مشاركة

الفصل 43

مؤلف: فتيحة
last update تاريخ النشر: 2026-07-25 21:19:49

وقفت أروى أمام باب الزنزانة.

كانت عيناها حمراوين من كثرة البكاء.

وقلبها ما زال يرفض تصديق ما سمعه قبل دقائق.

تقدمت الحارسة نحوها وهي تحمل حقيبة صغيرة.

قالت بهدوء:

ــ هذه أماناتك... ارتدي ملابسك.

نظرت أروى إلى الحقيبة دون أن تمد يدها.

كانت تعرف تلك الحقيبة جيدًا.

آخر مرة رأتها...

كان يوم دخلت السجن.

تناولتها ببطء.

وجلست على المقعد الخشبي.

ثم فتحتها.

في الأعلى...

كان الفستان مطويًا بعناية.

مدت يدها نحوه.

ولمست القماش بأطراف أصابعها.

كأنها تلامس قطعة من حياتها القديمة.

رفعته ببطء...

وبقيت تحدق فيه طويلًا.

لم يكن مجرد فستان.

كان آخر ما ارتدته...

قبل أن تتحطم حياتها.

أغمضت عينيها.

فعادت الذكريات دفعة واحدة.

تذكرت ذلك اليوم...

حين أصر سمير أن يهديه لها

ظل يقنعها حتى قبلته على استحياء.

وتذكرت كيف ارتدته وهي تنظر إلى نفسها بخجل.

وكيف شعرت يومها...

أنها بدأت ترى الحياة بشكل أجمل.

ثم...

تذكرت هبة.

وكلماتها القصيرة التي ما زالت عالقة في ذاكرتها.

وتذكرت بعد ذلك...

صوت ارتطام السيارات.

وصراخ الناس.

والدماء.

ثم وجه هبة...

وهو يفارق الحياة أمامها.

ارتجفت يداها.

وسقط الفستان من بين أصابعها.

وضعت كفيها على وجهها.

وانفجرت بالبكاء.

همست بصوت متقطع:

ــ كنت أظن...

أن هذا الفستان سيبقى أجمل ذكرى في حياتي...

لكنه أصبح يذكرني بأسوأ يوم...

وخسرت فيه حياتي.

أخذت نفسًا مرتجفًا.

ثم مسحت دموعها.

وانحنت لتلتقط الفستان من جديد.

نفضته برفق...

وكأنها تعتذر له.

ثم ارتدته بصمت.

نظرت إلى انعكاس صورتها في الزجاج الصغير.

شعرت وكأنها تنظر إلى فتاة أخرى...

فتاة دخلت ذلك اليوم وهي تملك أحلامًا كثيرة.

أما اليوم...

فلم يبقَ منها...

إلا الحزن.

طرقت الحارسة الباب برفق.

ثم قالت:

ــ هل انتهيت؟

أجابت أروى بصوت خافت:

ــ نعم.

خرجت من الغرفة.

وكانت القيود قد عادت إلى معصميها.

لكنها لم تشعر بثقلها.

فما يحمله قلبها...

كان أثقل من أي قيد.

سارت بصمت.

وخلفها الحارستان.

أما أمامها...

فكان طريق الوداع الأخير...

ينتظرها.

فُتح الباب الخارجي ببطء.

توقفت أروى للحظة.

منذ أكثر من عامين...

لم تعبر هذا الباب.

رفعت بصرها إلى السماء.

كان الهواء مختلفًا.

والشوارع كما كانت...

تعج بالحياة.

سيارات تمر.

وأشخاص يسيرون مسرعين.

وأطفال يضحكون في الجهة المقابلة.

شعرت وكأن الزمن لم يتوقف لأحد...

إلا لها.

أما هي...

فقد خرجت لتودع آخر شخص كان ينتظر عودتها.

فتحت الحارسة باب السيارة.

جلست أروى في المقعد الخلفي.

وجلس إلى جوارها مالك.

بينما جلس أفراد الحراسة في المقاعد الأخرى.

انطلقت السيارة ببطء.

كانت أروى تنظر من النافذة.

تراقب الأماكن التي تمر بها.

كل شيء بدا مألوفًا...

وغريبًا في الوقت نفسه.

همست بصوت بالكاد سمعه مالك:

ــ نسيت...

كم كانت المدينة جميلة.

نظر إليها مالك...

لكنه لم يجد ما يقوله.

بعد دقائق من الصمت...

قالت أروى دون أن ترفع عينيها عن النافذة:

ــ هل... تألم كثيرًا؟

أغمض مالك عينيه للحظة.

ثم أجاب بهدوء:

ــ لا أعلم.

لكن...

أرجو أن يكون رحل دون ألم.

أطرقت أروى رأسها.

وتسللت دمعة جديدة إلى خدها.

ثم سألت:

ــ وهل كانت زوجة عمي معه؟

ــ لا...

كانت في المنزل.

أغمضت أروى عينيها.

وقالت بحزن:

ــ لا أستطيع أن أتخيل مقدار الألم الذي تعيشه الآن.

ساد الصمت من جديد.

وفجأة...

قالت أروى بصوت خافت:

ــ آخر مرة رأيته...

كان ينظر إلي بطريقة غريبة.

لم أفهمها وقتها.

شعرت وكأنه يريد أن يقول شيئًا...

لكنه تراجع.

ابتسم مالك ابتسامة حزينة.

ثم قال:

ــ كان يحبك كثيرًا يا أروى.

وكان يعتبرك ابنته.

خفضت رأسها.

وأجهشت بالبكاء من جديد.

وقالت بين دموعها:

ــ وأنا...

لم أستطع حتى أن أرد له جزءًا مما فعله من أجلي.

بعد وقت قصير...

بدأت السيارة تخفف سرعتها.

التفت مالك نحوها.

وقال بهدوء:

ــ وصلنا

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 66

    وأصبحت أروى أكثر انسجامًا مع عملها. لم تعد تتردد قبل إنجاز أي مهمة. وصارت تحفظ أماكن الملفات. وتتعامل مع الحاسوب بثقة أكبر. حتى الأستاذ خالد... بدأ يعتمد عليها في بعض الأعمال التي كان يحتفظ بها لنفسه. وفي كل مرة يثني فيها على اجتهادها... كانت تشعر أن جزءًا من ثقتها بنفسها يعود إليها. --- في صباح أحد الأيام... ما إن دخلت أروى القسم... حتى قالت ليان بحماس: ــ لا تنسي. اليوم الاجتماع العام. ابتسمت أروى. ــ لم أنسَ. قال الأستاذ خالد وهو يخرج من مكتبه: ــ بعد نصف ساعة يتوقف العمل مؤقتًا. الجميع يتوجه إلى قاعة الاجتماعات. --- امتلأت القاعة بالموظفين. كانت أكبر مما توقعت أروى. صفوف طويلة من المقاعد. وشاشة عرض كبيرة في المقدمة. جلست أروى بجانب ليان في أحد المقاعد الخلفية. وأخذت تنظر حولها. كان الجميع يتحدث بهدوء. لكنها لاحظت أن بعض الموظفات كن أكثر اهتمامًا بشيء آخر. مرّت بجوارهما ثلاث موظفات وهن يتهامسن. قالت إحداهن وهي ترتب شعرها أمام شاشة هاتفها: ــ هل سيحضر الأستاذ رائد بنفسه؟ ابتسمت الثانية. ــ بالطبع. هو لا يتغيب عن الاجتماعات العامة. تنهدت الثالثة وهي

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 65

    وفي إحدى فترات الاستراحة... كانت تجلس مع ليان في غرفة الموظفين. وبينما كانتا تحتسيان القهوة... قالت ليان فجأة: ــ بالمناسبة... هل رأيتِ المدير العام؟ هزت أروى رأسها. ــ لا. ابتسمت ليان. ــ ستعرفينه عاجلًا أم آجلًا. ابتسمت أروى وهي ترتشف قهوتها. ــ يبدو أنك تحترمينه كثيرًا. قالت ليان بحماس: ــ ليس أنا فقط. كل الشركة تحترمه. أضافت وهي تخفض صوتها قليلًا: ــ الأستاذ رائد من أفضل المدراء الذين عملت معهم. صارم... لكنه عادل. إذا أخطأتِ سيحاسبك. وإذا اجتهدتِ سيقدّر تعبك. استمعت أروى باهتمام. ثم قالت: ــ هذا شيء جيد. ابتسمت ليان. ــ لهذا يحب الجميع العمل هنا. وفي تلك اللحظة... دخل أحد الموظفين مسرعًا إلى غرفة الاستراحة. وقال: ــ انتهت الاستراحة يا جماعة. الأستاذ خالد يريد الملفات الخاصة بالطابق التنفيذي. نهضت ليان. ثم نظرت إلى أروى. وقالت مبتسمة: ــ يبدو أن أول مهمة خارج قسمنا ستكون لاروىخرجت أروى من غرفة الاستراحة.أعطاها الأستاذ خالد مجموعة من الملفات المرتبة بعناية.ثم قال:ــ هذه الملفات يجب أن تصل إلى السكرتارية في الطابق التنفيذي.خذي المصعد إلى الطابق

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 64

    قالت ليان بحماس: ــ بل درسنا معًا في الجامعة. كانت من أذكى الطالبات في الدفعة. نظرت أروى إليها بخجل. أما الأستاذ خالد فابتسم وقال: ــ حسنًا... يمكنكما استكمال الذكريات في وقت الاستراحة. أما الآن... فلنبدأ العمل. ضحكت ليان. ــ حاضر يا أستاذ. --- قادها الأستاذ خالد إلى مكتب صغير بجانب النافذة. وقال: ــ هذا سيكون مكتبك. مررت أروى يدها برفق على سطحه. كان بسيطًا... لكنه بدا لها أجمل من أي مكتب حلمت به. وضعت حقيبتها. ثم جلست ببطء. شعرت بشيء لم تشعر به منذ سنوات. الانتماء. لم تعد زائرة... ولا متقدمة لوظيفة. أصبحت موظفة. --- مر الصباح سريعًا. كانت ليان تساعدها كلما احتاجت شيئًا. وتشرح لها نظام الملفات. وتضحك كلما أخطأت أروى في مكان أحد المستندات. ثم تقول مبتسمة: ــ لا تقلقي. أنا في أول أسبوع وضعت ملفات الرواتب داخل أرشيف العقود. ضحكت أروى. ــ إذن لست الوحيدة التي أخطأت. ردت ليان بفخر مصطنع: ــ إطلاقًا. أنا كنت ملكة الأخطاء. ولهذا أصبحت خبيرة الآن. كان حديثها خفيفًا... وعفويًا. ومع كل دقيقة تمر... كانت أروى تشعر أن التوتر الذي لازمها منذ الصباح بدأ يخ

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 63

    في صباح اليوم التالي... استيقظت أروى قبل شروق الشمس. لكن هذه المرة... لم يكن القلق هو أول ما شعرت به. بل الحماس. ابتسمت وهي تنظر إلى البطاقة الصغيرة التي وضعتها فوق الطاولة. بطاقة تحمل اسمها... واسم الشركة. كانت تلتقطها كل بضع دقائق، وكأنها تخشى أن يكون ما حدث بالأمس مجرد حلم. تناولتها مرة أخرى. مررت إصبعها على اسمها المكتوب أسفل الصورة. ثم ابتسمت. وقالت لنفسها: ــ أخيرًا... أصبحت أملك مكانًا أنتمي إليه. --- بعد أن أنهت استعدادها... خرجت من الغرفة متجهة إلى الشركة. كانت خطواتها أخف من الأيام الماضية. حتى الهواء... بدا مختلفًا. --- وصلت إلى الشركة قبل الموعد بدقائق. رحبت بها موظفة الاستقبال بابتسامة. وقالت: ــ صباح الخير يا آنسة أروى. ابتسمت أروى. شعرت بسعادة غريبة. أن يناديها أحد باسمها... وكأنها أصبحت جزءًا من المكان. لم تنتظر طويلًا. فقد وصل سمير بعد دقائق. ابتسم عندما رآها. وقال: ــ يبدو أنك تحبين الوصول مبكرًا. ضحكت أروى بخجل. ــ أخشى التأخر في أول يوم. ابتسم. ــ هذه عادة جيدة. هيا... سننهي الإجراءات. --- تنقلت معه بين عدة مكاتب. وقعت عق

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 62

    ساد الصمت داخل المكتب.بقيت أروى تحدق في الملف المفتوح أمام الأستاذ فؤاد.شعرت أن الكلمات تجمدت في حلقها.كم مرة وقفت أمام هذا السؤال؟وكم مرة كانت الإجابة نفسها...سببًا في إغلاق الباب بوجهها.خفضت رأسها قليلًا.ثم رفعت عينيها من جديد.كانت تستطيع أن تكذب.أن تقول إنها سافرت.أو أنها مرضت.أو أي عذر آخر.لكنها لم تعد تريد أن تبدأ حياتها الجديدة بكذبة.أخذت نفسًا عميقًا.ثم قالت بهدوء:ــ كنت...في السجن.لم يتغير وجه الأستاذ فؤاد كثيرًا.لكنه بقي صامتًا.فأكملت أروى بصوت ثابت، رغم الألم الذي كانت تشعر به:ــ خرجت منذ فترة قصيرة.ولا أريد أن أخفي ذلك.لأن الحقيقة ستظهر يومًا ما.وأفضل أن تعرفوها مني...لا من غيري.أغلق الرجل الملف بهدوء.ثم شبك أصابعه فوق المكتب.وقال:ــ أشكرك على صراحتك.ابتلعت أروى ريقها.كانت تعرف هذه العبارة.سمعتها مرات كثيرة.وغالبًا...كانت الجملة التي تسبق الرفض.---قال الأستاذ فؤاد:ــ لن أسألك عن سبب دخولك السجن.فهذا أمر يخصك.لكن...هل ترين أنك قادرة على العودة إلى بيئة العمل؟رفعت أروى رأسها مباشرة.وقالت بثقة:ــ نعم.قد أحتاج إلى الوقت...لكنني لن أحت

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 61

    لاحظ سمير الملف الذي كانت تضمه إلى صدرها. فسألها: ــ يبدو أنك خرجت من أجل أمر مهم. نظرت أروى إلى الملف. ثم ابتسمت ابتسامة باهتة. ــ في الحقيقة... كنت أبحث عنك. ارتفع حاجباه باستغراب. ــ عني أنا؟ أومأت برأسها. ــ منذ خروجي وأنا أبحث عن عمل. طرقت أبوابًا كثيرة... لكن دون جدوى. ثم تذكرت أنك تعمل هنا. فقلت... ربما تعرف مكانًا يحتاج إلى موظفين. أو تستطيع أن ترشدني إلى شركة أقدم إليها. ظل سمير صامتًا للحظة. ثم قال مبتسمًا: ــ وهل جئت لتسألي عن عمل في شركة أخرى... وتركتِ هذه الشركة؟ نظرت إليه بعدم فهم. فابتسم وقال: ــ لدينا شواغر فعلًا. اتسعت عينا أروى. ــ حقًا؟ ــ نعم. ليست كثيرة... لكنني أستطيع أن أتحدث مع الإدارة. بدت الدهشة واضحة على وجهها. وقالت بسرعة: ــ لكن... لا أريد أن أسبب لك أي إحراج. ابتسم سمير. ــ أي إحراج؟ أنت لا تطلبين معروفًا. إذا كانت هناك وظيفة تناسبك، فمن حقك أن تتقدمي لها مثل أي شخص. شعرت أروى بأن ثقلًا كبيرًا انزاح عن صدرها. ولأول مرة منذ أسابيع... عاد الأمل إلى عينيها. قال سمير: ــ أحضري أوراقك غدًا صباحًا. وسأرتب لك مقابلة مع ا

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status