로그인
chapter 1
سيول، كوريا الجنوبية كانت يداه ترتجفان. ليس من الخوف. كان كيم جون يعرف الخوف جيداً، تعلم أن يعيش معه منذ أن كان طفلاً يتيم الأب. لكن هذه المرة كانت مختلفة. هذه المرة كانت يداه ترتجفان من البرد. من المياه المتجمدة التي أحاطت به من كل اتجاه. على عمق اثنين وأربعين متراً تحت سطح البحر الأصفر، كان وحيداً تماماً. فقاعات الأوكسجين تتلألأ كالنجوم الصغيرة في الظلام الأزرق. سمكة كبيرة ذات زعانف زرقاء تمر بجانبه ببطء، تنظر إليه بعيونها الجاحظة للحظة ثم تختفي في الأعماق. جون لا يكترث بها. هو أيضاً لا يكترث به أحد في هذا العمق. كانت هذه آخر غطسة تدريبية له قبل البطولة الآسيوية للغوص الحر. نظر إلى ساعة غوصه المربوطة بمعصمه الأيسر. صنعها والده الراحل بيديه قبل أن يموت بحادث عمل عندما كان جون في الخامسة عشرة. كانت الساعة قديمة، خدوشها تشبه ندوب الحرب، لكنها لم تخطئ أبداً. سبع عشرة دقيقة واثنتان وثلاثون ثانية. كان هذا رقمه القياسي. سبع عشرة دقيقة تحت الماء بدون جهاز تنفس، يعتمد فقط على الأكسجين المخزن في رئتيه. كان يتدرب على كسره اليوم. تنفس بعمق، ملأ رئتيه بالهواء الأخير من أسطوانة الطوارئ، ثم نزع جهاز التنفس من فمه وعلقه على حزامه. الأكسجين في رئتيه الآن هو كل ما لديه. خمس عشرة دقيقة. بدأ يشعر بالضغط. اعتاد الغواصون على هذا الشعور، لكنه كان مختلفاً كل مرة. كأن البحر يحاول أن يعصر روحه من جسده. أغمض عينيه للحظة. تذكر صوت والدته. كانت تقول له دائماً قبل كل غطسة: "لا تخف من العمق يا جون. الخوف وحده هو الذي يقتل الغواص." عشر دقائق. فتح عينيه. رأى في الظلام البعيد وميضاً خفيفاً. قنديل بحر يتوهج بلونه الأزرق الشاحب. كان جميلاً. وكان وحيداً. مثله تماماً. خمس دقائق. بدأت رئتاه تحترقان. الأكسجين ينفد. جسده يطلب الصعود إلى السطح، يصرخ من الداخل بصمت. لكنه لم يتحرك. كان يعلم أن عتبة الألم هذه هي التي تفصل بين الغواص العادي والغواص العظيم. ابتسم. فكر في الميدالية الذهبية التي سيتسلمها بعد أسبوع. فكر في صورة والدته وهو يضعها حول عنقها. فكر في ابتسامتها وهي تبكي فرحاً. دقيقتان. رئتاه صارتا كالنار. رأسه يدور. جسده يرتجف من الداخل. ولكن يده اليمنى لمست الساعة. لمسها كما يفعل دائماً عندما يشعر بأنه وصل إلى الحد الأقصى. إصبعاه تحسسا الخدوش الصغيرة على الزجاج. تذكر والده. تذكر اليوم الذي أعطاه فيه الساعة قبل أن يموت. كان والده يمسك يده بقوة، عيناه البنية الداكنة (نفس عيون جون) تحدقان فيه: "هذه الساعة كانت معي في كل غطسة يا بني. في الغوص، الساعة هي حياتك. دقتها هي دقات قلبك. إذا توقفت... توقف كل شيء." دقيقة واحدة. تحرك. رفرفة بسيطة بزعانفه، وبدأ بالصعود. ببطء. ليس بسرعة كبيرة، لأن التسرع في الصعود يقتل الغواص. الغواصون يعلمون ذلك. ثلاثون متراً. فقاعات صغيرة تطير من فمه. رأسه يؤلمه. ضغط الماء يخف تدريجياً. الشعور بالخفة يعود إلى جسده. بدأ يرى سطح الماء. الضوء. الشمس. عشرون متراً. سمعها. الموسيقى. كانوا يشغلون الموسيقى التقليدية الكورية في المهرجانات على الشاطئ. كان يحب هذه الموسيقى. كانت تذكره بطفولته. خمسة عشر متراً. رأى ظلالاً فوق سطح الماء. قوارب. سباحون. جماهير. عشرة أمتار. قلبه خفق بقوة. ليس من نقص الأكسجين. من الحماس. من الفرح. كان على وشك تحطيم رقمه القياسي. خمسة أمتار. بدأ يرى بوضوح. الشمس تغرب، تلوّن سطح الماء باللون البرتقالي والذهبي. السماء صافية. الجو معتدل. سطح الماء. انفجر صدره خارج الماء. تنفس بعمق، بنَهَم، كمن يولد من جديد. خلع قناعه وغطاء رأسه. شعره الأسود الطويل يقطر ماءً. أغمض عينيه للحظة، وترك الشمس تدفئ وجهه. نظر إلى ساعته. سبع عشرة دقيقة وثمان وأربعون ثانية. رقم جديد. ابتسم. ثم نظر إلى الشاطئ. واختفى الابتسام. في الشاطئ المقاعد كانت فارغة. كانت والدته تجلس دائماً على المقعد الخشبي الثالث من اليسار. كان يراها من بعيد، تصفق بيدين مرتجفتين، تمسح دموعها بكم قميصها القديم. أختاه الصغيرتان تجلسان بجانبها، تلوحان له بأيديهما الصغيرتين، تصرخان باسمه رغم أنه لا يسمعهما من تحت الماء. لكن اليوم... لا أحد. ارتبك. قفز إلى القارب الصغير القريب. ركبه بسرعة، متجهاً إلى الرصيف الخشبي. أناس كانوا ما زالوا هناك. بعض السباحين، بعض الصيادين، عائلة يابانية تلتقط الصور. لكن عائلته... لا أثر لهم. "عفواً." نادى على صياد عجوز كان يصلح شباكه. "هل رأيت امرأة في الستين مع فتاتين صغيرتين هنا؟" رفع الصياد رأسه بتثاقل. نظر إلى جون بعيون متعبة. هز رأسه. "لا، لم أر أحداً. لعلهن ذهبن إلى المنزل." إلى المنزل. نزل جون من القارب. مشى على الرمال الناعمة نحو سيارته القديمة. أخرج هاتفه من حقيبته المقاومة للماء. كان الهاتف مغلقاً. شغله. اهتزت يده عندما رأى الشاشة. ثلاثة وعشرون اتصالاً غير مجاب. ثماني رسائل نصية. كلها من رقم والدته. فتح أقدم رسالة. كانت مرسلة قبل أربع ساعات: "جون، حبيبي، أنا آسفة. لن أستطيع الحضور اليوم. أختك الصغيرة تعبت. لا أستطيع تركها. سامحني. متى ستنتهي؟" الثانية: "جون؟ لماذا لا ترد؟" الثالثة: "أرجوك أن ترد يا بني." الرابعة، قبل ساعتين فقط: "جون... ارجع... أرجوك... بسرعة." توقف قلبه للحظة. ركب سيارته بسرعة. أصابعه ترتجف بينما يحاول إدخال المفتاح في مكانه. ثلاث محاولات فاشلة. الرابعة نجحت. أدار المحرك بشراسة. السيارة القديمة تثاءبت ثم تحركت. حي غانغنام القديم البيوت هنا كانت متلاصقة كأسنان مشط مكسور. كل بيت صغير، مهمل، يئن تحت وطأة السنين والنسيان. كان حي العمال، حي من لا يملكون، حي كيم جون منذ ولد. أوقف السيارة بجانب الرصيف. ركض نحو الباب الخشبي الأزرق. كان باب منزله. كان يعرفه منذ الطفولة. لكن الباب كان مفتوحاً. هذا لم يكن طبيعياً. أبداً. والدته كانت مهووسة بإغلاق الباب. كانت تقول دائماً: "هذا الباب هو كل ما يفصلنا عن الوحوش في الخارج." دفعه برفق. الروائح. كانت أول ما ضرب أنفه. روائح غريبة. لم يشمها في هذا المنزل قط. رائحة الحديد. رائحة الرصاص. رائحة شيء محترق. ورائحة أخرى... رائحة لم يعرف كيف يصفها. كانت تشبه رائحة اللحم الفاسد، لكنها مختلفة. أعمق. أفظع. لم يفهمها بعد. "أمي؟" ارتجف صوته. "أختاي؟" صمت. مشى في الممر الضيق. الجدران كانت فارغة. كانت أمه تعلق صورهم على هذه الجدران. صور الأب قبل الموت، صورهم وهم صغار، صورة تخرج جون من الثانوية. كلها اختفت. على الأرض، كانت هناك أوراق متناثرة. بعض أكواب الشاي المكسورة. وسادة صغيرة ممزقة. ونقطة صغيرة. نقطة سوداء على الحائط الأبيض. اقترب منها. وضع إصبعه عليها. دم. جف منذ ساعات. ركض إلى غرفة المعيشة. لم يصرخ. الغواصون لا يصرخون. تحت الماء، الصراخ لا يفيد. الصراخ يضيع الأكسجين. الصراخ يقتل. لكن عينيه... عينيه غرقتا بدموع لم يستطع حبسها. كانت أمه مستلقية على ظهرها بجانب الأريكة. عيناها مفتوحتان، تحدقان في السقف. يدها اليمنى ممتدة إلى الأمام، كأنها كانت تحاول الزحف إلى مكان ما قبل أن تموت. إصبعها الأوسط كان مكسوراً، منحنياً بزاوية غريبة. إلى جوارها، على بعد مترين فقط، كانت أختاه الصغيرتان. إحداهما في الثانية عشرة، والأخرى في التاسعة. كانتا متجاورتين. كأنهما نامتا معاً. لكن عيونهما كانتا مفتوحتين أيضاً. جثا على ركبتيه. وضع يده المرتجفة على خد أمه. كان باردة. صلبة. كأنها مصنوعة من الشمع. لم يبك. لم يستطع. الدموع نزلت لكن صوته اختفى. صراخ داخلي مزق روحه إلى نصفين، لكن شفتيه بقيتا صامتتين. نظر حوله. بدأ عقله يعمل كغواص في الماء البارد. بارد. محايد. يراقب كل شيء. كانت الحجرة فوضوية. الأريكة مقلوبة، الزجاج مكسور على الأرض، الكتب متناثرة. لكنه لاحظ شيئاً واحداً. لماذا ترك مسدساً؟ نظر إلى الأرض. إلى جوار جثة أمه. كان هناك مسدس صغير. مسدس نصف آلي من نوع غير معروف لجون. لم يره في حياته قط. لم يلمسه. لكنه لاحظ شيئاً آخر. المسدس كان نظيفاً. نظيفاً جداً. كأن أحدهم مسحه بقطعة قماش. لا بصمات. لا أوساخ. لا شيء. القاتل مسح بصماته عن السلاح. وتركه هنا. لكن قبل أن يمسحه... وضع بصمات جديدة عليه. بصمات كيم جون. كيف؟ لم يعرف بعد. لكنه كان متأكداً. هذا فخ. مصيدة محكمة. نظر إلى جثث أهله. إلى الجروح. واحدة في صدر كل منهم. طلقات مباشرة. دقيقة. كأنها من مسافة قريبة. تخيل القاتل. رجلاً. قوياً. بارد الأعصاب. دخل البيت. أخرج المسدس. نظر إلى أمه في عينيها. ثم أطلق النار. ثم أختيه. واحدة تلو الأخرى. لم يترك شاهداً. لكن لماذا؟ لماذا يريد تدمير حياة غواص فقير من حي غانغنام؟ لم يعرف بعد. لكنه سيعرف. لم يدر كم بقي هناك. جاثياً على ركبتيه، في غرفة مليئة بالظلال والجثث والصمت. ربع ساعة؟ ساعة؟ لم يكن يعلم. فجأة، سمع صوت صفارات. شرطة. الجيران اتصلوا. خمس سيارات شرطة توقفت خارج المنزل. رجال بأزياء سوداء دخلوا بسرعة، مسدساتهم مسلطة عليه. "ارفع يديك!" لم يتحرك. "ارفع يديك! الآن!" رفع يديه ببطء. عيونهم كانت تشك فيه. رأوه جاثياً بين الجثث. رأوا الدماء على ملابسه (كان ما زال يرتدي بدلة الغوص). رأوا المسدس على الأرض بجانبه. وضعوا الأصفاد في يديه بإحكام. كانت باردة على جلده المبلل. ضابط طويل القامة، وجهه كالصخر، انحنى إليه: "كيم جون، أنت موقوف بتهمة قتل ثلاثة أشخاص: والدتك وأختيك." حاول جون أن يتكلم. لم تخرج كلمة واحدة. حلقه جف. لسانه لصق بسقف فمه. أكمل الضابط بصوت محايد، كمن يقرأ نشرة جوية: "لدينا دليل: سلاح الجريمة عليه بصماتك. وأيضاً عُثر على خطاب بخط يدك... يثبت نيتك في قتلهم بدافع الكراهية." فتح جون فمه أخيراً: "ماذا؟" كان صوته بالكاد مسموعاً. خشناً، كمن لم يشرب ماء لأيام. نظر إليه الضابط بدون تعاطف. أخرج من جيبه كيساً بلاستيكياً شفافاً. داخله ورقة مطوية. فتحها أمام جون. كانت رسالة. بخط واضح. كلماتها: "سأنتقم منكم جميعاً. لن تفلتوا. كل واحد فيكم سيدفع الثمن. أمي. أختاي. سأريكم كيف يشعر الألم." توقيع: كيم جون. اتسعت عينا جون. "هذا ليس خطي. لم أكتب هذا أبداً!" صرخ. لكن صوته ضاع بين هتافات رجال الشرطة وأبواق السيارات. لم يسمعه أحد. سحبوه خارج المنزل. الكاميرات تومض. صحفيون تجمعوا. أحدهم صرخ: "هل قتلت عائلتك بدافع الحقد؟" لم يرد جون. كان ينظر إلى المنزل الذي تركه وراءه. الباب الأزرق الذي كان مفتوحاً. الباب الذي كان يفصلهم عن الوحوش. الوحوش الآن داخله. بداية السنوات الثلاث في الجحيم سجن سودو المركزي – سيول اليوم الأول أغلق الباب الحديدي خلفه بصوت كالرعد. كانت رائحة الزنزانة مزيجاً من العرق والبول والصدأ. سرير حديدي بمرتبة رقيقة كورقة. مرحاض في الزاوية بلا ستار. نافذة صغيرة بحجم وجهه تطل على جدار رمادي. دخل جون. لم يقل شيئاً. جلس على حافة السرير. أخرج ساعته القديمة من جيبه (سمح له الحراس بها لأنها لا تحتوي على تقنية، مجرد ساعة ميكانيكية قديمة). وضعها على كفه. كانت تعمل. عقاربها تدور ببطء. الساعة السابعة مساءً وثلاث وعشرون دقيقة. نفس الوقت الذي وجد فيه جثث أهله قبل أسبوع. لا يعلم كيف وصل إلى هنا. لا يتذكر المحاكمة. لا يتذكر القاضي. لا يتذكر حتى محاميه. كل ما يتذكره هو وجوههم. وجوه أمه وأختيه. عيونهن المفتوحة تحدق فيه. اتُّهم وحوكم وأدين في أقل من أسبوع. محاكمة صورية، كما قال أحد الصحفيين. الإعلام أكل قصته حياً. أطلقوا عليه لقب: "وحش غانغنام". قالوا إنه قتل عائلته بدافع الكراهية المتراكمة. قالوا إنه كان يعاني من اضطرابات نفسية. قالوا إن رسالته كانت دليلاً قاطعاً. لم يسمحوا له برؤية المحقق الخاص الذي استأجرته له والدته قبل وفاتها. اختفى كل شيء. ثلاث سنوات مع الأشغال الشاقة. هذا هو حكمه. في اليوم السابع استيقظ على صوت صفارة حادة. "استيقظ! استيقظ! وجبة!" انتفض من سريره، رأسه يؤلمه، جسده كله يتألم. لم يعتد النوم على سرير حديدي. لم يعتد الأكل من صفيحة بلاستيكية. لم يعتد... صرخة من الزنزانة المجاورة. "ساعدوني! أرجوكم! ساعدوني!" ثم صمت. ثم ضحكات. تجمّد جون. عرف تلك الضحكات. كانت لسجين يلقب نفسه "بالثعبان". رجل في الأربعين، جسده كله وشوم، عيناه دائماً حمراوان. كانوا يقولون إنه قاتل متسلسل، وإن له نفوذاً داخل السجن. كان الثعبان يتحكم في جناح الأشغال الشاقة. وجون كان في هذا الجناح. وعند الشهر الأول كان العمل شاقاً. اثنتا عشرة ساعة يومياً في محجر الحجارة. كانوا يأخذونهم فجراً إلى الجبل خلف السجن، ويعطونهم أزاميل حديدية ومطارق ثقيلة. كانوا يكسرون الصخور الضخمة إلى قطع صغيرة. كانت يدا جون تنزفان بعد الأسبوع الأول. أصبحتا قاسيتين، متصلبتين، مغطاتين بالكالو والجروح والندوب. الحراس كانوا لا يرونهم كبشر. كانوا يرونهم كأرقام. رقم جون: ٤٠٧. لم يكن يتكلم مع أحد. كان يعمل، يأكل، ينام. ويفكر. كان يفكر طوال الوقت. كان يفكر في من قتل عائلته. في من وضع المسدس في منزله. في من كتب تلك الرسالة بخط يشبه خطه لكنه ليس خطه. كان يفكر في كيف ينتقم. لكن في الليل، عندما تغلق الأبواب، وتنطفئ الأضواء، وتبقى الزنزانة في ظلام تام، كان يفكر في شيء آخر. كان يفكر في والدته. في ضحكتها. في صوتها وهي تغني له أغاني النوم عندما كان صغيراً. في رائحة طعامها. في كيف كانت تداعب شعره قبل أن ينام. كان يبكي في الظلام. لا أحد يراه. لا أحد يسمعه. الشهر الثالث بدأ السجن يأكل روحه. كان الثعبان يراقبه منذ اليوم الأول. عيناه الحمراوان لا تفارقان جون. كان يرسل أحد رجاله كل أسبوع ليختبره. "الثعبان يريد رؤيتك." "تعال نتمشى قليلاً، ٤٠٧." "حظك اليوم أنك لم تأت إلينا." رفض جون كل مرة. بقي في زنزانته. لم يذهب إليهم. لم يطلب حمايتهم. لكن هذا أغضب الثعبان. في الشهر الرابع – الليلة الأولى من العذاب دخل ستة رجال زنزانته بعد منتصف الليل. عرفهم من ظلالهم قبل أن يرى وجوههم. كانوا الأقوى في الجناح. أوقفهم الحراس على الباب فقط، ثم تركوا الباب مفتوحاً. لعلهم كانوا متواطئين. أو لعلهم كانوا خائفين من الثعبان. لا يهم. الأول ضربه بقبضة حديدية على بطنه. تقيأ جون على الفور. انحنى على ركبتيه، يقذف ما تبقى من طعام اليوم على الأرض الباردة. الثاني رفسه على وجهه. ارتطم رأسه بالجدار الحديدي. سمع صوت طقطقة في رقبته. سال الدم من أنفه. الثالث رفسه على جنبه. سمع صوت تكسر ضلع. ألم لا يوصف اجتاح جسده. كل شهيق صار أشبه بطعنة سكين. الرابع أمسك بشعره وسحب رأسه إلى الخلف. نظر إلى عينيه المنتفختين الدامعتين. "الثعبان أمرنا أن نعلمك درساً. لا تتحداه مرة أخرى." ثم ضرب وجهه بركبته. الخامس... لم يتذكر. فقد وعيه بعد الضربة الخامسة. استيقظ فجراً. كان جسده كله يتألم. كان يرتجف. أربعة أضلاع مكسورة. عينه اليسرى مغلقة بالكامل، منتفخة كالكرة. شفته السفلى مشقوقة، تنزف ببطء. لكنه لم يصرخ. لم يطلب المساعدة. نظر إلى ساعته. كانت لا تزال تعمل. كانت على معصمه. لم يأخذوها. لم يريدوها. تشير العقارب إلى الساعة الرابعة صباحاً. نهض بصعوبة. جلس على حافة السرير. أخذ نفساً عميقاً. كل شهيق كان يؤلمه أكثر من الذي قبله. لكنه تنفس. كان لا يزال حياً. الشهر السادس أصبح العذاب أسبوعياً. كل أربعاء، بعد منتصف الليل، كانوا يأتون. نفس الرجال. نفس الضربات. نفس الدماء. الأسبوع الأول: أربعة أضلاع مكسورة. الأسبوع الثاني: إصبع يده اليسرى مكسور. الأسبوع الثالث: فقد أربعة أسنان. الأسبوع الرابع: دخل المستشفى لمدة ثلاثة أيام. لكن شيئاً تغير. بدأ جون لا يشعر بالألم. ليس لأنه تعود عليه. بل لأن جزءاً منه مات. جزء من روحه، الجزء الذي كان يحب، يخاف، يرجو. مات. ضربوه، فلم يتحرك. رفسوه، فلم يصرخ. بصقوا عليه، فلم يمسح وجهه. في إحدى الليالي، بعد ضرب استمر لعشرين دقيقة، كان مستلقياً على الأرض، وجهه مغطى بالدماء. توقف أحدهم عن الضرب. نظر إليه الثعبان من بعيد. كان الثعبان واقفاً عند باب الزنزانة، يدخن سيجارة محظورة، ينظر إلى جون بعيون ثعبانية حمراء. "هذا الرجل لم يعد يشعر بشيء." قال الثعبان لرجاله. كان صوته هادئاً، لكنه كان يحمل قشعريرة. "هذا خطر. الرجل الذي لا يخاف، لا يمكن السيطرة عليه. ابتعدوا عنه." غادروا. لم يعودوا. لكن الضرر كان قد حدث. أصبح جون شيئاً آخر. السنة الثانية بدأ جون يلاحظ أن السجناء الآخرين أصبحوا يخافونه. ليس لأنه كان قوياً. كان نحيفاً، شاحباً، هزيلاً. لكنهم كانوا يخافون من عينيه. أصبحت عيناه باردة، زرقاء، ثاقبة. من يراها يشعر بالبرد. كأنه ينظر إلى قاع البحر في ليلة مظلمة. "ابتعدوا عن ٤٠٧." كانوا يهمسون لبعضهم. "هذا الرجل ماتت روحه. إنه جثة تمشي." في الليل، كان جون يفتح ساعته. ينظر إلى عقاربها. كانت تدور ببطء. كان يفكر. بدأ يخطط. فكر في الخروج. لكن الخروج وحده لا يكفي. الخروج سيعيده إلى العالم الذي خانه. سيعيده إلى الصحفيين الذين شوهوا صورته. إلى رجال الشرطة الذين زوّروا الأدلة. إلى القضاة الذين باعوا ضمائرهم. لا. الخروج وحده لا يكفي. يحتاج إلى سلاح. ليس مسدساً ولا سكيناً. بل سلاحاً أقوى من ذلك. المال. النفوذ. شبكة من العلاقات. بدأ ينظر إلى السجناء الآخرين بطريقة جديدة. ليس كأعداء أو حراس. بل كفرص. من كان هؤلاء الرجال قبل السجن؟ تجار. مجرمون. قتلة. مهربون. بعضهم كانوا أثرياء جداً في الخارج، لكنهم سقطوا. بدأ جون يتحدث إليهم. شيئاً فشيئاً. استمع إلى قصصهم. تعلم من تجاربهم. اكتشف من هم الأقوى في عالم الجريمة خارج السجن. من هم الفاسدون في الشرطة. من هم القضاة الذين يمكن شراؤهم. تعلم كيف تُدار العصابات. كيف تُغسل الأموال. كيف تُبنى الإمبراطوريات من لا شيء. كان طالباً مجتهداً. السنة الثالثة التقى "السيد كيم" – الاسم المستعار لأكبر تاجر أعضاء في آسيا. كان السيد كيم في الستين من عمره، شعره أبيض بالكامل، وجهه كوجه راهب. لم يره أحد من قبل داخل السجن. كان محتجزاً في جناح منفصل، بموجب حماية خاصة. قيل إنه دفع للحراس ملايين الدولارات ليعيش في راحة. لكن في السنة الثالثة لجون، حدث شيء غير متوقع. نُقل السيد كيم إلى جناح الأشغال الشاقة. هكذا فجأة. أحد أعدائه في الخارج دفع رشوة كبيرة لنقله إلى هناك، على أمل أن يقتله السجناء. في اليوم الأول للسيد كيم في الجناح، هجم عليه ثلاثة سجناء بسكاكين حادة. قبل أن تصل السكاكين إلى جسده، كان جون قد قفز بينهم. لا يعلم لماذا فعلها. لعله رآه ضعيفاً. أو لعله رأى في عينيه حزناً غريباً. أو لعله كان يبحث عن فرصة. ضرب جون الرجل الأول بلكمة على وجهه كسرت أنفه. الثاني سحبه من قميصه وألقى به على الحائط. الثالث هرب عندما رأى عيون جون الزرقاء الباردة تركزت عليه. نظر السيد كيم إلى جون. نظر طويلاً. "لماذا ساعدتني؟" سأل بصوت هادئ كالماء. لم يرد جون. فقط مسح الدماء عن وجهه وذهب إلى سريره. لكن السيد كيم لم ينس. بعد أسبوع، أرسل أحد رجاله إلى جون بقطعة صغيرة من الورق. مكتوب عليها: "عندما تخرج... تعال إليّ. سأجعلك ما تريد." —————· kim jon lee dan by : ares _jkchapter 5 خارج قاعة الحفل – موقف السيارات – بعد منتصف الليل كانت يده لا تزال تمسك يدها. لم يتركها منذ لحظة خروجهما من القاعة. مشيا معاً بين السيارات المصطفة، تحت سماء سيول الملبدة بالغيوم. الجو كان قارس البرودة. أنفاسهما تتصاعد كسحابات بيضاء في الهواء. لم يتكلما. لم يشعر أي منهما بالحاجة إلى الكلام. وصلوا إلى سيارته السوداء. كان سائقه واقفاً بجانب الباب الخلفي، ينتظر. عندما رآهما يقتربان، فتح الباب بسرعة. لكن جون لم يدخل. وقف. نظر إلى السماء. تبعته دان بعينيها. كانت السماء ممطرة منذ الصباح، لكن المطر توقف منذ ساعات. الآن، كانت الغيوم تتفرق ببطء، كستارة تمزق عن مسرح. ظهر القمر. كان بدراً. ممتلئاً. أبيض كالفضة. يضيء السماء بأكملها، يلقي بظلاله على السيارات، على الأرض، على وجوههما. التفت إليها. "أتحبين القمر يا سيدة لي؟" كان صوته أخفض من المعتاد. أكثر دفئاً. كأنه همس لكنه لم يهمس. رفعت عينيها إلى السماء. "نعم. أحبه." "ولماذا؟" ترددت للحظة. ثم قالت بصدق: "لأنه يضيء في الظلام دون أن يحرق. لأنك تستطيعين النظر إليه دون أن تؤذيك عيناك. لأنه وحيد. مثلي." صمت. شعرت فجأة بالحر
chapter 4 مساء هذا اليوم في فيلا جون كانت الفيلا تقع على قمة تل يطل على النهر والمدينة. بيضاء اللون، ضخمة، محاطة بحديقة واسعة من الأشجار الصنوبرية. نوافذها زجاجية من الأرض حتى السقف، تعكس ضوء القمر كمرآة عملاقة. في الداخل، كان الأثاث بسيطاً لكنه فخم: أرائك جلدية سوداء، طاولات خشبية داكنة، لوحات تجريدية على الجدران. لا صور. لا ألبومات. لا شيء يذكره بالماضي. إلا غرفة واحدة. غرفة النوم. في زاويتها، على منضدة صغيرة، كانت هناك ساعة قديمة. ساعة والده. كانت لا تزال تعمل. دخل جون غرفة نومه بعد منتصف الليل. كان مرهقاً. خلع سترته. خلع قميصه. وقف أمام المرآة. نظر إلى جسده. الندوب. كانت تغطي ظهره، جنبيه، ذراعيه. ندوب من الضرب. ندوب من السكين. ندوب من الحبال. كل ندبة كانت تحكي قصة. قصة ألم. قصة ظلم. قصة كراهية. تنهد طويلاً ثم نام. ليرى كابوساً كان في قاع البحر. عميق جداً. لا ضوء. لا صوت. لا شيء. فقط ظلام مطلق. كان يحاول الصعود. يضرب الماء بذراعيه. لكنه لا يتحرك. لا يرتفع. يظل في مكانه، غارقاً في الأعماق. فجأة، رأى ضوءاً خافتاً بعيداً. اقترب منه. كانت جثة. جثة أبيه. كانت
Chapter 3مقر الشركة – الطابق الخامس والعشرونبعد ثلاثة أيام من لقائهما الأولطرقات خفيفة على باب مكتبه.لم يرفع جون رأسه. كان يقرأ تقريراً مالياً، عيناه البنيتان الداكنتان تتحركان بسرعة بين السطور. صوته خرج بارداً، مقتضباً:"ادخلي."فتحت الباب بهدوء. دخلت لي دان. كانت ترتدي نفس الملابس البسيطة التي يرتديها الموظفون في الطوابق السفلية: قميص أبيض، تنورة سوداء، وشاحاً رمادياً. لكنها أضافت شيئاً مختلفاً اليوم.وشاحاً أحمر.كان اللون الوحيد الذي يلفت الانتباه في هيئتها المتواضعة.وقفت أمام مكتبه. كانت متوترة. أصابعها تشبكت خلف ظهرها، تخفي ارتجافها. نظرت إليه. لم يرفع رأسه بعد.تنفست بعمق."سيد كيم."صمت. ثم رفع عينيه ببطء.نظر إليها.لم تكن نظرة عابرة. كانت نظرة طويلة، ثاقبة، كأنه يرى شيئاً لأول مرة. عيناه البنيتان الداكنتان، اللتان تشبهان قاع بئر لا يُرى نهايتها، تجولتا في تفاصيلها الصغيرة: الوشاح الأحمر الذي يلف عنقها النحيل، خصلة شعرها التي تساقطت على وجهها، أصابعها التي تخفي ارتجافها.ثم نظر إلى عينيها.توقفت أنفاسها للحظة."سيدة لي." كان صوته عميقاً، هادئاً، كالموج البطيء الذي لا
Chapter 2 سيول – نفس الفترة الزمنية حي مابو – منطقة متوسطة كانت لي دان تجلس على سطح مبنى منزلها، تنظر إلى أضواء المدينة البعيدة. كان الجو بارداً. الريح تعبث بشعرها الأسود الطويل. كانت ترتدي سترة صوفية قديمة، جينزاً ممزقاً، وحذاء رياضياً بالياً. كان عمرها ثلاثاً وعشرين سنة. تخرجت من جامعة الفنون التطبيقية قبل سنة. تخصص: تصميم مجوهرات وإكسسوارات. لكنها كانت عاطلة عن العمل. كانت الأرض تحت قدميها باردة. كان السطح هو المكان الوحيد الذي تشعر فيه بالهدوء. في الأسفل، في الشقة الصغيرة التي تبلغ مساحتها أربعين متراً مربعاً، كان والداها يتشاجران. كالعادة. "أين المال؟!" صوت والدها يعلو، يملأ الشقة الصغيرة. كان رجلاً في أواخر الخمسين، ضخم الجثة، وجهه أحمر دائماً من الغضب والكحول. كان يعمل سائق شاحنة، لكنه طرد من وظيفته قبل ستة أشهر. منذ ذلك الحين، أصبح المنزل جحيماً. "ليس لدي!" صوت والدتها كان حاداً، منهكاً. كانت امرأة في الخمسين، وجهها متعب، عيناها غائرتان. كانت تعمل في محل تنظيف جاف، راتبها لا يكفي حتى لإيجار الشقة. "تكذبين! أعلم أنك تخبئين المال عني!" صوت اصطدام. ثم صراخ. ثم بكاء.
chapter 1 سيول، كوريا الجنوبية كانت يداه ترتجفان. ليس من الخوف. كان كيم جون يعرف الخوف جيداً، تعلم أن يعيش معه منذ أن كان طفلاً يتيم الأب. لكن هذه المرة كانت مختلفة. هذه المرة كانت يداه ترتجفان من البرد. من المياه المتجمدة التي أحاطت به من كل اتجاه. على عمق اثنين وأربعين متراً تحت سطح البحر الأصفر، كان وحيداً تماماً. فقاعات الأوكسجين تتلألأ كالنجوم الصغيرة في الظلام الأزرق. سمكة كبيرة ذات زعانف زرقاء تمر بجانبه ببطء، تنظر إليه بعيونها الجاحظة للحظة ثم تختفي في الأعماق. جون لا يكترث بها. هو أيضاً لا يكترث به أحد في هذا العمق. كانت هذه آخر غطسة تدريبية له قبل البطولة الآسيوية للغوص الحر. نظر إلى ساعة غوصه المربوطة بمعصمه الأيسر. صنعها والده الراحل بيديه قبل أن يموت بحادث عمل عندما كان جون في الخامسة عشرة. كانت الساعة قديمة، خدوشها تشبه ندوب الحرب، لكنها لم تخطئ أبداً. سبع عشرة دقيقة واثنتان وثلاثون ثانية. كان هذا رقمه القياسي. سبع عشرة دقيقة تحت الماء بدون جهاز تنفس، يعتمد فقط على الأكسجين المخزن في رئتيه. كان يتدرب على كسره اليوم. تنفس بعمق، ملأ رئتيه بالهواء الأخير من أسطوا