ما إن دخل المسعفون المنزل حتى عمّت المكان حركة سريعة ومتوترة. فُتحت حقيبة الإسعاف على عجل، وتداخلت الأسئلة مع الأوامر القصيرة والحازمة، بينما وقف آدم إلى جانب ليان، شاحب الوجه، يراقب كل حركة حولها كأنه يخشى أن يفقدها أمام عينيه.
انحنى الطبيب فوق ليان وبدأ يفحصها بسرعة، في حين تولت الممرضة تثبيت قناع الأكسجين على وجهها.
«ليان، هل تسمعينني؟ افتحي عينيك.»
فتحت ليان عينيها بصعوبة وحاولت التنفس، لكن صدرها ظل يرتفع وينخفض بصورة متقطعة.
قال الطبيب للممرضة: «راقبي نسبة الأكسجين، وجهزي جرعة مضاد الحساسية. نحتاج إلى تركيب خط وريدي فورًا.»
أخرجت الممرضة الأدوات بسرعة وثبتت الإبرة في ذراع ليان، بينما واصل الطبيب مراقبة نبضها وضغطها.
«هل لديكِ حساسية معروفة تجاه أي طعام أو دواء؟»
حاولت ليان الإجابة، لكن صوتها خرج متقطعًا وغير واضح.
اقترب آدم وقال بسرعة: «لم نكن نعلم أن لديها حساسية من هذا النوع. بدأت حالتها بعد تناول الطعام مباشرة.»
سأله الطبيب دون أن يرفع عينيه عن المؤشرات: «ماذا تناولت؟ وهل ظهرت عليها أعراض أخرى؟»
«بدأت بالسعال، ثم شعرت بضيق شديد في التنفس. احمرّ وجهها قليلًا، وبعد ذلك بدأت تفقد قدرتها على الكلام.»
أومأ الطبيب، ثم قال بحزم: «قد تكون استجابة تحسسية حادة. سنعطيها العلاج فورًا، لكن يجب نقلها إلى المستشفى دون تأخير.»
أمسكت ليان بيد آدم للحظة، وكانت أصابعها باردة ومرتجفة.
قال لها الطبيب: «حاولي أن تبقي هادئة. نحن نساعدك.»
ثم التفت إلى المسعفين: «ارفعوها بحذر. لا نريد أن نجهد تنفسها.»
تحرك المسعفون حولها بسرعة منظمة. ثبّت أحدهم جهاز قياس الأكسجين في إصبعها، بينما حمل الآخر حقيبة الأدوية، وتولى الطبيب متابعة المؤشرات حتى لحظة نقلها إلى النقالة.
قال أحد المسعفين بصرامة: «سننقلها الآن إلى سيارة الإسعاف. تراجعوا قليلًا واتركوا لنا مساحة للعمل.»
تحرك آدم معها فورًا، وصوته يرتجف رغم محاولته التماسك.
«سأرافقها.»
رفع المسعف نظره إليه، وكان وجهه جادًا لا يسمح بالجدال.
«هل أنت من أفراد عائلتها؟»
توقف آدم للحظة، وكأن السؤال أصابه في موضع مؤلم.
«أنا...»
تلعثم ولم يجد الكلمات المناسبة. كانت ليان تُنقل بحذر نحو الخارج، وأنفاسها متقطعة، بينما شعر هو بعجز خانق يضغط على صدره.
قال المسعف بلهجة أكثر حزمًا: «أحتاج إلى معرفة علاقتك بها.»
قال آدم بسرعة، وقد ازداد توتره: «أنا الشخص الذي كان معها عندما بدأت حالتها. أعرف تفاصيل ما حدث منذ البداية.»
أجابه المسعف: «أتفهم ذلك، لكننا نسمح عادةً بمرافق واحد داخل سيارة الإسعاف، وفقًا لحالتها وتعليمات الطاقم.»
نظر آدم إلى ليان، ثم إلى الباب المفتوح الذي ستخرج منه، وكأن المسافة بينه وبينها أصبحت فجأة أكبر من قدرته على الاحتمال.
«لكنها تحتاج إلى شخص تعرفه.»
قالت إحدى الممرضات، وهي تفحص جهاز التنفس بقلق: «يمكننا التعامل معها. تراجع قليلًا ودعنا نساعدها.»
شعر آدم بالعجز لأول مرة منذ بدأت الأزمة. مد يده نحو ليان، فأمسكت أصابعه للحظة، وكانت يدها باردة ومرتجفة.
قال لها بصوت خافت، محاولًا إخفاء خوفه: «أنا خلفك، لا تخافي.»
نظرت إليه بعينين متعبتين، ثم قالت بصعوبة:
«لا تتركني.»
ابتلع آدم ألمه وقال: «لن أتركك. سأكون خلفك مباشرة.»
أُغلقت أبواب سيارة الإسعاف، وانطلقت بسرعة، بينما بقي آدم واقفًا أمام المنزل، يحدق في الأضواء الحمراء التي تبتعد، وقلبه يضرب بعنف كأنه يحاول اللحاق بها.
ثم قال ياسين خلفه بصوت قلق:
«سنذهب وراءها بسيارتي.»
استدار آدم بسرعة.
«لا، سأذهب وحدي.»
اقترب ياسين ووضع يده على كتفه، محاولًا تثبيته.
«لن تذهب وحدك وأنت بهذه الحالة.»
رفع آدم عينيه إليه، وكان وجهه متوترًا وعاجزًا عن إخفاء خوفه.
«أنا بخير.»
نظر إليه ياسين طويلًا، ثم قال بجدية:
«أنت لست بخير، لكن لا بأس. لا أحد منا بخير الآن.»
لم يجد آدم ما يقوله. كان عاجزًا عن التفكير، بل عاجزًا حتى عن ترتيب مخاوفه.
ركبا السيارة، وانطلقت خلف سيارة الإسعاف.
أما مريم، فبقيت للحظة قرب الباب ويداها ترتجفان. ثم ركبت سيارة أخرى مع الخادمة، وهي تشعر أن الطريق إلى المستشفى أطول من أي طريق سلكته في حياتها، وأن كل دقيقة تمر تحمل معها خوفًا جديدًا.
---
داخل سيارة الإسعاف، كانت ليان مستلقية تحت مراقبة الطاقم. تحركت الممرضة بسرعة بين الأجهزة، بينما كان الطبيب يراقب المؤشرات بوجه صارم ومركّز.
«هل تستطيعين سماعي؟»
أومأت ليان بصعوبة.
«هل تشعرين بأن التنفس أصبح أسهل؟»
«قليلًا.»
«جيد. ابقي هادئة، ولا ترهقي نفسك بالكلام.»
أغمضت ليان عينيها للحظات، ثم فتحتهما عندما شعرت بالممرضة تنظر إليها.
كانت الممرضة نفسها التي التقت بآدم وليان في حادثة طبية سابقة، فتذكرتها فورًا.
قالت: «أنتِ ليان، أليس كذلك؟»
ابتسمت ليان ابتسامة ضعيفة.
«نعم.»
ثم نظرت الممرضة إلى الاسم الموجود في الملف، قبل أن تقول دون تفكير:
«وآدم هو زوجك؟»
فتحت ليان عينيها قليلًا، وكأن السؤال جاءها من مكان بعيد.
«لا...»
لكن صوتها كان ضعيفًا جدًا.
قالت الممرضة بسرعة: «حسنًا، لا ترهقي نفسك الآن.»
وعندما وصلوا إلى المستشفى، كان آدم قد وصل إلى المدخل قبل أن تتوقف سيارة الإسعاف بثوانٍ. اندفع نحوها، ووجهه ممتلئ بالخوف.
«ليان!»
لكن الممرضة اعترضت طريقه.
«أنت زوجها، صحيح؟»
توقف آدم، وكأن الكلمات أربكته أكثر مما ينبغي.
«زوجها؟»
قالت الممرضة: «ظننت ذلك من المرة السابقة.»
ثم تنبهت إلى نفسها وأضافت: «عذرًا، ربما أسأت الفهم.»
قال آدم بسرعة، وهو يحاول كبح انفعاله: «لا يهم. هل حالتها مستقرة؟»
«سنخبرك بعد أن يفحصها الطبيب.»
«لكنني أريد أن أبقى معها.»
نظرت إليه الممرضة لحظة، ثم قالت: «بما أنك كنت معها منذ بداية الحالة وتعرف ما حدث، يمكنك الدخول معنا حتى منطقة الاستقبال، وسنرى إن كان الطبيب يسمح لك بالبقاء.»
لم يجادل آدم، بل لحق بها فورًا، وعيناه لا تفارقان ليان.
وبعد خطوات قليلة، وصل ياسين وهو يلهث من القلق.
«آدم!»
استدار آدم.
«أنت هنا.»
«قلت لك إنني سأكون خلفك.»
ثم ظهرت مريم في نهاية الممر، تحمل حقيبتها بيد مرتجفة، ووجهها شاحب.
قالت بصوت خائف:
«هل... هل وصلت بخير؟»
نظر إليها آدم، لكنه لم يجب فورًا. كان وجهه متعبًا، وعيناه معلقتين بالباب الذي اختفت خلفه ليان.
قال ياسين:
«نحن لا نعرف بعد.»
خفضت مريم عينيها وضمت يديها إلى صدرها.
«أتمنى أن تكون بخير.»
لم يعلق آدم. كان عاجزًا عن التفكير في أي شيء سوى احتمال فقدانها.
---
مرت الدقائق ببطء قاسٍ.
جلس ياسين على أحد المقاعد وأسند ظهره إلى الحائط، بينما بقي آدم واقفًا قرب باب القسم. كانت أصابعه تتحرك بلا وعي، ووجهه متوترًا، وأنفاسه غير منتظمة.
فتح هاتفه.
أغلقه.
نظر إلى الساعة.
ثم عاد ببصره إلى الباب.
قال ياسين بقلق: «آدم، اجلس قليلًا.»
«لا أستطيع.»
«ستحتاج إلى قوتك عندما يخرج الطبيب.»
جلس آدم أخيرًا، لكنه بقي منحنيًا إلى الأمام، يضغط يديه إحداهما بالأخرى بقوة.
قال بصوت متقطع:
«هناك شيء لم يكن طبيعيًا.»
نظر إليه ياسين.
«ماذا تقصد؟»
«لم تكن هكذا عندما جلست إلى الطاولة.»
صمت قليلًا، ثم تابع:
«ثم حدث الأمر فجأة. رأيتها تختنق أمامي، ولم أستطع فعل شيء.»
قال ياسين: «نعلم أن شيئًا في الطعام ربما تسبب في ذلك.»
هز آدم رأسه، وعيناه ممتلئتان بالعجز.
«لكنني لا أستطيع تجاهل كل ما حدث الليلة.»
نظرت مريم إليهما من بعيد، وكانت ملامحها مضطربة.
ثم قالت بصوت خافت:
«ربما يكون مجرد خطأ في المطبخ.»
رفع آدم عينيه إليها، وكانت نظرته حادة رغم خوفه.
«ربما.»
قالت مريم بسرعة: «لا أقصد شيئًا آخر.»
«لم أقل إنك تقصدين شيئًا.»
ارتبكت وبدأت تفرك أصابعها بتوتر.
«أنا فقط أحاول أن أساعد.»
تدخل ياسين بهدوء صارم:
«دعينا ننتظر الطبيب.»
أومأت مريم، لكنها شعرت أن قلبها لا يخفق بالطريقة نفسها، وأن الخوف الذي يملأها ليس خوفًا على ليان وحدها.
---
بعد فترة، خرج الطبيب. كان وجهه جادًا وخطواته ثابتة، فنهض آدم بسرعة.
«كيف حالها؟»
قال الطبيب: «استقرت حالتها الآن، لكنها تحتاج إلى المراقبة. كان ما حدث شديدًا، ولذلك سنبقيها تحت المتابعة الطبية.»
تنفس آدم ببطء، وكأنه كان يحبس أنفاسه منذ وصوله.
«هل عرفتم السبب؟»
«هناك احتمال قوي أن يكون تفاعلًا تحسسيًا، لكننا لا نريد تأكيد السبب قبل مراجعة ما تناولته، وإجراء التحاليل، والاطلاع على تاريخها الطبي.»
قال آدم بسرعة: «لدينا الأطباق والمكونات في المنزل، والخادمة تعرف ما أُضيف إليها.»
«هذا مفيد جدًا. احتفظوا بكل المعلومات، ولا تتخلصوا من أي شيء. سيحتاج الطبيب المعالج إلى معرفة ما تناولته بالضبط.»
أومأ آدم، ثم سأل بقلق:
«هل يمكنني رؤيتها؟»
«ليس الآن. هي تحت المراقبة، وسنسمح لك بذلك عندما تصبح حالتها أكثر استقرارًا.»
عاد آدم إلى مقعده، وكأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله.
ولأول مرة منذ وصوله، سمح لنفسه بأن يغمض عينيه.
همس بصوت مكسور:
«الحمد لله.»
---
بعد دقائق، أخرج هاتفه. كان هناك اسم واحد في ذاكرته لم يستطع تجاهله.
كان الضابط سامر هو الشخص الذي تعامل معه آدم قبل أشهر، حين طلبت منه شرطة البلدة مساعدتهم في معاينة مسرح جريمة داخل أحد فنادق الذي كانت ليان قد وصلت إلى البلدة للمرة الأولى تسكن فيه . كانت القضية تتعلق بجريمة قتل قديمة هزّت البلدة، وفي تلك الليلة العاصفة، عندما وصل آدم إلى الفندق على كرسي متحرك رغم مرضه، . ومنذ ذلك الحين، نشأت بين آدم وسامر ثقة حذرة، رغم أن آدم لم يتصل به منذ أشهر.
لم يكن آدم يريد اتهام أحد، لكنه لم يستطع تجاهل شعوره بأن شيئًا غريبًا حدث في منزله.
اتصل به.
جاء الرد بعد عدة رنات.
«آدم؟»
«آسف على الاتصال في هذا الوقت.»
قال الضابط، وقد التقط التوتر في صوته: «يبدو من صوتك أن الأمر ليس مجرد اتصال عادي.»
سكت آدم لحظة، عاجزًا عن اختيار كلماته.
«حدثت مشكلة في منزلي الليلة. نُقلت ليان إلى المستشفى بعد أن أصبحت غير قادرة على التنفس بصورة مفاجئة.»
تغير صوت الضابط.
«هل هي بخير؟»
«استقرت حالتها، لكن الأطباء قالوا إن هناك احتمالًا لتفاعل تحسسي.»
«وهل تشك في أن الأمر متعمد؟»
نظر آدم إلى مريم من بعيد. كانت تجلس وحدها، ويداها ترتجفان فوق حقيبتها.
«لا أعرف.»
«إذن لماذا اتصلت بي؟»
«لأن شيئًا في الأمر لا يريحني. كانت هناك مكونات أُضيفت إلى الطعام، وبعضها لم يكن معتادًا.»
قال الضابط بصرامة: «لا تتهم أحدًا الآن. فقط احتفظوا بكل ما تبقى من الطعام والعبوات، ولا تسمحوا لأحد بتغيير المكان حتى يتضح الأمر.»
أجاب آدم: «هذا ما طلبه الطبيب أيضًا.»
«جيد. وسأحاول أن أفهم ما يمكنني فعله دون أن نحول الأمر إلى قضية بلا أساس.»
«هذا كل ما أريده.»
«سأبقى على تواصل معك.»
أغلق آدم الهاتف، لكنه لم يشعر بالراحة. بقي القلق يضغط على صدره، وكأن الحقيقة تقف خلف باب مغلق ولا يعرف كيف يصل إليها.
---
في اليوم التالي، وبعد مراجعة ما حدث في المنزل، بدأت الصورة تتضح.
لم تكن التوابل التي أحضرتها مريم هي المشكلة.
كانت سليمة تمامًا.
لكن في المطبخ، اكتشفت الخادمة أن طبقين متشابهين في الشكل قد اختلطا أثناء ترتيب المائدة.
كان أحدهما معدًا لآدم، وكانت التوابل الموجودة فيه جزءًا من طعامه المعتاد.
أما طبق ليان، فكان من المفترض أن يبقى منفصلًا.
وبسبب الارتباك، أُخذ الطبق الخطأ ووُضع أمام ليان.
عندما عرف آدم الحقيقة، تغير وجهه واشتد توتره.
استدار نحو الخادمة.
«كيف حدث هذا؟»
ارتبكت الخادمة وانحنت برأسها.
«أنا آسفة يا سيدي. كنت أرتب الأطباق بسرعة، وتشابهت الأطباق، ولم أنتبه.»
ظل آدم صامتًا، وكانت عيناه ممتلئتين بالغضب والألم.
ثم أغمض عينيه وأخذ نفسًا طويلًا.
كان الغضب يشتعل داخله، لكنه تذكر ليان، وتذكر وجهها وهي تختنق أمامه، وتذكر عجزه عن إنقاذها.
قال أخيرًا:
«كنت غاضبًا لأنني ظننت أن شخصًا ما فعل هذا عمدًا.»
ثم تنفس ببطء.
«لكنني لا أريد أن أظلم أحدًا.»
خفضت الخادمة رأسها.
«أنا آسفة جدًا.»
ظل آدم ينظر إليها لحظات، ثم قال بصوت متعب لكنه صارم:
«أعرف أنك لم تقصدي إيذاءها، لكن هذا الخطأ كاد يودي بحياتها. لا أستطيع السماح بتكراره.»
رفعت الخادمة عينيها إليه، وقد امتلأ وجهها بالخوف.
«أرجوك يا سيدي، سامحني. لم أكن أقصد...»
قاطعها آدم بحدة مكبوتة:
«لم أقصد أن أسمع اعتذارًا آخر. اجمعي أغراضك وغادري المنزل اليوم.»
شهقت مريم، التي كانت تقف قرب باب المطبخ، ونظرت إليه بدهشة.
«آدم، ربما كانت مرتبكة فقط.»
استدار إليها، وكانت ملامحه قاسية من شدة الإرهاق والخوف.
«الارتباك لا يعيد إلى ليان أنفاسها، ولا يمحو ما حدث.»
خفضت الخادمة رأسها، وبدأت دموعها تنهمر بصمت.
«سأغادر فورًا.»
لم يجبها آدم. بقي واقفًا في مكانه، يشعر بالغضب والذنب في آن واحد. كان يعرف أنها لم تتعمد إيذاء ليان، لكنه لم يعد قادرًا على رؤية وجهها أو التفكير في المطبخ من دون أن يتذكر تلك اللحظات المرعبة.
ثم اتصل بالضابط مرة أخرى.
«أردت أن أخبرك بأن الأمر اتضح.»
«ماذا حدث؟»
«كان هناك خطأ في ترتيب الأطباق. يبدو أن طبقًا وُضع أمام الشخص الخطأ.»
سكت الضابط.
ثم قال: «إذن لا توجد شبهة جنائية واضحة؟»
«لا.»
«حسنًا.»
تنفس آدم، وشعر بشيء من الارتياح، لكنه لم يستطع التخلص من أثر الخوف.
«آسف لأنني أخذت من وقتك.»
ضحك الضابط بخفة.
«كنت ستلوم نفسك أكثر لو لم تتحقق.»
قال آدم:
«ربما.»
«المهم أن ليان بخير.»
أجاب آدم:
«هذا أهم شيء.»
وأغلق الهاتف.
---
بعد ساعات، خرجت ليان أخيرًا من العناية المركزة.
كان آدم واقفًا في الممر عندما ظهرت الممرضة.
قالت:
«يمكنك رؤيتها الآن.»
رفع رأسه بسرعة، وكأن الكلمات أعادته إلى الحياة.
«حقًا؟»
«نعم. حالتها مستقرة، لكنها تحتاج إلى الراحة والمراقبة.»
لم ينتظر أكثر.
دخل الغرفة ببطء.
كانت ليان مستلقية، شاحبة ومتعبة، لكنها كانت واعية.
عندما رأته، ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها.
اقترب آدم وجلس بجانبها، ثم أمسك يدها بحذر.
«أخفتِني.»
ابتسمت بتعب.
«وأنت أخفتني أكثر.»
ضحك ضحكة خافتة، لكنها سرعان ما تحولت إلى زفرة طويلة.
«لن أجادلك في هذا اليوم.»
أغمضت ليان عينيها قليلًا.
«هل بقيت هنا طوال الوقت؟»
«تقريبًا.»
فتحت عينيها ونظرت إليه.
«أنت عنيد.»
ابتسم، وكانت عيناه لا تزالان تحملان أثر الخوف.
«وأنتِ أيضًا.»
ساد بينهما صمت هادئ، لكنه كان ممتلئًا بما لم يستطيعا قوله.
خارج الغرفة، بقي ياسين واقفًا في الممر، يراقب آدم بقلق، بينما جلست مريم بعيدًا وحدها، شاحبة وصامتة.
كانت الحقيقة قد ظهرت.
لم تكن التوابل التي أحضرتها هي السبب.
كان الخطأ في ترتيب الأطباق.
ومع ذلك، شعرت مريم بارتياح عميق لم تستطع إخفاءه. انزاح عن صدرها ثقل خانق كانت تحمله منذ لحظة سقوط ليان، وحين تأكدت أن ما حدث لم يكن نتيجة مؤامرة أو فعل متعمد، شعرت بأن أنفاسها عادت إليها للمرة الأولى. لم تعد مضطرة إلى مواجهة نظرات الاتهام أو الخوف من أن تُكشف نية لم تنفذها، ولم يعد اسمها معلقًا فوق الحادثة كأنه دليل إدانة.
أغمضت عينيها، وأسندت رأسها إلى الحائط، وخرجت منها زفرة طويلة مرتجفة. كانت الراحة واضحة في ملامحها، لكنها لم تكن راحة كاملة؛ فقد بقي في داخلها خجل ثقيل لأنها كانت قد تمنت، في لحظة غضب، أن تتأذى ليان، حتى لو لم تكن قد خططت لذلك أو نفذته.
أما آدم، فجلس إلى جانب ليان، يمسك يدها ويراقب عينيها حتى أغلقتا من التعب.
وبينما كان ياسين يتابع المشهد من بعيد، ظهرت مريم عند باب الغرفة. حاولت أن تبتسم، لكن التعب كان قد استنزف وجهها. رفعت عينيها نحو ليان، ثم نحو آدم، وقالت بصوت خافت:
«الحمد لله أنك بخير.»
فتحت ليان عينيها قليلًا ونظرت إليها. لم تستطع مريم الحفاظ على ابتسامتها، فارتجفت شفتاها، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة، كأنها تعتذر من دون كلمات.
قالت ليان بصوت ضعيف:
«لا تقلقي... أنا بخير الآن.»
ابتسمت مريم، لكن ابتسامتها بقيت معلقة بين الارتياح والإرهاق. كانت تبتسم بتعب، وكأن جسدها لم يعد يملك طاقة للخوف أو البكاء، ومع ذلك لم تستطع منع نفسها من إظهار امتنانها لأن ليان نجت.
وللمرة الأولى منذ بدأت تلك الليلة، شعر آدم بأن الخطر قد ابتعد قليلًا.
لكنه لم يعرف أن بعض الأسرار لا تنتهي عندما تظهر الحقيقة.
بل تبدأ عندها.