أخلف وعودي." ضحك آدم، ثم أخذ منها الحقيبة بلطف. "أعرف ذلك، لكنني كنت أريد رؤيتك منذ وقت طويل." خفضت ليان عينيها للحظة، ثم رفعت نظرها إليه. "أنت تق

  • وقعت في حب زوجي سابق بعد طلاق    86:بين الغيرة والقرار

    .خرجت مريم من مكتبها في نهاية فترة العمل، وهي تضم الملف الرفيع إلى صدرها بيد أكثر توترًا مما أرادت أن تظهر. كان الممر قد بدأ يفرغ تدريجيًا؛ أبواب زجاجية تُغلق واحدًا بعد آخر، وأصوات الموظفين تتلاشى في اتجاه المصاعد، فيما بقيت أضواء المكاتب مضاءة فوق ممر طويل يزداد هدوءًا كل دقيقة.وبينما كانت تمر قرب مكتب آدم، التقطت أذنها صوته من الداخل.توقفت.لم تكن تنوي الاستماع، أو هكذا أقنعت نفسها، لكنها عندما سمعت اسم ليان، تباطأت خطواتها دون أن تشعر. اقتربت قليلًا من الجدار، وبقيت في المسافة التي تسمح لها بسماع الكلام من دون أن تظهر أمام الباب.كان آدم يتحدث عبر الهاتف مع الخادمة، وصوته هادئًا كعادته في أمور العمل.قال:"نعم، جهزي العشاء كما اتفقنا، لكن لا تجربي أي شيء جديد الليلة."صمت لحظة ليستمع إلى الطرف الآخر، ثم تابع:"ليان ستتناول العشاء معنا، وهي تتجنب بعض المكونات بسبب الحساسية، لذلك أريدك أن تتأكدي من كل شيء قبل أن تضعيه على الطاولة."ثم ابتسم، وظهر أثر الابتسامة في نبرته رغم أن مري

  • وقعت في حب زوجي سابق بعد طلاق    الفصل 85: حين بدأت الخيوط تتحرك

    مرّت الأيام التالية ببطءٍ غريب، وكأن الزمن نفسه كان يحمل في يده ساعة ثقيلة لا يريد أن يسرع بها، ومع ذلك كانت الأشياء تتغير من حولهم بسرعة لا يلاحظها أحد إلا بعد فوات الأوان. في الصباحات كانت المدينة تستيقظ على ضوء شاحب يتسلل بين الأبنية، وتفتح المقاهي أبوابها، وتتحرك السيارات في الشوارع، وتبدأ المكاتب باستقبال الموظفين والعملاء، بينما كانت حياة آدم وليان وياسين تبدو، من الخارج، وكأنها تسير أخيرًا نحو شيء أكثر استقرارًا. وحدها مريم كانت تعيش داخل زمن مختلف؛ كل يوم يمر كان بالنسبة إليها يضيف طبقة جديدة من الغضب، وكل خبر عن ياسين كان يفتح في داخلها جرحًا لم يلتئم، وكل مرة تسمع فيها اسم ليان كانت تشعر أن المسافة بينها وبين الحياة التي أرادتها أصبحت أكبر.في مكتب مريم، كانت الستائر نصف مغلقة رغم أن الشمس كانت قد ارتفعت منذ ساعات، وبقي ضوء رمادي يسقط على المكتب الواسع حيث تراكمت بعض الأوراق والملفات. جلست مريم أمام شاشة الحاسوب، ويداها متشابكتان أمامها، بينما ظلت تنظر إلى اسم ليان في أحد المستندات. لم تكن المشكلة في ليان نفسها بقدر ما أصبحت تمثل في ذهنها؛ النجاح الذي بد

  • وقعت في حب زوجي سابق بعد طلاق    84 بداية حقد اكبر

    كانت مريم تجلس أمام أمها إلى مائدة الطعام، لكن الطعام ظل لم يتحرك أمامها منذ دقائق طويلة. كانت الملعقة تستقر بين أصابعها دون أن تتحرك، وعيناها معلقتين في نقطة بعيدة على الطاولة، بينما كانت أمها تراقبها بصمت وتتنهد بين حين وآخر. منذ أن وصلها خبر خطوبة ياسين، لم تعد مريم تتصرف كعادتها؛ كانت تضحك حين ينبغي أن تبكي، وتصمت حين ينبغي أن تتحدث، ثم تنفجر فجأة لأسباب صغيرة لا علاقة لها بما يحدث أمامها. وضعت أمها قطعة خبز في طبقها وقالت بهدوء: "كلي قليلًا، منذ الصباح وأنتِ لم تأكلي شيئًا." رفعت مريم عينيها إليها وقالت ببرود متعمد: "لست جائعة." تنهدت أمها وقالت: "أنتِ تقولين ذلك منذ ثلاثة أيام." أدارت مريم وجهها نحو النافذة وقالت: "إذن لا تسأليني." سكتت الأم لحظة، ثم قالت: "أنا لا أسألك لأزعجك، أنا أمك." ضحكت مريم ضحكة قصيرة بلا فرح وقالت: "أمي، أنا بخير." نظرت إليها أمها طويلًا، ثم مدت يدها إلى طرف المائدة، والتقطت ظرفًا عاجيًا كان قد وصل في وقت سابق ووضعته جانبًا دون أن تفتحه. قلبته بين أصابعها وقالت: "وصلت هذه الدعوة اليوم." تجمدت حركة مريم. لم تكن بحاجة إلى سماع الاسم. كا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status