All Chapters of رسالة إلى الشيطان: Chapter 31 - Chapter 36

36 Chapters

سريان السُم وانصهار القيود

كان ملمس النصل المعدني المدبب لإبرة البروفيسور سليم الدمنهوري فوق بشرة عنقي المكشوفة بارداً كبرودة المقابر الحجرية، برودة اخترقت مسامي لتصل مباشرة إلى النخاع وتجمد ما تبقى من دم في عروقي المنهكة. تراقص الضوء الأبيض المتذبذب لمصباح الفلورسنت الشاحب فوق الجدران الخرسانية العارية للزنزانة، ليعكس ظلالاً متوحشة للرجل الواقف فوق رأسي بكامل حلته الكحلية الأنيقة، التي لم تتلوث برذاذ بارود أو قطرة دم واحدة من المجزرة التي دارت بالأعلى.حاولتُ التشنج، وحاولتُ دفع جسدي المرتجف بفستانه القطيفة الممزق ورداء المخمل الأسود الذي ما زال يلتف حول خصرِي كأثر باهت من عرين مراد، لكن الأحزمة الجلدية الصارمة المثبتة حول معصميّ وجسدي كانت تنهش لحمي وتزيد من إحكام السيطرة عليّ. كانت جروح ذراعيّ تنبض بألم مستعر، يتصاعد مع ضربات قلبي الجنونية التي كانت تدق في صدري كطبول إعدام وشيك."أرجوك.. سليم.. لا تفعل هذا،" همستُ بصوت متهدج مخنوق بالدموع، واللعاب جاف في حلقي المستهلك من أبخرة الانفجارات، "أنا لا أملك الشفرات.. طارق وكارما ماتا ولم يتركا لي شيئاً.. أنت تضحي بحياتك في مواجهة وحوش لن ترحمك إذا علموا بوجودي."ت
last updateLast Updated : 2026-06-01
Read more

زئير الرصاص في قبو التشريح

كانت أضواء الطوارئ الحمراء الخافتة تتدفق في فضاء الزنزانة الخرسانية المحصنة كشلالات من دماء قانية، تلعق الجدران العارية الرطبة وترسم ظلالاً متوحشة تليق بمقبرة دُفنت فيها الإنسانية ونبتت مكانها شريعة الوحوش. تفشت رائحة البارود النفاثة والممزوجة برائحة المواد الكيميائية وأبخرة الانفجارات العلوية لتخنق الأنفاس، صانعة غلافاً خانقاً من التوتر الذي يكاد يُرى بالعين المجردة. وقف مراد السيوفي بجسده الطاغي الفخم وعرض منكبيه الشامخين، كأنه صخرة صمّاء من رخام أسود انبعثت من جحيم مستعر، يده الكبيرة الدافئة تقبض على خصري بعنف تملكٍ شرس لم تفرضه خطوط نيران أو دوي متفجرات، بينما كان مسدسه الفضي اللامع يمتد في خط مستقيم وثابت لا يعرف الارتجاف، موجهاً بدقة متناهية نحو العين السوداء للمستشار أدهم الجارحي.وفي المقابل، كان أدهم يقف بقامته الفارهة وضخامة منكبيه النحيت عند البوابة الفولاذية المحطمة للزنزانة، معطفه الكحلي الطويل ممزق وملطخ بسواد الرماد ودماء معاركه السابقة، لكن عينيه الباردتين كأعين الصقور كانتا تقطران بكبرياء صارم وعناد قانوني يرفض الانحناء لغطرسة المافيا. ماداً سبطانة مدفعه الرشاش الرسمي
last updateLast Updated : 2026-06-02
Read more

انبعاث من برزخ الرماد

لم يكن هدير الانفجار الكوني الذي ضرب حوافظ المختبر الهيدروليكية مجرد دمار مادي أطاح بقبو التشريح السفلي، بل كان أشبه بزلزال كيميائي صهر جدران الخرسانة العارية وحول الزنزانة المحصنة تحت الأرض إلى محرقة من صخر سائل ونيران لافحة برتقالية شقت طريقها بجنون عبر الشقوق العلوية نحو أسوار العاصمة. قذفت موجة الضغط العاتية بالأجساد كشظايا زجاجية مكسورة تذروها رياح البارود، ليتصاعد غبار رمادي داكن وخانق حجب أضواء الطوارئ الحمراء تماماً، مطبقاً عتمة المقابر فوق ساحة الفناء الشامل التي تلاحمت فيها شريعة الكبار، وتملّك النمر، وقانون الدولة.سقطتُ وسط الحطام المشتعل، وجسدي المنهك بفستانه القطيفة ورداء المخمل يرتجف بعنف يكاد يقتلع ما تبقى من ذرات روحي الملوثة بدمي الدافئ. كانت جروح ذراعيّ النازفتين إثر الرصاصات الأخيرة وطعنات الغدر تنبض بحرارة مسمومة سرت كالنيران في عروقي، ممتزجة برطوبة القبو القارسة وأبخرة المواد الكيميائية النفاثة التي كتمت أنفاسي وشلت قدرتي على الحراك. كدتُ أستسلم لتلك الظلمة السحيقة وأغلق عينيّ للأبد مستسلمة لبرزخ الموت المطبق، لولا تلك الذراع الضخمة، القوية والدافئة كالجمر، التي
last updateLast Updated : 2026-06-02
Read more

غسق الذاكرة الفضية

كان سريان المادة الفضية الكيميائية داخل عروق عنقي أشبه بانسكاب جزيئات من الجليد السائل الذي يبتر صلة الروح بالجسد بنعومة متناهية الشراسة. امتدت تلك القشعريرة السامة لتتسلق نخاعي الشوكي، ومحا الطنين الالكتروني المنبعث من حقنة المارشال خالد الجارحي صدى عاصفة المطر الشتوية المحلقة بالخارج. كانت الكابينة الخلفية لطائرة الشحن العسكرية المصفحة تسبح في غلاف قرمزي خانق؛ أضواء الطوارئ الدائرية المثبتة في السقف المعدني المقوس تلقي بظلالها الحمراء الموحشة فوق وجه المارشال الصارم، الذي وقف بقامته الفارهة وضخامة منكبيه كملك للموت، يرتدي بزته العسكرية الداكنة الموشحة بالرموز السيادية، وعينه اليسرى الحادة تحدق من خلف الرداء الجلدي الأسود بنشوة انتصار بارد صاغته أجهزة المخابرات المشتركة وراء البحار.حاولتُ التشنج، وعصرتُ خلايا عقلي المستهلك لأطلق صرخة باسم "مراد"، لكن الأحزمة الفولاذية والأربطة الطبية الصارمة المثبتة حول معصميّ وجسدي المنهك كانت تضغط فوق فستاني القطيفة الأسود الممزق، لتخرس كل نبضة تمرد بدني فيّ. بدأت خلايا وجداني تتهاوى كالحصون الرملية أمام المد الفضي؛ تلاشت ملامح قبو التشريح المحترق
last updateLast Updated : 2026-06-02
Read more

سماء حمراء واشتعال الجليد

كانت كابينة الشحن القرمزية تتأرجح بعنف جنوني بين طيات العاصفة الرعدية التي تضرب أعالي الغلاف الجوي فوق البحر المتوسط، وهدير المحركات النفاثة لقرص طائرة الشحن المصفحة يدوي كزئير وحوش ميكانيكية توشك على التمزق. انبعثت أصوات تكسر التروس المعدنية واهتزاز الألواح الفولاذية للسقف المحطم لتمتزج بالبرق الخاطف الذي كان يقذف بومضاته الفضية الشرسة عبر الشروخ، ليرسم لوحة جنائزية باللونين الأحمر والأزرق فوق أجساد الجبابرة الثلاثة. تحول الفضاء الشاحب إلى برزخ معلق بين السماء والأرض؛ صراعٌ نهائي وأخير تلاحمت فيه غيرة النمر الشرسة وتملُّكه المطلق مع عناد الشرف الصارم لقانون الدولة، بينما كان المارشال خالد الجارحي ينزف بغزارة على ركبتيه فوق الأرضية المعدنية الباردة.كنتُ مستلقية بضعف تام بين ذراعي مراد السيوفي الضخمتين، وجسدي الحريري ينتفض برعشة جليدية لم تفرضها رياح السماء العاتية، بل سرت في عروقي بفعل المصل الفضي (عقار محو الوجدان) الذي حقنه المارشال في مسام عنقي. كانت عيناي العسليتان شاخصتين بنظرة زجاجية، باردة وخالية تماماً من تفاصيل الماضي؛ تلاشت ملامح العاصمة، وتلاشت صور الحرائق والزجاج المكسور،
last updateLast Updated : 2026-06-03
Read more

السقوط الحر

لم يكن تمزق طائرة الشحن العسكرية المصفحة في كبد السماء مجرد حادثة سقوط؛ بل كان بمثابة انشطار كوني لعرشٍ طائر انصهرت فيه شريعة المافيا الدولية وقانون الدولة وتملُّك النمر في ثانية واحدة تحولت فيها أعالي الغلاف الجوي إلى محرقة من الفولاذ المتفحم والحديد السائل. اندفعت موجة العصف الحراري الرهيبة لتشطر هيكل الطائرة القرمزي إلى نصفين متباعدين، وانطلقت ألسنة اللهب البرتقالية الشرسة تتلوى في وسط العاصفة الرعدية كأفاعٍ من نار تلتهم ضباب البحر المتوسط المظلم.قذفتنا القوة الانفجارية الغاشمة إلى الفراغ السحيق، لنجد أنفسنا في حالة سقوط حر مرعب بين السماء والماء، والبرق الخاطف يشق عتمة الغسق بوميضه الفضي الحاد ليرسم ظلالاً ملحمية لأجسادنا المتهاوية وسط الركام المتساقط كالجمر الملتهب. طوال الثواني الأولى من السقوط المرعب، تلاشت أصوات الانفجارات ليحل محلها عويل الرياح العاتية التي كانت تنهش وجنتي الشاحبة وتمزق ما تبقى من فستاني القطيفة الأسود ورداء المخمل الذي تلوث بدماء الطعنة الأخيرة.رغم فظاعة السقوط واقتراب الموت المحقق، لم تفرط تلك الذراع الضخمة، الدافئة والفولاذية، في محيط خصري أنشاً واحداً.
last updateLast Updated : 2026-06-03
Read more
PREV
1234
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status