LOGINالفصل 5
الصوت القادم من القبر لم تتحرك نور. ظل صوت أمها معلقًا في الهواء، يتردد بين جدران الوادي، ثم يعود إليها من كل اتجاه. "نور... لا تثقي بإياد." كانت الجملة قصيرة. لكنها كانت كافية لتجعل كل ما حولها يبدو مختلفًا. الجدران الحجرية لم تعد مجرد جدران. الظلام لم يعد مجرد ظلام. وحتى يد إياد التي كانت تمسك يدها منذ دقائق، شعرت فجأة أنها أصبحت شيئًا يجب أن تخشاه. نظرت إليه. كان واقفًا أمامها، ساكنًا، وعيناه تبحثان في وجهها عن إجابة. قال: "نور." لم تجب. "بصي لي." رفعت عينيها إليه. "إنتِ مصدقة الصوت؟" قالت بصوت متردد: "دي ماما." "ممكن يكون صوتها." "يعني إيه؟" "يعني مش بالضرورة تكون هي." اقترب حور منهما. "إياد عنده حق." نظرت إليه نور. "إنت كمان؟" قال حور: "إحنا شفنا حاجات كتير هنا. الأصوات والصور ممكن تكون جزء من الاختبار." لكن صوت أمها عاد. هذه المرة أقرب. أكثر وضوحًا. "نور... هو كذب عليكِ." ارتجفت. إياد قال: "إنتِ عارفة إن الصوت ده ممكن يكون بيحاول يفرق بينا." ثم سكت لحظة. وأضاف: "بس لو عايزة تصدقيه، صدقيه." نظرت إليه بدهشة. "إيه؟" "أنا مش هطلب منك تثقي فيا لمجرد إني بقول لك." اقترب منها أكثر. "لو عندك شك، خلي الشك موجود." "إياد..." "بس متخليش حد تاني يختار مكان عقلك." كانت كلماته هادئة. وهذا ما جعلها أكثر تأثيرًا. أخفضت نور عينيها. ثم قالت: "أنا مش عارفة أصدق مين." رد: "ولا أنا." "إنت مش خايف؟" ابتسم ابتسامة صغيرة. "خايف جدًا." "من إيه؟" "من إنك تصدقي إن ممكن أؤذيك." سكتت. ثم مدت يدها. وضعتها على يده. وقالت: "أنا مش هحكم عليك من صوت." تنفس إياد ببطء. لكن حور لم يكن ينظر إليهما. كان ينظر إلى الوادي. قال: "في حاجة غلط." التفتا إليه. "إيه؟" أشار إلى الأرض. كانت الرمال تتحرك. ليس بسبب الريح. بل كأن شيئًا تحتها يحاول الخروج. قال حور: "إحنا لازم نتحرك." --- بدأ الثلاثة السير. كان الوادي أوسع مما تصوروا. الجبلان على الجانبين يرتفعان إلى السماء، لكن قمتيهما لم تكونا واضحتين بسبب ضباب كثيف يلتف حولهما. لم يكن هناك طريق واضح. فقط أرض حجرية متشققة، وعلى جانبيها أعمدة مكسورة وتماثيل بلا رؤوس. قال حور: "إحنا متأكدين إن ده وادي الملوك الثاني؟" قالت نور: "المفتاح كان هنا." "وده مش دليل كفاية." إياد: "النقش قال كده." "النقوش هنا بتكذب." نور نظرت إليه. "إنت ليه متوتر؟" حور ضحك. "لأن أبويا موجود هنا، وساهر موجود هنا، وسليم اختفى، وإنتِ سمعتي صوت أمك، وإياد يمكن يكون مفتاح الوادي." ثم أشار حوله. "غير إننا في مكان تحت الأرض من آلاف السنين." سكت لحظة. "عندي أسباب." ضحكت نور رغم توترها. حتى إياد ابتسم. ثم توقف حور فجأة. "استنوا." قال إياد: "إيه؟" "سمعت حاجة." أصغوا. لم يسمعوا شيئًا. ثم جاء صوت بعيد. صوت معدني. جرس. دقة واحدة. ثم دقة ثانية. قالت نور: "الجرس." قال إياد: "هو اللي كان بيظهر كل مرة." حور: "بس المرة دي قريب." تحركوا ناحية الصوت. كلما اقتربوا، بدأت تظهر أمامهم بوابة ضخمة محفورة في الجبل. وفوقها سبعة رموز. الأول كان مفتاحًا. الثاني عينًا. الثالث كتابًا. الرابع يدًا. الخامس قلبًا. السادس تاجًا. السابع كان بلا شكل. قالت نور: "الرمز الأخير." إياد: "هو إيه؟" "مش عارفة." حور اقترب. "يمكن ده أهم واحد." --- في منتصف البوابة كانت هناك فجوة. أخرج إياد المفتاح الذي وجدته نور. كان يحمل الرقم 202. أدخله. لم يدُر. قال: "مش بيفتح." نور أخذته. أدخلته مرة أخرى. دارت الآلية. لكن الباب لم يتحرك. ظهر صوت من الداخل: "ثلاثة دخلوا." ثم: "واحد يحمل المفتاح." ثم: "واحدة تحمل الباب." ثم: "والثالث يحمل الدم." نظر الثلاثة إلى بعضهم. قال حور: "الدم؟" لم يجب أحد. ظهر نقش تحت قدميه. الوريث. تراجع. "أنا؟" ثم ظهر نقش تحت قدمي إياد. المفتاح. وتحت قدمي نور: الباب. قال حور: "إذن لازم أنا أعمل إيه؟" ظهر سطر جديد: "اسكب دم الحارس." تجمد. قال إياد: "لا." ثم أمسك حور من كتفه. "مش هنفذ." لكن حور أخرج خنجره. قال: "لو ده المطلوب..." أمسك إياد يده. "مش هتعمل حاجة." "إياد." "لا." "يمكن ده الطريق الوحيد." "إحنا مش هضحي بحد." نور قالت: "استنوا." كانت تنظر إلى النقش. "مش مكتوب اقتل." نظر إليها إياد. "مكتوب اسكب دم الحارس." "يعني نقطة دم." أخذت الخنجر من حور. جرحت إصبعها. وضعت نقطة دم على الرمز. لم يحدث شيء. ثم أمسك حور يدها. "استني." جرح إصبعه. وضع نقطة دم بجوار دمها. ثم فعل إياد الشيء نفسه. سقطت ثلاث قطرات. واحدة من كل شخص. اهتزت البوابة. ثم انفتح الحجر ببطء. ومن الداخل خرج هواء بارد. لكن قبل أن يتحركوا، ظهر نقش: "الدم المشترك لا يفتح الباب." ثم: "الثقة هي المفتاح." قال حور: "إحنا بنهزر؟" ضحك إياد. "واضح إن الوادي عنده حس فكاهي." لكن نور لم تضحك. كانت تنظر إلى النقش. قالت: "هو عايز يعرف مين يثق في مين." --- دخلوا. كانت القاعة خلف البوابة واسعة جدًا. في منتصفها بحيرة صغيرة. ماؤها أسود. وفوق الماء سبعة ألواح حجرية معلقة في الهواء. كل لوح يحمل اسمًا. نور. إياد. حور. سليم. ساهر. آدم. واللوح الأخير... فارغ. قال حور: "الاسم السابع." إياد: "لسه مش معروف." اقتربت نور من البحيرة. رأت انعكاسها. لكن الانعكاس لم يكن صورتها الحالية. كانت ترى طفلة. ثم فتاة في الثامنة عشرة. ثم امرأة أكبر سنًا. ثم شخصًا آخر. قالت: "في حاجة تحت المية." انحنى إياد. "فين؟" "شايفها؟" نظر. لم ير شيئًا. قالت: "في وجه." فجأة ظهر وجه تحت سطح الماء. وجه امرأة. رفعت رأسها ببطء. كانت عيناها مفتوحتين. قالت: "نور." صرخت نور وتراجعت. اقتربت المرأة من سطح الماء. ثم قالت: "بنتي." نور تجمدت. "ماما؟" إياد أمسك يدها. المرأة ابتسمت. "تعالي." نور كانت على وشك التقدم. لكنها توقفت. "قولي حاجة محدش يعرفها." سكتت المرأة. ثم قالت: "كنتِ تخافين من الظلام." "دي مش كفاية." "كنتِ تنامين بجوار أختك." تجمدت نور. قال إياد: "نور..." قالت: "أنا ما كانش عندي أخت." ابتسمت المرأة. "بالضبط." ثم تحول وجهها. لم تعد أم نور. أصبح وجهًا بلا ملامح. قالت: "إذن أنتِ لم تتذكري بعد." --- تراجعت نور. ظهر صوت ضحكة من خلفهم. التفتوا. كان سليم. واقفًا عند الجانب الآخر من القاعة. قال حور: "إنت حي!" سليم: "لم أمت." "إنت اختفيت." "كنت أبحث عن الطريق." إياد: "لقيته؟" سليم: "وجدت الحقيقة." نور: "فين؟" نظر إليها. "في المكان الذي لا تريدين أن تريه." "يعني إيه؟" اقترب. "أمك لم تكن في الماء." "أمال مين؟" "نسخة." نور: "نسخة من إيه؟" "من الذاكرة." ثم نظر إلى البحيرة. "الوادي لا يعيد الموتى." قال إياد: "أمال ليه بيستخدم أصواتهم؟" "لأنه يعرف أن البشر يفتحون الأبواب من أجل من يحبون." --- قال حور: "طيب إنت عرفت إيه؟" سليم نظر إلى الألواح. "عرفت اسم اللوح الأخير." قالت نور: "مين؟" "ليس شخصًا." إياد: "إذن إيه؟" "الاسم هو..." توقف. ثم انطفأت المشاعل. ظهرت كلمة على اللوح الفارغ. القدر. قال حور: "القدر؟" سليم: "نعم." نور: "يعني الوادي بيختار مصيرنا؟" "لا." "أمال؟" "الوادي لا يكتب القدر." نظر إليها. "الوادي يكشفه." --- بدأت الألواح تتحرك. لوح نور اقترب من لوح إياد. ثم لوح حور اقترب منهما. ظهرت خطوط ضوء تربط الثلاثة. ثم ظهر مشهد. طفل صغير يقف في الصحراء. كان حور. لكن لم يكن وحده. كان بجواره رجل. والده. قال الرجل: "لو سمعت صوتها، لا تذهب." حور قال: "مين؟" "نور." تجمد حور. قال إياد: "إنت كنت تعرف نور وأنت صغير؟" حور: "لا." لكن المشهد استمر. كان والد حور يقول: "هي ليست مثلنا." ثم أعطاه مفتاحًا. "لو كبرت وسألتك عنه، لا تعطه لها." --- عاد الضوء. نظر الجميع إلى حور. قال: "أنا ما كنتش أعرف." سليم: "كنت تعرف." "مش فاكر." "لأن والدك مسح الذاكرة." "ليه؟" "لحمايتك." "من نور؟" سليم: "من الحقيقة." --- قالت نور: "أنا بدأت أكره الكلمة دي." اقتربت من حور. "إنت ما كنتش تعرفني." "لا." "لكن أبوك كان يعرفني." "أيوه." "وكان خايف مني." حور: "يمكن." ثم قال: "بس أنا مش خايف." ابتسمت نور. "ليه؟" "لأنك نور." إياد نظر إليه. ابتسم حور. "وهو لو كان شايف غير كده، يبقى هو اللي غلط." --- فجأة سمعوا صوت خطوات. من الممر البعيد. خطوة. ثم ثانية. ثم ثالثة. قال سليم: "لا." إياد: "مين؟" سليم: "الحراس." ظهر رجال في نهاية الممر. كانوا يرتدون ملابس بيضاء. وجوههم مغطاة. كل واحد يحمل مصباحًا. عددهم سبعة. تقدم أولهم. قال: "الوريث عاد." نظر إلى حور. ثم: "المفتاح عاد." نظر إلى إياد. ثم: "الباب عاد." نظر إلى نور. ثم قال: "لكن الحارس لم يعد." حور: "مين الحارس؟" الرجل: "والدك." تجمد. "أبي هنا؟" "نعم." "فين؟" أشار إلى الممر. "في القبر." --- ركض حور. أمسكه إياد. "استنى." "ده أبويا." "ممكن يكون فخ." "مش هسيبه." سليم: "إياد محق." حور: "إنت قلت إنه موجود." "موجود." "إذن هروح له." "لكن ليس بهذه السرعة." الحارس رفع يده. توقفت الجدران عن الحركة. قال: "الذي يدخل قبر الحارس لا يعود كما دخل." حور: "أنا مش مهتم." "يجب أن تكون." "ليه؟" "لأن والدك لم يعد والدك." --- سكت حور. قال الرجل: "الحارس الذي دخل القبر منذ سبعة عشر عامًا ترك جسده." "إيه؟" "وبقيت مهمته." "يعني مات؟" "ليس تمامًا." نور: "إذن إيه اللي جوه القبر؟" الحارس نظر إليها. "شيء يعرفك." شعرت نور بقشعريرة. "أنا؟" "نعم." --- دخلوا الممر. كان ضيقًا. الجدران مليئة برسومات. في كل رسم كانت نور تظهر في عمر مختلف. طفلة. مراهقة. امرأة. ثم صورة لم تولد بعد. في الصورة الأخيرة كانت نور تقف أمام باب كبير. وخلفها إياد. وأمامها رجل يحمل كتابًا. قالت: "ده المستقبل." سليم: "لا." "أمال؟" "هذا احتمال." إياد: "والفرق؟" "المستقبل يحدث." "والاحتمال؟" "يمكن منعه." --- وصلوا إلى القبر. لم يكن قبرًا عاديًا. كان غرفة حجرية دائرية. في منتصفها تابوت. وعلى التابوت نقش: الحارس الذي لم يغادر. تقدم حور. وضع يده على الغطاء. قال: "أبي." جاء صوت من الداخل: "حور." سقط على ركبتيه. "أبي!" قال إياد: "استنى." لكن حور بدأ يفتح التابوت. صوت الحارس: "لا تفتح." توقف. "ليه؟" "لأنك لن تجدني." "فينك؟" "فيك." تجمد. ثم قال: "أنا وريثك." "لا." "أمال إيه؟" "أنت ابني." "وإيه الفرق؟" صمت الصوت. ثم قال: "الوريث يأخذ المهمة." "والابن يأخذ الحقيقة." --- قال حور: "أنا عايز الحقيقة." اهتز التابوت. ثم انفتح ببطء. لم يكن بداخله جسد. كان كتابًا. كتابًا قديمًا. فوقه مفتاح. وحول الكتاب سبع صور. أخذ حور الكتاب. انفتح وحده. في الصفحة الأولى: "إلى ابني حور." بدأ يقرأ. "إذا وصلت إلى هنا، فهذا يعني أن نور عادت، وأن إياد وجد المفتاح، وأن سليم فشل في منعهم." نظر حور إلى سليم. ثم أكمل. "لكن أهم شيء يجب أن تعرفه هو أن نور ليست عدوك." تنفس. "ولم تكن يومًا سبب اللعنة." نور أغلقت عينيها. "اللعنة لم تبدأ معها." ثم الصفحة التالية. "اللعنة بدأت عندما حاولنا استخدام الذاكرة لخلق حياة لا تموت." قال إياد: "إيه؟" حور: "اسكت." واصل القراءة. "كان آدم أول من اكتشف أن الذاكرة يمكن أن تحفظ الإنسان بعد موته." توقفت نور. آدم. "لكن التجربة فشلت." "فلم يبقَ من آدم إلا ذاكرته." "ومن هنا بدأ كل شيء." --- رفع حور رأسه. "آدم مش شخص واحد." قال سليم: "قلت ذلك." "آدم هو الذاكرة نفسها." نور: "يعني كل شخص اسمه آدم..." "يحمل جزءًا منه." قال حور: "إذن الطفل اللي شوفته..." نور: "كان جزءًا من آدم." سليم: "نعم." إياد: "طيب مين آدم الحقيقي؟" لم يجب أحد. من داخل القبر جاء الصوت: "أنا." --- ظهر رجل خلفهم. لم يكن عجوزًا. كان شابًا. في الثلاثين تقريبًا. ملامحه هادئة. لكن نور عرفته فورًا. كان الطفل الذي رأته. آدم. وقف أمامها. قال: "اشتقت لك." لم تستطع الكلام. إياد رفع سلاحه. آدم ابتسم. "لا تخف." إياد: "إنت مين؟" "قلت لك." "مش هصدق." آدم: "لا يجب أن تصدقني." ثم نظر إلى نور. "هي ستتذكر." --- قالت نور: "إنت أخويا؟" "لا." "إذن مين؟" "أنا أول ذكرى." "ذكرى مين؟" "الإنسان." صمتت. قال آدم: "قبل أن يصبح للإنسان اسم، كان له خوف." ثم: "وقبل أن يكون له تاريخ، كانت له ذاكرة." "إنت عايز إيه مني؟" "أريد أن أعيد ما سرقوه." "إيه اللي سرقوه؟" "حياتي." --- ظهر سليم. "كفاية." آدم نظر إليه. "أنت ما زلت تحاول حمايتها." "نعم." "حتى بعد كل هذه السنوات." "لأنك لا تعرف ماذا ستفعل بها." آدم: "أنا أعرف." "ستفتح الوادي." "نعم." "وستخرج اللعنة." "ليست لعنة." "ماذا تسميها؟" آدم: "الحياة." --- قالت نور: "إنت عايز تخرج؟" "نعم." "إزاي؟" نظر إليها. "عن طريقك." تجمد إياد. قال: "لا." آدم: "لم أسألك." "مش محتاج." آدم: "هي تحمل الباب." إياد: "وإنت عايز تستخدمها." "لا." "أمال؟" "أريدها أن تختار." --- قال آدم: "نور، هل تريدين معرفة الحقيقة كاملة؟" نظرت إليه. "نعم." "حتى لو كانت حياتك كلها مبنية على كذبة؟" "نعم." "حتى لو كان إياد جزءًا من تلك الكذبة؟" ترددت. نظر إياد إليها. قال: "خدي وقتك." ثم ابتعد خطوة. "أنا مش هضغط عليك." --- قال آدم: "إذن اسمعي." رفع يده. اختفت القاعة. ظهر بيت. بيت نور. لكن هذه المرة كان هناك شخص آخر. امرأة. تشبه أمها. لكنها ليست أمها. كانت تحمل طفلة. نور. وبجوارها رجل. والد نور. قال الرجل: "لازم نبدلها." قالت المرأة: "هي مش هتستحمل." "لازم." "ولو عرفت؟" "مش هتعرف." "وسليم؟" "هيتولى الباقي." ثم ظهر سليم. كان يحمل طفلة أخرى. طفلة تشبه نور تمامًا. قال: "دي النسخة." تجمدت نور. "نسخة مني." آدم: "نعم." "مين الطفلة اللي خرجت؟" "النسخة." "وأنا؟" "أنتِ بقيتِ هنا." "ليه؟" آدم: "لأنك كنتِ تحملين الذاكرة." --- انهارت نور. "أنا ما عشتش حياتي؟" آدم: "عشتِها." "إزاي؟" "لأن الذاكرة عادت إليك." "إذن أنا والنسخة..." "في البداية كنتما اثنتين." "وبعدين؟" "أصبحتما واحدة." إياد: "إزاي؟" آدم: "في ليلة السابع من نوفمبر، عادت النسخة إلى الوادي." نور: "ليه؟" "لأنها بدأت تتذكر." --- قالت نور: "مين رجعها؟" آدم: "أنتِ." "أنا؟" "نعم." "إزاي وأنا كنت هنا؟" "لأن الذاكرة لا تعرف الجسد." ثم أضاف: "أرسلتِ جزءًا منكِ إليها." نور أغمضت عينيها. "وعشان كده أنا مش فاكرة." "بالضبط." إياد: "يعني نور اللي عرفناها كانت حقيقية." آدم: "نعم." "والنور اللي هنا؟" آدم: "هي الأصل." تقدم إياد. "يعني الاتنين نور." آدم: "نعم." "يبقى مفيش فرق." آدم: "هناك فرق واحد." "إيه؟" "واحدة تريد الحياة." نظر إلى نور. "والأخرى تريد الحقيقة." --- قالت نور: "وأنا؟" آدم: "أنتِ الاثنتان." سكت الجميع. ثم قالت: "إذن أنا اللي أقرر." آدم ابتسم. "أخيرًا." --- أغلقت نور عينيها. تذكرت كل شيء. البيت. أمها. أبوها. آدم. سليم. إياد. الطفلة. النسخة. الباب. الوادي. ثم تذكرت لحظة لم ترها من قبل. كانت واقفة أمام آدم. قال لها: "لو رجعتِ إلى العالم، ستنسينني." قالت: "وأنت؟" "سأنتظرك." "فين؟" "في كل باب." ثم قالت: "ولو رجعت؟" "ستعرفين." --- فتحت نور عينيها. قالت: "أنا مش هفتح الباب." تغير وجه آدم. "لماذا؟" "لأنك عايز تستخدم ذاكرتي." "أريد استعادة حياتي." "بس مش على حساب حياتي." "نحن واحد." "لا." ثم نظرت إلى إياد. "أنا اخترت حياتي." اقترب آدم. "حتى لو كانت مبنية على كذبة؟" قالت: "الحقيقة مش أهم من الحياة." سكت. ثم ابتسم. "الآن فهمت." "إيه؟" "لماذا اختارك الوادي." --- فجأة اهتزت القاعة. بدأ الكتاب في يد حور يضيء. ظهر سطر جديد: "الحارسة اختارت." ثم: "المفتاح اختار." ظهر اسم إياد. "الوريث اختار." ظهر اسم حور. ثم ظهر السطر الأخير: "لكن الخائن لم يختر بعد." نظر الجميع إلى سليم. كان واقفًا في الظلام. قال إياد: "الخائن أنت." سليم لم ينكر. قال: "نعم." نور: "ليه؟" سليم: "لأنني خنت الحراس." "ليه؟" "لأنني أحببت أمك." "ده مش سبب للخيانة." "كان." "إنت عملت إيه؟" أجاب: "أنا الذي استبدلت الطفلتين." تجمدت نور. "أنت؟" "نعم." "ليه؟" "لأنني أردت أن أحميك." "حميتني إزاي؟" "أخرجت النسخة." "وتركتني هنا." "لأنك كنتِ الوحيدة القادرة على إغلاق الوادي." --- قال إياد: "وسبب كل اللي حصل؟" سليم: "خطئي." نور: "وأمي؟" صمت. "أين أمي؟" لم يجب. قالت: "سليم." رفع عينيه إليها. "أين أمي؟" قال: "في نهاية الوادي." "حية؟" "نعم." سقط الصمت. ثم أضاف: "لكنها ليست وحدها." نور: "مين معاها؟" سليم نظر إلى آدم. "هو." --- استدار آدم. لأول مرة ظهر الغضب على وجهه. قال: "لا تفتح هذا الباب." نور: "أنا هفتحه." إياد: "هنفتحه." حور: "كلنا." سليم: "إذا فتحتموه، لن تستطيعوا العودة." قالت نور: "إحنا أصلًا ما رجعناش من أول يوم." ثم تقدمت نحو آخر ممر. في نهايته ظهر باب. ليس كبيرًا. ليس مزخرفًا. كان بسيطًا. وعليه نقش: الأم. مدت نور يدها. سمعت صوتًا من الداخل. هذه المرة لم يكن صوتًا مسجلًا. كان صوتًا حيًا. ضعيفًا. متعبًا. لكنها عرفته. "نور..." توقفت أنفاسها. قال إياد: "دي هي." دموعها نزلت. قالت: "ماما." ثم جاء الصوت: "لا تدخلي." نور وضعت يدها على الباب. "ليه؟" "لأنني لم أعد وحدي." ظهر صوت آخر. رجل. هادئ. بارد. قال: "لأنني كنت أنتظرك." عرفت نور الصوت. سليم تراجع. حور رفع سلاحه. إياد أمسك يد نور. أما آدم... فابتسم. لأن الصوت لم يكن صوت آدم. ولم يكن صوت سليم. كان صوت الرجل الذي ظهر في أول أحلامها. الرجل الذي لم يظهر وجهه. قال: "أنا صاحب الحكاية الحقيقية." ثم انفتح الباب. ولأول مرة... ظهرت أم نور. كانت واقفة في منتصف الغرفة. حية. لكن خلفها مباشرة... كان هناك رجل يرتدي ملابس سوداء. وحين رفعت نور عينيها إليه، عرفت وجهه. كان وجهًا رأته من قبل. في كل الصور. في كل الأحلام. وفي كل أبواب الوادي. كان وجه... والدها. لكن والد نور الذي قيل إنه مات منذ سنوات. كان حيًا. وهو الذي قال: "أخيرًا يا ابنتي." ثم ابتسم. "الآن يمكن أن نبدأ الحقيقة." يتبع...الفصل 116: ما تحت قدم أبي الهول الثانيلم تكن نور تعرف لماذا شعرت بذلك الشعور الغريب وهي تقف أمام دار الحكمة في صباح اليوم التالي.كانت قد أغلقت آخر صفحة من الحكاية.أو هكذا ظنت.المكتبة صفر أُغلقت.القلم الأول انكسر.الأسرار التي طاردتهم سنوات طويلة انتهت.حتى عبدالرحمن، الرجل الذي عاش عمره يحمل فوق كتفيه أسرارًا أثقل من أن يحملها إنسان، بدا أخيرًا مستعدًا لأن يعيش بقية حياته دون أن يخاف من الماضي.لكن شيئًا واحدًا لم يكن قد عاد إلى مكانه.شيء ظل يلح في عقل نور منذ الليلة السابقة.تمثال أبي الهول الثاني.ذلك التمثال الذي ظهر اسمه في الخرائط القديمة، والذي ظل بعيدًا عن كل ما عرفوه حتى الآن.كانت قد رأته من قبل.لكنها لم تكن تعرف لماذا ظلّت صورته عالقة في ذاكرتها.وفي ذلك الصباح...دخل عبدالرحمن إلى دار الحكمة وفي يده ورقة قديمة.قال:"لازم نروح."رفعت نور رأسها."فين؟"وضع الورقة أمامها.كان عليها رسم قديم لأبي الهول.لكن أسفل الرسم ظهرت علامة لم ترها من قبل.قدم أبي الهول.وتحتها سهم.وتحت السهم كلمة واحدة:"الأصل."سألت نور:"إيه ده؟"عبدالرحمن:"لقيتها بين أوراق أمك."توقفت."أمي؟"
الفصل 115: الباب الأخيركانت يد نور فوق مقبض الباب.للحظة واحدة، عاد إليها كل شيء.المكتبة صفر.أمها.عبدالرحمن.النسخ.القلم الأول.إياد.والرجل الذي يقف خلف الباب بصوت أبيها.لكن هذه المرة لم تكن نور الطفلة التي تحتاج إلى من يخبرها أي طريق تسلك.كانت تعرف شيئًا واحدًا:لن تسمح لأي أحد أن يكتب قرارها بدلًا منها.نظرت إلى إياد.قال:"جاهزة؟"ابتسمت."لا."ضحك للمرة الأولى منذ ساعات."دي إجابة مطمئنة جدًا."قالت:"بس هفتح."وأدارت المقبض.---كان الرجل واقفًا أمام الباب.لم يكن والدها.كانت تعرف ذلك منذ اللحظة الأولى التي رأته فيها.رجل في منتصف الستينيات، يحمل صندوقًا خشبيًا قديمًا.لكن التشابه كان مخيفًا.نفس العينين.نفس نبرة الصوت.نفس الوقفة.حتى الطريقة التي نظر بها إلى نور جعلت قلبها يتوقف للحظة.قال:"كنت أعرف أنك ستفتحين."نور:"وأنا كنت عارفة إنك مش أبي."ابتسم."ذكية."إياد وقف بجانبها."مين أنت؟"الرجل:"اسمي مراد."عبدالرحمن، الذي كان خلفهم، تجمد."مراد..."التفت الرجل إليه."مرت سنوات طويلة يا عبدالرحمن."نور نظرت إلى جدها."تعرفه؟"عبدالرحمن:"كان يعمل مع والدك."مراد صح
الفصل 114: أصل الحكايةكانت الكلمة الأخيرة لا تزال معلقة في الفراغ الأبيض."من أنتِ."لم تستطع نور أن تتحرك.كان القلم بين أصابعها يرتجف.أما أمها فكانت تنظر إليها بعينين ممتلئتين بالدموع، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات طويلة.قالت نور أخيرًا:"أنا... أصل المكتبة؟"لم تجب أمها.قال عبدالرحمن:"ليس بالمعنى الذي تفكرين فيه."نور التفتت إليه."إذن فسر."تنهد."أنتِ لم تُخلقي من المكتبة.""لكن الرجل قال...""قال إنك أول محاولة."تدخل إياد:"في فرق."نور:"فرق إيه؟"قال إياد:"لو كانت المكتبة هي اللي صنعتك، كنتِ نسخة."ثم نظر إلى القلم."لكن لو أنتِ اللي صنعتِ الفكرة الأولى..."توقف.نور أكملت:"أكون الأصل."---ظهرت حولهم دوائر من الضوء.داخل كل دائرة صورة.طفلة.امرأة.رجل.مدينة.مكتبة.باب.ثم ظهرت صورة نور وهي طفلة، تجلس وحدها أمام كتاب مفتوح.لكن هذه المرة لم تكن الصورة من ذاكرة أمها.كانت أقدم.قالت نور:"دي أنا."الأم:"نعم.""كنت كام سنة؟""أربع سنوات."مريم:"وأنا فين؟""كنتِ نائمة."ظهرت الطفلة نور وهي تمد يدها إلى الصفحة.كان الكتاب فارغًا.لكن عندما لمسته...ظهر خط أسو
الفصل 113: الحياة التي لم تمتانفتح الباب الحجري ببطء.لم يصدر عنه صرير.ولا صوت احتكاك.كان ينفتح بصمت مخيف، كأن الجهة الأخرى لم تكن تنتظر أن يفتح أحد الباب، بل كانت تنتظر فقط اللحظة المناسبة لتفتحه بنفسها.تراجع عبدالرحمن خطوة.أما نور فظلت واقفة مكانها.كانت تسمع صوت أمها من الداخل.هادئًا.قريبًا.حقيقيًا."نور..."مدت يدها نحو الباب.أمسك إياد بيدها."استني."نظرت إليه."سمعتها.""وأنا سمعتها.""دي أمي.""ممكن."رفعت عينيها إليه."ممكن؟"قال بهدوء:"بعد كل اللي شفناه... ما ينفعش نصدق الصوت لمجرد إننا نعرف صاحبه."من خلفهما قالت مريم:"هو عنده حق."نور نظرت إليها.كانت مريم تبكي."أنا نفسي أصدق إنها أمي."ثم مسحت دموعها."بس لو كانت هي فعلًا... ليه جدي خايف؟"---عبدالرحمن لم يجب.كان ينظر إلى الباب.قال أخيرًا:"لأنني أعرف ما وراءه."نور:"قلت إنك ما دخلتش.""لم أقل ذلك."تجمدت."إنت دخلت؟"أومأ."مرة.""إمتى؟""منذ خمسة وأربعين عامًا."نور:"وليه ما قلتش؟"عبدالرحمن:"لأنني وعدت أمك.""بماذا؟""ألا أخبركم بما رأيت."اقتربت نور منه."وإيه اللي شوفته؟"رفع عينيه إليها."أمك."صمت.
الفصل 112: القلم الأوللم يتحرك أحد.كان ظل عبدالرحمن الشاب ما يزال ظاهرًا على الجدار، رغم أن الرجل نفسه لم يكن موجودًا داخل المكتبة.ظلّ طويل، مستقيم، وفي يده قلم أسود.القلم الذي ظنوا أنه كُسر.قالت نور:"عبدالرحمن..."إياد:"ده مش ظل طبيعي."مريم اقتربت من الجدار."أنا شفته قبل كده."نور:"فين؟""في ذكريات أمي."التفتت إليها."كان واقفًا خلف أبي."سكتت مريم لحظة.ثم قالت:"لكن وقتها كنت أظنه مجرد رجل يساعده."قال إياد:"واضح إن الموضوع أكبر."---بدأ الظل يتحرك.رفع القلم.وكتب على الجدار:"إذا أردتم معرفة البداية، عودوا إلى الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة."نور:"نرجع للمحطة؟"الظل لم يجب.كتب:"ليس المكان هو المهم."ثم:"اللحظة."ظهرت جملة أخرى:"كل شيء بدأ عندما ماتت أمكم."نور شعرت بثقل في صدرها."إحنا شفنا اللحظة دي."ظهر:"رأيتم نهايتها."ثم:"ولم تروا البداية."---بدأت المكتبة تختفي.الرفوف.الأبواب.الكتب.حتى الجدران.وبقيت نور ومريم وإياد وحدهم وسط ظلام كامل.قال إياد:"إمسكي إيدي."أمسكت يده.مريم أمسكت يد نور.ثم ظهر ضوء صغير أمامهم.كان كأنه نافذة.اقتربوا.فرأوا بيتًا
الفصل 111: الباب الذي يحمل اسم إيادكانت يد نور فوق المقبض.ثلاثة أصوات فقط كانت تتردد في رأسها.صوت مريم:"لا تفتحي."صوت إياد:"افتحي."وصوت أمها:"اختاري بنفسك."لكن أصعب ما في الأمر لم يكن معرفة أي صوت تصدق.بل معرفة أن كل صوت منها يمكن أن يكون حقيقيًا.أغمضت نور عينيها.سحبت يدها من المقبض.ثم قالت:"أنا مش هفتح."ساد الصمت.ابتسم يوسف من بعيد."أحسنتِ."نور التفتت إليه."إنت موجود؟"كان واقفًا بين رفوف المكتبة."لم أغادر.""فين إياد؟""أنتِ تعرفين.""لا.""بل تعرفين."اقتربت منه."رجّعه.""لا أستطيع.""إذن قول لي فين."أشار إلى آلاف الكتب."في واحد منها."نور:"أي واحد؟""أنتِ من ستعرف."---بدأت الرفوف تتحرك.الكتب انزلقت يمينًا ويسارًا.ظهر ممر طويل.في نهايته باب واحد.لم يكن مكتوبًا عليه اسم.قال يوسف:"هناك."نور بدأت تسير.خطوة.ثم أخرى.كلما اقتربت، سمعت أصواتًا.ضحكة إياد.صوته وهو يناديها.صوت أول لقاء بينهما.أول مرة قال لها:"أنا مصدقك."ثم صوت آخر.أبعد.أكثر ألمًا."لو اضطريت أختفي عشان تعيشي... هعملها."توقفت.قال يوسف:"هذه ليست ذكريات.""أمال إيه؟""احتمالات."--







