All Chapters of سراب عشقه : Chapter 31 - Chapter 40

49 Chapters

part 31

تنهدت بعمق، وسندت ظهرها إلى المقعد الوثير، مغمضة عينيها وهي تسترجع تلك الليالي الباردة في شقتها القديمة، عندما كانت تبكي وحيدة في المطبخ لأن يوسف تذمر من الملح أو تجاهل وجودها بالكامل. قارنت بين قسوته وجفائه، وبين دكتور خالد؛ ذلك الرجل الذي لم يعرفها سوى في أروقة المرض والضعف، ورغم ذلك رأى فيها معجزة تستحق الحب والحماية. مسحت دمعة هربت من عينيها، ليست دمعة حزن هذه المرة، بل دمعة تعجب من تصاريف القدر التي تأخذ وتمنح في آن واحد. مع بزوغ أولى خيوط الفجر، استيقظت سما إثر أرق خفيف داهمها في الثلث الأخير من الليل. قامت ببطء، توضأت وصلت فرضها، ثم ارتدت ملابسها المنزلية الهادئة وخرجت من غرفتها بخطوات متثاقلة يحكمها الخجل. كانت ردهات القصر صامتة تماماً، وصوت أنفاسها يكاد يكون مسموعاً. نزلت الدرج الرخامي ببطء، متجهةً نحو المطبخ الفاخر. وما إن اقتربت، حتى شمّت رائحة القهوة الطازجة والمخبوزات. أطلت برأسها لتجد والدتها تقف أمام الموقد، ترتدي مئزراً بسيطاً، وتعد بعض أصناف الفطور بتركيز شديد. ترددت سما لثوانٍ قبل أن تدخل، ثم حمحمت بخفوت: = "صباح الخير يا ماما.." التفتت الأم بسرعة، وانفرجت أساري
Read more

part 32

ارتشفت تارا رشفة صغيرة من كوب القهوة، وعيناها تلاحقان حركة أخيها الذي وضع كوبه على المنضدة الخشبية الصغيرة وجلس يسند ظهره بملامح هادئة، لكنها تحمل عمقاً غريباً. كان هذا الصمت الصباحي بينهما بمثابة استراحة محارب بعد ليلة عاصفة بالمشاعر والمواجهات. لم تكن تارا مجرد أخت صغرى، بل كانت مرآة لخالد، تشعر بنبضه وتفهم متى يكون قلبه مثقلاً بالهموم.التفتت تارا إليه، وحركت ملعقتها الصغيرة في الكوب ببطء وهي تسأله بنبرة خفيضة:= "أبيه خالد.. أنت لسه زعلان من ماما؟"نظر خالد إلى الفراغ لثوانٍ، وتنهد تنهيدة طويلة خرجت من أعماق صدره، ثم التفت إليها قائلاً بوقار وحزن طفيف:= "الزعل من الأم صعب يا تارا.. أنا مش زعلان منها كره أو جفاء، أنا بس موجوع إنها مش قادرة تشوف سعادتي فين. أمي شافتني وأنا بقطع نفسي بين المذاكرة والشغل عشان أعوض غياب بابا الله يرحمه، وشافتني وأنا ببني نفسي خطوة بخطوة. كنت فاكر إنها أول واحدة هتفرح لما تلاقيني لقيت الإنسانة اللي قلبي اختارها، مش أول واحدة تقف في طريقي وتحاول تحط العقد في المنشار."وضعت تارا يدها على يد أخيها بحنان:= "ماما بتحبك يا خالد، بس هي تفكيرها لسه محكوم بنظ
Read more

part 33

فتحت سما الكتاب بحرص، وهي تتأمل الورق المصقول والرسومات الملونة التي تشرح قواعد اللغة الإنجليزية بطرق مبتكرة وتفاعلية. كانت أصابعها تداعب أطراف الصفحات، وعقلها يسترجع الكلمات التشجيعية التي قرأتها في رسالة خالد منذ ساعات. تلك الكلمات المقتضبة كانت بمثابة درع يحميها من أفكارها السوداوية ومن صوت يوسف الذي كان يتردد في أعماقها كلما حاولت الإقدام على خطوة جديدة: *"أنتي متعرفيش تعملي حاجة في الدنيا"*.. *"أنتي أخرك المطبخ"*.التفتت سما نحو الدكتور نديم، وقالت بصوت هادئ يحمل نبرة ثقة بدأت تتشكل ببطء:= "الكتاب ده عبقري يا دكتور.. الألوان والرسومات اللي فيه بتخلي القاعدة الصعبة تبان كأنها لعبة. أنا حقيقي ممتنة جداً لاهتمامك."ابتسم نديم بوقار وهو يرتشف من فنجان الشاي الدافئ، ثم عدل من وضعه قائلاً بنبرة هادئة ومنظمة:= "يا سما، التعليم الحقيقي بيبدأ لما نشيل الرهبة من قلوب الأولاد. الطفل في سن محمد مش محتاج مدرسة تدخل تكب في دماغه معلومات ويمشي.. هو محتاج حد يصاحبه، يفهم دماغه، ويوصل للغة معاه من باب اللعب والمشاركة. وأنا واثق إن هدوءك وصبرك هيكونوا المفتاح للولد ده."أومأت والدة سما بالموافقة
Read more

part 34

استمع خالد إلى الرسالة الصوتية التي أرسلتها سما، وكانت نبرة صوتها المفعمة بالحياة والأمل كفيلة بأن تزيح عن كاهله إرهاق يوم طويل وشاق في العيادة. ابتسم بصفاء وهو يعيد سماع ضحكتها الخفيفة في آخر الرسالة، تلك الضحكة التي افتقدتها لسنوات طويلة. كان يشعر بفخر حقيقي تجاهها؛ فخروجها من شرنقة الخوف وبدء اعتمادها على نفسها في التدريس لم يكن مجرد نجاح أكاديمي أو عملي، بل كان بمثابة إعلان رسمي عن تعافيها النفسي وعودتها للحياة.كتب لها رسالة نصية هادئة، يراعي فيها عدم التسرع وترك المساحة لمشاعرها لتنمو في طمأنينة:> "أنا فخور بيكي جداً يا سما.. ومكنتش شاكك لحظة واحدة في إنك هتبهري الكل. دي أول خطوة في طريق طويل وجميل زيك. ارتاحي دلوقتي، وخليكي دايماً فاكرة إنك قادرة تعملي المستحيل."> وضع خالد هاتفه جانباً، وتنهد بعمق وهو ينظر إلى سقف غرفته. الريتم الهادئ الذي تسير به الأحداث الآن كان يروق له؛ فعلاقة علي وتارا بدأت تأخذ مسارها الطبيعي المستقر، ووالدته بدأت تتراجع خطوة للوراء عن حدتها، وسما تبني ثقتها بنفسها يومًا بعد يوم في بيت الدكتور نديم. كان يعلم أن العجلة قد تفسد كل شيء، وأن البيوت المتصدع
Read more

part 35

أغلقت سما الهاتف، وظلت ممسكة به لعدة دقائق وعيناها معلقتان بالفراغ. تملكها شعور غريب يمزج بين الامتنان العميق لخالد الذي يصر في كل موقف على إشراكها في حياته وجعلها جزءاً من عائلته، وبين رهبة حقيقية من تلك المواجهة المرتقبة. كانت تعلم أن نظرات والدته لن تكون سهلة، وأن القبول لا يأتي بين يوم وليلة، لكنها قررت أن تضع خوفها جانباً من أجل الرجل الذي أعاد صياغة حياتها من جديد.نزلت سما إلى الطابق السفلي لتخبر والدتها بالدعوة. كانت الأم تجلس مع الدكتور نديم في غرفة المعيشة يتناقشان في بعض الأمور الأكاديمية. وقفت سما عند الباب وحمحمت بخفوت:= "ماما.. دكتور نديم.. كنت عايزة أقولكم على حاجة."التفت إليها نديم بابتسامته الهادئة المعتادة:= "اتفضلي يا سما، يا رب يكون خير."قالت سما ببعض التردد والخجل:= "دكتور خالد كلمني.. يوم الجمعة الجاية إن شاء الله دكتور علي رايح يتقدم لأخته تارا رسمي، وخالد طلب مني وبأكد عليا جداً إني أكون موجودة معاهم في اليوم ده."نظرت الأم إليها بدهشة طفيفة، ثم التفتت إلى نديم الذي بدت عليه علامات التفكير العقلاني، ليردف نديم بنبرة رصينة وموزونة:= "الخطوة دي من دكتور خال
Read more

part 36

وصلت السيارة إلى باب قصر الدكتور نديم السويدي. مسحت سما دموعها بسرعة وبأصابع ترتجف، وحاولت استجماع شجاعتها حتى لا يرى أحد انكسارها. نزلت من السيارة بخطوات ثقيلة، ودخلت من الباب مستغلةً هدوء البيت في هذا الوقت المتأخر. صعدت إلى غرفتها مباشرة، وأغلقت الباب خلفها بالمفتاح، وسندت ظهرها عليه لتترك لنفسها العنان وتبكي بحرقة صامتة.ارتمت على سريرها الوثير، واحتضنت وسادتها بقوة وهي ترتعش. اقترب منها "فلوتو" بخطواته الحذرة، وتمسح بوجنتها المبتلة بدموعها، مموءاً بخفوت كأنه يشعر بالشرخ الذي أصاب روحها مجدداً. كان عقلها يدور في حلقة مفرغة ومؤلمة:= "أنا ليه بيحصل معايا كده؟ أنا ذنبي إيه في كل اللي فات عشان أتحاسب عليه نظرات وجفاء؟ طنط كانت بتبص لي كأني حمل تقيل أو غلطة خالد بيعملها.. زي مامت يوسف بالظبط.. نفس النظرة ونفس الوجع. العيب أكيد فيا أنا.. أنا اللي مكسورة ومينفعش أدخل حياة حد طبيعي."في تلك الأثناء، كان خالد يجلس في شقته بعد مغادرة الجميع. كان البيت قد عاد لهدوئه، لكن عقل خالد كان يغلي. التفت إلى والدته التي كانت تجمع بعض الأكواب من الطاولة، واقترب منها بنبرة هادئة لكنها حاسمة للغاية:=
Read more

part 37

في تمام الساعة الثامنة صباحاً، نزل الدكتور نديم السويدي بكامل أناقته الرسمية، ممسكاً بحقيبته الجلدية استعداداً للذهاب إلى الجامعة. عندما دخل المطبخ وشاهد سما تجلس في تلك الزاوية منكمشة على نفسها، عقد حاجبيه بقلق أكاديمي وأبوي في آن واحد. وضع حقيبته جانباً، واقترب منها ببطء، ثم سحب مقعداً وجلس في مواجهتها.نظر نديم إلى عينيها المنتفختين، وقال بنبرة هادئة ورصينة للغاية تحمل الكثير من الاحتواء:= "سما.. الصباح مش لازم يبدأ بالملامح دي. إيه اللي حصل امبارح في زيارة تارا؟"ابتلعت سما ريقها بصعوبة، وحاولت أن تبدو متماسكة، لكن صوتها خرج مبحوحاً ومرتعشاً:= "مفيش حاجة يا دكتور.. اليوم عدي وجوز تارا وعلي قروا الفاتحة وكله تمام.هز نديم رأسه ببطء، ولم تنطلِ عليه محاولتها للاختباء وراء الكلمات، فأردف بأسلوبه المنظم:= "اليوم عدي على تارا وعلي.. بس معداش عليكي أنتي. أنا عشت عمري كله بقرأ ملامح البشر في قاعات المحاضرات وبفهم المكتوب بين السطور. نظرة والدة خالد امبارح ضايقتك؟"انفجرت دموع سما مجدداً أمام هذا الفهم الدقيق من زوج والدتها، وأنزلت رأسها قائلة من بين شهقاتها:= "طنط عاملتني ببرود وجفاء
Read more

part 38

تحرك خالد خطوة للأمام، وسند كوعيه على ركبتيه ليصبح أقرب إليها، وقال بنبرة رجولية قاطعة لا تقبل الشك:= "اسمعيني كويس يا سما.. البنت التانية دي متلزمنيش، ومتهمنيش، ومفيش بنت في الدنيا دي كلها هتملا عيني ولا قلبي غيرك. أنتي فاهمة يعني إيه غلاوتك عندي؟ أنتي مش مجرد اختيار عابر، أنتي الإنسانة اللي أنا شوفت فيها موطني وأماني. أمي امبارح غلطت.. وأنا وقفت قدامها وقولت لها إن جفائها ده جرحني أنا قبل ما يجرحك، وهي دلوقتي في البيت بتراجع نفسها وتفكيرها القديم."تابعت سما بضعف والدموع تطمس رؤيتها:= "بس ده مش هيغير الحقيقة.. أنا مطلقة يا خالد، والمجتمع مش بيرحم."رد خالد بابتسامة حانية وهز رأسه نفياً:= "المجتمع ده ملوش دعوة بيا ولا بيكي. يوسف وأهله كانوا عمي، ومكنوش شايفين إن معاهم جوهرة.. وأنتي امبارح لما نزلتي ووقفتي ورا تارا وشيلتي الشربات، كنتي زي الأميرة وسطهم. علي امبارح بعد ما مشي كلمني وقالي إنك بنت أصول وهادية ومنورة البيت. يعني العيب مش فيكي يا سما.. العيب في الخوف اللي يوسف زرعه جواكي ومخليكي شايفة نفسك دايماً في موضع اتهام."امتد صمت طويل بينهما، كانت سما تستمع فيه لنبضات قلبها المت
Read more

part 39

قضت سما الساعات التالية في غرفتها، تتأمل تفاصيل الكلمات التي ألقاها خالد في روحها كبذور أمل جديدة. الغريب أن الكلمات لم تكن سحرية، بل كانت حاسمة ومسنودة برجولة واضحة، وهو تماماً ما كانت تفتقده في تجربتها السابقة. نزلت إلى الطابق السفلي لتبدأ تحضير درس المساء لـ محمد وعمر. فتحت كشكولها، وأمسكت بالألوان، وبدأت تخط التمارين اللغوية بريتم هادئ وتركيز شديد، محاولةً أن تدفن مخاوفها بين السطور والرسومات التوضيحية التي تعلمت إعدادها من كتب الدكتور نديم.في تمام الساعة السادسة مساءً، حضر الصبيان. دخل محمد يركض كعادته ملوحاً بكشكوله، وخلفه عمر الذي بدا أكثر خجلاً وهدوءاً. انحنت سما لتستقبلهم بابتسامتها الدافئة، وقالت بنبرة ناعمة:= "أهلاً بالأساتذة الكبار.. جاهزين لتحدي النهارده؟ أنا عملت لكم مسابقة جديدة بالألوان، واللي هيخلص الأول وبخط ممتاز، فلوتو مستنيه بره في الجنينة عشان يلعب معاه."تهللت أسارير الصبيين، وجلسا على مقاعد السفرة الخشبية الطويلة بحماس. بدأت سما الشرح بصوت هادئ ومنظم، تنسج القواعد المعقدة في قالب قصصي تفاعلي. كان الدكتور نديم يراقبها من وراء نظارته الطبية وهو يجلس في الصا
Read more

part 40

خرجت تارا بال فستان الأزرق السماوي، ممسكة بصينية الشربات، وعيناها معلقتان بالأرض من شدة الخجل. تقدم علي بخطوات رصينة، واستقبلها بابتسامة واسعة تنم عن حب واحترام حقيقيين. وضعت الصينية، وجلست بجوار والدتها لتستمع إلى كلمات الثناء التي قيلت في حقها.قرئت الفاتحة في جو مليء بالزغاريد الخفيفة والتهنئة الحارة، وشعر خالد وهو ينظر إلى أخته وصديقه بأن حملاً ثقيلاً قد انزاح عن كاهله؛ فالخطوة الأولى لترتيب بيته قد تمت بنجاح، والآن جاء الدور على خطوته الكبرى والأساسية التي تخص قلبه وحياته المستقبيلة مع سما.بعد مغادرة الضيوف في وقت متأخر من الليل، دخل خالد إلى غرفته وأمسك بهاتفه. اتصل بـ سما، وجاء صوتها عبر الخط ناعماً ورقيقاً، يملأه الفضول والهدوء:= "السلام عليكم يا خالد.. ألف مبروك، اليوم عدي على خير؟"رد خالد وهو يستلقي على سريره بتعب ممزوج بالرضا:= "وعليكم السلام يا قلب خالد.. الله يبارك فيكي يا حبيبتي. اليوم كان ممتاز، وعلي وأهله ناس فوق الوصف، وقرينا الفاتحة وتارا طايرة من الفرحة."صمت لثوانٍ، ثم تابع بنبرة منخفضة ممتلئة بالحب والثبات الشديد:= "وعقبالنا يا سما.. أنا اتكلمت مع أمي امبارح،
Read more
PREV
12345
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status