لاحظت تغيراً كبيراً في شخصية صديق المدرسة الذي كنت أظنه 'الحبيب الخفي' ذات يوم.
بعد سنوات، التقيت به صدفة في مقهى، وإذا به أصبح شخصاً مختلفاً تماماً. في المدرسة كان دائماً هادئاً ومنعزلاً، يقرأ الكتب في الزاوية ولا يكلم أحداً. لكنه حين تحدث معي بعد التخرّج، فوجئت بثقته العالية وحديثه السلس عن السفر والعمل. كان كأنه تحرّر من قوقعة الخجل.
الأمر الأكثر إدهاشاً أنه أصبح مدمن ألعاب فيديو من نوع 'الأدوار' ويتابع أنمي شهير مثل 'Attack on Titan'، وهو الولد الذي كان يتجنب أي نقاش عن الترفيه. ربما البيئة الجامعية والعمل في شركة تقنية هي ما كسرت حواجزه. أحسست أننا نعيش في عالمين مختلفين لكنني سعيد بتحوله رغم غرابته.
صدقني، كل ما أمر جنب المدرسة القديمة أتذكر هالموقف. كان حبيبي أيام الثانوي، اسمه أحمد، طويل وهادئ، كنا ندرس مع بعض ونتسلى بعد الدوام. آخر مرة سمعت عنه من صديق مشترك، قال إنه سافر للرياض وشتغل في شركة تقنية، برمجة أو شي كذا. أتذكر كان يحب ألعاب الفيديو، يمكن صار مطور ألعاب؟ ما أدري بالضبط، لكني سمعت إنه صار عنده شقة في حي النرجس، هادئ وجديد. مرات أتخيله قاعد قدام شاشة كبيرة يشتغل على كود مع كوب قهوة، نفس أيام الدراسة لما كنا نذاكر سوا.
المضحك إنه كنت أظن إنه راح يكون طيار، لأنه كان مهووس بالطيران، لكن الحياة تجارب. صديقنا المشترك قال إنه الحين متزوج وعنده طفل، شكله استقر. أتذكر مرة جابلي هدية عيد ميلاد، لعبة صغيرة مصنوعة يدويًا، كان مبدع. الحين هو بعيد، بس مكانه في الذاكرة باقي. فعلاً الزمن يغير الناس، بس الذكريات تظل حلوة. أتمنى له الخير فعلاً، حتى لو ما عدنا نتكلم.
أعترف أن الأمر صعب، خاصة وأن ذكريات المدرسة تحمل نكهة خاصة.
كنت أظن أنني تجاوزت الأمر، لكن رؤية صورة قديمة لنا في الحفلة المدرسية جعلت قلبي يتسارع. ما ساعدني حقًا هو أنني بدأت أتعامل مع مشاعري وكأنها موجة: أسمح لنفسي بالشعور بها دون مقاومة، ثم أتركها تتبدد.
كتبت له رسالة طويلة على ورق ثم أحرقتها - كان ذلك بمثابة طقس رمزي ساعدني على التخلص من بعض الثقل. الأهم أنني توقفت عن متابعة حساباته، وخصصت وقتًا للهوايات التي كنت أهملها، مثل الرسم والعزف على الجيتار.
الحقيقة أن تلك المشاعر جزء من قصتي، لكنها لا تحدد هويتي الآن. كل يوم أتعلم أن أتذكر اللحظات الجميلة دون أن أعلق فيها، وأن أمضي قدمًا بحب جديد للحياة.
كنت أظن أنني سأحصل على إجابة واضحة عندما أعود بعد العطلة الصيفية، لكنه اختفى تمامًا.
المشكلة أننا كنا قريبين جدًا، نتحدث يوميًا، ثم فجأة لا أثر له. حاولت البحث في كل مكان: سألت أصدقاءه، وتتبعت حساباته على وسائل التواصل، وحتى ذهبت إلى منزله. لكن وجدت المنزل مغلقًا وكأن العائلة رحلت فجأة.
أتذكر أني جلست في مقهى قريب من المدرسة وأنا أحدق في البوابة الرئيسية، أتأمل كل طالب يدخل ويخرج. كان شعورًا غريبًا، مزيج من الحزن والقلق. هل حدث له مكروه؟ أم أنه تعرض لضغوط عائلية شديدة؟
بعد سنوات، عرفت من أحد أقاربه البعيدين أنه انتقل إلى مدينة أخرى بسبب عمل والده، لكنهم فضلوا عدم إخبار أحد. الغريب أن هذا التفسير لم يخفف الألم، بل زادني فضولًا: لماذا التكتم الشديد؟
أعترف أن هذا السؤال لمس وترًا حساسًا في قلبي. من وجهة نظري، المصالحة مع حبيب سابق من المدرسة تحتاج إلى تروّي شديد. أول ما أسأله لنفسي: هل تغيرت الظروف التي أدت للانفصال؟ في تجربتي، لو كان السبب اختلافًا في النضج أو ضغوط الدراسة، فالوقت المناسب يكون بعد أن ننتهي من مرحلة المراهقة ونبدأ حياة جديدة، مثل بداية الجامعة أو بعد سنتين من التخرج.
ثانيًا، أتأكد من أنني تصالحت مع نفسي أولًا. في الماضي، حاولت المصالحة وأنا ما زلت غاضبًا من إهانة قديمة، وانتهى الأمر بكارثة. اليوم، أنتظر حتى أستطيع التحدث عن الذكريات دون ألم، وأكون مستعدًا لقبول أن الطرف الآخر قد تغير. ثم أبدأ بخطوات صغيرة: رسالة بسيطة عن ذكرى مشتركة، لأختبر ردة الفعل. إذا كان الرد باردًا، أعرف أنني بحاجة لانتظار أكثر. لكن إذا انفتح الحوار، أتركه يسير بشكل طبيعي. الأهم هو احترام حدود الطرف الآخر وعدم فرض المشاعر، المصالحة الحقيقية تأتي عندما يكون الطرفان مستعدين لبداية جديدة، لا لإعادة إحياء ما مضى.
آه، هذا السؤال جعلني أتوقف وأفكر في تلك الأيام القديمة. قبل بضع سنوات، صادفت صورتها على فيسبوك، وهي تحمل طفلها الصغير بجانب زوجها. كان شعوراً غريباً، مزيج من الحنين والدهشة. تذكرت كيف كنا نتبادل الملاحظات في الكتب المدرسية، ونضحك على نكات لا يفهمها أحد غيرنا.
لكن مع مرور الوقت، أدركت أن الحياة تسير بطرقها الخاصة. لم أعد أشعر بأي مرارة أو حسرة، بل فضول طفيف لمعرفة كيف تغيرت. عندما رأيتها سعيدة في صورتها العائلية، شعرت بارتياح غامض. ربما هذه هي الطريقة التي يجب أن تنتهي بها قصص المدرسة: بذاكرة جميلة، دون ندم.
لا زلت أتساءل أحياناً كيف سيكون الأمر لو بقينا معاً، لكن هذا مجرد خيال. ما يهم حقاً هو أن كلاً منا وجد طريقه، وأنا سعيد بذلك حتى لو كان طريقنا مختلفاً.
رأيتها بالصدفة في مقهى قريب من البيت، كنت أتناول قهوتي الصباحية وإذا بها تدخل. لأكثر من عشر دقائق لم أستطع التنفس بشكل طبيعي. الأمر لم يكن مجرد مواجهة عابرة، بل كان كأن الزمن عاد بي إلى الوراء دفعة واحدة. تذكرت أول مرة التقت أعيننا في حصة الأحياء، وكيف كانت تضحك بطريقة تجعل حتى أقسى المدرسين يبتسمون.
الحب الأول في المدرسة شيء مختلف تماماً، ليس لأنه كان نقياً أو سطحياً، بل لأنه كان محفوراً في تلك اللحظات الصغيرة التي لا تعود. أيام كنا نتبنى رسائل ورقية مطوية بعناية، وننتظر عند باب المدرسة لمجرد نظرة سريعة. عندما جلست أمامها بعد كل هذه السنوات، اكتشفت أن الذاكرة ليست في الصور الفوتوغرافية، بل في روائح الماضي التي تنبعث فجأة. كانت ترتدي عطراً يشبه ما كانت تستخدمه في الثانوية، وفجأة شعرت بأني طالب مراهق مرة أخرى.
لكن الشيء الغريب أن المشاعر لم تكن بنفس الحدة. كانت أشبه بفيلم قديم تعيد مشاهدته وتكتشف أنك نسيت بعض التفاصيل بينما بالغت في البعض الآخر. تحدثنا عن حياتنا الحالية، عن وظائفنا وعائلاتنا، وكان كل منا يشعر بأن الآخر أصبح إنساناً مختلفاً تماماً. أدركت حينها أن الحب الأول ليس مجرد ذكرى، بل هو مرآة تعكس كم تغيرنا نحن أنفسنا. مواجهة الماضي لا تعيد المشاعر، لكنها تعيد فهمك لنفسك بشكل أعمق.
أعترف أن الموضوع ده بيخليني أفكر كتير وحاسس إنه حساس جدا. أول حاجة، الأمان مش بس جسدي، لكن نفسي وعاطفي كمان.
نصيحتي، لو حابب تتواصل، خليك مباشر وصريح، بس برضو محترم وهادئ. مثلا ابعت رسالة بسيطة زي 'أهلاً، كيف حالك؟ اتذكر أيام المدرسة وتذكرتك.' لا تكتب رواية ولا تفتح جراح قديمة. اختبر المياه بشوية حذر.
الأهم، جهز نفسك لأي رد. ممكن يرد بحماس، ببرود، أو حتى ما يردش. تقبل أي نتيجة ولا تاخدها بشكل شخصي. ولو حسيت الموضوع بيفتح جروح قديمة أو بيشتت تركيزك، اعرف توقف. السلامة النفسية هي الأولوية.