ホーム / الرومانسية / رسالة إلى الشيطان / انبعاث من برزخ الرماد

共有

انبعاث من برزخ الرماد

last update 公開日: 2026-06-02 06:29:04

لم يكن هدير الانفجار الكوني الذي ضرب حوافظ المختبر الهيدروليكية مجرد دمار مادي أطاح بقبو التشريح السفلي، بل كان أشبه بزلزال كيميائي صهر جدران الخرسانة العارية وحول الزنزانة المحصنة تحت الأرض إلى محرقة من صخر سائل ونيران لافحة برتقالية شقت طريقها بجنون عبر الشقوق العلوية نحو أسوار العاصمة. قذفت موجة الضغط العاتية بالأجساد كشظايا زجاجية مكسورة تذروها رياح البارود، ليتصاعد غبار رمادي داكن وخانق حجب أضواء الطوارئ الحمراء تماماً، مطبقاً عتمة المقابر فوق ساحة الفناء الشامل التي تلاحمت فيها شريعة الكبار، وتملّك النمر، وقانون الدولة.

سقطتُ وسط الحطام المشتعل، وجسدي المنهك بفستانه القطيفة ورداء المخمل يرتجف بعنف يكاد يقتلع ما تبقى من ذرات روحي الملوثة بدمي الدافئ. كانت جروح ذراعيّ النازفتين إثر الرصاصات الأخيرة وطعنات الغدر تنبض بحرارة مسمومة سرت كالنيران في عروقي، ممتزجة برطوبة القبو القارسة وأبخرة المواد الكيميائية النفاثة التي كتمت أنفاسي وشلت قدرتي على الحراك. كدتُ أستسلم لتلك الظلمة السحيقة وأغلق عينيّ للأبد مستسلمة لبرزخ الموت المطبق، لولا تلك الذراع الضخمة، القوية والدافئة كالجمر، التي التفت حول خصري بعنف تملكٍ شرس وجنون مفرط لم تزعزعه كوارث الأرض أو شباك الصيادين.

كان مراد السيوفي قد جعل من عرض منكبيه الشامخين وجسده الطاغي ترساً فولاذياً تلقى عنه عصف المتفجرات وحرارة اللهب بالكامل. انبعث من بين الركام والدخان المتصاعد كالنمر الكاسر الذي زادته الجراح شراسة وجبروتاً ملوكيّاً؛ قميصه الأسود الفاخر قد تفتت تماماً وامتزج بلحمه النازف، وجرح كتفه الخلفي يتدفق منه الدم القرمزي الدافئ ليلوث بشرته السمراء المحترقة بنيران معاركه. عيناه الصقريتان الحادتان كانتا تشعان ببحّة غيرة عمياء وتملكٍ مطلق لا يرحم؛ فكرة أن الكبار في إيطاليا وأفاعي الخفاء قد تجرأوا على سفك دمي ومحاولة انتزاع أنثاه وحرمه الخاص من بين يديه، جعلت عقله يتجرد من آخر ذرات الإنسانية ويستحيل إلى آلة فتك دموية لا تبقي ولا تذر.

جثا مراد على ركبتيه وسط الأنقاض المشتعلة، وأحكم قبضته حول قفاي، جاذباً جسدي المرتجف ليلتصق بصدره العريض والصلب كالجدار الرخامي. وضع كفه الدافئة ليمسح الغبار الملوث بالدماء عن وجهي الشاحب بنعومة حارقة أرسلت قشعريرة عنيفة في عروقي الضعيفة التي تلاشت فيها آثار السُم الكيميائي أمام لهيب عشقه الشرس، وانحنى بقامته الفارهة حتى غمر وجهه النحيت في عنقي المكشوف، واستنشق عبيري الممزوج برائحة البارود والموت بعمق قاتل سلبني القدرة على التفريق بين الحياة والفناء.

"ليلى! افتحي عينيكِ يا قطتي الفاتنة!" همس بصوته الجهوري المبحوح، ونبرته تحمل بحّة ذكورية مخدرة للحواس تغلغلت في أعمق خلايا روحي المستهلكة، "أقسم بجلال الله وبكل قطرة دم سقطت من كتفي الليلة.. لو انطبقت أسوار هذا الكون وتفتتت ممالك الأرض، فلن تخرج قطعة من روحكِ من قبضة يدي. أنتِ لي.. دمي، ولحمي، وحرمي الخاص، وسأعلم الكبار والدولة بأكملها كيف يكون جحيم مراد السيوفي عندما تمتد يد غريبة لتمس ما يخصه!"

نظرتُ في عينيه المشتعلتين بنيران الرغبة والتحدي المطلق، وشعرت بجاذبيته الكهربائية تسلبني وعيي بالألم الحاد، ووضعتُ كفي الصغيرة الملوثة بدمي فوق وجنته النحيتة وقُلت بأنفاس متقطعة:

"أنا معك يا مراد.. روحي انصهرت بوجدانك.. لا تتركني لظلامهم."

انحنى والتهم شفتي بقبلة عنيفة، حارقة وعميقة للغاية، قبلة امتزج فيها طعم البارود والدماء بلهيب العشق الشرس والتملك الذي لا يعرف الهوادة، قبلة سحبت مني آخر ذرات المقاومة وجعلتني أطوق عنقه بيدين مرتعشتين، مستسلمة تماماً لقدرنا المظلم وسط النيران والدماء التي تجمعت لتكتب الفصل الأخير من صراع العروش.

وفي ذات اللحظات المشحونة بالأدرينالين الخالص، ومن وسط الدخان الرمادي المتصاعد عند الأنقاض الشمالية للقبو، نفض الكونت باولو روسي الغبار عن معطفه المخملي الداكن الثمين. وقف بكامل قامته الفارهة وجبروت منكبيه، ممسكاً بمسدسه المجهز بكاتم الصوت بيد ثابتة لا تعرف الارتجاف رغماً عن الشظايا التي حفرت قناعه الحديدي الجزئي ووجهه المشوه. عيناه الباردتان كأعين الزواحف كانتا تقطران ببرود مميت وخالٍ تماماً من أي رحمة بشرية وهو يرى زعيم المافيا المحلي يفضل الموت والانصهار مع أنثاه على الانصياع لأوامر المجلس الأعلى للمافيا العالمية في روما.

"مراد.. عنادك العاطفي هذا هو ما صنع مقبرتك ومقبرة نفوذك الليلة،" قال باولو بصوته الرخيم، الأجش والعميق للغاية، صوت يحمل برودة المقابر والخراب، "لقد أثبتَّ أنك تلميذ طائش تقوده غرائز تملكه لدمية تافهة لا تساوي شيئاً في سوق السلاح الدولي. وقوف الفتاة في مواجهة النصال لحمايتك مراراً يؤكد أنها الثغرة الأجمل والأكثر خطورة، وبترها الليلة مع شفرات الحسابات السويسرية هو السبيل الوحيد لإعادة الاتزان لمصالحنا. تنحَّ عنها وضَع مسدسك الفضي أرضاً، فشريعة الكبار سأطبقها فوق جثتك وجثتها معاً إن لم تنصع للعهد القديم وتتركها تخرج معنا حية."

تحرك باولو خطوة واسعة للأمام ليدوي حذاؤه الثقيل فوق الإسمنت المحطم بنبرة قاطعة كالقضاء، وتلا ذلك تحرك سريع وصامت لرجال الكوماندوز الأسود المتبقين خلفه، حيث رفعوا بنادقهم الأوتوماتيكية الفرنسية دفعة واحدة وثبتوا مؤشرات الليزر الزرقاء الباهتة بدقة مرعبة فوق صدر مراد العريض وجبهته النحيتة، لتحول القبو المحترق إلى ساحة إعدام موقوتة لا مفر منها.

ولم ينطق مراد بكلمة؛ بل ارتسمت على شفتيّه الحادتين ابتسامة جانية، حادّة وساخرة تفيض بالوسامة الشرسة والكبرياء الملوكي الذي لا ينحني حتى أمام قضاة الموت. وقف بكامل طوله وجبروت منكبيه، واضعاً إياي خلف ظهره العريض كدرع بشري لا يمكن اختراقه، ورفع مسدسه الفضي بيده اليمنى، وعيناه تشعان ببريق وحش يستعد لتمزيق صياده الأكبر ومحو خطوط إمدادهم من العاصمة بالكامل.

"باولو روسي،" صاح مراد بصوته الجهوري المبحوح، ونبرته حملت وعيداً حارقاً وجاذبية هزت أركان القبو المظلم، "شريعة كباركم قد دُفنت وتحطمت تحت حذاء مراد السيوفي. أنا القانون وأنا الإعصار في هذه العاصمة، ومن يفكر في انتزاع قطعة من روحي.. سأنتزع قلبه بيديّ هاتين ببطء لم يشهده بشر من قبل، حتى لو تحول هذا العالم بأسره إلى رماد. الحرب بيني وبينكم قد بلغت ذروتها الليلة، ولن يخرج أحد من هذا الوكر حياً بعد أن أسلتم دم ليلى وجعلتموها تصرخ ذعراً!"

لكن خيوط المؤامرة المعقدة والشرسة لم تترك للجبابرة متسعاً من الوقت للحديث؛ إذ انشقت الأرض فجأة بدخول المستشار أدهم الجارحي بمعطفه الكحلي الطويل الممزق والملطخ بالدماء والرماد الخرساني، ومعه ما تبقى من رجال قوات الصاعقة والنخبة الرسمية للدولة! انتشروا بخفة الأشباح وحزم الجبال ليطوقوا رجال الكوماندوز والسيوفي معاً في حزام نيران دائري لا ثغرة فيه، شاهرين أسلحتهم الأوتوماتيكية الثقيلة لفرض قانون الدولة وحماية دم عائلتهم المتمثلة فيّ أنا رغماً عن صراعات المافيا الدولية الدموية.

"باولو روسي.. اقتحامك لمختبرات العاصمة وقبو التشريح السري التابع لأجهزتنا هو إعلان حرب صريح على شرف الدولة وهيبتها الرسمية،" قال أدهم بصوته الرخيم العميق، ونبرته تحمل قسوة القانون وثبات العقيدة العسكرية التي لا تنحني للعواصف، "ليلى تحمل دم الجارحي الآن، وهي الوريثة الشرعية الوحيدة لنفوذنا وثروتنا العريقة. قانون الدولة لا يعترف بشريعة كباركم ولا بتملك مراد الطائش؛ جئتُ لأنتزع ابنة عمي وأعيدها لحصونها الرسمية لحمايتها، وسأبيد هذا القبو فوق رؤوسكم جميعاً إن حرك أحدكم أنملة واحدة نحو زناد سلاحه."

ساد القبو الملكي المظلم توترٌ خانق يكاد يُرى بالعين المجردة؛ صراعٌ ثلاثي الأبعاد بين شريعة الكبار الطاغية الموفدة من روما، وتملك النمر الشرس لحرمه وأنثاه الفاتنة، وقانون الدولة الصارم المحيط بالجميع كالسيف المسلط فوق الرقاب. تداخلت مؤشرات الليزر الحمراء والبيضاء والزرقاء فوق الجباه والصدور، لتحول الغرفة المشتعلة إلى ساحة حرب شاملة معلقة على رصاصة واحدة خاطفة للأنفاس تنهي اللعبة برمتها.

انقض مراد كالإعصار المدمر، وفي ذات الجزء من الثانية، اندفع أدهم الجارحي بمعطفه الكحلي الطويل ومدفعه الرشاش، وتلاحما معاً في هجوم مشترك وشرس ضد الكونت باولو وسفاحيه؛ توحدت غريزة النمر وقوة الدولة في ساحة نيران واحدة لحماية دم ليلى وحرمها الفاتن. انطلقت الرصاصات من كل حدب وصوب لتشعل ساحة الإسمنت بنيران الحرب الشاملة والنهائية؛ اختلط رصاص المافيا الدولية برصاص الدولة ورصاص النمر الشرس، وتطايرت شرفات البارود والشظايا الحارقة في الهواء كالمطر الأسود الكثيف.

جثا مراد على ركبتيه وسط معمعة الرصاص المتطاير الذي كان يمزق الحديد، وأحاط خصري بذراعه الضخمة بجنون مفرط وشغف عارم، ورفع وجهي الشاحب الذي بات كلون الأموات ليلتقي جحيم عينيه بعنيّ، وضغط بكفه الكبيرة فوق جرح ذراعي النازف محاولاً كتم الدماء وهو يصرخ بصوته الجهوري المبحوح:

"ليلى! ليلى انظري إليّ! كيف تتجرأين على تلقي الموت بدلاً مني مجدداً؟! أقسم بجلال الله لو انطفأ بريق هاتين العينين الليلة.. سأبيد المنظمة الدولية وإيطاليا بأكملها بيديّ هاتين ببطء لم يشهده بشر من قبل! أنتِ ملكي.. شرفي ودمي، وحياتي فداء لابتسامتكِ!"

نظرتُ في عينيه المشتعلتين بالشغف المظلم، وشعرت بجاذبيته المخدرة تسلبني الألم رغماً عن النزيف الحاد، وقُلت بصوت خفيض متهدج:

"أنا.. أنا تخصك يا نمرِي.. خذني لعرينك.. أنا لا أريد حصونهم."

انحنى بقامته الفارهة والتهَم شفتي بقبلة عنيفة، حارقة وعميقة للغاية، قبلة امتزج فيها طعم دمي المالح بلهيب عشقه الشرس وتملكه المطلق الذي لا يموت، قبلة سحبت وعيي تماماً وجعلتني أذوب بين يديه وسط عاصفة الموت والبارود المتصاعد.

وفي تلك اللحظة المشحونة بالرومانسية المظلمة والدماء، وقبل أن يفرغ مراد من قبلته ويتحرك خطوة واحدة لحملي، دوت طلقة رصاص ثقيلة ومنفردة من مسدس الكونت باولو، طلقة اخترقت كتف مراد المصاب من الخلف لتنفتح غرز جرحه القديم بعنف وتتدفق دماؤه بغزارة فوق جسدي!

وفي ذات الوقت، اندفع الكونت باولو كالبرق ممسكاً بعبوة ديناميت حرارية أخرى موقوتة ومشتعلة، وقذفها مباشرة نحو الحوافظ الهيدروليكية والمواد الكيميائية سريعة الانفجار للمختبر التي كنا نتحصن بالقرب منها!

"مراد! ليلى!" صرخ أدهم الجارحي بصوت رعدي يملؤه الرعب لأول مرة، وهو يرى العبوة الحارقة تقترب من المواد الكيميائية سريعة الاشتعال!

انفجرت العبوة ليتصل لهيب النيران بالمواد، وينطلق انفجار كوني هائل ومزلزل حطّم ما تبقى من أسوار القبو الخرساني، وارتفع ألسنة اللهب البرتقالية لعشرات الأمتار في الهواء محولةً الزنزانة برمتها إلى كتلة من الجحيم والموت المحقق، واجتاحت موجة عصف مرعبة وقذفت بأجسادنا جميعاً وسط الغبار والنيران المتصاعدة، لتختفي ملامح القبو والجبابرة تماماً تحت وطأة الانفجار الخاطف للأنفاس الذي جمد الدماء في عروق العاصمة وأعلن بداية الفناء الشامل لشريعة الكبار وتملك النمر وقانون الدولة معاً في ساحة لهب واحدة انصهرت فيها القيود والحدود تماماً!

تلاشتْ أبعاد الواقع الملموس داخل قبو التشريح، واستحالتِ الرؤية برمتها إلى برزخ مستعر من الأبخرة الكيميائية الحارقة والخرسانة المتفتتة التي تساقطتْ كرماد أسود فوق أجسادنا المنهكة. شعرتُ بجسدي الحريري يترنح بضعف شلَّ أطرافي بالكامل، وتلاشت قدرتي على كتم صرخات الألم والذعر بينما كانت أصابعي المرتعشة تتشبث بقميص مراد الأسود الممزق في محاولة انتحارية أخيرة للبقاء داخل حصن ذراعيه الضخمتين. سقطتُ في هوية سحيقة من الصمت المطبق والجمود المخيف، حيث غاب الوعي وعادت العتمة لتفرض حصارها المطلق على وجداني المستهلك.

لم أدرِ كم من الوقت مضى؛ دهورٌ من الظلام الدامس أم دقائق معدودة سالت فيها دماء السيوفي والجارحي لتختلط بوقود الانفجارات فوق إسمنت القبو المحطم.

عندما بدأتْ خيوط الوعي الضعيفة والوهنة تعود لتدب في خلايا عقلي ببطء شديد، لم أسمع أصوات طلقات الرصاص الكثيفة، ولم تشع حواسي بحرارة النيران البرتقالية اللافحة. أول ما استقبلتْه روحي المنهكة كان برودة جليدية قاسية قادمة من تيار هوائي عنيف يلفح وجهي الشاحب، ممتزجاً بزئير محركات ضخمة وضوضاء ميكانيكية حادة ومتواصلة هزت كياني بالكامل. فتحتُ عينيّ العسليتين الشاخصتين بصعوبة بالغة، لتستقبلني إضاءة قرمزية باهتة وخافتة تنبعث من مصابيح طوارئ دائرية مثبتة في سقف معدني مقوس وضيق للغاية.

توسعت عيناي بذعر صاعق شل تفكيري وأنا أحاول تحريك جسدي المنهك؛ وجدتُ نفسي مستلقية فوق محفة جلدية عسكرية ضيقة، وذراعيّ الملفوفتان بالشاش الأبيض الناصع الملوث بدمائي مربوطتان بأحزمة فولاذية وأربطة طبية مشددة تثبتني بالكامل وتمنعني من الحراك أنشاً واحداً. لم أكن داخل زنزانة البروفيسور سليم الخرسانية تحت الأرض، ولم أكن في العرين الحجري لمراد، بل كنتُ داخل كابينة الشحن الخلفية لطائرة نقل عسكرية ضخمة ومصفحة ومجهولة بالكامل، تتحرك بسرعة جنونية وتشق عباب السماء الشتوية في وسط عاصفة من الضباب والبرق الخاطف الذي كان يلمع عبر النوافذ الزجاجية الصغيرة المعتمة!

انقبضت معدتي برعب حقيقي، وصحتُ بصوت مخنوق متهدج بالدموع والضعف: "مراد! أدهم! أين أنا؟! من انتزعني من وسط النيران الليلة؟!"

ولم يأتِ الرد بصوت مألوف أو نبرة من نبرات الجبابرة الثلاثة الذين تركوا دماءهم تسيل فوق إسمنت المختبر؛ بل سُمع صوت خطى حذاء جلدي عسكري ثقيل، ورزين للغاية، يتقدم بثبات صلب من العتمة المطبقة في الركن الخلفي لكابينة الشحن، حيث لم تصل الإضاءة القرمزية الخافتة. انحبست الأنفاس في صدري وتجمدت الدماء في عروقي بالكامل وأنا أرى طيفاً فارع القامة، ضخم المنكبين بكبرياء رسمي وجبروت رسمي يفوق كل الخطوط الحمراء، يخرج من بين الظلال ليقف أمامي مباشرة تحت الضوء الأحمر الباهت.

لم يكن مراد السيوفي، ولم يكن المستشار أدهم الجارحي، ولم يكن والده الطاغية عاصم.. بل كان رجل في أوائل الخمسينيات من عمره، يرتدي بدلة عسكرية داكنة غير مألوفة، وشعره الأسود تصفيفه بصرامة بالغة إلى الخلف ليظهر وجهه النحيت كأنه صخر صلب تشقه ندبة رأسية حادة تمتد من جبهته لتخترق عينه اليمنى المشوهة والمغطاة برداء جلدي أسود صارم.. إنه المارشال خالد الجارحي.. رئيس المجلس الأعلى للدفاع والاستخبارات المشتركة بالخارج، والأخ الأكبر والزعيم الفعلي الحقيقي لعائلة الجارحي بأكملها، والرجل الذي طالما اعتقد الجميع أنه يمثل نفوذ الدولة في الهيئات الدولية بالخارج، وقد عاد الليلة بكامل قواته السرية المحمولة جواً!

ارتسمت على شفتيه الحادتين ابتسامة باردة، جليدية وقاطعة كالقضاء، وتأمل وجهي الشاحب وذراعيّ المربوطتين بنظرة تفيض بكبرياء أرستقراطي صارم وخالٍ تماماً من أي عاطفة بشرية، وحمل في يده اليمنى ملفاً رقمياً مشفراً يحتوي على شفرات الحسابات السويسرية التي تلاشت أمام لعبته الكبرى، وتحدث بصوته الرخيم، الجهوري والعميق للغاية الذي دوى وسط زئير محركات الطائرة العسكرية كحكم بالفناء المطلق:

"أهلاً بكِ في عهدكِ الجديد يا آنسة ليلى.. أو بالأحرى، أهلاً بالوريثة الشرعية لمليارات الجارحي التي أصبحت الليلة الممول الشرعي والوحيد لإنشاء أكبر منشأة استخباراتية عسكرية لنا بالخارج رغماً عن أنوف الكبار والدول. لقد انتهت مسرحية الصبيان بالأسفل؛ مراد السيوفي خاض حربه الانتحارية الشرسة وتملكِك الطائش، وأدهم ظن أن قوانينه الرسمية المحايدة قادرة على حمايتكِ داخل العاصمة، وسليم الدمنهوري لم يكن سوى طعم رقمي حركتُ خطوطه لجمع أعدائي في ساحة تصفية واحدة. الانفجار الحراري الأخير في قبو التشريح كان غطائي العسكري والسيادي الشامل لانتزاعكِ حية ومخدرة عبر قواتي المحمولة جواً، بينما يعتقد العالم بأسره الآن، ويعتقد مراد وأدهم والمافيا العالمية، أن ليلى قد تفحمت وتحولت إلى رماد مفقود تحت أنقاض القبو المحترق!"

خطا المارشال خالد الجارحي خطوة واسعة وثقيلة نحو محفتي الجلدية، وانحنى بجسده الضخم وعرض منكبيه الشامخين ليقترب من وجهي، وسحب حقنة طبية آلية ذات نصل فضي طويل تلمع بمصل كيميائي فضي اللون، ووجه النصل الحاد ليثبته مباشرة فوق بشرة عنقي المكشوفة وبرز مؤشر الليزر الأزرق التابع للجهاز فوق مسامي، وأكمل بنبرة جليدية قاطعة كالشفرة تغلغلت في صمت الكابينة القرمزية المحلقة وسط العاصفة:

"المصل الذي سأحقنه في عروقكِ الليلة لن يسلبكِ إرادتكِ المؤقتة كعقار سليم الواهن؛ بل سيمحو من ذاكرتكِ كوابيس العاصمة برمتها، لتبدئي حياتكِ كدمية رسمية تحمل هويتنا الجديدة بالخارج وتنصاع لشريعتي العسكرية المطلقة دون أن تتذكر اسم 'مراد السيوفي' أو تملُّكه الشرس لثانية واحدة. الوقت قد نفد تماماً يا ابنة أخي الفاتنة.. وجنون النمر الجريح أو قانون أدهم المكسور لن يجدوا لطيفكِ أثراً في هذا الكون بعد أن أُغلقت أبواب الطائرة العسكرية وتحركنا نحو حصوننا السرية وراء البحار، وقانون المارشال هو من سيُكتب بدمائكِ وشرف عائلتنا الليلة!"

توسعت عيناي بصدمة تامة شلت أطرافي بالكامل، وتشنج جسدي المربوط بالأحزمة بعنف وجنون وأنا أرى نصل الإبرة الحاد يخترق بشرة عنقي المكشوفة بلمحة عين، وبدأت المادة الفضية الكيميائية تتدفق ببطء شديد نحو مسام دمي لتسلبني عقلي وذاكرتي وتاريخ عشقي المظلم، في لقطة خاطفة للأنفاس حبست النبض في العروق وجمدت الأنفاس داخل تلك الطائرة العسكرية الشاهقة التي شقت الضباب الكثيف واختفت وسط البرق الخاطف في أعالي السماء!

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • رسالة إلى الشيطان   الشك القاتل

    امتدت أصابع ليلى الناعمة لتتحرك فوق شاشة الجهاز ببطء مميت، والعرين يتفصد من جبينها الشاحب ونحرها الفاتن يرتجف بفعل فيضان الأدرينالين الخالص. كانت الوثائق تعرض تقارير استخباراتية قديمة ومزيفة بدقة متناهية، تتهم مراد السيوفي بأنه كان العقل المدبر وراء صفقة سلاح دولية مشبوهة نُفذت في روما قبل خمس سنوات، وهي ذات الصفقة التي تسببت في مقتل عم ليلى (والد المستشار أدهم الجارحي) وتدمير الذراع المالي لعائلتها في الشرق الأوسط. ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ بل احتوت الوثائق على تسجيلات صوتية مفبركة بتقنيات الذكاء الاصطناعي التكتيكي، يظهر فيها صوت مراد الجهوري المبحوح وهو يتحدث ببرود مميت مع البارون إدوارد عثمان قائلًا: "عائلة الجارحي يجب أن تُسحق في العاصمة، وابنتهم ليلى ستكون المفتاح البديل الذي سنستخدمه لشل حركتهم وسحب المليارات السويسرية رغماً عن حصون قوانينهم."نزلت هذه البيانات المسمومة فوق رأس ليلى كصاعقة تدميرية اقتلعت بقايا الاستقرار الحميمي الذي عاشته بين أحضانه. تزلزل كيانها النفسي بالكامل، وشعرت بشرخ عاطفي مرعب يتسع في زوايا روحها المنهكة. تذكرت اعتراف مراد الصادق أمام نيران المد

  • رسالة إلى الشيطان   الرسالة المخترقة

    انقبضت ملامحه الوسيمة الشرسة بغيرة عمياء وشغف عارم، وقبل أن ينطق بكلمة لتهدئة روعها وإعادة فرض سيادته، أصدرت لوحة التحكم الرقمية المخفية بجانب البوابة الفولاذية أزيراً حاداً ومتسارعاً باللون الأحمر الخافت، وانفتحت البوابة ببطء ميكانيكي حذر ليعلن عن قطع لحظة تلاحمهما الرومانسي.دخل سليم بخطوات متعثرة، لاهثة ومذعورة للغاية، وهو يقبض على حقيبته الرقمية المعدنية بإحكام كأنها حياته برمتها. كان وجهه الشاب شاحباً كالموت، والعرين يتصبب من جبينه بمجرد أن تلاقت عيناه بجبروت مراد السيوفي الطاغي الذي لا يرحم المقاطعة في أوقات خلوته بحرمه."مراد بيه... معذرة على الاختراق المفاجئ للجناح!" صاح سليم بنبرة مخنوقة بالذعر الحاد والتكتيك، وهو يتراجع خطوتين للخلف بوجل خوفاً من بطش النمر. "الوضع التكتيكي بالخارج انهار بالكامل، والهدوء الحالي ما هو إلا خديعة رادارية كبرى أدارها المجلس الأعلى للمافيا في روما بالتعاون مع أجهزة العاصمة!"نهض مراد بكامل طوله وهيبته الفتاكة، وسحب ياقته ببرود مميت يتناقض تماماً مع ثورته قبل ثوانٍ، وتلاقت عيناه الصقريتان بعيني سليم بنظرة تقطر ببحّة الموت والوعيد المط

  • رسالة إلى الشيطان   الاعتراف المظلم

    تراقصت ألسنة اللهب البرتقالية الشرسة داخل تجويف المدفأة الحجرية العتيقة، مطلقةً طرقعة حادة وجافة لجذوع حطب البلوط التي كانت تلتهمها النيران بجوع مستعر. صبغت الإضاءة الدافئة عتمة الكوخ الخشبي بظلال ملحمية طويلة، تمددت فوق جدرانه السميكة وسجاده المصنوع من جلد الدب الطبيعي، لتعزل الجبارين تماماً عن صخب العاصفة الثلجية التي كانت تزمجر في الخارج، وتضرب جبال الألب السويسرية بعنفوان قطبيّ حاد. لم يعد هناك وجود لأساطيل أليكساندر الشبحية، ولا لصواريخ كروز البحرية التابعة للواء رأفت علام في العاصمة؛ فقد انصهر كيان الكون برمتّه ليدور في فلك تلك المساحة الصغيرة المضاءة بالنار والبارود المالح. وسط هذا الدفء الحارق المتسلل إلى أطرافها الناعمة، كانت ليلى تجلس محتواة بالكامل بين أحضان مراد السيوفي، وجسدها الرقيق المدثر بالبطانية الصوفية السميكة قد تخلص أخيراً من رعب التجمد ونوبات الذعر الميكانيكية التي عقبت محاولة الهروب الفاشلة. تلاقت عيناها العسليتان اللتان لا تزالان تلمعان بدموع الوجع والشرخ النفسي بصدره العريض العاري، حيث كانت قطرات دمائه الملكية الدافئة قد بدأت تتخثر ببطء فوق عضلاته

  • رسالة إلى الشيطان   دفء وسط الصقيع

    كانت أنفاس ليلى تخرج من صدرها الفاتن على هيئة سحب بيضاء متقطعة، تتلاشى بسرعة وسط إعصار الجليد الذي يمزق أحشاء غابة الصنوبر المحيطة بأساسات القصر المعزول. لم يعد كبرياء التمرد الذي قاد خطاها خارج قفص مراد المخملي سوى ذكرى باهتة تتجمد في عروقها؛ فقد تحوّلت المسارات البيضاء ل جبال الألب السويسرية إلى متاهة مغلقة من الصقيع القطبي الطاغي، الذي كان يخترق ثيابها وألياف الكربون العازلة لمعطفها، ليمتص آخر ذرات الطاقة البشرية من جسدها الرقيق. انزلقت قدماها الشاحبتان فوق تلال الثلج المتراكم، واهتز وعيها بالكامل تحت وطأة انخفاض حاد في الحمل الحراري لدمها العسلي، لتترنح كأوراق شجر في مهب عاصفة بركانية، وتكاد تسقط مغشياً عليها في جوف الهاوية المتجمدة.وفي تلك اللحظة الخاطفة التي جمدت الدماء في كيان الكون، وتحديداً بعد ثوانٍ من سقوط الملازم كارل جثة هامدة وسط الثلوج، اندفع جبروت مراد السيوفي كآلة إنقاذ وحشية خارقة لكل المقاييس الفيزيائية. ومع بداية ميلان جسدها المرتجف نحو الأرضية الجليدية الباردة، لم ينظر النمر إلى مروحيات أليكساندر الشبحية التي كانت تمزق الغلاف الجوي بالأعلى، ولم يلتفت إلى إن

  • رسالة إلى الشيطان   مطاردة الفريسة

    تسلل مارك من فتحة النافذة، ووجهه الشاب مشوه ببرودة الطقس وذعر المطاردة الدولية، وكان يحمل معطفاً فضفاضاً مصنوعاً من ألياف الكربون العازلة للحمل الحراري."بسرعة يا ليلى هانم! سليم يواجه الآن اختراقاً مضاداً من روما، ومروحية أليكساندر الشبحية تم رصد طيفها اللاسلكي على بعد عشرة أميال!" همس مارك بصوت مخنوق بالذعر الحاد، وعيناه الزرقاوان تلتفتان بنظرات مرعوبة نحو الممرات الداخلية للقصر. "مراد السيوفي سيعلم بغيابكِ في أي ثانية، وإن لم نصل إلى عمق الغابة الثلجية أسفل الجرف قبل تفعيل الحراسة الآلية... فلن يتبقى منا سوى جثث تتفحم تحت وطأة خنجره الفضي!"لم تنطق ليلى بكلمة؛ بل ألجمت لسانها لوعة العشق المظلم الذي يمزق أحشاءها. نظرت إلى الغرفة للمرة الأخيرة، إلى الفراش الملكي الوثير المكسو بالحرير الأسود حيث انصهرت مقاومتها بالكامل تحت وطأة أنفاس مراد الحارة، وشعرت بشرخ نفسي مرعب يتسع بين رغبتها في الحرية وهوسها بتملك النمر الذي وشم جسدها باسمه. قبضت بيديها الصغيرتين المرتجفتين على حافة المعطف العازل، واندفعت خلف مارك عبر فتحة النافذة نحو الممر الخارجي الضيق المعلق في الهواء كجسر سري فوق

  • رسالة إلى الشيطان   شرخ في جدار التملّك

    كانت الغرفة الأسطورية الشاسعة تغرق في صمتٍ مطبق يحمل في طياته هيبةً جنائزية، كأنها قاعة معزولة في حصنٍ تهاوت دونه عروش الجبابرة. تلاشت تدرجات الضوء البرتقالي الشرس لليلة الشغف العنيف، ليحل محلها وهج رمادي شاحب، منبعث من خلال الألواح الزجاجية العملاقة المصفحة ضد القذائف والانفجارات. خلف ذلك الزجاج المنيع، كانت جبال الألب السويسرية تبدو ككتل من الغرانيت المتجمد، تلتف حولها سحب الضباب الكثيف المنبعث من الهاوية السحيقة أسفل الجرف، بينما كانت العاصفة الثلجية تضرب الجدران الخارجية بدوي تكتيكي مكتوم يشبه نبضات قلب الأرض المذعورة.فوق الفراش الملكي الوثير، المكسو بالحرير الأسود الداكن، كانت ليلى مستيقظة منذ ساعات الفجر الأولى. كان جسدها الرقيق، الملفوف برداء الحرير الأسود الناعم، ينبض بحرارة دافئة متبقية من أثر الاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادة النمر. تلمست شفتيها المطبوعتين بأثر قبلاته التدميرية العنيفة، وشعرت ببقايا عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جلد مراد يطوق أنفاسها كالقيد غير المرئي. وعلى الرغم من أن جسدها الفاتن قد انصهر تماماً تحت لمساته الشرسة المليئة

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status