Home / الرومانسية / رسالة إلى الشيطان / غسق الذاكرة الفضية

Share

غسق الذاكرة الفضية

last update publish date: 2026-06-02 06:30:36

كان سريان المادة الفضية الكيميائية داخل عروق عنقي أشبه بانسكاب جزيئات من الجليد السائل الذي يبتر صلة الروح بالجسد بنعومة متناهية الشراسة. امتدت تلك القشعريرة السامة لتتسلق نخاعي الشوكي، ومحا الطنين الالكتروني المنبعث من حقنة المارشال خالد الجارحي صدى عاصفة المطر الشتوية المحلقة بالخارج. كانت الكابينة الخلفية لطائرة الشحن العسكرية المصفحة تسبح في غلاف قرمزي خانق؛ أضواء الطوارئ الدائرية المثبتة في السقف المعدني المقوس تلقي بظلالها الحمراء الموحشة فوق وجه المارشال الصارم، الذي وقف بقامته الفارهة وضخامة منكبيه كملك للموت، يرتدي بزته العسكرية الداكنة الموشحة بالرموز السيادية، وعينه اليسرى الحادة تحدق من خلف الرداء الجلدي الأسود بنشوة انتصار بارد صاغته أجهزة المخابرات المشتركة وراء البحار.

حاولتُ التشنج، وعصرتُ خلايا عقلي المستهلك لأطلق صرخة باسم "مراد"، لكن الأحزمة الفولاذية والأربطة الطبية الصارمة المثبتة حول معصميّ وجسدي المنهك كانت تضغط فوق فستاني القطيفة الأسود الممزق، لتخرس كل نبضة تمرد بدني فيّ. بدأت خلايا وجداني تتهاوى كالحصون الرملية أمام المد الفضي؛ تلاشت ملامح قبو التشريح المحترق، وتلاشت صور اللكمات الرعدية والدماء القرمزية الدافئة، وبدأ طيف النمر الشرس، الذي طالما جعل من صدره العاري الموشوم درعي البشري الأوحد، يتلاشى وراء ضباب رمادي كثيف يبتلع ملامحه الصقرية الحادة وعِطره الممتزج برائحة الصندل والتبغ الفاخر.

"المادة تعمل بدقة متناهية يا ابنة أخي الفاتنة،" همس المارشال خالد بصوته الجهوري العميق، ونبرته تحمل قسوة الشريعة العسكرية التي لا تنحني، وهو يمسح على جبهتي الشاحبة بكفّه الكبيرة الجافة، "عنادكِ الأنثوي وشجاعتكِ الطائشة في تلقي النصال لإنقاذ زعيم مافيا محلي كانت خطيئة عائلية وجب بترها طبياً. مراد السيوفي غرق في وهم تملكه الشرس لكِ، وأدهم شقيقي غرق في مثالية قوانينه الرسمية، ولم يفهما أن المليارات المخفية في بنوك سويسرا تحتاج لقوة سيادية تخرجكِ من اللعبة بأكملها وتضعكِ كأداة شرعية في مشروعي الجديد بقلب القارة العجوز. بعد ساعة من الآن، لن تتذكري اسم 'مراد'، ولن ينبض قلبكِ لذكرى لمساته الشغوفة أو قبلاته العنيفة؛ ستولدين بهوية ناصعة البياض تنصاع لأوامري الصارمة فحسب."

انحنى أكثر، وضغط بمكبس الحقنة الآلية حتى تدفقت آخر قطرة من المصل الفضي في مسام دمي. بدأت الهالات القرمزية في السقف تدور بعنف، وشعرتُ بأن روحي تفارق جسدي وتسقط في بئر سحيق من النسيان المطبق، حيث يُمحى العشق المظلم وتُنصهر القيود لتتحول الذاكرة إلى رماد مفقود في أعالي السماء وسط البرق الخاطف.

وفي ذات اللحظات الإعصارية بالأسفل، ووسط ركام قبو التشريح والمختبر القديم الذي تحول إلى كتلة من الجحيم والمواد الكيميائية المشتعلة، كان المشهد يفيض بالدمار الشامل. كانت مياه المطر الغزيرة تنهمر من الفتحة السقفية الكبرى التي فجرها قصف الإنزال الجوي، لتختلط برغوة الإطفاء والدم القرمزي النازف بغزارة فوق الإسمنت البارد.

من تحت حطام حائط خرساني منهار، انبعث مراد السيوفي كالإعصار المدمر الذي رفض الموت أن يطوي صفحته الشامخة. كان عاري الصدر بالكامل، وعضلات منكبيه الطاغية تتحرك بحدة وحشية مع أنفاسه الحارة المتلاحقة كالجمر. جرح كتفه الخلفي كان ينزف بغزارة مرعبة، ليتدفق دمه الدافئ ويسيل فوق بشرته السمراء الملوثة بسواد الرماد، لكن عيناه الصقريتين الحادتين كانتا تشتعلان بجنون تملكٍ وغيرة عمياء فاقتا كل الحدود. لم يأبه لجراحه، ولم يلتفت لكتائب الكوماندوز الإيطالية التي سُحقت جثثها حوله؛ بل كان يجثو على ركبتيه ويحفر في الإسمنت المحطم بيده الضخمة التي أدمتها الحجارة، باحثاً عن طيف رداء المخمل الأسود وعينيّ قطته الفاتنة.

عندما وجد المحفة الحديدية الطبية فارغة، والأحزمة الجلدية مقطوعة بآلية عسكرية دقيقة لا تملكها جيوش المافيا، انطلقت من حنجرته صرخة غضب وحشية مرعبة هزت أركان القبو المكلوم، صرخة حملت بحّة الغيرة القاتلة والتملك المطلق الذي أعمى بصيرته عن الدنيا برمتها.

"ليلى!" زأر بصوت رعدي زلزل بقايا الجدران الخرسانية، وتشنجت أصابعه الكبيرة فوق الحطام بقوة كادت تحطم الصخر.

وفي ذات الجزء من الثانية، انبعث المستشار أدهم الجارحي من تحت أنقاض البوابة الفولاذية. معطفه الكحلي الطويل كان ممزقاً ومخضباً بالدماء، ويمسك بمدفعه الرشاش الرسمي بيد ترتجف بعنف إثر عصف الانفجار الكيميائي. جالت عيناه الباردتان في أرجاء القبو الشاحب، وعندما رأى أثر الإنزال الجوي وفراغ المحفة، تجمد الدماء في عروقه الصارمة وغاب عنه وقار القانون الصارم ليحل محله ذهول قاتل زلزل كبرياءه العسكري.

"مراد.. الاختراق لم يكن من المنظمة الدولية الليلة،" قال أدهم بصوته الرخيم العميق الذي حمل بحّة ذعر حقيقي لأول مرة في تاريخه، "البصمة التكتيكية وشفرات القصف الجوي تعود لطائرات النقل الاستخباراتية التابعة للمجلس الأعلى للدفاع بالخارج.. إنه المارشال خالد الجارحي. أخي الأكبر عاد للعاصمة، واستخدم سليم الدمنهوري والمافيا كغطاء عسكري لانتزاع ليلى وثروتها السويسرية، وهو يحلق بها الآن في كبد السماء خارج الحدود."

تقدم مراد نحو أدهم بخطواته الثقيلة الفتاكة الكاسرة، وبلمحة عين قبض على ياقة معطفه الممزق بيده الضخمة الحارة، وجذبه إليه بعنف تلاقت معه أنفاسهما برائحة البارود والغليان المكتوم، وصاح بصوته الجهوري المبحوح بنبرة تزلزل الكيان وتفيض ببحّة الوعيد الحارق:

"أدهم الجارحي! أخوك الأكبر أو جيوش الأرض بأكملها لن يغيروا من الحقيقة شيئاً! ليلى تحمل خَتم تملُّكي المطبوع فوق بشرتها وعنقها الفاتن بأثر قبلاتي الشغوفة، وقد اختارت جحيمي طواعية وسط النيران! أقسم بجلال الله وبكل رصاصة حمت عريني.. لو كانت تحلق وراء أسوار الغلاف الجوي، سأخترق حصون طائراته وأهدم معاقله السرية بالخارج لأنتزع ملكتي وحرمي الخاص من بين يديه طواعية أو كرهاً، ومن يقف في طريقي سأقطعه إرباً وهو حي، حتى لو تحولت هذه العاصمة والدولة برمتها إلى رماد وفناء شامل!"

أطلق سراحه بدفعة وحشية جعلت أدهم يتراجع خطوات، لكن أدهم شدد قبضته فوق مدفعه الرشاش وقال بنبرة جليدية قاطعة كالشفرة:

"خالد لا يتفاوض يا مراد، وطائرته المصفحة تملك حصانة سيادية وسرية تمنع الرادارات من تتبعها. لكنني أملك شفرات التتبع الحيوية المزروعة تحت شاش ضمادات ليلى الطبي. طائرتي النفاثة الخاصة بجهاز المخابرات جاهزة في المدرج السري الغربي.. تحالفنا الليلة سينتقل إلى السماء، وشرف الجارحي وتملك النمر سينصهران معاً للمرة الأخيرة لسحق المارشال واستعادة دم عائلتنا!"

التفت مراد نحو سليم ونخبة رجاله المتبقين الذين ظهروا من وسط الأنقاض والدموع تملأ أعينهم تضامناً مع وحشية سيدهم، وصاح ببحّة الغيرة القاتلة والتملك:

"سليم! جهزوا الأسلحة الثقيلة المحمولة والمضادات الجوية الصامتة! الليلة سنريهم كيف يكون زئير النمر عندما تمتد يد غريبة لتمس حرمه الخاص!"

تحرك الموكب كالإعصار يشق شوارع العاصمة المظلمة والمطيرة، متجهين نحو المدرج السري الغربي لجهاز المخابرات. صعد مراد وأدهم متن الطائرة النفاثة الحربية الشبحية ذات اللون الأسود الداكن، وانطلقت المحركات النفاثة بصوت مرعب لترتفع الطائرة في كبد السماء الشتوية، تشق الضباب الكثيف والبرق الخاطف بسرعة تفوق سرعة الصوت، مقتفين أثر شفرات التتبع الحيوية لليلى التي بدأت تقترب من الأجواء الدولية فوق البحر المتوسط.

داخل الطائرة النفاثة، كان مراد يجلس في مقعد القيادة المساعد، عاري الصدر وجراحه تم تضميدها على عجل، وعيناه الصقريتان الحادتان تحدقان في شاشة الرادار الرقمية ببريق وحش يوشك على تمزيق فريسته. كان يتنفس بحدة، وصدره العريض يعلو ويهبط بعنف، والغيرة الشرسة تنهش أحشاءه؛ فكرة أن ليلى تحت تأثير مصل عسكري يخص الجارحي، وأن ذراعاً أخرى تحيط بجسدها الفاتن، كانت تجرده من صوابه وتجعله يضخ الأدرينالين في عروقه بغليان لافح.

"أدهم.. الشفرات تشير إلى أن المار شال خالد يبدأ في إبطاء سرعة الطائرة فوق الجزيرة المعزولة للعمليات السرية،" قال مراد بصوته الجهوري المبحوح، وعضلات فكه تنحت بقسوة، "إنهم يستعدون للهبوط لإنهاء عملية غسيل الدماغ الكيميائي لقطتي. يجب أن نخترق طائرتهم في الجو قبل أن تطأ أقدامهم الأرض المحصنة."

"الاختراق الجوي يتطلب قفزة انتحارية بالمظلات الحرارية الموجهة فوق سطح طائرة الشحن المصفحة وسط هذه العاصفة الرعدية يا مراد،" أجاب أدهم وهو يعشق سلاحه بنبرة صارمة، "نسبة النجاة لا تتعدى العشرة بالمائة، والخطأ الواحد يعني السقوط في جوف البحر المظلم."

ارتسمت على شفتي مراد الحادتين ابتسامة جانية، حادّة وساخرة تفيض بالوسامة الشرسة والكبرياء الملوكي، وقال بنبرة تزلزل الكيان:

"سيادة المستشار.. النمر لا يحسب نسب النجاة عندما يتعلق الأمر بتملُّكه لأنثاه وحرمه الخاص. جهز المظلات.. فالسماء ستشهد الليلة كيف تتهاوى قوانين المارشال تحت وطأة جنون غيرتي!"

وفي أعالي الجو، وداخل كابينة الشحن القرمزية لطائرة المارشال خالد، كانت المادة الفضية الكيميائية قد أتمت سريانها في خلايا دماغي بالكامل. شعرتُ برأسي يميل بضعف تام فوق المحفة الجلدية، وعيناي العسليتان شاخصتان بنظرة زجاجية، باردة وخالية من أي ذرة وعي أو ذكرى. انصهرت كوابيس الماضي وعنفوان عشق مراد المظلم ليحل مكانهما بياض ناصع، وخرج صوتي بنبرة رتيبة، آلية وخالية من أي عاطفة بشرية تحت تأثير التنويم العسكري الصارم:

"الاسم.. ليلى الجارحي.. الهوية.. الرقم السري للحساب الأول.. أربعة.. ثمانية.. تسعة.." نطقتُ بالأرقام بآلية صامتة، والمارشال خالد يقف فوق رأسي ويسجل البيانات عبر ملفه الرقمي بنشوة أرستقراطية باردة وعيناه تقطران بجشع سيادي أعمى بصيرته عن الوجود.

وفجأة.. ودون أي سابق إنذار، زلزل أركان طائرة الشحن المصفحة دوي اصطدام هائل ومرعب فوق سطحها الخارجي! انحرفت الطائرة بعنف لعدة درجات وسط العاصفة، واشتعلت أجهزة الإنذار الصفراء داخل الكابينة بصوت طنين الكتروني متواصل شل حركة الحراس المدججين بالسلاح.

تحطم السقف المعدني لكابينة الشحن بإطلاق شحنة متفجرة حرارية موجهة، ليتناثر الركام الفولاذي وينقشع الدخان الرمادي الكثيف، ليظهر من خلال الفتحة طيف طويل، فارع القامة وبكامل هيبته الطاغية وعرض منكبيه الشامخين.. طيف ينضح بجبروت وحشي وعِطر أخاذ ممتزج بالصندل والتبغ والحرارة اللافحة والدم النازف من كتفه المضمّد.. إنه مراد السيوفي! يقف بمسدسه الفضي بيده اليمنى، وعيناه تشعان ببحّة غيرة قاتلة وتملك مطلق لا يرحم الخائنين، وخلفه مباشرة هبط المستشار أدهم الجارحي بمعطفه الكحلي ومدفعه الرشاش شاهر، يعلنان بوقار الجبابرة اختراق كبد السماء!

انتفض المارشال خالد بذعر عسكري شل حركته لثوانٍ، وتراجع للخلف مسرعاً وسحب مسدسه الرسمي ووجهه مباشرة نحو رأس مراد، وصاح بصوته الجهوري المنخفض:

"مراد السيوفي! كيف تجرأت على اختراق طائرتي في أعالي الجو؟! أنت الآن في حرم المخابرات الدولية، ورصاص رجالي سيقذف بك في جوف البحر!"

لم يهتز لمراد جفن؛ بل تقدم بخطواته الثقيلة الفتاكة وسط اهتزاز الكابينة وعواصف الرياح القادمة من الفتحة السقفية، وعضلات صدره تتحرك بحدة مرعبة مع أنفاسه الحارة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة شرسة تفيض بالكبرياء الملوكي الذي لا ينحني.

"خالد الجارحي،" نطق مراد بالاسم بصوته الجهوري المبحوح، ونبرته حملت وعيداً حارقاً وجاذبية سرت في مسام الكابينة القرمزية لتكتم الأنفاس، "أنت واهمٌ إن ظننت أن طائراتك المصفحة أو مصلك الكيميائي القذر قادرا على محو تملُّكي لليلى أو حجبها عن أحضاني لثانية إضافية. لقد سحقتُ أفاعي الخفاء بالأسفل، وتملكِي لقطتي الفاتنة قد كُتب بدمها وشجاعتها وسط النيران. وقوفك الليلة بشريعتك العسكرية هو انتحار صريح.. وأقسم بجلال الله، لو نسيت عيني ملامحي تحت تأثير سُمك، سأبيد نفوذك بالخارج قطعة قطعة وأنت حي لترى كيف يكون غليان دم النمر عندما تُمس ممتلكاته وحرمه الخاص!"

خطا مراد خطوة واسعة نحو الأمام ليحجب رؤية أدهم، وبلمحة عين تفوق سرعة البرق، أطلق رصاصة واحدة من مسدسه الفضي بدقة قناص محترف؛ رصاصة فجرت معصم يد المارشال خالد التي تحمل الملف الرقمي، ليطلق الأخير صرخة ألم عسكرية مكتومة ويسقط على ركبتيه وهو ينزف بغزارة فوق أرضية الكابينة المعدنية.

تقدم مراد بكامل جبروته الشرس، وبحركة واحدة حطم الأحزمة الفولاذية المثبتة حول جسدي بيده الضخمة الحارة، وحملني برفق طاغٍ وعنف شغوف بين ذراعيه العريضين، ليدمج جسدي الحريري بصدره العاري الدافئ الملوث بدمائه؛ أحاط خصري بذراعه الضخمة، وانحنى برأسه الفاره حتى استقرت شفتاه الحادتان فوق شفتي المرتجفة والشاحبة بلقاء عنيف، حارق وعميق للغاية.. قبلة طويلة تفيض بالتملك المطلق والرومانسية المظلمة الشرسة، قبلة امتزج فيها طعم البارود والمصل الفضي بلهيب عشقه الشرس وتحديه للقدر، محاولاً بث نيران غيرته في خلايا عقلي الممسوح ليعيد النبض لوجداني المفقود.

نظرتُ في عينيه الصقريتين الحادتين بعينين زجاجيتين غاب عنهما وعي العناد العريق، ورغم أنني لم أتذكر اسمه أو ملامحه بفعل المصل الفضي، إلا أن حرارة صدره وعِطره الأخاذ أرسلا كهرباء غامضة وغريبة جعلت جسدي ينتفض بضعف بين يديه، وتحدثتُ بنبرة آلية رتيبة لكنها حملت نغمة متهدجة تغلغلت في صمته:

"أنت.. أنفاسك حارقة.. وتملكُك يمزق برودة نسياني.. من أنت يا صاحب العينين الصقريتين؟"

انقبضت ملامحه الوسيمة الشرسة بشغف عارم وحزن طاغٍ لعدم تذكري له، وشدد من ضمتي لقلبه النابض بعنف، وتحدث ببحته الرجولية العميقة التي تزلزل الروح:

"أنا جحيمكِ الشرس ونمركِ الذي تملَّك وجدانكِ للأبد يا ليلى.. وسأمحو مصلهم بلهيب قبلاتي حتى يعود وعيكِ الشرعي لأحضاني طواعية أو كرهاً!"

التفت مراد بكامل طوله وجبروت منكبيه نحو الفتحة السقفية للمغادرة وحملني للفرار عبر المظلات، ومسدسه الفضي بيده اليمنى، لكن في ذات الثواني الخاطفة للأنفاس والمشحونة بالخطر المطلق، تحرك المستشار أدهم الجارحي فجأة بمعطفه الكحلي الممزق، ووقف في منتصف الممر المؤدي للفتحة بالكامل، ورفع فوهة مدفعه الرشاش الرسمي ليوجهها مباشرة نحو جبهة مراد العريضة ونبضات قلبه، وتحركت عضلات فكه بقسوة بالغة تفيض بكبرياء القانون وشرف العائلة الذي لا ينحني، وصاح بصوته الرخيم العميق بنبرة جليدية قاطعة كالقضاء حبست النبض في العروق:

"لقد سُحق خالد وانتهت اللعبة السيادية يا مراد السيوفي.. وحان وقت نفاذ قانون الجارحي وثبات هيبة الدولة في أعالي السماء! ليلى ممسوحة الذاكرة الآن، وهي دم الجارحي والوريثة الشرعية لنفوذنا، وقانون الدولة لا يترك حرمه ليعيش في عرين المافيا الملوث بالدماء وهي عاجزة عن الاختيار! ضع الفتاة أرضاً وتراجع لعرينك المكلوم آركعاً.. وإلا أقسم بدم عائلتي وبشرف بزتي العسكرية، سأفجر رأسك الليلة داخل هذه الكابينة وأقذف بجثتك في جوف الإعصار، فالعين لا تعلو على الحاجب والجنمر لا ينحني لغطرسة النمور!"

تجمّد مراد السيوفي في مكانه كتمثال من رخام أسود وسط الإضاءة القرمزية الخافتة لطائرة الشحن المتأرجحة وسط العاصفة، وأحكم قبضته حول خصري بقوة خارقة كادت تكسر أضلعي وتبرز عروق يده الضخمة بعنف وحش جُرح في شرفه وتملُّكه، وتحولت عيناه الصقريتان إلى جحيم مستعر من الغيرة الشرسة والتملك الأعمى الذي أعمى بصيرته بالكامل، ورفع مسدسه الفضي ليوجهه بدقة متناهية نحو عين أدهم الجارحي السوداء الباردة، وصاح بصوته الجهوري المبحوح بنبرة تزلزل الكيان وتعلن بداية الفناء الشامل لشريعة الجبابرة:

"أدهم الجارحي! أقسم بجلال الله وبدم عائلتي وبكل قطرة دم سقطت من ليلى الليلة.. لو حركت أنملة واحدة نحو زناد سلاحك، أو فكرت في انتزاع ملكتي من قبضة يدي وهي بين ذراعيّ، سأجعل من هذه الطائرة مقبرة لك ولدولتك بأكملها! ليلى هي أنثاي وحرمي، وختم تملُّكي المطبوع فوق بشرتها يمنحني حق إبادة من يقف في طريقي حتى لو نسيت اسمعي بفعل سُمكم! أطلق رصاصتك إن كنت تجرؤ.. فلن تخرج قطعة من روحي من هذا المكان إلا فوق جثتي وجثة جيشك برمتها!"

تلاحمت نظرات الجبارين في مواجهة أخيرة، قاطعة وخاطفة للأنفاس تحت أضواء الطوارئ القرمزية الخافتة وطائرة الشحن تتأرجح بعنف وسط البرق الخاطف في أعالي السماء، مؤشرات الليزر تتقاطع بدقة مميتة فوق الجباه والصدور، الأصابع تتشنج فوق الزناد بقوة خارقة تفيض بالرغبة في الإبادة، وجسدي المنهك ممسوح الذاكرة معلق بين ذراع النمر الشرس وفوهة الرشاش الرسمي، والجميع يقف على حافة الهاوية المطبقة في انتظار الرصاصة الأولى التي ستحدد مصير عروش العاصمة وتُشعل حرباً شاملة لا تبقي ولا تذر في قلب العاصفة المحلقة وسط الغسق الفضي!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسالة إلى الشيطان   مواجهة حميمية شرسة

    قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض

  • رسالة إلى الشيطان   السجن الأسطوري

    تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل

  • رسالة إلى الشيطان   صدام العشق والشك الحارق

    ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف

  • رسالة إلى الشيطان   العودة إلى العرين

    لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام

  • رسالة إلى الشيطان   رماد الغيرة الحارقة

    لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"​ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."​بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.​في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا

  • رسالة إلى الشيطان   عودة النمر

    كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status