INICIAR SESIÓNكان الليل قد اقترب من نهايته...
لكن أروقة مركز الشرطة ما زالت تعج بالحركة. ضباط يتنقلون بين المكاتب... وأصوات أجهزة الاتصال لا تهدأ. بينما كانت أروى تجلس وحدها داخل غرفة الاحتجاز المؤقت. لم تحاول أن تنام. كانت تحدق في الجدار المقابل بعينين شاردتين. لم تعد تفكر فيما سيحدث لها... بل كانت صورة الطريق المبتل بالمطر تعود إليها كلما أغمضت عينيها. طرق أحدهم الباب. ثم فتحه بهدوء. دخل شرطي يحمل بعض الأوراق. نظر إليها للحظة ثم قال: ــ هناك شخص جاء لرؤيتك. رفعت رأسها ببطء. لم تسأل من يكون. اكتفت بالنهوض بصمت. اقتادها الشرطي إلى غرفة صغيرة تفصلها عن الزائر طاولة حديدية. وما إن دخلت... حتى تجمدت خطواتها. كان عمها يقف في الجهة الأخرى. بدت ملامحه مرهقة. وشعره الذي غزاه الشيب بدا أكثر بياضًا من المعتاد. كانت عيناه حمراوين من السهر والقلق. ما إن رآها حتى وقف بسرعة. تقدم نحوها. ثم توقف عندما رأى القيود في معصميها. ارتجفت شفتاه. ولم يعرف ماذا يقول. أما أروى... فاكتفت بالنظر إليه. شعرت لأول مرة منذ وقوع الحادث بثقل ما حدث. خفضت رأسها بخجل. وكأنها تخشى النظر في عيني الرجل الذي ربّاها بعد وفاة والديها. جلس العم ببطء. وظل يتأملها طويلًا. ثم قال بصوت مبحوح: ــ أخبروني أنك اعترفت. لم تجب. عاد يسألها بهدوء أكبر. ــ هل هذا صحيح يا أروى؟ أومأت برأسها ببطء. ساد الصمت بينهما. كان العم يحدق في وجهها. لم ير فيه الخوف... ولا الانهيار... بل رأى فتاة فقدت شيئًا لا يستطيع أحد إعادته. تنهد ببطء. ثم قال: ــ منذ كنت صغيرة... وأنا أعرف متى تخفين شيئًا في قلبك. رفعت أروى عينيها نحوه. ابتسم ابتسامة حزينة. ــ عندما كنت ترتكبين أي خطأ... كنت تنظرين إلى الأرض تمامًا كما تفعلين الآن. صمت قليلًا. ثم أكمل: ــ لكن هذه المرة... هناك شيء لا أفهمه. سكتت أروى. قال بهدوء: ــ هل قلتِ كل الحقيقة؟ ارتجفت أناملها. شعرت بأن السؤال اخترق قلبها. لكنها بقيت صامتة. انتظر العم جوابها. ولما طال الصمت... كرر سؤاله. ــ يا ابنتي... هل قلتِ كل الحقيقة؟ أغلقت أروى عينيها لثوانٍ. ثم همست: ــ قلت... ما كان يجب أن أقوله. عقد العم حاجبيه. لم يكن ذلك جوابًا ينتظره. كانت كلماتها غريبة... لا تؤكد شيئًا... ولا تنفي شيئًا. نظر إليها طويلًا. ثم قال: ــ لا أفهم. رفعت رأسها ببطء. كانت نظرتها هادئة... لكنها متعبة. قالت بصوت خافت: ــ لا تحاول أن تفهم يا عمي... أرجوك. شعر العم بأن شيئًا يضغط على صدره. كان يريد أن يسألها عشرات الأسئلة. لكن عينيها... كانتا تطلبان منه أن يتوقف. تنهد بحزن. ثم مد يده فوق الطاولة. وضعت أروى يدها في يده. ضغط عليها بحنان. وقال: ــ مهما حدث... ستبقين ابنتي. ولن أتركك وحدك. أخفضت أروى رأسها. شعرت بغصة تخنقها. للحظة... كادت تخبره بكل شيء. كادت تقول له إن سمير بريء في نظر الجميع... وأنه لا يجب أن يخسر حياته بسببها. لكنها تذكرت هبة. وتذكرت وجه سمير وهو يتحدث عن مستقبله. ابتلعت كلماتها. وقالت بهدوء: ــ سامحني يا عمي. نظر إليها باستغراب. ــ على ماذا؟ ابتسمت ابتسامة باهتة. ــ لأنني سببت لك كل هذا الألم. هز رأسه بسرعة. ــ لا تقولي هذا. ثم أضاف بحزم: ــ سنجد محاميًا. وسنواجه القضية. ما دام في صدري نفس... لن أسمح أن تُكسري. شعرت أروى بوخزة في قلبها. كانت تعلم... أنها هي من أغلقت كل الأبواب باعترافها. ولم تملك الشجاعة لتقول له ذلك. في الخارج... كان رجل يرتدي بدلة سوداء يدخل إلى مقر شركة جلال. استقبله أحد الموظفين باحترام. ثم اقتاده إلى مكتب واسع في الطابق الأخير. وقف عمر جلال أمام النافذة الزجاجية. كانت المدينة ما تزال تغرق تحت المطر. دون أن يلتفت قال: ــ تفضل يا مالك. دخل مالك الشاعري ووضع ملفًا سميكًا فوق المكتب. فتح الملف بهدوء. ثم قال: ــ انتهت التحقيقات الأولية. التفت عمر نحوه. ــ والنتيجة؟ أجاب مالك بهدوء: ــ المتهمة اعترفت بأنها كانت تقود السيارة. كما أن أقوال الشاب الذي كان معها مطابقة لاعترافها. ساد الصمت. ثم قال عمر: ــ وماذا بعد؟ أغلق مالك الملف. ــ ستُحال القضية إلى النيابة. ومن الناحية القانونية... الأدلة الحالية كافية للسير في إجراءات المحاكمة. ظل عمر صامتًا للحظات. ثم قال بنبرة حازمة: ــ أريد أن تُنجز القضية بأسرع وقت. تنهد مالك قليلًا. ثم أجاب: ــ سيتم ذلك. لكنه أضاف بعد لحظة صمت: ــ مع ذلك... تعلمت خلال سنوات عملي... أن القضايا التي تبدو محسومة منذ يومها الأول... تستحق دائمًا نظرة ثانية. رفع عمر عينيه إليه. لكن هاتفه رن في تلك اللحظة. نظر إلى الشاشة. كان المتصل... رائد. انصرف مالك بهدوء. وبقي عمر يحدق في الهاتف للحظات... قبل أن يجيب. بينما كانت أروى تعود إلى غرفة الاحتجاز... وقفت أمام الباب الحديدي. نظرت إليه بصمت. ثم دخلت. أغلق الشرطي الباب خلفها. وتردد صوت القفل في المكان. جلست على المقعد الخشبي. ورفعت رأسها نحو النافذة الصغيرة. كان المطر ما يزال يهطل... وكأن السماء... لم تنتهِ بعد من البكاء. نهاية الفصل الثاني عشر.مرت عدة أيام منذ عودة أروى من رحلة العمل.وببطء...بدأت حياتها تستعيد هدوءها المعتاد.لم تعد تفاصيل الرحلة تلاحقها في كل لحظة، وعادت إلى روتينها اليومي الذي اعتادته.تستيقظ في الصباح، تستعد للذهاب إلى الشركة، تقضي ساعات عملها بين الملفات والمهمات، ثم تعود إلى منزلها في المساء.ومع ذلك، كان هناك شيء واحد لم تسمح لروتينها الجديد أن يغيره.نوال.كلما سنحت لها الفرصة، كانت تذهب لزيارتها.وكانت حالة نوال قد تحسنت بشكل ملحوظ.لم تعد الأيام ثقيلة كما كانت في البداية، وأصبح بإمكانها الجلوس لفترات أطول، والتحدث مع أروى دون أن تشعر بالإرهاق سريعًا.وكان ذلك وحده كافيًا ليمنح أروى بعض الطمأنينة.---في أحد الأيام...خرجت أروى من الشركة بعد انتهاء دوامها.كانت الشمس تميل إلى الغروب، والشارع مزدحمًا بالمارة والسيارات.حملت حقيبتها على كتفها، وسارت باتجاه المستشفى.كانت تفكر في نوال.ماذا يمكن أن تحضر لها هذه المرة؟ربما بعض الفاكهة...أو كتابًا خفيفًا تقرأه عندما تشعر بالملل.ابتسمت وحدها عندما تذكرت أن نوال أصبحت تشتكي من طول فترة بقائها في المستشفى أكثر مما تشتكي من مرضها.لكن ابتسامتها اختفت فج
تغيرت ملامح أروى فورًا. ــ لا. ــ متأكدة؟ ــ نعم. أجابتها دون تردد هذه المرة. ــ لم يحدث شيء. ثم أضافت: ــ كنا نعمل فقط. توقفت لحظة، وكأنها تستعيد تفاصيل الرحلة. ــ وفي اليوم التالي لم أره إلا عندما عدنا. نظرت ليان إليها باهتمام. فأكملت: ــ بقيت في غرفتي أرتاح معظم الوقت، ثم التقينا في المطار. كانت أروى تقول الحقيقة كما تعرفها. فهي لم تكن تعرف ما حدث بعد أن فقدت وعيها. لم تكن تعرف أن رائد حملها بنفسه إلى الفندق. ولم تكن تعرف أنه بقي بجانبها حتى استعادت وعيها. بالنسبة إليها... لم يحدث بينهما شيء يتجاوز حدود العمل. ظلت ليان صامتة للحظات. ثم قالت: ــ هذا غريب. رفعت أروى حاجبها. ــ ماذا؟ ــ أنتِ لستِ أول فتاة تذهب مع رائد في رحلة عمل. ثم عقدت حاجبيها. ــ فلماذا حذرتك سماء أنتِ تحديدًا؟ لم تجد أروى جوابًا. نظرت إلى شاشة حاسوبها. ثم قالت بهدوء: ــ لا أعرف. لكن السؤال بقي عالقًا في ذهنها. لماذا هي تحديدًا؟ --- في الطابق العلوي... كان رائد جالسًا خلف مكتبه، منشغلًا بمراجعة بعض الملفات. ساد الهدوء في المكتب، إلى أن سمع طرقًا خفيفًا على الباب. رفع عينيه عن
عادت أروى إلى مكتبها بعد لقائها بسماء، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.جلست أمام حاسوبها، وضعت الملفات إلى جانبها، ثم حاولت العودة إلى عملها وكأن شيئًا لم يحدث.فتحت أحد المستندات.قرأت السطر الأول.ثم أعادته مرة أخرى.لكن الكلمات لم تدخل إلى ذهنها.أغلقت الملف ببطء، وأسندت ظهرها إلى الكرسي.كانت كلمات سماء لا تزال تتردد في رأسها."أتمنى أن يكون رائد قد عاملكِ بلطف."ثم..."هو لا يعرف كيف يتصرف مع الفتيات أحيانًا."وأخيرًا..."على الأغلب شعر بالمسؤولية لأنك موظفة في شركته."رفعت أروى عينيها نحو الشاشة.لم تكن ساذجة.كانت تعرف أن بعض الكلمات تحمل معنى أبعد من ظاهرها.لكنها لم تستطع أن تحدد بالضبط ما الذي أرادت سماء قوله.هل كانت تحاول تحذيرها؟أم أنها كانت مجرد امرأة فضولية أرادت معرفة طبيعة العلاقة بين أروى ورائد؟تنهدت أروى.ــ ربما أنا أبالغ في التفكير.لكنها لم تقتنع بكلماتها.في تلك اللحظة، رفعت ليان رأسها من خلف مكتبها.لاحظت شرود أروى منذ فترة، فنهضت واتجهت نحوها.وقفت بجانب مكتبها وقالت:ــ أروى؟لم تجب أروى فورًا.ــ أروى!انتبهت أخيرًا، ورفعت رأسها.ــ نعم؟ابتسمت ليان.ــ أين ذهبت
كانت أروى تسير في ممرات الشركة، تحمل بين يديها بعض الملفات التي طلبت منها ليان مراجعتها.كان يومها يسير بصورة طبيعية، لكن شيئًا واحدًا استطاع أن يسرق انتباهها من بين كل ما حولها.سمير.رأته من بعيد.كان يقف بالقرب من أحد الموظفين، يتحدث معه حول بعض الأمور المتعلقة بالعمل.توقفت خطوات أروى دون أن تشعر.بقيت عيناها معلقتين به لثوانٍ.لم تقترب منه.لم تحاول أن تلفت انتباهه.حتى إنها لم تسمح لنفسها بأن تطيل النظر إليه.لكن مجرد رؤيته كان كافيًا لإعادة الكثير من الأشياء التي ظنت أنها دفنتها منذ سنوات.ثلاث سنوات.ثلاث سنوات كاملة مرت منذ آخر مرة كان فيها سمير جزءًا من حياتها.ثلاث سنوات تغير فيها الكثير.ربما تغيرت هي...وربما تغير هو أيضًا.خفضت عينيها عن مكانه، ثم تابعت سيرها.لكن سؤال ليان عاد إليها من جديد."هل ما زلتِ تحبينه؟"تنفست ببطء.لم تكن تملك إجابة.وفي الحقيقة...لم تكن متأكدة حتى من رغبتها في معرفة الإجابة.وضعت يدها على جبينها عندما شعرت بثقل بسيط في رأسها.ربما كان التعب لا يزال أقوى مما ظنت.لذلك قررت أن تتوقف قليلًا.اتجهت نحو دورة مياه الموظفات.---دخلت أروى إلى الحمام
بعد عودتها من الرحله مرّ يوم أروى في الشركة بصورة طبيعية.لم يحدث شيء استثنائي منذ الصباح، وكأن الأيام قررت أخيرًا أن تمنحها بعض الهدوء بعد ما مرت به خلال رحلة العمل.كانت تتحرك بين المكاتب كالمعتاد، ترتب الملفات، تراجع بعض الأوراق، وتساعد ليان في إنهاء المهام المتراكمة.ورغم أنها استعادت جزءًا كبيرًا من نشاطها، فإن التعب لم يختفِ تمامًا.كان يظهر في عينيها حين تظن أن لا أحد يراقبها.وفي الطريقة التي تتوقف بها أحيانًا لثوانٍ، تأخذ نفسًا عميقًا، ثم تعود إلى عملها وكأن شيئًا لم يكن.لاحظت ليان ذلك أكثر من مرة.لكنها لم تعلق.كانت تعرف أن أروى لا تحب أن يشعر الآخرون بالقلق عليها.ومع اقتراب منتصف النهار، كان القسم هادئًا نسبيًا.كانت أروى جالسة خلف مكتبها، تقلب صفحات أحد الملفات، بينما كانت ليان منشغلة أمام حاسوبها.وفجأة...صدر طرق خفيف على باب القسم.رفعت ليان رأسها.أما أروى فرفعت عينيها عن الملف.تكرر الطرق مرة أخرى.ثم انفتح الباب.ظهر سمير.تغيرت ملامح أروى قليلًا، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها.قال سمير بابتسامة هادئة:ــ مرحبا أما أروى فقالت بهدوء:ــ تفضل.دخل سمير إلى القسم،
بعد أن فتحت عينيهاكان الهدوء يملأ الغرفة.لم تكن أروى تعرف كم مر من الوقت.كل ما شعرت به في البداية هو ثقل غريب في رأسها، وكأنها استيقظت من نوم طويل جدًا.حاولت تحريك يدها.ثم فتحت عينيها ببطء.ظل بصرها مشوشًا لثوانٍ.نظرت إلى السقف.ثم إلى الغرفة من حولها.لم تكن في المستشفى.كانت في غرفتها بالفندق.حاولت أن تتذكر ما حدث.الاجتماع...الملفات...ثم الدوار.وضعت يدها على جبينها.ــ آه...خرج صوتها ضعيفًا.عندها تحرك الشخص الجالس بالقرب من النافذة.كان رائد.رفع عينيه إليها فورًا.نهض من مكانه واقترب من السرير.ــ استيقظتِ.نظرت إليه أروى باستغراب.ــ ماذا حدث؟توقف أمامها.ثم قال:ــ فقدتِ وعيكِ بعد الاجتماع.اتسعت عيناها قليلًا.ــ فقدت الوعي؟ــ نعم.حاولت أروى أن تتذكر.ثم قالت:ــ أنا آسفة.قطب رائد حاجبيه.ــ على ماذا؟خفضت عينيها.ــ عطلت الرحلة.نظر إليها للحظات.ــ لم تعطلي شيئًا.لكن نبرته كانت أكثر هدوءًا من المعتاد.ــ الطبيب فحصكِ.رفعت أروى عينيها إليه.ــ هل قال إنني بخير؟ــ قال إنكِ بحاجة إلى الراحة.تنفست براحة.ثم حاولت الجلوس.لكن رأسها دار قليلًا.مد رائد يده ليسند







