MasukChapter 3
مقر الشركة – الطابق الخامس والعشرون بعد ثلاثة أيام من لقائهما الأول طرقات خفيفة على باب مكتبه. لم يرفع جون رأسه. كان يقرأ تقريراً مالياً، عيناه البنيتان الداكنتان تتحركان بسرعة بين السطور. صوته خرج بارداً، مقتضباً: "ادخلي." فتحت الباب بهدوء. دخلت لي دان. كانت ترتدي نفس الملابس البسيطة التي يرتديها الموظفون في الطوابق السفلية: قميص أبيض، تنورة سوداء، وشاحاً رمادياً. لكنها أضافت شيئاً مختلفاً اليوم. وشاحاً أحمر. كان اللون الوحيد الذي يلفت الانتباه في هيئتها المتواضعة. وقفت أمام مكتبه. كانت متوترة. أصابعها تشبكت خلف ظهرها، تخفي ارتجافها. نظرت إليه. لم يرفع رأسه بعد. تنفست بعمق. "سيد كيم." صمت. ثم رفع عينيه ببطء. نظر إليها. لم تكن نظرة عابرة. كانت نظرة طويلة، ثاقبة، كأنه يرى شيئاً لأول مرة. عيناه البنيتان الداكنتان، اللتان تشبهان قاع بئر لا يُرى نهايتها، تجولتا في تفاصيلها الصغيرة: الوشاح الأحمر الذي يلف عنقها النحيل، خصلة شعرها التي تساقطت على وجهها، أصابعها التي تخفي ارتجافها. ثم نظر إلى عينيها. توقفت أنفاسها للحظة. "سيدة لي." كان صوته عميقاً، هادئاً، كالموج البطيء الذي لا يعلن عن قدوم العاصفة. "هل أنهيتِ التصاميم المطلوبة؟" ترنحت كلماتها قليلاً: "لم... لم أبدأ بعد." رفع حاجبيه قليلاً. "إذاً؟" اقتربت خطوة. "أردت أن أسألك... عن التصاميم. عن... كل شيء." أغلق ملف التقرير ببطء. وضع قلمه جانباً. ثم أشار بيده إلى الكرسي أمامه. "اجلسي." جلست على حافة الكرسي، ظهرها مستقيم، كتفيها متصلبان. لم تكن مرتاحة. كانت تشعر أن عينيه لا تفارقانها، أنها تحت مجهر رجل يفحص كل تفصيل فيها. قال ببطء، وكأنه يزن كل كلمة قبل أن تخرج: "الميزانية مفتوحة. غير محدودة. أريد اثني عشر تصميماً. قلادات، أساور، خواتم، أقراط. للرجال والنساء." اتسعت عيناها. "غير محدودة؟" "نعم." "ولكن... كيف سأعرف كم أنفقة؟" نظر إليها نظرة جعلتها تندم على سؤالها. كانت باردة، حادة. "ميزانية مفتوحة تعني ميزانية مفتوحة يا سيدة لي. لا حدود. فقط..." توقف للحظة، ثم أتمم: "الجودة. الندرة. التفرد." أحنت رأسها. "فهمت." وقف من على مكتبه. مشى إلى النافذة الزجاجية التي تطل على نهر الهان. كانت الشمس تغرب، تلوّن المياه بالذهب والبرتقالي. وقف هناك، ظهره لها، يداه في جيبي بنطاله الأسود. قال بصوت أصبح أكثر برودة: "لطالما رأيت التصاميم المكررة. عقود ألف مرة، قلادات ألف مرة. لا جديد. لا روح." التفت إليها بنصف جسده. عيناه البنيتان الداكنتان وقعتا عليها من جديد. "أريد شيئاً يجعلك تشعرين بالقوة. أو الضعف. كأن القطعة تحكي قصة. كأنها تخفي سراً." همست: "وكيف أعرف أي قصة تريد؟" تطلّب الأمر منه بضع ثوانٍ قبل أن يجيب. عندما أجاب، كان صوته أخفض، أعمق: "القصة التي تبحثين عنها أنتِ. القصة التي لا تجرؤين على قولها لأحد." ساد الصمت. ثم عاد إلى مكتبه. جلس. فتح ملف التقرير من جديد وكأن شيئاً لم يحدث. "أبدئي غداً. سأُخبر الإدارة بأن توفر لكِ كل ما تحتاجينه. ورشة خاصة، مواد، مساعدين. أي شيء تطلبينه." وقفت. انحنت برفق. "شكراً لك يا سيد كيم." لم يرفع رأسه. لكنه قال بصوت منخفض جعلها تتوقف عند الباب: "لا تشكريني قبل أن تنجزي." خرجت. أغلقت الباب خلفها، ويدها على صدرها. قلبها كان ينبض بسرعة. لا تعلم لماذا، لكنها شعرت أن تلك النظرة التي أطالها فيها لم تكن نظرة مدير لموظفته. كانت شيئاً آخر. شيئاً لم تستطع تسميته. في الأيام التالية بدأت دان عملها في الورشة التي خصصها لها جون في الطابق العشرين. كانت غرفة واسعة، جدرانها زجاجية تطل على المدينة، مليئة بأحدث آلات التصميم والنحت والصقل. لم ترَ مثلها من قبل. كانت تقف أمام طاولتها، ترسم. ترسم كثيراً. تخطو خطوطاً، تمسحها، تعيد الرسم من جديد. كانت تبحث عن شيء. عن قصة. عن السر الذي يريد جون أن تخبئه المجوهرات. في اليوم الثالث، دخلت إلى الورشة بعد غداء قصير، فوجدت شيئاً غير متوقع. كرسي. كرسي بجانب طاولتها. لم يكن هناك من قبل. نظرت حولها. لا أحد. سألت المساعدة: "من وضع هذا الكرسي؟" هزت المساعدة كتفيها. "لا أعلم. ربما أحد الحراس." لكن دان علمت. هو من وضعه. في اليوم الرابع، بدأت تلاحظه. ليس في لقاءات رسمية. لا. كانت تلاحظه من بعيد. كان يقف في نهاية الممر، ينظر إليها. من مسافة بعيدة، عيناه البنيتان الداكنتان لا تفارقانها. كانت تنظر إلى الوراء فجأة، فتراه. كانت ترفع رأسها عن الرسم، فتصطدم بنظراته. كانت تمر بجانب مكتبه، فيجد الباب مفتوحاً، وهي تسمع صوت قلمه يطرق على المكتب، فترفع عينيها لتراه ينظر إليها من بين الأوراق. لم يبتسم. لم يتكلم. فقط... كان ينظر. نظرة غريبة. ليست نظرة مدير لموظفته. ولا نظرة رجل لامرأة يعجب بها. كانت نظرة رجل يحاول أن يفهم شيئاً. أن يفك شيفرة. أن يقرأ كتاباً مغلقاً. وذلك الكتاب هو هي. في اليوم الخامس، حدث شيء جعلها ترتجف. كانت تقف أمام رف المواد الخام، تختار نوعاً من الفضة لتصميم قلادة. كانت مركزة، أصابعها تتحسس سطح المعدن البارد. رفعت عينيها فجأة إلى المرآة المقابلة. كان واقفاً خلفها. على بعد خطوات قليلة. يداه في جيوبه. رأسه مائل قليلاً إلى اليمين. عيناه مثبتتان على يديها. لم تسمع خطواته. لم تشعر بدخوله. كان كالشبح. التفتت إليه بسرعة. كادت تسقط قطعة الفضة من يدها. "سيد كيم! أنت... أخفتني." لم يعتذر. لم يبتسم. قال فقط، بصوته العميق الهادئ: "يداكِ ترتجفان." نظرت إلى يديها. كانتا ترتجفان بالفعل. "أنا... لا أعلم لماذا." اقترب خطوة. ثم خطوة أخرى. وقف على بعد ذراع منها. مد يده. توقعت أن يلمس يدها. لكنه لم يفعل. لمس قطعة الفضة التي كانت تمسكها، أخذها منها برفق. نظر إلى المعدن البارد في كفه. ثم قال: "الخوف يقتل الإبداع يا سيدة لي. لا تخافي. لن يؤذيكِ أحد هنا." كانت كلماته غريبة. لم تقل له إنها خائفة. لكنه عرف. التقت عيناه بعينيها. نظرة طويلة. ثقيلة. شعرت أن عينيه البنيتين الداكنتين تخترقان جلدها، تصلان إلى عظامها، إلى روحها. نظر بعيداً. أعاد إليها قطعة الفضة. ثم غادر دون كلمة. تركت دان قطعة الفضة على الطاولة. جلست على الكرسي الذي وضعه بجانب طاولتها. كانت لا تزال ترتجف. لكنها لم تعلم إن كان الارتعاش من الخوف... أم من شيء آخر. اليوم السابع – ورشة التصميم كانت منهمكة في رسم تصميم قلادة على شكل دمعة. كانت تريد أن تجعلها تبدو حزينة لكنها جميلة. حزينة كمن يبكي في صمت. فجأة، سمعت ضحكات خلفها. التفتت. كان يونغ واقفاً عند باب الورشة. رجل في الأربعين، مدير قسم التسويق. كان بديناً، وجهه أحمر دائماً، عيونه صغيرة وماكرة. كان معروفاً في الشركة بلسانه الحاد وتصرفاته المتعجرفة. "أوه، سيدة لي." دخل دون استئذان. "ما هذا؟ تصميم جديد؟" وضعت يدها على الرسم تحميه. "نعم. للسيد كيم." ضحك ضحكة قصيرة، باردة. "للسيد كيم؟" اقترب أكثر. نظر إلى الرسم من فوق كتفها. "هذا؟ هذا ما سترسلينه للسيد كيم؟" حاولت تثبيت صوتها: "نعم. هل هناك خطأ؟" "خطأ؟" ضحك بصوت أعلى. "هذا ليس خطأ. هذه كارثة. من علمك التصميم؟ روضة أطفال؟" شعرت بدمها يغلي. لكنها أمسكت أعصابها. "أنا مصممة متخرجة من جامعة الفنون التطبيقية. هذا التصميم..." قاطعها. "التصميم؟ هذا لا يصلح حتى ليكون منديل أطباق. هل تعتقدين أن السيد كيم سيدفع ميزانية مفتوحة لمثل هذه الخردة؟" اقترب أكثر. وضَعَ إصبعَه على الرسم. "انظري إلى هذا الخط. غير متساوٍ. وهذا المنحنى... كأن طفلاً رسمه." أبعدت يده برفق. "لو سمحت... لا تلمس رسوماتي." رفع حاجبيه بتحدّ. "لا تلمس؟ من تعتقدين نفسكِ؟ أنتِ موظفة جديدة، في فترة تجربة، تأتين إلى هنا بشاحنك الأحمر الفقير وتظنين أنكِ أفضل من الجميع؟" أحنت رأسها. صوتها ارتجف: "لم أقل ذلك..." "لم تقولي؟" صوته أصبح أعلى. "ولكن تصرفاتك تقول. تتجولين في الممرات كأنكِ ملكة، تتصنعين النظرات الدرامية، وتحاولين جذب انتباه السيد كيم. هل تظنين أننا لا نرى؟" تجمّدت دان. عيناها اتسعتا. تابع يونغ، كان يحشر وجهه في وجهها تقريباً: "اسمعي يا صغيرة. السيد كيم لا ينظر إلى أمثالكِ. هو رجل أعمال، ليس من هوايته النظر إلى رسومات الأطفال. أما أنتِ..." توقف. لأن الباب فُتح فجأة. دخل جون. لم يمشِ بسرعة. مشى ببطء، كالقط يقترب من فريسته. عيناه البنيتان الداكنتان كانتا مثبتتين على يونغ. وجهه كان صخرة. لا تعبير فيه. لكن عينيه... كانتا تقتلان. توقف على بعد خطوات منهما. نظر إلى يونغ. صوته كان هادئاً. هادئاً جداً. كالماء قبل أن يغلي: "ماذا قلتَ يا يونغ؟" تراجع يونغ خطوة إلى الخلف. وجهه الأحمر أصبح شاحباً. "سيد كيم... أنا... كنت فقط..." "كنتَ فقط ماذا؟" خطوة نحو الأمام. "كنت فقط تهدد موظفتي؟ تنعت رسوماتها بالخردة؟ تقول إنها تتصنع النظرات؟" أصبح وجه يونغ شاحباً أكثر. "لا... لا... كنت أمزح فقط..." توقف جون. نظر إليه طويلاً. ثم قال بصوت لم تسمعه دان من قبل. كان كالحجر. كالجليد. كالموت: "يا يونغ." "نعم... سيد كيم؟" "هل تعرف لماذا أسست هذه الشركة؟" تردد يونغ. "لا... لا أعلم." "أسستها لأنني تعبت من أمثالك. من المتعجرفين الذين يظنون أنهم يحق لهم إذلال الآخرين." توقف للحظة. عيناه لم تفارقا يونغ. "في شركتي، الموهبة فقط هي من تتكلم. ليس المنصب. ليس الأقدمية. وليس..." توقف ثم أتمم: "وليس لسانك السام." رفع يونغ يديه. "سيد كيم، أرجوك... كان سوء تفاهم..." "سوء تفاهم؟" اقترب جون منه حتى صار على بعد خطوة. حشر وجهه في وجه يونغ، كما كان يونغ يفعل مع دان قبل دقائق. "هل تقول إنني لم أسمع ما قلته؟ هل تقول إنني لم أرَ كيف أهنتها؟" سكت يونغ. تراجع جون خطوة. قال بصوت عالٍ، حاد، يسمعه كل من في الورشة وحتى الممر خارجها: "أنت مطرود يا يونغ. اخرج من شركتي الآن. سكرتيرتي سترسل لك أوراق إنهاء العقد خلال ساعة. لا تعترض. لا تتصل بي. فقط... اخرج." تجمّد يونغ. فتح فمه ليتكلم، لكنه أغلقه من جديد. أدار ظهره ومشى بسرعة نحو الباب. قبل أن يخرج، التفت إلى دان. ألقى نظرة مليئة بالحقد. ثم اختفى. ساد الصمت. دان كانت لا تزال واقفة في مكانها. يداها ترتجفان. عيناها مفتوحتان على وسعهما. كانت تنظر إلى الأرض، لا تجرؤ على رفع عينيها إليه. اقترب منها جون ببطء. وقف أمامها. لم يتكلم. رفعت رأسها. نظرت إليه. كان وجهه لا يزال صارماً. لكن عينيه... كانتا مختلفتين. كانتا أعمق. فيها شيء... لم تستطع فهمه. "سيد كيم..." همست. "لم يكن عليك أن تطرده." لم يرد. نظر إليها طويلاً. ثم قال: "عليكِ أن تحملي نفسكِ بقوة يا سيدة لي. لا تدعي أحداً يجرؤ على النظر إليكِ من فوق. لأنكِ إذا سمحتِ لأحدهم بالإساءة إليكِ..." توقف للحظة، ثم أتمم بصوت أخفض: "فسأضطر للتدخل في كل مرة. وهذا يزعجني." تنهدت. لم تفهم ما قصده. لكنها أحنت رأسها: "شكراً لك." التفت وغادر. بقيت واقفة. تنظر إلى الباب الذي أغلقه خلفه. كانت لا تزال ترتجف. لكنها شعرت بشيء غريب. شعرت بأمان. لأول مرة منذ سنوات، شعرت بأمان. بعد يوم في صالة الاجتماعات – الطابق العشرون دُعيت دان لحضور اجتماع مع كبار مديري الشركة. لم تفهم لماذا دُعيت. لكنها ذهبت. جالست في نهاية الطاولة الطويلة. حوالى عشرون مديراً، معظمهم من الرجال، يرتدون بدلات سوداء باهظة الثمن. جلس جون على رأس الطاولة. لم يرفع رأسه عن الأوراق أمامه. الجميع كانوا صامتين، ينتظرون. بدأ أحد المديرين يتكلم عن أرباح الربع الأخير. ثم آخر عن خطة التسويق. ثم آخر عن مشاكل في سلسلة التوريد. عندما وصل الدور إلى المدير المالي، رجل في الخمسين اسمه "مدير سونغ"، تغيرت ملامح جون. رفع رأسه ببطء. نظر إلى مدير سونغ بعينين جليديتين. "مدير سونغ." ارتبك الرجل. "نعم... سيد كيم؟" "أين الـ ٥٠٠ مليون وون التي طلبت تحويلها إلى حساب المورد الكوري الشهر الماضي؟" تردد مدير سونغ. تلعثم. "في... في الحساب الوسيط. كان هناك تأخير... من البنك..." قاطعه جون. صوته كان حاداً، كالسكين: "لا. لم يكن هناك تأخير. البنك يؤكد أن التحويل تم قبل شهر. لكن المورد لم يستلم المال." ساد الصمت. الجميع تجمدوا. تابع جون، ينظر إلى مدير سونغ كأنه يريد أن يخترقه: "أريد أن أعرف أين ذهبت هذه الأموال. الآن." أصبح وجه مدير سونغ شاحباً. كان يعرق. يداه ترتجفان. نظر حوله يبحث عن مساعدة. لم يجد. "سيد كيم... أنا... أتذكر الآن... لقد أرسلتها إلى حساب آخر... كان هناك خطأ..." "خطأ؟" وقف جون فجأة. كان طوله يطغى على الغرفة بأكملها. مشى ببطء نحو مدير سونغ. "خمس مئة مليون وون. خطأ؟" صوته كان عالياً الآن. لم يصرخ، لكنه كان أعلى مما اعتادوا عليه. ارتجفت الطاولة عندما ضربها بكفه. "خمس مئة مليون وون ليست خطأ يا مدير سونغ. خمس مئة مليون وون هي سرقة." سمع صوت شهيق من أحد المديرين. واصل جون: "لقد تابعت حسابك المصرفي. الـ ٥٠٠ مليون حطت في حسابك الخاص. ثم حوّلت ٢٠٠ مليون إلى حساب زوجتك. و ١٥٠ مليون إلى حساب ابنك الذي يدرس في أمريكا." تجمد مدير سونغ. لم ينبس ببنت شفة. اقترب جون منه. وقف خلف كرسيه. انحنى إلى أذنه، وقال بصوت منخفض لكن مسموع للجميع: "لديك خياران. الأول: تعيد كل الأموال خلال ٢٤ ساعة، وتستقيل بهدوء، وتغادر كوريا. لا أعود أراك أبداً." توقف. ثم أتمم: "الثاني: أتصل بالنيابة العامة الآن. أرسل لهم الأدلة. أنت وزوجتك وابنك... ستدخلون جميعاً السجن. وصدقني يا مدير سونغ... السجن في كوريا ليس مكاناً لطيفاً." ارتجف مدير سونغ. انهار على كرسيه. بصوت مبحوح: "سأعيدها... كلها... خلال ساعات... أرجوك... فقط..." لم يرد عليه جون. عاد إلى كرسيه. جلس. فتح ملفه من جديد. قال دون أن ينظر إلى أحد: "الاجتماع انتهى. عدا مدير سونغ، الجميع يخرج." وقف الجميع بسرعة. غادروا الغرفة كالنمل المذعور. بقيت دان. ترددت. نظرت إليه. رفع عينيه إليها للحظة. أشار برأسه إلى الباب. فهمت. خرجت. أغلقت الباب خلفها. وقفت في الممر، تتنفس بصعوبة. كانت قد رأت للتو سلطة رجل واحد. كيف يمكنه أن يطرد، أن يهدد، أن يدمر حياة إنسان في دقائق معدودة. ارتجفت. لكنها شعرت أيضاً... بالرهبة. لم تكن مجرد خوف. كان إعجاباً. قهراً. انبهاراً. جلست على مقعد خارج قاعة الاجتماعات. وضعت يدها على صدرها. "من أنت حقاً يا كيم جون؟" همست لنفسها. لم تجبها سوى أضواء المدينة. kim jon lee dan by :ares _jk11_ chapter وفي صباح اليوم التالياستيقظت دان على صوت رنين الباب.قفزت من السرير. نظرت إلى الساعة. كانت الثامنة صباحاً. جون لم يكن بجانبها. كان واقفاً عند النافذة."لا تخافي." قال. "إنه دو هيون."تنفست.نزلت معه. فتح الباب.دخل دو هيون. كان وجهه متعباً. في يده ظرف بني اللون، قديم، أصفر، مغلق بشمع أحمر مكسور قليلاً."وجدت هذا." قال. "مرسل إليكِ. لا مرسل عليه. فقط اسمكِ."نظرت دان إلى الظرف. أخذته بأصابع مرتجفة. تأملته.الورق كان قديماً. الشمع كان متشققاً. لا بريد. لا طابع. لا شيء. كأن أحداً وضعه بنفسه تحت الباب."من أرسله؟" سألت."لا أعلم. لم أرَ أحداً."فتحت الظرف ببطء.داخله ورقة واحدة. مكتوب عليها بخط يد أنثوي، جميل، لكنه مرتجف:"أنتِ لستِ ابنتهما. الحقيقة تنتظركِ. احذري. إنه لا ينسى."لا توقيع. لا تاريخ. لا شيء.تغير لون وجه دان. اصفرّت. كأنها رأت شبحاً."ماذا يعني هذا؟" همست.اقترب جون. قرأ الورقة. وجهه كان حجراً."السيد كيم." قال."أو السيدة يون." أضاف دو هيون. "أو أي شخص يريد إرباككِ.""لكن... إذا كنتُ لست ابنتهما... فمن أنا؟"لم يجب أحد.ساد الصمت.شقة دان القديمة – حي مابو
chapter 10 بقيت دان وحدها في غرفة المعيشة. كانت تقف عند النافذة، تنظر إلى السيارة التي تبتعد. سيارة جون. كانت تتقلص في الطريق الطويل المؤدي إلى البوابة الحديدية، ثم اختفت تماماً. ساد الصمت. لم يكن صمتاً هادئاً. كان صمتاً ثقيلاً، كالحجر، كالموت. كان المطر لا يزال يتساقط، يرسم خطوطاً فضية على الزجاج. كانت أوراق الشجر في الحديقة تتحرك بعنف تحت وطأة الريح. في مكان بعيد، سمعت صوت كلب ينبح. ثم صمت. وكأن الكون كله كان يحبس أنفاسه. أدارت وجهها عن النافذة. نظرت حولها. الفيلا كانت كبيرة جداً. فارغة جداً. صامتة جداً. كانت الجدران البيضاء العالية تعلوها لوحات تجريدية، ألوانها داكنة: أسود، أحمر قاتم، رمادي. الأثاث كان بسيطاً: أريكة سوداء، طاولة زجاجية، كرسيان. لا شيء شخصي. لا صور. لا ألبومات. لا زهور. لا حياة. شعرت فجأة بأنها غريبة في هذا المكان. لم تكن تنتمي إليه. لم تكن تنتمي إلى أي مكان. لا إلى بيت والديها، حيث كان والدها يشرب ووالدتها تبكي. ولا إلى شقتها الصغيرة التي كانت تشبه الزنزانة. ولا إلى هذه الفيلا الباردة التي تشبه القصر المهجور. كانت معلقة في الفراغ، كغيمة لا تجد أرضا
chapter 9 مقر السيد كيم – قصر في أعالي سيول – صباح اليوم التالي لم تكن دان تعلم أن مثل هذا المكان يمكن أن يوجد في سيول. كان القصر مخبأً خلف جدار حجري ضخم، لا يقل ارتفاعه عن أربعة أمتار، تعلوه أسلاك شائكة وكاميرات في كل زاوية. البوابة الحديدية لم تفتح إلا بعد أن أشار جون لرجل الأمن من خلال نافذة سيارته السوداء. البوابة انزلقت بصمت مخيف، كما لو كانت تبتلعهم في فم حيوان ضخم. داخل الجدار، كان هناك عالم آخر. حدائق واسعة، أشجار صنوبر ضخمة تعود لمئات السنين، نوافير من الرخام الأبيض لا تعمل في هذا الطقس البارد. القصر نفسه كان مبنيّاً على الطراز الأوروبي القديم، بأعمدته البيضاء ونوافذه المقوسة. لكن وراء هذا الجمال الكلاسيكي، كانت هناك حداثة قاتلة: كاميرات في كل زاوية، حراس مسلحون يرتدون بدلات سوداء يتوزعون في كل مكان، بعضهم واقف، بعضهم يتجول ببطء كلاب راعية ضخمة تمشي إلى جانبهم. دان كانت جالسة في المقعد الخلفي للسيارة. بجانبها، جون كان صامتاً، وجهه كالحجر. أمامهما، دو هيون كان يقود ببطء شديد، عيناه لا تفارقان الطريق، يداه على المقود كمن يمسك بقنبلة. لم تتكلم دان منذ غادرت الفيلا. كا
chapter 8 كان الضوء يتسلل من الستائر الثقيلة، يرسم خطوطاً ذهبية على الأرضية الرخامية. دان كانت جالسة على حافة السرير، تنظر إلى جون الذي كان نائماً بجانبها. لم تغادر الفيلا الليلة الماضية. لم تستطع. جسدها كان مرتجفاً، روحها منهكة، وخوفها كان حقيقياً لدرجة أنها لم تستطع النوم إلا بعد أن سمعت صوت تنفسه المنتظم. كان نائماً على ظهره، قميصه مفتوح، يظهر صدره العضلي المغطى بالندوب. ضمادة بيضاء على فخذه الأيسر، بقعة دم صغيرة بدأت تظهر عليها من جديد. مدت يدها. توقفت أصابعها على بعد سنتيمترات من وجهه. كانت تخاف أن تلمسه. لا لأنه سيستيقظ، بل لأنها تخاف من رغبتها في ذلك. "لا تلمسيه." همست لنفسها. لكن يديها لم تطيعها. لمست خده برفق. كان دافئاً. خشناً. لحية خفيفة بدأت تظهر. شعرت تحت أصابعها بقسوة جلد رجل لم يعرف النعومة منذ سنوات. تحرك فجأة. انتفضت. سحبت يدها بسرعة. فتح عينيه. كانتا حمراوين، غائرتين، كمن لم ينم منذ أيام. نظر إليها. نظر إلى يدها التي كانت على وشك لمسه. فهم. "كم الساعة؟" سأل بصوت أجش. "السابعة صباحاً." تنهد. جلس بصعوبة. تألم من جرحه لكنه لم يظهر ذلك. كتم الألم
chapter 7 فيلا جون – شمال سيول – منتصف الليل – كانت العلبة السوداء لا تزال على الطاولة. المجوهرات العشرون كانت مصفوفة بداخلها، تتلألأ تحت ضوء الموقد الخافت. جون لم يلمسها منذ جلوسه. كان ينظر إليها كمن ينظر إلى أعداء لم يولدوا بعد. كان دو هيون واقفاً بجانب النافذة، ذراعاه متقاطعتان على صدره. كان يراقب جون، يراقب العلبة، يراقب الصمت الثقيل بينهما. "غداً." قال دو هيون أخيراً. "ستصل إلى السيد كيم." "نعم." "هل تثق به؟" لم يرد جون. "أنا لا أثق به." تابع دو هيون. "ولا أثق بأي شخص يحيط به." "قلت هذا من قبل." "وسأقوله ألف مرة." رفع جون عينيه إلى دو هيون. كانت عيناه حمراوين من الأرق، من التفكير، من القلق الذي لا يظهره لأحد. "دو هيون." "نعم؟" "منذ متى وأنت تعمل معي؟" "خمس سنوات." "خمس سنوات." كرر جون. "وخلال هذه السنوات، هل لاحظت شيئاً غريباً في تصرفات السيد كيم تجاهي؟" تردد دو هيون. ثم قال: "لطالما شعرت أنه يستخدمك. لكن في الآونة الأخيرة..." "في الآونة الأخيرة ماذا؟" "أصبح خائفاً منك. هذا ملاحظ. يريد التخلص منك، لكنه لا يستطيع. أنت أصبحت أقوى مما توقع."
📖 رواية "مذنب ببراءة" chapter 6 في مقر الشركة الطابق الخامس والعشرون – بعد أسبوع من الحفل كانت الساعة تشير إلى الثامنة مساءً. أغلب الموظفين غادروا منذ ساعات. بقيت دان في مكتبها الصغير المجاور لمكتبه، ترتب التصاميم الجديدة. كانت قلادة على شكل دمعة، من الفضة الخالصة، تتوسطها ياقوتة حمراء صغيرة كقطرة دم. رفعت رأسها عندما سمعت صرير باب مكتبه يفتح. خرج جون. كان مرتديًا بدلة سوداء، ربطة عنق حمراء قاتمة. عيناه كانتا أعمق من المعتاد، مركزة، كمن يرى شيئًا لا يراه غيره. في يده اليمنى، كان يمسك بمظروف بني اللون. في عينيه، كان هناك ظل لم ترَه من قبل. "سيدة لي." وقفت بسرعة. "نعم، سيد كيم؟" "ستأتين معي إلى مكان ما." لم يكن سؤالاً. كان أمرًا. ترددت. "الآن؟ ولكن لم أنتهِ من..." "ستكمليه غدًا." قاطعها. صوته لم يحتمل نقاشًا. "تعالي." أغلقت ملفاتها. أخذت حقيبتها. تبعتته إلى المصعد. كان ثقيل الصمت. وقف إلى جانبها، لا ينظر إليها، فقط إلى الأبواب المعدنية المغلقة. كانت المسافة بينهما ذراعًا، لكنها شعرت بوجوده يملأ المكان، يخنق الهواء. كان وجهه كالصخر، لكن عينيه كانتا ترمسان كمن يعاني صداعاً
chapter 5 خارج قاعة الحفل – موقف السيارات – بعد منتصف الليل كانت يده لا تزال تمسك يدها. لم يتركها منذ لحظة خروجهما من القاعة. مشيا معاً بين السيارات المصطفة، تحت سماء سيول الملبدة بالغيوم. الجو كان قارس البرودة. أنفاسهما تتصاعد كسحابات بيضاء في الهواء. لم يتكلما. لم يشعر أي منهما بالحاجة إلى ا
chapter 4 مساء هذا اليوم في فيلا جون كانت الفيلا تقع على قمة تل يطل على النهر والمدينة. بيضاء اللون، ضخمة، محاطة بحديقة واسعة من الأشجار الصنوبرية. نوافذها زجاجية من الأرض حتى السقف، تعكس ضوء القمر كمرآة عملاقة. في الداخل، كان الأثاث بسيطاً لكنه فخم: أرائك جلدية سوداء، طاولات خشبية داكنة، لوح
Chapter 2 سيول – نفس الفترة الزمنية حي مابو – منطقة متوسطة كانت لي دان تجلس على سطح مبنى منزلها، تنظر إلى أضواء المدينة البعيدة. كان الجو بارداً. الريح تعبث بشعرها الأسود الطويل. كانت ترتدي سترة صوفية قديمة، جينزاً ممزقاً، وحذاء رياضياً بالياً. كان عمرها ثلاثاً وعشرين سنة. تخرجت من جامعة الفن
chapter 1 سيول، كوريا الجنوبية كانت يداه ترتجفان. ليس من الخوف. كان كيم جون يعرف الخوف جيداً، تعلم أن يعيش معه منذ أن كان طفلاً يتيم الأب. لكن هذه المرة كانت مختلفة. هذه المرة كانت يداه ترتجفان من البرد. من المياه المتجمدة التي أحاطت به من كل اتجاه. على عمق اثنين وأربعين متراً تحت سطح البحر ا







