تسجيل الدخولالفصل 4
ابن الحارس لم يكن الباب الذي يحمل اسم إياد يشبه أي باب رأوه من قبل. لم يكن من حجر، ولا من خشب، ولا من معدن. كان أشبه بسطح من الماء الأسود، ثابتًا في الهواء، لا يعكس شيئًا سوى الظلام. وقف إياد أمامه دون أن يتحرك. كانت عيناه معلقتين بالاسم المكتوب عليه. إياد. لم يكن هناك رقم. ولا رمز. ولا نقوش قديمة. فقط اسمه. قال حور بصوت خافت: "أنا مش مرتاح للموضوع ده." لم يرد إياد. قالت نور: "ولا أنا." التفت إليها. كانت واقفة على بعد خطوات منه، لكنها شعرت فجأة أنه بعيد عنها أكثر من أي وقت مضى. قالت: "ما تدخلش." ابتسم. "ليه؟" "لأن الباب ده معمول ليك." "وأنا لازم أعرف ليه." "ممكن تكون فخ." سليم قال: "هو فخ." نظر الجميع إليه. أضاف: "لكنه أيضًا الطريق الوحيد." قال إياد: "طريق لإيه؟" "إلى الحقيقة التي أخفاها والدك." اقترب إياد منه. "أنا تعبت من جملة والدك دي." "وأنا تعبت من محاولة حمايتك منها." "إذن اتكلم." صمت سليم. قال إياد: "والدي كان يعرف كل حاجة؟" "تقريبًا." "وكان يعرف نور؟" "نعم." "وكان يعرفني؟" "منذ ولادتك." رفع إياد عينيه. "يبقى ليه ما قالش لي؟" أجاب سليم: "لأن والدك لم يكن يخاف من أن تعرف." ثم نظر إلى الباب. "كان يخاف مما سيحدث عندما تتذكر." --- اقتربت نور. "إياد، استنى." نظر إليها. "أنا لازم أدخل." "مش لوحدك." "الباب مش هيسمح." "إحنا مش عارفين." قال سليم: "جربوا." مدت نور يدها. أمسكت يد إياد. ثم اقتربا من الباب. لكن قبل أن يلمسه أحد، ارتجف السطح الأسود. ظهر عليه مشهد. رجل يقف في غرفة مظلمة. كان والد إياد. يحمل رضيعًا بين ذراعيه. وكان بجواره رجل آخر. لم يظهر وجهه. قال الرجل: "الولد ده هو المفتاح." رد والد إياد: "هو ابني." "وهو ابن الحارس." "لا." "أنت تعرف الحقيقة." "أنا أعرف أنه ابني." ثم رفع الرجل يده. ظهرت على معصم الرضيع علامة صغيرة. نفس العلامة الموجودة على يد إياد. شهقت نور. قال إياد: "دي العلامة." سأل حور: "إيه دي؟" نور: "نفس العلامة اللي ظهرت عندي." قال سليم: "ليست العلامة نفسها." اقترب. "إنها العلامة المقابلة." قال إياد: "يعني إيه؟" "نور تحمل علامة الباب." ثم أشار إلى معصمه. "وأنت تحمل علامة المفتاح." --- ساد الصمت. قال إياد: "إذن أنا المفتاح." سليم: "نعم." نور: "وأنا الباب." سليم نظر إليها. "بالضبط." قال حور: "يبقى أنتم الاتنين لازم تكونوا مع بعض." لم يجب سليم. قال حور: "مش كده؟" "ليس بهذه البساطة." إياد: "إيه المطلوب؟" قال سليم: "الباب لا يفتح إلا إذا اجتمع المفتاح والباب." "وبعدين؟" "يجب أن يختار أحدهما." نور: "يختار إيه؟" سليم: "من يبقى." --- شعرت نور بقشعريرة. "ومن يرحل؟" قال سليم: "هذا هو الثمن." إياد نظر إلى نور. "إحنا مش هنختار." قال سليم: "الباب سيختار." ثم أضاف: "لكن قبل ذلك، يجب أن تدخل." نظر إياد إلى الباب. مد يده. هذه المرة لم تمنعه نور. لامس سطح الماء الأسود. فانفتح. --- لم يدخل إياد. بل اختفى. صرخت نور: "إياد!" اندفعت نحوه، لكن الباب أغلق. ضربت سطحه. "إياد!" لا جواب. قال حور: "افتحه!" سليم: "لا يمكن." "إنت قلت لازم يدخل!" "دخل." "إذن ليه قفل؟" "لأنه يجب أن يواجه ذاكرته وحده." نور: "أنا هدخل." سليم: "لو دخلتِ الآن، ستفسدين الاختبار." "مش فارق." "بل فارق." "ده إياد." نظر إليها سليم. "ولهذا بالذات يجب أن تنتظري." --- داخل الباب... فتح إياد عينيه. كان واقفًا في شارع قديم. لم يعرفه. الجو كان باردًا. السماء ملبدة بالغيوم. والشارع خالٍ. سار عدة خطوات. وجد سيارة قديمة متوقفة أمام بيت. ثم سمع صوتًا. "إياد." استدار. كان والده. لكنه كان أصغر سنًا. قال: "تعالى." لم يتحرك إياد. "إنت فين؟" ابتسم والده. "في المكان اللي تركتني فيه." "إنت مت؟" "ده اللي اتقال لك." "يعني؟" "مش كل اللي اتقال لك حقيقة." اقترب إياد. "كنت تعرف نور؟" "أكثر مما تعرف نفسك." "ليه؟" "لأن مصيرك مرتبط بمصيرها." "أنا مش عايز مصير." ضحك والده. "ولا أنا." ثم استدار. "لكننا لم نكن نملك الاختيار." --- تبع إياد والده إلى البيت. كانت الغرفة مليئة بالملفات. صور. خرائط. مخطوطات. وصورة كبيرة لوادي الملوك. لكن خلفها كانت صورة أخرى. لأبيدوس. ثم صورة لتمثال أبي الهول. ثم رسم لباب تحت قدم تمثال. قال إياد: "المكتبة." أومأ والده. "المكتبة المخفية." "كنت تعرف عنها؟" "نعم." "والكنز؟" "الكنز لم يكن ذهبًا." "إذن إيه؟" والده أخرج مفتاحًا. "الحقيقة." --- ظهر رجل خلفهما. سليم. لكن إياد عرف أنه ليس سليم الحقيقي. قال: "أنت لا تفهم." التفت إليه إياد. "إنت مين؟" الرجل ابتسم. "الشخص الذي كان والدك يحاول منعه." "سليم؟" "سليم مجرد اسم." "إذن مين أنت؟" قال: "أنا الحارس الذي سبق والدك." ثم اختفى. والده قال: "لا تتبعه." "ليه؟" "لأنه سيجعلك تتذكر." "وأنا عايز أفتكر." "لا." "ليه؟" "لأنك إذا تذكرت كل شيء، ستعرف أنك أنت من فتح الباب." --- توقف إياد. "أنا؟" "نعم." "إمتى؟" "في الليلة التي اختفت فيها نور." "أنا كنت طفلًا." "كنت في الثالثة عشرة." "إذن مستحيل." والده اقترب. "كنت تعرف الطريق." "لا." "كنت تعرف الباب." "لا." "وكانت نور معك." صمت إياد. بدأت صورة تظهر. طفل. هو. يمسك يد نور. كانا يقفان أمام باب حجري. قالت نور الصغيرة: "إياد، إنت وعدتني." قال الطفل: "مش هسيبك." ثم ظهر رجل. سليم. قال: "لازم تختار." إياد الطفل: "أختار إيه؟" "تفتح الباب أو تخليها تنسى." نظر الطفل إلى نور. ثم إلى الباب. وبكى. ثم قال: "أنا هفتحه." --- تراجع إياد. "لا." قال والده: "هذه هي الحقيقة." "أنا ما عملتش كده." "فعلت." "إنت كنت هناك." "كنت." "كان ممكن تمنعني." "حاولت." "ليه ما منعتنيش؟" صمت والده. ثم قال: "لأنني كنت أعرف أنك ستختارها." --- قال إياد: "إذن أنا السبب." "جزء من السبب." "ونور نسيت بسببى." "نعم." أغمض إياد عينيه. توالت الصور. نور الصغيرة تبكي. أمها تصرخ. والده يركض. ساهر يغلق بابًا. وسليم يفتح آخر. ثم صوت نور: "إياد، أنا خايفة." وهو يقول: "أنا هنا." ثم الضوء. ثم النسيان. --- جلس إياد على الأرض. قال: "أنا مش قادر." اقترب والده. "يجب أن تكون قادرًا." "ليه؟" "لأنها تنتظرك." "فين؟" "في المكان الذي تركتها فيه." "إزاي أرجع؟" والده أشار إلى الباب. "لن تستطيع العودة بالطريقة نفسها." "إيه المطلوب؟" "أن تختار." "اختار إيه؟" "بين الحقيقة ونور." رفع إياد رأسه. "مفيش اختيار." "هناك دائمًا اختيار." "أنا أختار نور." ابتسم والده. "حتى لو كانت الحقيقة ستقتلها؟" تردد إياد. ثم قال: "أختارها." --- خارج الباب... كانت نور تسمع صوتًا. صوت إياد. كانت تضع يدها على الباب. "إياد!" لا رد. قال حور: "سامعاه؟" "أيوه." "أنا مش سامع." سليم: "لأن الصوت لها وحدها." نور: "هو بيقول إيه؟" سليم: "لا أعرف." "إنت بتكذب." "لا." "إذن ليه أنت متوتر؟" لم يجب. اقتربت منه. "إنت خايف من إيه؟" قال: "من اختيار إياد." "أي اختيار؟" "الاختيار الذي سيحدد من سيدخل الوادي." --- فجأة انفتح الباب. سقط إياد أمامهم. ركضت نور إليه. "إياد!" رفع رأسه. نظر إليها. لم يقل شيئًا. احتضنته. بقي ساكنًا للحظات. ثم قال: "أنا فاكر." ابتعدت عنه. "فاكر إيه؟" "كل حاجة." "إيه كل حاجة؟" نظر إلى سليم. "إنت كنت موجود." "نعم." "وأبويا كان موجود." "نعم." "وساهر." "نعم." "وأبوك يا حور." تجمد حور. "أبويا؟" أومأ إياد. "كان هو اللي بيحرس الباب." حور: "إنت شوفته؟" "شوفته." "قال إيه؟" "قال إنك ما كنتش المفروض تيجي." --- قال حور: "ليه؟" إياد: "لأنك لست الحارس." سليم: "قلت ذلك من البداية." حور: "أمال مين؟" إياد نظر إلى نور. "نور." حور: "عرفنا." "لا." ثم نظر إلى سليم. "هي مش الحارسة." سليم لم يتحرك. "إذن؟" إياد قال: "هي المفتاح." ساد الصمت. نور: "وأنا كنت فاكرة إني الباب." إياد: "كنتِ." "وبعدين؟" "في البداية." "إيه اللي تغير؟" قال: "أنتِ نقلتِ البوابة." سليم أغمض عينيه. قال: "لقد تذكر." --- اقترب إياد من نور. "في حاجة تانية." "إيه؟" "أبوك لم يكن يحاول إغلاق الوادي." "إيه؟" "كان يحاول فتحه." سليم: "إياد." "مش هسكت." نور: "ليه كان عايز يفتحه؟" "لأن أمك كانت داخله." تجمدت. "ماما؟" "لم تمت." لم تتحرك. "إنت متأكد؟" "شفتها." "فين؟" "في الذاكرة." "كانت عايشة؟" "نعم." سأل حور: "إذن مين اللي مات؟" إياد نظر إليه. "المرأة التي اعتقدنا أنها أم نور." --- قالت نور: "أنا مش فاهمة." إياد: "أنا كمان." ثم أضاف: "لكن فيه حاجة واضحة." "إيه؟" "اللي حصل في ليلة السابع من نوفمبر كان مجرد خدعة." سليم: "ليس خدعة." "إذن ماذا؟" "تبديل." "مين اتبدل بمين؟" سليم لم يجب. إياد اقترب منه. "قول." قال سليم: "نور لم تكن الطفلة التي خرجت من الوادي." نور: "إيه؟" "الطفلة التي خرجت كانت نسخة من الذاكرة." حور: "نسخة؟" "نعم." قالت نور: "وأنا؟" سليم نظر إليها. "أنتِ بقيتِ في الداخل." --- لم تستطع نور الكلام. إياد أمسك يدها. "يعني أنا..." سليم: "أنتِ لم تخرجي من الوادي يومها." "إذن مين أنا؟" "أنتِ التي عادت." "مش فاهمة." "جسدك خرج." "لكن؟" "ذاكرتك بقيت." نور: "مين عاش حياتي؟" سليم: "أنتِ." "إذن أنا مين؟" قال سليم: "هذا هو السؤال." --- بدأت الأرض تهتز. ظهر الباب الأسود من جديد. لكن هذه المرة لم يحمل اسم إياد. كان يحمل اسم: نور. ثم انفتح. ومن داخله خرج صوت أمها. "بنتي." توقفت نور. "ماما؟" الصوت عاد: "تعالي." إياد أمسك يدها. "لا." قالت: "دي ماما." "ممكن تكون مش هي." سليم: "هي." التفت إليه إياد. "إزاي؟" "لأنني أعرف صوتها." نور بدأت تبكي. "أنا هروح." إياد: "أنا معاكي." سليم: "هذه المرة لا." "ليه؟" "لأن الباب لن يسمح إلا لها." نور: "أنا مش هسيبه." سليم: "إذا دخلت معه، سيأخذ شيئًا آخر." "إيه؟" "اسمه." إياد ضحك بسخرية. "ياخد اسمي؟" "لا." نظر سليم إليه. "سيأخذ اسمها من قلبك." --- لم تفهم نور. قال سليم: "ستخرج، وستعرف أنك أحببتها." ثم نظر إلى إياد. "لكن لن تتذكر اسمها." تجمد إياد. "مش هسمح." "لن يكون بيدك." نور: "إذن أدخل وحدي." إياد: "لا." "لازم." "مش هتدخلي." "إياد." "لا." "لو دي ماما..." "ممكن تكون فخ." "ولو مش فخ؟" صمت. ثم قال: "هندخل." سليم: "لن تستطيع." إياد: "هنشوف." --- اقتربا من الباب. مد إياد يده. ظهر على معصمه ضوء. ثم ظهر على يد نور ضوء آخر. اتصل الضوءان. اهتز الباب. ظهر صوت: "المفتاح وجد الباب." ثم: "الآن يجب أن يختار أحدهما." قال إياد: "أنا." نور: "لا." "أنا اللي هختار." "إياد." "أنتِ عيشتي كفاية من غير ما تختاري." "وأنت؟" "أنا اختارتك من زمان." ثم نظر إليها. "ومش هغير اختياري." --- ظهر والد إياد أمامهما. هذه المرة لم يكن مشهدًا. كان حاضرًا. حقيقيًا. وقف على الجانب الآخر من الباب. قال: "إياد." تجمد. "أبي." "ارجع." "مش هقدر." "لا تدخل." "ليه؟" "لأنها ليست نور التي تعرفها." قال إياد: "حتى لو كانت مختلفة، هعرفها." ابتسم والده بحزن. "أنت تشبهني." "وده عيب؟" "أحيانًا." ثم نظر إلى نور. "هي ليست ابنتك." تدخل سليم: "هي ابنة الوادي." نور: "كفاية!" صرخت. "أنا مش ملك لحد." سكت الجميع. قالت: "أنا نور." ثم أمسكت يد إياد. "وهو إياد." "وأيًا كان اللي حصل..." نظرت إلى الباب. "إحنا اللي هنقرر." --- انفتح الباب بالكامل. دخل الاثنان. لكن هذه المرة لم يغلق خلفهما. دخل حور أيضًا. سليم حاول منعه. "حور!" لكنه كان قد عبر. ثم دخل ساهر. وبقي سليم وحده. نظر إلى الباب. ثم ابتسم. "أخيرًا." دخل. --- وجدوا أنفسهم في قاعة ضخمة. في وسطها سبعة أعمدة. فوق كل عمود اسم. الحارس. المفتاح. الباب. الذاكرة. الوريث. الخائن. البداية. كانت الأسماء تتغير. قال حور: "مين الوريث؟" لم يجب أحد. اقترب من العمود. ظهر اسمه. حور. تراجع. "أنا؟" ساهر: "نعم." "وريث إيه؟" "الحارس." ثم ظهر اسم إياد على العمود الثاني. المفتاح. نور على الثالث. الباب. أما العمود الرابع... فكان يحمل اسم: آدم. قالت نور: "آدم هو الذاكرة." سليم: "نعم." العمود الخامس تغير. ظهر: سليم. ثم السادس. والد نور. ثم السابع... ظل فارغًا. قال إياد: "البداية." سليم: "لم تُكتب بعد." --- فجأة ظهر رجل في وسط القاعة. لم يكن سليم. ولم يكن والد إياد. كان الرجل الذي ظهر في ذاكرة نور. رفع رأسه. وقال: "لقد تأخرتم." نور: "إنت مين؟" ابتسم. "أنا أول من فتح الباب." إياد: "اسمك؟" قال: "آدم." نور شعرت أن العالم توقف. "آدم؟" "نعم." "لكن آدم كان طفلًا." "كنت." "إنت أول حارس؟" "كنت." "وأخويا؟" صمت. ثم قال: "كان." --- صرخت نور: "يعني إيه كان؟" اقترب آدم. "أخوك مات قبل أن تولدي." تجمدت. "إيه؟" "لكن ذكراه بقيت." "أنا مش فاكرة." "لأنك لم تكوني موجودة بعد." "إذن ليه شوفته؟" "لأنني أعطيتك ذكراه." "ليه؟" "لأنك كنت بحاجة إلى أن تصدقي أن الحكاية تخصك." قال إياد: "يعني كل اللي حصل كان لعبة؟" آدم: "لا." "إذن؟" "كان اختيارًا." --- رفع آدم يده. ظهر الوادي خلفه. ليس وادي الملوك. بل وادٍ آخر. أقدم. أعمق. كانت هناك سبعة أبواب. وفي المنتصف تمثال ضخم. لكن التمثال لم يكن لأبي الهول. كان لرجل يحمل كتابًا. قال آدم: "هذا هو وادي البداية." نور: "وإحنا لازم نروح هناك." "لا." "أمال؟" "الوادي سيأتي إليكم." اهتزت القاعة. تشققت الأرض. بدأت الجدران تختفي. ثم ظهر رمل. رمال تتدفق من كل اتجاه. صرخ حور: "إحنا بنغرق!" ساهر: "لا تتحركوا!" لكن الرمال وصلت إلى أقدامهم. ثم إلى الركب. ثم الخصر. نور أمسكت بإياد. إياد أمسك بحور. سليم أمسك بساهر. وفي اللحظة التي غمرتهم الرمال... سمعوا صوتًا واحدًا: "بدأت الرحلة." --- فتحت نور عينيها. كانت واقفة في صحراء. الشمس فوقها. الهواء ساخن. إياد بجانبها. حور خلفها. ساهر وسليم على بعد خطوات. لكن شيئًا كان مختلفًا. لم يكن هناك أي أثر للقاعة. ولا الأبواب. ولا الكتاب. ولا الجدران. فقط الصحراء. وفي الأفق... ظهرت أربعة جبال. قال حور: "إحنا فين؟" سليم نظر إلى الجبال. ثم قال: "أبيدوس." إياد: "مستحيل." نور لم تتكلم. كانت تنظر إلى الأرض. رأت شيئًا نصف مدفون في الرمال. انحنت. أخرجته. كان مفتاحًا. لكن ليس مفتاحًا عاديًا. كان يحمل الرقم: 202. نظرت إلى إياد. ثم إلى سليم. قال سليم: "المفتاح الذي كنا نبحث عنه." سألت نور: "مفتاح إيه؟" نظر إلى الجبال. وقال: "مفتاح وادي الملوك الثاني." ثم صمت لحظة. وأضاف: "لكننا لم نصل إليه بعد." إياد: "إذن إحنا فين؟" أجاب سليم: "عند البوابة الأولى." --- سمعوا صوتًا. جرس. دقة واحدة. ثم ثانية. ثم ثالثة. لكن هذه المرة لم يأتِ الصوت من تحت الأرض. جاء من الجبال. ظهر ضوء بين الجبلين. بدأ يتحرك. ثم ظهر شيء ضخم. باب حجري. يرتفع من الأرض. على سطحه نقش واحد: "من يدخل باسم الحقيقة، يخرج باسم آخر." قالت نور: "يعني إيه؟" لم يجب سليم. لأن إياد كان قد لاحظ شيئًا. اقترب من الباب. وضع يده عليه. ظهر نقش جديد. إياد. ثم ظهر نقش ثانٍ. نور. ثم نقش ثالث. حور. ثم الرابع. ساهر. أما اسم سليم... فلم يظهر. قال حور: "ليه اسمك مش موجود؟" ابتسم سليم. "لأنني دخلت هذا المكان من قبل." إياد: "إمتى؟" "منذ عشرين عامًا." نور: "وخرجت؟" نظر إليها. "لا." تجمدت. "إذن مين اللي واقف قدامنا؟" لم يجب. بدأ جسد سليم يتغير. لم يعد يبدو كرجل في منتصف الأربعينيات. بدأ وجهه يشيخ. شعره ابيض. ظهر على وجهه أثر جرح قديم. ثم قال: "أنا آخر نسخة تركتها الذاكرة." سقط حور خطوة إلى الخلف. أما إياد فرفع سلاحه. لكن نور أمسكت يده. "استنى." قال سليم: "لا تخافي." ثم نظر إليها. "لأن الشخص الحقيقي الذي يحمل اسمي..." أشار إلى الباب. "موجود خلفه." --- فتح الباب من تلقاء نفسه. خرج منه هواء بارد. ومن الداخل جاء صوت رجل: "سليم..." أغمض سليم عينيه. قال: "حان الوقت." دخل. صرخ حور: "سليم!" لكن الباب أغلق. ثم ظهر على سطحه نقش جديد: "أول ثمن: الحارس." قال إياد: "إحنا لازم ندخل." نور: "أيوه." حور: "بس لو الباب بياخد واحد كل مرة؟" نظرت نور إلى النقش. ثم قالت: "المرة دي مش هيدخل واحد." وضعت يدها على الباب. وضع إياد يده فوق يدها. ووضع حور يده فوق يده. ثم قال: "التلاتة." فتح الباب. ولأول مرة منذ بدأت الحكاية... لم يدخلوا إلى ماضٍ. دخلوا إلى مكان لم تطأه قدم بشرية منذ آلاف السنين. وكان في انتظارهم... وادي الملوك الثاني. لكن قبل أن يخطوا الخطوة الأولى، ظهر نقش أخير فوق المدخل: "مرحبًا بكم في المكان الذي دُفنت فيه الحقيقة." وفي أعماق الوادي... صدر صوت ضحكة. ضحكة امرأة. عرفتها نور فورًا. كان صوت أمها. ثم جاء صوتها واضحًا: "نور... لا تثقي بإياد." توقفت نور. أما إياد... فنظر إليها دون أن يعرف ماذا يقول. وكان الباب خلفهما قد أغلق. يتبع...الفصل 116: ما تحت قدم أبي الهول الثانيلم تكن نور تعرف لماذا شعرت بذلك الشعور الغريب وهي تقف أمام دار الحكمة في صباح اليوم التالي.كانت قد أغلقت آخر صفحة من الحكاية.أو هكذا ظنت.المكتبة صفر أُغلقت.القلم الأول انكسر.الأسرار التي طاردتهم سنوات طويلة انتهت.حتى عبدالرحمن، الرجل الذي عاش عمره يحمل فوق كتفيه أسرارًا أثقل من أن يحملها إنسان، بدا أخيرًا مستعدًا لأن يعيش بقية حياته دون أن يخاف من الماضي.لكن شيئًا واحدًا لم يكن قد عاد إلى مكانه.شيء ظل يلح في عقل نور منذ الليلة السابقة.تمثال أبي الهول الثاني.ذلك التمثال الذي ظهر اسمه في الخرائط القديمة، والذي ظل بعيدًا عن كل ما عرفوه حتى الآن.كانت قد رأته من قبل.لكنها لم تكن تعرف لماذا ظلّت صورته عالقة في ذاكرتها.وفي ذلك الصباح...دخل عبدالرحمن إلى دار الحكمة وفي يده ورقة قديمة.قال:"لازم نروح."رفعت نور رأسها."فين؟"وضع الورقة أمامها.كان عليها رسم قديم لأبي الهول.لكن أسفل الرسم ظهرت علامة لم ترها من قبل.قدم أبي الهول.وتحتها سهم.وتحت السهم كلمة واحدة:"الأصل."سألت نور:"إيه ده؟"عبدالرحمن:"لقيتها بين أوراق أمك."توقفت."أمي؟"
الفصل 115: الباب الأخيركانت يد نور فوق مقبض الباب.للحظة واحدة، عاد إليها كل شيء.المكتبة صفر.أمها.عبدالرحمن.النسخ.القلم الأول.إياد.والرجل الذي يقف خلف الباب بصوت أبيها.لكن هذه المرة لم تكن نور الطفلة التي تحتاج إلى من يخبرها أي طريق تسلك.كانت تعرف شيئًا واحدًا:لن تسمح لأي أحد أن يكتب قرارها بدلًا منها.نظرت إلى إياد.قال:"جاهزة؟"ابتسمت."لا."ضحك للمرة الأولى منذ ساعات."دي إجابة مطمئنة جدًا."قالت:"بس هفتح."وأدارت المقبض.---كان الرجل واقفًا أمام الباب.لم يكن والدها.كانت تعرف ذلك منذ اللحظة الأولى التي رأته فيها.رجل في منتصف الستينيات، يحمل صندوقًا خشبيًا قديمًا.لكن التشابه كان مخيفًا.نفس العينين.نفس نبرة الصوت.نفس الوقفة.حتى الطريقة التي نظر بها إلى نور جعلت قلبها يتوقف للحظة.قال:"كنت أعرف أنك ستفتحين."نور:"وأنا كنت عارفة إنك مش أبي."ابتسم."ذكية."إياد وقف بجانبها."مين أنت؟"الرجل:"اسمي مراد."عبدالرحمن، الذي كان خلفهم، تجمد."مراد..."التفت الرجل إليه."مرت سنوات طويلة يا عبدالرحمن."نور نظرت إلى جدها."تعرفه؟"عبدالرحمن:"كان يعمل مع والدك."مراد صح
الفصل 114: أصل الحكايةكانت الكلمة الأخيرة لا تزال معلقة في الفراغ الأبيض."من أنتِ."لم تستطع نور أن تتحرك.كان القلم بين أصابعها يرتجف.أما أمها فكانت تنظر إليها بعينين ممتلئتين بالدموع، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات طويلة.قالت نور أخيرًا:"أنا... أصل المكتبة؟"لم تجب أمها.قال عبدالرحمن:"ليس بالمعنى الذي تفكرين فيه."نور التفتت إليه."إذن فسر."تنهد."أنتِ لم تُخلقي من المكتبة.""لكن الرجل قال...""قال إنك أول محاولة."تدخل إياد:"في فرق."نور:"فرق إيه؟"قال إياد:"لو كانت المكتبة هي اللي صنعتك، كنتِ نسخة."ثم نظر إلى القلم."لكن لو أنتِ اللي صنعتِ الفكرة الأولى..."توقف.نور أكملت:"أكون الأصل."---ظهرت حولهم دوائر من الضوء.داخل كل دائرة صورة.طفلة.امرأة.رجل.مدينة.مكتبة.باب.ثم ظهرت صورة نور وهي طفلة، تجلس وحدها أمام كتاب مفتوح.لكن هذه المرة لم تكن الصورة من ذاكرة أمها.كانت أقدم.قالت نور:"دي أنا."الأم:"نعم.""كنت كام سنة؟""أربع سنوات."مريم:"وأنا فين؟""كنتِ نائمة."ظهرت الطفلة نور وهي تمد يدها إلى الصفحة.كان الكتاب فارغًا.لكن عندما لمسته...ظهر خط أسو
الفصل 113: الحياة التي لم تمتانفتح الباب الحجري ببطء.لم يصدر عنه صرير.ولا صوت احتكاك.كان ينفتح بصمت مخيف، كأن الجهة الأخرى لم تكن تنتظر أن يفتح أحد الباب، بل كانت تنتظر فقط اللحظة المناسبة لتفتحه بنفسها.تراجع عبدالرحمن خطوة.أما نور فظلت واقفة مكانها.كانت تسمع صوت أمها من الداخل.هادئًا.قريبًا.حقيقيًا."نور..."مدت يدها نحو الباب.أمسك إياد بيدها."استني."نظرت إليه."سمعتها.""وأنا سمعتها.""دي أمي.""ممكن."رفعت عينيها إليه."ممكن؟"قال بهدوء:"بعد كل اللي شفناه... ما ينفعش نصدق الصوت لمجرد إننا نعرف صاحبه."من خلفهما قالت مريم:"هو عنده حق."نور نظرت إليها.كانت مريم تبكي."أنا نفسي أصدق إنها أمي."ثم مسحت دموعها."بس لو كانت هي فعلًا... ليه جدي خايف؟"---عبدالرحمن لم يجب.كان ينظر إلى الباب.قال أخيرًا:"لأنني أعرف ما وراءه."نور:"قلت إنك ما دخلتش.""لم أقل ذلك."تجمدت."إنت دخلت؟"أومأ."مرة.""إمتى؟""منذ خمسة وأربعين عامًا."نور:"وليه ما قلتش؟"عبدالرحمن:"لأنني وعدت أمك.""بماذا؟""ألا أخبركم بما رأيت."اقتربت نور منه."وإيه اللي شوفته؟"رفع عينيه إليها."أمك."صمت.
الفصل 112: القلم الأوللم يتحرك أحد.كان ظل عبدالرحمن الشاب ما يزال ظاهرًا على الجدار، رغم أن الرجل نفسه لم يكن موجودًا داخل المكتبة.ظلّ طويل، مستقيم، وفي يده قلم أسود.القلم الذي ظنوا أنه كُسر.قالت نور:"عبدالرحمن..."إياد:"ده مش ظل طبيعي."مريم اقتربت من الجدار."أنا شفته قبل كده."نور:"فين؟""في ذكريات أمي."التفتت إليها."كان واقفًا خلف أبي."سكتت مريم لحظة.ثم قالت:"لكن وقتها كنت أظنه مجرد رجل يساعده."قال إياد:"واضح إن الموضوع أكبر."---بدأ الظل يتحرك.رفع القلم.وكتب على الجدار:"إذا أردتم معرفة البداية، عودوا إلى الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة."نور:"نرجع للمحطة؟"الظل لم يجب.كتب:"ليس المكان هو المهم."ثم:"اللحظة."ظهرت جملة أخرى:"كل شيء بدأ عندما ماتت أمكم."نور شعرت بثقل في صدرها."إحنا شفنا اللحظة دي."ظهر:"رأيتم نهايتها."ثم:"ولم تروا البداية."---بدأت المكتبة تختفي.الرفوف.الأبواب.الكتب.حتى الجدران.وبقيت نور ومريم وإياد وحدهم وسط ظلام كامل.قال إياد:"إمسكي إيدي."أمسكت يده.مريم أمسكت يد نور.ثم ظهر ضوء صغير أمامهم.كان كأنه نافذة.اقتربوا.فرأوا بيتًا
الفصل 111: الباب الذي يحمل اسم إيادكانت يد نور فوق المقبض.ثلاثة أصوات فقط كانت تتردد في رأسها.صوت مريم:"لا تفتحي."صوت إياد:"افتحي."وصوت أمها:"اختاري بنفسك."لكن أصعب ما في الأمر لم يكن معرفة أي صوت تصدق.بل معرفة أن كل صوت منها يمكن أن يكون حقيقيًا.أغمضت نور عينيها.سحبت يدها من المقبض.ثم قالت:"أنا مش هفتح."ساد الصمت.ابتسم يوسف من بعيد."أحسنتِ."نور التفتت إليه."إنت موجود؟"كان واقفًا بين رفوف المكتبة."لم أغادر.""فين إياد؟""أنتِ تعرفين.""لا.""بل تعرفين."اقتربت منه."رجّعه.""لا أستطيع.""إذن قول لي فين."أشار إلى آلاف الكتب."في واحد منها."نور:"أي واحد؟""أنتِ من ستعرف."---بدأت الرفوف تتحرك.الكتب انزلقت يمينًا ويسارًا.ظهر ممر طويل.في نهايته باب واحد.لم يكن مكتوبًا عليه اسم.قال يوسف:"هناك."نور بدأت تسير.خطوة.ثم أخرى.كلما اقتربت، سمعت أصواتًا.ضحكة إياد.صوته وهو يناديها.صوت أول لقاء بينهما.أول مرة قال لها:"أنا مصدقك."ثم صوت آخر.أبعد.أكثر ألمًا."لو اضطريت أختفي عشان تعيشي... هعملها."توقفت.قال يوسف:"هذه ليست ذكريات.""أمال إيه؟""احتمالات."--







