LOGINكانت تخفي كل ذلك عن مالك. كلما اتصل ليطمئن عليها... كانت تقول بابتسامة هادئة: ــ لا تقلق... ما زلت أبحث. ولم يكن يشك في شيء. أما هي... فلم تكن تريد أن تزيد همومه. كان قد فعل من أجلها أكثر مما تتخيل. ولم ترد أن يشعر بأنه مسؤول عن حياتها. --- في مساء أحد الأيام... جلست وحدها داخل غرفتها. وضعت ما تبقى من نقودها فوق الطاولة. بدأت تعدها ببطء. ثم أعادتها إلى حقيبتها. تنهدت طويلًا. وقالت لنفسها: ــ لا يمكنني الاستمرار هكذا. ظلّت تحدق في الفراغ. تحاول أن تجد أي حل. وفجأة... خطر اسم في ذهنها. سمير. بقيت صامتة للحظات. ثم همست: ــ صحيح... إنه يعمل في شركة كبيرة. ربما... يعرف مكانًا يحتاج إلى موظفين. لم تكن تنوي أن تطلب منه مالًا. ولا أن تعتمد عليه. كل ما أرادته... هو أن يدلها على فرصة عمل. --- في صباح اليوم التالي... ارتدت ملابسها. أخذت ملفها. وغادرت الغرفة. بعد رحلة قصيرة... وقفت أمام مبنى زجاجي ضخم. كان أعلى بكثير من كل المباني المحيطة به. تأملت الواجهة اللامعة. ثم قالت في نفسها: ــ لعلها تكون بداية جديدة. دخلت إلى الداخل. كان المكان واسعًا. ومزد
ازدادت رجفة يدها. ولم تعد قادرة على الإمساك بالمكواة. انزلقت من بين أصابعها. وسقطت على الأرض بصوت مرتفع. تراجعت أروى إلى الخلف بسرعة. حتى اصطدم ظهرها بالجدار. وضعت يدها على صدرها. وهي تحاول التقاط أنفاسها. لكنها لم تستطع. كان الهواء يهرب منها. وكأن شيئًا يخنقها. --- سمعت صاحبة المتجر صوت سقوط المكواة. فأسرعت إلى الغرفة. وتبعتها إحدى العاملات. توقفتا بدهشة. كانت أروى شاحبة الوجه. وترتعش من رأسها حتى قدميها. حدقت صاحبة المتجر فيها بقلق. وقالت: ــ أروى! ما الذي حدث؟ لم تستطع أروى الإجابة. كانت تنظر إلى المكواة الملقاة على الأرض... وكأنها وحش يوشك أن ينقض عليها. اقتربت صاحبة المتجر منها بحذر. وقالت بلطف: ــ اهدئي... لا بأس. رفعت أروى عينيها إليها. كانت الدموع قد امتلأت بهما. وقالت بصوت مكسور: ــ أنا... أنا آسفة... آسفة جدًا... --- ساعدتها صاحبة المتجر على الجلوس. وأحضرت لها كوبًا من الماء. بقيت أروى تمسك الكوب بكلتا يديها. لكن يديها كانتا ترتجفان بشدة. حتى إن الماء أخذ يهتز داخله. سألتها المرأة بهدوء: ــ
رنّ المنبه قبل شروق الشمس بقليل. فتحت أروى عينيها بسرعة. اعتدلت جالسة على السرير، ثم بقيت لثوانٍ تنظر إلى الغرفة. لم تعد تستيقظ على صوت الحارسات... ولا على صرير الأبواب الحديدية. بل على صوت منبه اختارت هي موعده. ابتسمت ابتسامة خفيفة. كان هذا وحده كافيًا ليجعلها تشعر أن حياتها بدأت تتغير. --- نهضت من سريرها. وقفت أمام الخزانة. اختارت ملابس بسيطة وأنيقة. كانت تتأنى في ترتيبها، وكأنها تخشى أن تترك انطباعًا سيئًا في أول يوم. وقفت أمام المرآة الصغيرة. أصلحت خصلات شعرها. ثم نظرت إلى انعكاسها طويلًا. كانت ترى فتاة تختلف كثيرًا عن تلك التي دخلت السجن قبل ثلاث سنوات. ملامحها أصبحت أكثر هدوءًا... لكن الحزن ترك أثره في عينيها. خفضت بصرها. ثم التفتت نحو الصورة الموضوعة فوق الطاولة. ابتسمت لعمها أسامة. وقالت بصوت خافت: ــ تمنَّ لي يومًا جيدًا... يا عمي. أخذت حقيبتها. وأغلقت الباب خلفها. --- وصلت إلى متجر الملابس قبل الموعد بعشر دقائق. وقفت أمام الواجهة الزجاجية. أخذت نفسًا عميقًا. ثم دخلت. كانت صاحبة المتجر ترتب بعض الملابس. ما إن رأت أروى حتى ابتسمت. ــ صباح الخي
استيقظت أروى مع أول خيط من ضوء الصباح. فتحت عينيها بسرعة. وبقيت للحظات تنظر إلى سقف الغرفة. كان الهدوء يحيط بالمكان. لا صوت لخطوات الحارسات. ولا صوت لفتح الأبواب الحديدية. ولا نداء يعلن بداية يوم جديد. أغمضت عينيها مرة أخرى. ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة. لقد احتاج عقلها إلى لحظات... ليتذكر أنها لم تعد في السجن. نهضت من سريرها. فتحت النافذة. اندفع هواء الصباح إلى داخل الغرفة. وأخذت تتأمل الشارع. كان الناس يخرجون إلى أعمالهم. والطلاب يحملون حقائبهم. والحياة تسير كعادتها. أما هي... فكانت تبدأ حياتها من جديد. بعد أن رتبت الغرفة... فتحت الخزانة. بدأت تخرج ملابسها التي أحضرها مالك من منزل عمها. كانت تطويها بعناية. توقفت عندما وقعت يدها على صورة قديمة. كانت تجمعها مع عمها أسامة. التقطتها برفق. وظلت تنظر إليها طويلًا. ابتسمت بحزن. ثم وضعتها فوق الطاولة الصغيرة بجانب السرير. وقالت بصوت خافت: ــ صباح الخير... يا عمي. في وقت الظهيرة... ارتدت ملابس بسيطة وأنيقة. أخذت ملفها الذي جهزه لها مالك. ثم خرجت من الغرفة. كانت هذه أول مرة تخرج فيها بحثًا عن مستقبلها... لا بح
ساد الصمت داخل الغرفة. لم يكن صمتًا محرجًا... بل صمتًا مليئًا بالمشاعر التي عجزت الكلمات عن وصفها. أخذت أروى تدور ببطء داخل الغرفة. لم تكن تنظر إلى الأثاث... بل كانت تتخيل حياتها القادمة. ذلك السرير... ستنام عليه دون أن تسمع صوت إغلاق باب حديدي. وتلك النافذة... ستفتحها متى شاءت. وستغلقها متى شاءت. ابتسمت دون أن تشعر. --- قطع مالك الصمت وهو يخرج ظرفًا صغيرًا من حقيبته. مده إليها. وقال: ــ هذا لك. نظرت إليه باستغراب. ــ ما هذا؟ ــ بعض الأوراق الخاصة بالغرفة... وعقد الإيجار. ومفتاح احتياطي. أخذت الظرف. ثم سألته: ــ هل العقد باسمي؟ ابتسم. ــ بالطبع. أردت أن تشعري منذ اليوم الأول... أن هذا المكان ملك لقرارك أنت، وليس لأحد غيرك. شعرت أروى بغصة في حلقها. ثم قالت: ــ شكرًا. --- اقترب مالك من الباب. ثم توقف. وقال: ــ الثلاجة فيها بعض الطعام. ليس كثيرًا... لكنه يكفي اليومين الأولين. نظرت إليه أروى بسرعة. وقالت: ــ ألم أقل لك ألا تتكلف؟ ابتسم وقال: ــ أعرف. ولهذا اشتريت أشياء بسيطة فقط. خبز... حليب... بيض... وشيئًا من الشاي والسكر. أشياء كنت ستشت
غادرت السيارة الشارع الرئيسي... لتدخل حيًا شعبيًا هادئًا. لم يكن يشبه الأحياء الراقية التي تنتشر فيها المباني الفخمة... ولا الأحياء العشوائية المزدحمة. بل كان حيًا بسيطًا. مبانٍ قديمة... وشرفات تتدلى منها أواني الزهور. وأطفال يركضون بين الأزقة الضيقة. وباعة يعرف بعضهم بعضًا بالاسم. أبطأ مالك سرعة السيارة. ثم قال وهو ينظر أمامه: ــ وصلنا. رفعت أروى رأسها. وأخذت تتأمل المكان. ابتسمت ابتسامة خفيفة. وقالت: ــ يذكرني بالحي الذي كنت أعيش فيه مع عمي. نظر إليها مالك. ثم قال: ــ لهذا اخترته. التفتت إليه باستغراب. ــ لهذا السبب؟ ابتسم. ــ كنت أبحث عن مكان تشعرين فيه بالألفة... لا بالغربة. أخفضت أروى رأسها. ولم تقل شيئًا. لكنها شعرت بالامتنان. توقفت السيارة أمام مبنى مكون من ثلاثة طوابق. لم يكن جديدًا. لكن مظهره كان مرتبًا. نزل مالك أولًا. ثم فتح الباب لها. خرجت أروى. ورفعت بصرها نحو المبنى. وقفت للحظات... وكأنها تحاول إقناع نفسها... أن هذا المكان سيكون عنوانها الجديد. قال مالك: ــ في الطابق الثاني. أومأت برأسها. ثم تبعته. صعدا الدرج ببطء. كان المكان ه







