Mag-log inظل هاتفها في يدها لثوانٍ بعد أن انقطع الصوت في الطرف الآخر. لم تُغلق نوال المكالمة رسميًا، لكن الصمت صار أوسع من أي كلام، حتى إنها لم تعد تعرف إن كانت والدتها ما تزال على الخط أم لا. كانت تحدق في سديم فقط.
الطفلة لم تتحرك من مكانها. القميص القطني الأبيض كان أكبر من جسدها الصغير، يصل حتى ما تحت ركبتيها، وكمّاه يغطيان يديها تقريبًا. بدت أصغر من عمرها للحظة، أصغر وأكثر تعبًا، لكن عينيها ظلتا ثابتتين على سرين بطريقة لم تترك لها مكانًا للهرب. أبعدت الهاتف عن أذنها ببطء، ثم نظرت إلى الشاشة. الخط ما يزال مفتوحًا. رفعت الهاتف مرة أخرى. "أمي." لم يأتِ جواب فورًا. سمعت فقط أنفاسًا قصيرة، متقطعة، ثم صوت نوال أخيرًا، لكنه لم يكن يشبهها. كان منخفضًا ومشدودًا، كأن الكلمات تخرج من بين أسنانها. "لا تدعيها تتكلم مع أحد." شعرت سرين ببرودة تمر في ذراعيها. "انتهينا من الأوامر." "سرين—" "هل كنتِ تعلمين أنها حيّة؟" لم تُجب. "هل كنتِ تعلمين؟" "تعالي إلى البيت غدًا." ضحكت سرين ضحكة قصيرة، حادة. "أي بيت؟ هذا البيت الذي تظنين أنني سأدخله كأن شيئًا لم يحدث؟" "لا أستطيع قول كل شيء الآن." "إذًا متى؟ بعد عشرين سنة أخرى؟" سمعت نفسًا مرتفعًا في الطرف الآخر، ثم قالت نوال بصوت خافت: "إذا كنتِ تحبين أن تبقي الطفلة حيّة، خذيها إلى الشرطة صباحًا، بنفسك، ولا تدعي أي جهة أخرى تصل إليها أولًا." تجمدت سرين. "من أي جهة تتكلمين؟" "اصنعي بلاغًا رسميًا بوجودها عندك." "أنتِ تعرفين أنها ليست مجرد طفلة ضائعة." "سرين، افعلي ما أقول هذه المرة." "هذه المرة؟" سقط الصمت بينهما من جديد. ثم أغلقت سرين الخط دون كلمة أخرى. بقيت واقفة في المطبخ ثواني طويلة، تنظر إلى انعكاسها على الزجاج الأسود للنافذة. لم يعجبها ما رأته. وجه متعب، شاحب، بعينين تسألان أكثر مما تحتملان. لم تعد المرأة التي عادت من العمل قبل ساعات هي نفسها. كأن الليلة كسرت نظامًا دقيقًا عاش داخلها طويلًا، وها هي تقف الآن بين شظاياه. التفتت ببطء نحو سديم. "هل سمعتِ؟" أومأت الطفلة. "كم سمعتِ؟" "يكفي." كان هذا الجواب وحده كافيًا لتجعل سرين تغلق عينيها لثانية. ثم مشت نحو الطاولة، جمعت الحقيبة وما فيها، ووضعتها في الخزانة الجانبية الصغيرة تحت جهاز التلفاز. أغلقت عليها بالمفتاح، ثم سحبت المفتاح ووضعته في جيبها. "ستنامين هنا الليلة." نظرت سديم إلى الأريكة، ثم إليها. "وأنتِ؟" "هنا أيضًا." "لن أتركك." كادت تقول: وأنا لم أطلب منكِ أن تتركيني. لكن الكلمات علقت في حلقها. بدلًا من ذلك، أحضرت وسادة أخرى، وغطاءً إضافيًا، وتركت ضوءًا خافتًا في زاوية الصالة. لم تكن تثق بالنوم أصلًا، لا هذه الليلة. جلست في المقعد المقابل للأريكة، هاتفها في يدها، وعيناها تنتقلان بين شاشة الكاميرا الخارجية ووجه سديم. مرّت دقائق طويلة دون كلام. ثم سألتها الصغيرة فجأة: "هل ستأخذينني إليهم؟" عرفت فورًا من تقصد، رغم أن السؤال يحتمل أكثر من معنى. "إلى الشرطة." هزت سديم رأسها ببطء. "إذا ذهبت معك." "لن تذهبي وحدك." "لكنهم قد يأخذونني منك." نظرت إليها سرين بصمت. لا تملك وعدًا صادقًا لتمنحه. حتى هي لا تعرف كيف سيجري الأمر. نوال تطلب منها إبلاغ الشرطة بنفسها. هذا منطقي من جهة، ومرعب من جهة أخرى. إذا كانت هناك جهة تلاحقهما، فمن يضمن أن البلاغ لن يفتح بابًا خاطئًا؟ وإذا لم تبلغ، فستبقى هذه الطفلة معلقة معها بلا هوية ولا حماية قانونية. "سنذهب معًا." قالتها أخيرًا. "وترجعين معي؟" توقفت عند السؤال. كانت الكلمة البسيطة تحمل افتراضًا جارحًا: أن المكان الطبيعي لسديم هو معها، وأن الابتعاد عنها مرة أخرى سيكون تكرارًا لخسارة قديمة. "سنرى." قالتها بأقل قدر من القسوة. لكن سديم لم تتركها تنجو من الغموض. "هذا ليس نعم." رفعت سرين عينيها إليها. "وأيضًا ليس لا." ظلت الصغيرة تحدق فيها لحظة، ثم استلقت ببطء على الأريكة. لم تنم فورًا. كانت تنظر إلى السقف كأنها تعرف أن النوم في الليالي المهمة يظل بعيدًا. بعد وقت، شعرت سرين بأنفاسها تهدأ قليلًا. أما هي فبقيت مستيقظة، حتى الفجر. حين بدأ الضوء الرمادي يتسلل من خلف الستائر، كانت ما تزال جالسة في المكان نفسه، مع ظهر متصلب ورأس أثقله التفكير. قامت بصمت، أعدت قهوة لنفسها وحليبًا دافئًا لسديم، ثم أيقظتها برفق. غسلت الصغيرة وجهها، سرحت شعرها بما استطاعت من ترتيب، وألبستها ملابس أكثر دفئًا من خزانة ملابس قديمة كانت تحتفظ فيها سرين ببعض القطع العادية. لم يكن الأمر طبيعيًا، ورغم ذلك، بدا وكأن جسدها يعرف كيف يقوم به. هذه الملاحظة وحدها أزعجتها بما يكفي لتسرع في إنهاء الفطور. "سأذهب معك." قالت سديم وهي تمسك الكوب بكلتا يديها. "أعرف." "ولا تتركيني في السيارة." التفتت إليها سرين. "لماذا تظنين أنني قد أفعل؟" خفضت الصغيرة عينيها. "لأنهم فعلوا ذلك مرة." تصلبت سرين للحظة، لكنّها دفعت السؤال إلى وقت لاحق. ليس الآن. ليس وهي على وشك دخول مركز شرطة، محاولة أن تبدو متماسكة بما يكفي لإقناع أي شخص بأنها ليست امرأة خرجت من ليل غير مفهوم. بعد أقل من ساعة، كانت تقود باتجاه المركز الأقرب. وضعت سديم في المقعد الخلفي وربطت لها الحزام بنفسها. طوال الطريق، كانت الصغيرة صامتة، تحدق من النافذة إلى الشوارع التي تستيقظ ببطء. عمّال يفتحون المحلات. سيارات أجرة. امرأة تعبر الطريق مع طفلين. الحياة العادية بدت مستفزة اليوم، كأن العالم لم يصله شيء مما انفجر داخلها الليلة الماضية. أوقفت السيارة أمام المبنى الرمادي المنخفض. التفتت إلى الخلف. "ستبقين قريبة مني. مفهوم؟" "نعم." "وستجيبين فقط عما تعرفين." هزت سديم رأسها. "وإن شعرتِ بالخوف، ستقولين لي." رفعت الصغيرة وجهها إليها. "هل تقولين الحقيقة؟" عقدت سرين حاجبيها. "بخصوص ماذا؟" "أنني أقول لك إذا خفت." فهمت المعنى بعد ثانية. كانت الطفلة تسأل: هل ستستمعين فعلًا؟ "نعم." نزلتا معًا. داخل المركز، كانت الرائحة خليطًا من ورق قديم، قهوة، وهواء بارد من المكيف. رجال ونساء يتحركون بين المكاتب. مكالمات قصيرة. حاسوب يصدر صوت طباعة. لا شيء في المشهد يوحي بأنه سيتعامل مع شيء بهذا القدر من التعقيد. ومع ذلك، هذا هو المكان الذي قالته نوال. وهذا هو المكان الذي يجب أن تبدأ فيه، إن كانت ستفعل شيئًا صحيحًا. تقدمت إلى المكتب الأمامي، وعرّفت بنفسها وقدمت رقم البلاغ الليلي. نظر الموظف إلى الشاشة، طلب منها الانتظار قليلًا، ثم أحالهما إلى غرفة جانبية صغيرة فيها مكتب معدني وكرسيان أمامه. بعد دقائق، دخل ضابط في منتصف الأربعينيات، بوجه هادئ ونظرة عملية لا تميل إلى الدراما. جلس، فتح ملفًا على الحاسوب، ثم نظر أولًا إلى سرين، وبعدها إلى سديم. "أنتِ صاحبة بلاغ الليلة الماضية؟" "نعم." "والطفلة هي نفسها؟" "نعم." "أريد أن نبدأ من البداية." أعادت سرد ما حدث، لكن بصياغة أشد ترتيبًا مما كانت تشعر به: العودة إلى المنزل، وجود الطفلة، ادعاؤها بأنها ابنتها، الرجل الذي طرق الباب، محاولة كسر الزجاج، ثم مجيء الدورية. لم تذكر اسم نوال بعد. لم تذكر الرسائل بصيغتها الكاملة، لكنها عرضت على الضابط الرقم المجهول والصور التي وصلتها. أخذ الهاتف منها، تفحصه بدقة، وطلب إرسال نسخة إلى البريد الداخلي للإجراءات. ثم التفت إلى سديم. "ما اسمك؟" "سديم." "الاسم الكامل؟" صمتت. "هل تعرفين؟" "لا." كتب شيئًا، ثم تابع: "كم عمرك؟" "ثمانية." "تاريخ ميلادك؟" هزت رأسها. "أي مدرسة؟" "لا أعرف اسمها." "اسم الأم؟" رفعت سديم عينيها إلى سرين. شعر الضابط بالتوتر بين النظرتين. حرك كرسيه قليلًا. "نريد الاسم الذي كنتِ تعيشين معه." همست الصغيرة: "هالة." "اسمها الكامل؟" "لا أعرف." "اسم الأب؟" "لا أعرف." "اسم الرجل الذي جاء إلى البيت؟" انكمش كتفاها قليلاً. "لا أعرف." تدخلت سرين. "هي تعرفه شكلاً على الأقل. وهذا الرجل مهدد بشكل واضح." أشار الضابط بيده إشارة هادئة أنه سيتابع. ثم فتح نافذة أخرى على الحاسوب، وبدأ بإدخال البيانات الأساسية. طلب من موظفة جاءت بعد دقائق أن تلتقط صورة سريعة للطفلة للإجراء الداخلي، ثم عاد إليهما. "سنقوم الآن بالتحقق من بلاغات الأطفال المفقودين، والسجلات المدنية إن أمكن، وأي بيانات ترتبط باسم هالة مع طفلة بهذا العمر." انتظرت سرين. جلسات الانتظار القصيرة صارت أشبه بسنوات في هذه الليلة الممددة. كانت عيناها تتحركان بين شاشة الحاسوب ووجه الضابط ووجه سديم. أما الصغيرة فكانت قد أمسكت طرف كمها بين أصابعها وبدأت تلفه دون وعي. حركة طفولية صغيرة، لكنها كشفت التوتر الذي تخفيه بصمتها. بعد دقائق من البحث، دخل الضابط اسم "سديم" بأشكال متعددة. لا نتيجة واضحة. جرّب العمر التقريبي. لا نتيجة. طلب من موظف آخر أن يبحث في البلاغات المفتوحة خلال الأشهر الأخيرة عن أي طفلة تناسب الوصف. لا شيء مطابق. رفع الضابط رأسه أخيرًا. "لا يوجد بلاغ مفقود واضح بهذه المواصفات." شعرت سرين أن الجملة يجب أن تطمئنها، لكنها فعلت العكس. "كيف لا يوجد؟ طفلـة بعمر ثماني سنوات خرجت من مكان ما، لا تعرف اسم عائلتها، وجاءت إلى بيتي في منتصف الليل. لا بد أن أحدًا يبحث عنها." "نظريًا نعم." قالها بنبرة عملية. "لكن حتى الآن لا يوجد ما يشير إلى ذلك رسميًا." "ابحثوا باسم هالة." "نبحث." أدخل الاسم، هذه المرة مع احتمالات مختلفة للاسم الثنائي والثلاثي. ظهرت عدة أسماء نساء، لكن لا شيء متصل مباشرة بطفلة مسجلة باسم سديم في العنوانات المحتملة. طلب عنوانًا أو منطقة، لكنها لم تملك شيئًا تقدمه. "هل لديك شك باسم عائلة أو منطقة أو مهنة؟" نظرت سرين إلى سديم. "هل تعرفين أين كانت هالة تعمل؟" هزت الصغيرة رأسها. "هل البيت قريب من مدرسة؟" "ربما." "من مستشفى؟" ترددت. "أحيانًا أشم رائحة دواء." تبادل الضابط نظرة مع الموظف، ثم عاد إلى الشاشة. "الرائحة ليست عنوانًا." ضغطت سرين على شفتيها. "هل يمكن أن تكون الطفلة غير مسجلة أصلًا؟" رفع الضابط عينيه إليها ببطء. "هذا احتمال قائم." شعرت بالهواء يثقل في الغرفة. "كيف يعني غير مسجلة؟" "يعني إما بياناتها مزورة، أو أنها تعيش خارج المسار الرسمي الطبيعي. لا شهادة ميلاد واضحة، أو تسجيل مختلف، أو نقل غير قانوني من جهة إلى أخرى." اتسعت عيناها. "طفلة كاملة يمكن أن تختفي هكذا؟" "أكثر مما تتخيلين." الكلمات نزلت في داخلها ببطء شديد. التفتت إلى سديم. كانت الصغيرة تحدق في سطح المكتب، كأن شيئًا مما قيل ليس مفاجئًا لها. هذا وحده كان كافيًا ليرفع الرعب في صدر سرين أكثر. "هل يمكنك أن تستخرجوا بيانات من بصمات أو شيء كهذا؟" أجاب الضابط: "ليس بهذه السرعة، وليس دون إجراءات أوسع، خاصة إن لم يكن لدينا نقطة انطلاق صحيحة. لكن يمكننا إشعار الجهات المختصة بالحالة." عاد الضابط يسأل سديم سؤالًا بدا في البداية بسيطًا: "هل لديكِ أي أوراق؟ بطاقة؟ كرت مدرسة؟ شيء؟" هزت رأسها. "أي شيء جئتِ به؟" هنا رفعت الصغيرة نظرها إلى سرين مباشرة. شعرت سرين بانقباض مفاجئ. الحقيبة. قالت بسرعة قبل أن تنطق سديم: "لا شيء رسمي." انتبه الضابط إلى السرعة في جوابها، لكنه لم يعلّق. فقط كتب شيئًا. ثم قال: "أريد أن أتأكد من شيء. هل الطفلة مصابة أو عليها آثار عنف واضحة؟" أجابت سرين: "رأيت أثرًا قديمًا قرب معصمها. وهي خائفة من الرجل الذي جاء." نظر الضابط إلى سديم بلطف أكثر هذه المرة. "هل ضربك أحد؟" هزت رأسها نصف هزة، لا نعم كاملة ولا لا حاسمة. جواب رمادي، لكنه في ملفات كهذه، أسوأ من الكلمة المباشرة. دخلت موظفة أخرى، طلبت التحدث إلى الصغيرة منفردة لبضع دقائق ضمن الإجراء المعتاد. تجمد جسد سديم فورًا، ونظرت إلى سرين بعينين قالتا لا تتركيني. لاحظت الموظفة ذلك أيضًا. "يمكن أن تبقى قريبة، فقط خارج الباب." ترددت سرين، ثم انحنت لمستوى وجه سديم. "سأكون هنا." "لا تذهبي." "أنا هنا." حدقت بها الصغيرة ثانية أطول، ثم أومأت ببطء. خرجت سرين إلى الممر، لكن الباب بقي مواربًا قليلاً. سمعت أسئلة هادئة، نبرة الموظفة المطمئنة، وصوت سديم الصغير يجيب بجمل قليلة. اسمها. عمرها التقريبي. الرجل الذي يغضب. المرأة التي لا تحب. البيت الذي فيه رائحة دواء. الحقيبة. عند هذه الكلمة شدّت سرين جسدها كله. "أي حقيبة يا حبيبتي؟" ساد صمت داخل الغرفة. دخلت سرين فورًا قبل أن يستمر السؤال. "ليست حقيبة ذات صلة مباشرة بالهوية. مجرد أغراض كانت معها." نظرت الموظفة إليها بإمعان هذه المرة، ثم قالت بنبرة حيادية: "قد تكون كل الأشياء ذات صلة." "سأذكرها إذا لزم الأمر." أجابت سرين بسرعة أكثر من اللازم. انكمش شيء ما في ملامح الموظفة، كأنها سجلت هذا التحفظ داخليًا. عادوا جميعًا إلى المكتب الأول. جلس الضابط من جديد، وأغلق بعض النوافذ على الشاشة. ثم قال الجملة التي كانت تخشاها وتنتظرها في آن: "في الوضع الطبيعي، نحيل الطفلة اليوم إلى الجهة المختصة لحين التحقق من بياناتها." انخفضت أنفاس سديم فورًا. "لكن..." تابع وهو ينظر إلى سرين مباشرة. "هناك شيء غير اعتيادي هنا. لا يوجد بلاغ مفقود. لا توجد بيانات واضحة. وهناك محاولة اقتراب ليلية من منزلك وصور تهديد. وهذا يجعلنا نتعامل مع الأمر بحذر أكبر." ثبتت سرين عينيها عليه. "ماذا يعني هذا؟" "يعني أننا سنفتح محضرًا بحالة طفلة مجهولة البيانات وصلت إليكِ، مع شبهة تهديد خارجي. وسنرفع إشعارًا عاجلًا للمتابعة. لكنني أحتاج منكِ تعاونًا كاملًا، لا أنصاف معلومات." شعرت أن الجملة تستهدف الحقيبة مباشرة، حتى دون أن يذكرها. ومع ذلك، بقيت صامتة. "هل هناك شيء آخر لم تخبرينا به؟" نظرته ثابتة. لا يتهم، لكنه لا يترك مساحة مريحة للكذب أيضًا. نظرت سرين إلى سديم. الصغيرة كانت تحدق بها هي الأخرى. في عينيها رجاء صامت، وشيء آخر... خوف من أن تخرج الحقيبة من قبضتهما معًا إلى مساحة لا تعرفها. أخفضت سرين نظرها لحظة، ثم قالت: "هناك أغراض معها. أشياء قديمة. لكن لا توجد أي أوراق رسمية." "أريد أن أراها." "ليس الآن." ساد الصمت في المكتب. "لماذا؟" رفعت رأسها ببطء. "لأنني لا أعرف بعد من في هذه الدائرة كلها يمكن الوثوق به." دخلت الجملة في الغرفة مثل حجر ألقي في ماء ساكن. الموظفة رفعت حاجبها قليلًا. الضابط لم يغضب، لكنه بدل جلسته. "هذا مركز شرطة." "أعرف." "وأنتِ هنا تطلبين الحماية." "وأحاول أن أفهم إن كنت أضعها في المكان الصحيح." كان يمكن أن تنتهي الجملة بأسوأ مما انتهت عليه، لولا أن الضابط ظل هادئًا على نحو أربكها أكثر. "هل لديك سبب محدد لهذا الشك؟" لم تجب فورًا. ثم قالت: "لأن من يهددني يعرف ما لا ينبغي أن يعرفه. ويعرف أن الطفلة عندي. ويعرف اسمي الشخصي القديم." لم تقل "اسمي القديم" بل "الشخصي القديم" لأنها لم ترد أن تفتح قصة نوال كلها هنا، لا قبل أن تفهم أكثر. "وهل تعتقدين أن جهة رسمية متورطة؟" "أقول إنني لا أستبعد شيئًا." أطرق الضابط لحظة، ثم كتب سطرًا جديدًا. "حسنًا. سنفعل هذا بطريقة أخرى. يمكنكِ الاحتفاظ المؤقت بالطفلة تحت مسؤوليتك لليوم، بشرطين: ألا تنقليها إلى أي مكان مجهول، وألا تخفي أي دليل إذا طلب رسميًا." شعرت سرين بدهشة سريعة. "تتركونها معي؟" "مؤقتًا. لأن وضعها غير واضح، ولأن خروجها من حيزك الآن قد يربك الخيط الوحيد الموجود. لكنها ليست تسوية دائمة. هذا مفهوم؟" أومأت. "وأريدك أن تبقي هاتفك مفتوحًا. وأي ظهور للشخص الذي هددك، أو أي اتصال آخر، تبلغيننا فورًا." "حسنًا." التفت الضابط إلى سديم. "وأنتِ يا صغيرة، ستبقين معها اليوم، لكن إن تذكرتِ أي اسم أو مكان أو مدرسة أو شيء، ستقولينه لها فورًا." أومأت الطفلة. بدأ الموظفون بإعداد المحضر. طُلب من سرين التوقيع على إفادة مفصلة. كتبت اسمها، وقت العثور على الطفلة، وقت التهديد، وصف الزجاج، وملخصًا عن الرجل. في خانة "علاقة المبلِّغة بالطفلة"، توقفت يدها. بقيت القلم معلّقًا لحظة فوق الورقة. "ما العلاقة؟" سألتها الموظفة دون أن ترفع رأسها. نظرت إلى سديم، ثم قالت بصوت خرج أبطأ من المعتاد: "لا أعرف بعد." سجلت الموظفة العبارة كما هي تقريبًا. عندما انتهت من التوقيع، جاءها الضابط بنسخة من رقم المحضر ووسيلة التواصل المباشر مع القسم المتابع. ثم قال وهو يقف: "هناك مفاجأة أخرى." رفعت سرين رأسها. "بحثنا في الاسم الذي ذكرته الطفلة: هالة. وجدنا عنوانًا قديمًا مرتبطًا بامرأة بهذا الاسم في منطقة تبعد نحو أربعين دقيقة من هنا. لكن الملف منتهي، والعنوان مؤرشف منذ سنوات، ولم يُسجل فيه طفل بهذه المواصفات." "هل يعني هذا أنها كانت هناك؟" "يعني أن الاسم ليس وهمًا كاملًا. لكنه لا يثبت شيئًا وحده." سكت لحظة، ثم أضاف: "والأغرب من ذلك... لا يوجد أي بلاغ حقيقي خرج من ذلك العنوان عن طفلة مفقودة. ولا حتى بلاغ ادعاء هروب." شعرت سرين أن قلبها ضرب بقوة. "يعني لا أحد يبحث عنها." "رسميًا، نعم." نظرت إلى سديم. الصغيرة لم تبدُ مصدومة. فقط خفضت بصرها، كأنها كانت تعرف ذلك مسبقًا. وهذا ما كسر شيئًا جديدًا داخل سرين، لأن الطفل الذي لا يفاجأ بأنه غير مطلوب... طفل عاش ذلك الشعور طويلًا. خرجتا من المكتب أخيرًا. في الممر، كان الضوء الأبيض قاسيًا، والأصوات العادية من حولهما مزعجة أكثر من اللازم. عندما وصلتا إلى الباب الخارجي، شعرت سرين بأن الهواء خارج المركز مختلف. ليس أخف، بل أشد قسوة. لأن ما حملته معها الآن ليس مجرد طفلة مجهولة، بل محضر رسمي يقول إنها غير واضحة بالكامل، ولا أحد أبلغ عنها حقًا. وقفت قرب السيارة، وفتحت الباب الخلفي لتركب سديم، لكن الصغيرة لم تركب فورًا. ظلت واقفة تنظر إليها. "ماذا؟" سألتها سرين. قالت سديم بصوت منخفض: "قلت لك." "ماذا قلتِ؟" "إنهم لا يريدونني." شعرت الكلمات وكأنها خرجت من مكان تعرفه في نفسها، لا من فم الطفلة فقط. انحنت قليلًا، نظرت في عينيها مباشرة، وقالت ببطء: "لا تكرري هذه الجملة." رمشت الصغيرة بحيرة. "لماذا؟" لأنها لا تحتمل سماعها. لأن نوال صمتت حين سئلت إن كانت ابنتها. لأن لا أحد قدّم بلاغًا عنها. لأن كل الخيوط تقول إن هذه الطفلة تُركت فعلًا بطريقة أو بأخرى. لكن سرين لم تقل شيئًا من هذا. قالت فقط: "لأنني لا أريدك أن تؤمني بها." نظرت سديم إليها طويلًا، ثم سألت السؤال الذي شق قلبها بهدوء لا يليق بطفلة: "وأنتِ... هل تؤمنين بها؟" تجمدت يد سرين على باب السيارة. لم تجب. لكن في اللحظة نفسها، اهتز هاتفها في جيبها. أخرجته بسرعة. رسالة جديدة. هذه المرة من رقم معروف. نوال فتحتها. لم تكن رسالة طويلة، فقط صورة واحدة. صورة قديمة جدًا، باهتة، ومهزوزة قليلًا... لكنها واضحة بما يكفي. سرين على سرير مستشفى، أصغر عمرًا، شاحبة، وعيناها مغلقتان. وفي حضنها... رضيع ملفوف بقطعة قماش من الشال العاجي ذاته. وتحت الصورة سطر واحد: إن أردتِ بقية الحقيقة، لا تعودي إلى البيت... اذهبي أولًا إلى العنوان الذي سأرسله الآن.مرّت الأيام التالية بهدوء لم يكن هدوءًا كاملًا، لكنه لم يعد الهدوء المخادع الذي يسبق الانفجار.كان هدوءًا مصنوعًا بيدين متعبتين، يومًا بعد يوم، كما تُخاط قطعة قماش ممزقة بخيط دقيق لا يحتمل العجلة.البيت تغيّر فعلًا.لم يعد مجرد مكان تنام فيه سرين وتعمل فيه وتغلق أبوابه على تعبها. صار بيتًا يعرف أن فيه طفلة تستيقظ أحيانًا قبل الفجر لتتأكد أن الضوء موجود، وأن أمها لا تزال هنا، وأن باب الغرفة نصف مفتوح كما اتفقتا. صار فيه كوب صغير بلون أزرق على الرف الثاني، ومشبك شعر على طرف المغسلة، ودفاتر رسم فوق الرف الأبيض، وصندوق أسرار خشبي لا تفتحه سرين أبدًا إلا إذا طلبت منها سديم بنفسها.صار فيه ضحكة خفيفة تمر أحيانًا في الممر، وسؤال عن الفطور، واعتراض على لون الجوارب، وطلب للنوم قرب أمها في الليالي التي يثقل فيها الحلم.أما القضايا، فقد بدأت تتحرك على طريقتها الباردة.رائد كان يرسل التحديثات بوضوح لا يعرف الزخرفة.الاستدعاءات خرجت.النسخ ثبتت.بعض الأسماء بدأت تتعرق تحت الضوء.كمال رضوان لم يعد مجرد ظل.سلوى صارت أكثر حذرًا من أن تختفي
جاء القرار في صباح هادئ على نحو لا يليق بوزنه.استيقظت سرين قبل الجميع، كالعادة التي بدأت تتشكل فيها منذ دخلت سديم حياتها لا كطارئة، بل كقلب جديد يفرض على الوقت نفسه ترتيبًا آخر. نهضت من السرير بهدوء، ومرّت أولًا على غرفة ابنتها. توقفت عند الباب المفتوح نصف فتحة، ونظرت.كانت سديم نائمة على جانبها، يدها تحت الوسادة، وخصلة من شعرها على وجهها، ومصباح القمر مطفأ للمرة الأولى منذ دخل الغرفة لأن الطفلة نفسها قالت قبل النوم: "اليوم ما أبغاه."هذه التفاصيل الصغيرة كانت تعني لسرين أكثر مما يجب.الطفلة التي كانت تخاف الضوء والظلمة معًا، بدأت تجرّب أن تختار.وهذا بحد ذاته شفاء صغير.دخلت بخفة، أبعدت الخصلة عن جبينها، وبقيت ثواني تنظر إليها.كانت تعرف أن هذا اليوم مختلف.ليس لأن القانون يتحرك فقط.ولا لأن نوال سقطت.ولا لأن اعتذار فارس ما يزال يتردد في البيت.بل لأن هناك شيئًا يجب أن يُحسم منها، هي هذه المرة، لا كردّ فعل، بل كاختيار.خرجت إلى المطبخ.أعدّت القهوة.جلست عند الطاولة، وفتحت الحاسوب.كانت الرسائل كثيرة:
لم تنم سرين بعد خروج فارس من الغرفة.بقيت واقفة أمام النافذة، كما لو أن جسدها نسي كيف يعود إلى الراحة بعد كل ما سمعه في تلك الليلة. في الزجاج، رأت انعكاسها باهتًا ومكسور الحواف: امرأة مرهقة، عينان حمراوان، شعر لم تعد تهتم بترتيبه، ووجه لا يعرف هل هو وجه أم، أم ابنة، أم امرأة تُدفن وتُبعث في الأسبوع نفسه أكثر من مرة.في الداخل، كان البيت ساكنًا.سديم نائمة أخيرًا.وفارس في الغرفة البعيدة أو عند باب البيت، لا تعرف ولا تريد أن تعرف بالضبط.والصمت بين الجدران لم يعد صمتًا مريحًا، لكنه لم يكن عدائيًا أيضًا. كان أقرب إلى تلك اللحظة التي تأتي بعد الجراحة: النزف خفّ، لكن الجسد لم يصدّق بعد أنه نجا.وضعت يدها على زجاج النافذة.كان باردًا.وبرودة الزجاج ذكرتها بشيء بسيط ومرعب في الوقت نفسه:كل ما حدث بينها وبين فارس لم يعد يمكن اختصاره إلى سؤال واحد.هل أحبها؟نعم.هل خذلها؟نعم.هل بحث؟نعم.هل تأخر؟نعم.هل اعتذاره صادق؟نعم.هل يكفي؟لا.وهذا هو أصعب نوع من الحقائق.لو كان رجلًا
في صباح اليوم التالي، استيقظت سرين قبل سديم بوقت طويل.لم يكن السبب صوتًا ولا كابوسًا هذه المرة، بل شعور داخلي واضح بأن شيئًا في البيت نفسه لم يعد يحتمل التأجيل. بقيت دقائق تنظر إلى السقف، والضوء الباهت يتسرب من أطراف الستارة، ثم التفتت إلى الجهة الأخرى من السرير الصغير الذي نامت قربه فيه ابنتها. كانت سديم ملتفة على جانبها، يدها تحت خدها، ملامحها أهدأ من الليالي السابقة، لكن في وجهها ما يزال ذلك التعب الذي لا يليق بعمرها.مدّت سرين يدها بخفة، أبعدت خصلة شعر عن جبينها، ثم جلست ببطء حتى لا توقظها. نظرت حول الغرفة. ما تزال هذه ليست غرفة طفلة. السرير مؤقت. الخزانة فارغة إلا من أشياء اشتريت بسرعة. الكتب لا تخصها. الجدران محايدة. لا أثر هنا لحياة بدأت. فقط أثر لحياة أُدخلت على عجل.وهنا فهمت شيئًا بسيطًا، لكنه حاسم:سديم لم تعد تحتاج فقط إلى حماية من الذين خطفوا عمرها.تحتاج مكانًا.مكانًا لا يبدو فيه وجودها استعارة.لا سرير ضيف.لا فرشاة مؤقتة.لا ملابس اشتريت من باب الإسعاف.بل مساحة تقول لها: أنتِ هنا، لا زائرة.نهضت
لم تدخل سرين إلى غرفتها تلك الليلة.بعد حديثها مع جلال، وبعد أن عرفت أن صمت الأب له صوت حين يتأخر بما يكفي، لم تعد ترغب في أي مكان مغلق يطلب منها أن تواجه نفسها وحيدة. بقيت قرب غرفة سديم، والباب نصف مفتوح، كما صار عادة بينهما منذ عادت الطفلة من هربها. كانت تجلس على الأريكة الصغيرة في الممر، كوب شاي بارد قربها، والهاتف مقلوبًا على الطاولة، والملفات بعيدة لأول مرة عن يدها، كأنها لم تعد تحتمل أن تلمس ورقًا أكثر مما لمست وجعًا هذا اليوم.في البيت هدوء متعب.ديمة غادرت قبل ساعة بعد أن تأكدت أن سرين لن تنهار وحدها.رائد أرسل رسالة مقتضبة: غدًا نبدأ باستدعاءات إضافية. نامي إن استطعتِ.أما فارس، فما تزال تعرف أنه في الصالة البعيدة، أو قرب الباب، أو في المسافة التي لا تراه فيها عينها مباشرة لكنها تشعر بها كما تشعر بجرح لم يلتئم تحت الملابس.كانت تفكر في جملة جلال الأخيرة، وفي اعتذاره، وفي أنها لم تستطع أن تعطيه صفحًا، ولا رفضًا كاملًا، فقط تركته يذهب ومعه ثقله. ثم جاءها سؤال أقسى:هل الاعتذار يكفي أصلًا عند الرجال الذين أحبّتهم؟هل يكفي أن يقولو
لم يكن خروج سرين من مكتب رائد يشبه أي خروج آخر عرفته في حياتها.لم تشعر أنها ربحت.ولا أنها هدأت.ولا حتى أنها انتقمت.فقط شعرت بتعب ثقيل جدًا، وتيبس غريب في الداخل، كأن روحها ظلت واقفة ساعات طويلة في مكان بارد ثم قيل لها: الآن تحركي.نوال سقطت. نعم.لكن سقوطها لم يردّ السنوات، ولم يُلغِ الطفلة التي بكت، ولم يُصلح فارس، ولم يُمحِ الأخ الذي كان ينتظر الوصاية، ولم يُرجع إلى قلبها بساطة الأشياء.كل ما فعله أنه كشف حجم الخراب على حقيقته.كانت ديمة بجانبها في الممر، صامتة هذه المرة، تدرك أن بعض المسافات لا تُملأ بالمواساة.أما فارس، فخرج بعد دقائق، لا قريبًا بما يكفي ليسألها إن كانت بخير، ولا بعيدًا بما يكفي ليبدو خارج المشهد. صار وجوده حولها يشبه جرحًا يمشي. تتعود عليه العين من دون أن يخف وجعه."أرجع البيت."قالتها سرين أخيرًا.أومأت ديمة."أنا أوصلك."هزّت رأسها نفيًا."أريد أمشي شوي."نظرت إليها ديمة لحظة، ثم لم تجادل."أنا أسبقكِ إلى البيت إذا تغير رأيك."أوم
انفجر صوت القفل المكسور في الممر كطلق نار داخل صدر سرين.لم يكن الباب قد فُتح بعد بالكامل، لكن الخشب اهتز، وصرخت المفصلات القديمة، وعرفت في اللحظة نفسها أن الثواني لم تعد تُقاس بالكلام، بل بما يمكن أخذه قبل أن يدخل الخطر."الخلف."قالها فارس بحدة لم تستخدمها أذناه منه من قبل
ظل الباب مفتوحًا بينهما كأن الهواء نفسه توقف عند العتبة ولم يعرف إلى أي جهة يميل. فارس لم يتحرك. لم يقترب. لم يحاول حتى أن يلمس الجدار أو الدرابزين أو أي شيء يثبت به نفسه. فقط وقف في مكانه، وعيناه تنتقلان بين وجه سرين ووجه سديم كما لو أن الزمن
توقفت السيارة في منتصف الشارع لثانيتين بدتا أطول من الطريق كله. أبواق السيارات خلفها انفجرت دفعة واحدة، لكن سرين لم تستوعبها فورًا. كانت يداها مثبتتين على المقود، وعيناها مفتوحتين على اتساعهما، تنظر إلى الإشارة أمامها ولا تراها حقًا. ما كانت تراه لم يكن الشارع. كان بابًا أبيض يُدفع بعنف، ويد رجل تن
بقيت الصورة معلقة على شاشة هاتفها حتى شعرت سرين أن أصابعها فقدت حرارتها.لم يكن هناك مجال للشك في ما تراه. كانت هي. وجهها الشاحب، شعرها المبعثر على الوسادة البيضاء، الذراعان المرتخيتان، والرجل الذي لا يظهر منه شيء في الإطار سوى طرف يد تحاول تعديل القماش حول الرضيع. وذاك القماش... قطعة من الشال نفسه







