Share

الفصل التاني عشر

Author: فتيحة
last update publish date: 2026-07-06 08:05:56

كان الليل قد اقترب من نهايته...

لكن أروقة مركز الشرطة ما زالت تعج بالحركة.

ضباط يتنقلون بين المكاتب...

وأصوات أجهزة الاتصال لا تهدأ.

بينما كانت أروى تجلس وحدها داخل غرفة الاحتجاز المؤقت.

لم تحاول أن تنام.

كانت تحدق في الجدار المقابل بعينين شاردتين.

لم تعد تفكر فيما سيحدث لها...

بل كانت صورة الطريق المبتل بالمطر تعود إليها كلما أغمضت عينيها.

طرق أحدهم الباب.

ثم فتحه بهدوء.

دخل شرطي يحمل بعض الأوراق.

نظر إليها للحظة ثم قال:

ــ هناك شخص جاء لرؤيتك.

رفعت رأسها ببطء.

لم تسأل من يكون.

اكتفت بالنهوض بصمت.

اقتادها الشرطي إلى غرفة صغيرة تفصلها عن الزائر طاولة حديدية.

وما إن دخلت...

حتى تجمدت خطواتها.

كان عمها يقف في الجهة الأخرى.

بدت ملامحه مرهقة.

وشعره الذي غزاه الشيب بدا أكثر بياضًا من المعتاد.

كانت عيناه حمراوين من السهر والقلق.

ما إن رآها حتى وقف بسرعة.

تقدم نحوها.

ثم توقف عندما رأى القيود في معصميها.

ارتجفت شفتاه.

ولم يعرف ماذا يقول.

أما أروى...

فاكتفت بالنظر إليه.

شعرت لأول مرة منذ وقوع الحادث بثقل ما حدث.

خفضت رأسها بخجل.

وكأنها تخشى النظر في عيني الرجل الذي ربّاها بعد وفاة والديها.

جلس العم ببطء.

وظل يتأملها طويلًا.

ثم قال بصوت مبحوح:

ــ أخبروني أنك اعترفت.

لم تجب.

عاد يسألها بهدوء أكبر.

ــ هل هذا صحيح يا أروى؟

أومأت برأسها ببطء.

ساد الصمت بينهما.

كان العم يحدق في وجهها.

لم ير فيه الخوف...

ولا الانهيار...

بل رأى فتاة فقدت شيئًا لا يستطيع أحد إعادته.

تنهد ببطء.

ثم قال:

ــ منذ كنت صغيرة...

وأنا أعرف متى تخفين شيئًا في قلبك.

رفعت أروى عينيها نحوه.

ابتسم ابتسامة حزينة.

ــ عندما كنت ترتكبين أي خطأ...

كنت تنظرين إلى الأرض تمامًا كما تفعلين الآن.

صمت قليلًا.

ثم أكمل:

ــ لكن هذه المرة...

هناك شيء لا أفهمه.

سكتت أروى.

قال بهدوء:

ــ هل قلتِ كل الحقيقة؟

ارتجفت أناملها.

شعرت بأن السؤال اخترق قلبها.

لكنها بقيت صامتة.

انتظر العم جوابها.

ولما طال الصمت...

كرر سؤاله.

ــ يا ابنتي...

هل قلتِ كل الحقيقة؟

أغلقت أروى عينيها لثوانٍ.

ثم همست:

ــ قلت...

ما كان يجب أن أقوله.

عقد العم حاجبيه.

لم يكن ذلك جوابًا ينتظره.

كانت كلماتها غريبة...

لا تؤكد شيئًا...

ولا تنفي شيئًا.

نظر إليها طويلًا.

ثم قال:

ــ لا أفهم.

رفعت رأسها ببطء.

كانت نظرتها هادئة...

لكنها متعبة.

قالت بصوت خافت:

ــ لا تحاول أن تفهم يا عمي...

أرجوك.

شعر العم بأن شيئًا يضغط على صدره.

كان يريد أن يسألها عشرات الأسئلة.

لكن عينيها...

كانتا تطلبان منه أن يتوقف.

تنهد بحزن.

ثم مد يده فوق الطاولة.

وضعت أروى يدها في يده.

ضغط عليها بحنان.

وقال:

ــ مهما حدث...

ستبقين ابنتي.

ولن أتركك وحدك.

أخفضت أروى رأسها.

شعرت بغصة تخنقها.

للحظة...

كادت تخبره بكل شيء.

كادت تقول له إن سمير بريء في نظر الجميع...

وأنه لا يجب أن يخسر حياته بسببها.

لكنها تذكرت هبة.

وتذكرت وجه سمير وهو يتحدث عن مستقبله.

ابتلعت كلماتها.

وقالت بهدوء:

ــ سامحني يا عمي.

نظر إليها باستغراب.

ــ على ماذا؟

ابتسمت ابتسامة باهتة.

ــ لأنني سببت لك كل هذا الألم.

هز رأسه بسرعة.

ــ لا تقولي هذا.

ثم أضاف بحزم:

ــ سنجد محاميًا.

وسنواجه القضية.

ما دام في صدري نفس...

لن أسمح أن تُكسري.

شعرت أروى بوخزة في قلبها.

كانت تعلم...

أنها هي من أغلقت كل الأبواب باعترافها.

ولم تملك الشجاعة لتقول له ذلك.

في الخارج...

كان رجل يرتدي بدلة سوداء يدخل إلى مقر شركة جلال.

استقبله أحد الموظفين باحترام.

ثم اقتاده إلى مكتب واسع في الطابق الأخير.

وقف عمر جلال أمام النافذة الزجاجية.

كانت المدينة ما تزال تغرق تحت المطر.

دون أن يلتفت قال:

ــ تفضل يا مالك.

دخل مالك الشاعري ووضع ملفًا سميكًا فوق المكتب.

فتح الملف بهدوء.

ثم قال:

ــ انتهت التحقيقات الأولية.

التفت عمر نحوه.

ــ والنتيجة؟

أجاب مالك بهدوء:

ــ المتهمة اعترفت بأنها كانت تقود السيارة.

كما أن أقوال الشاب الذي كان معها مطابقة لاعترافها.

ساد الصمت.

ثم قال عمر:

ــ وماذا بعد؟

أغلق مالك الملف.

ــ ستُحال القضية إلى النيابة.

ومن الناحية القانونية...

الأدلة الحالية كافية للسير في إجراءات المحاكمة.

ظل عمر صامتًا للحظات.

ثم قال بنبرة حازمة:

ــ أريد أن تُنجز القضية بأسرع وقت.

تنهد مالك قليلًا.

ثم أجاب:

ــ سيتم ذلك.

لكنه أضاف بعد لحظة صمت:

ــ مع ذلك...

تعلمت خلال سنوات عملي...

أن القضايا التي تبدو محسومة منذ يومها الأول...

تستحق دائمًا نظرة ثانية.

رفع عمر عينيه إليه.

لكن هاتفه رن في تلك اللحظة.

نظر إلى الشاشة.

كان المتصل...

رائد.

انصرف مالك بهدوء.

وبقي عمر يحدق في الهاتف للحظات...

قبل أن يجيب.

بينما كانت أروى تعود إلى غرفة الاحتجاز...

وقفت أمام الباب الحديدي.

نظرت إليه بصمت.

ثم دخلت.

أغلق الشرطي الباب خلفها.

وتردد صوت القفل في المكان.

جلست على المقعد الخشبي.

ورفعت رأسها نحو النافذة الصغيرة.

كان المطر ما يزال يهطل...

وكأن السماء...

لم تنتهِ بعد من البكاء.

نهاية الفصل الثاني عشر.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 94

    ــ أتمنى فقط أن تصلني في أقرب وقت. نظر إليها. ــ لماذا؟ ــ لأن حقيبتي تحتوي على أشياء مهمة. ثم قالت: ــ بطاقتي البنكية، وأوراقي الشخصية، وبعض الأغراض التي أحتاج إليها يوميًا. أومأ رائد إيماءة بسيطة. ــ سأهتم بالأمر. ــ شكرًا لك. صمتت أروى. كان من المفترض أن تغادر لكن شيئًا بداخلها لم يسمح لها بذلك. ظلت واقفة للحظات، ثم استدارت نحو الباب. وضعت يدها على المقبض. توقفت. ترددت طويلًا. ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تجمع شجاعتها. التفتت إليه. ــ سيد رائد؟ رفع رأسه. ــ ماذا؟ ترددت أروى. ــ أريد أن أسألك سؤالًا. ظل ينظر إليها دون أن يجيب. قالت بهدوء ــ هل فعلت شيئًا خاطئًا في تلك الليلة؟ توقفت يد رائد فوق الورقة. رفع عينيه إليها ببطء. ــ ماذا تقصدين؟ ــ منذ أن عدنا من الفندق وأنت تتصرف معي بطريقة مختلفة. صمتت لحظة. ثم تابعت: ــ وفي تلك الليلة... تركتني دون أن تخبرني أنك ستغادر. خفضت عينيها للحظة. ــ إذا كنت قد أخطأت في شيء، فأنا أريد فقط أن أعرف. لم يجب. ساد الصمت بينهما. وكان الصمت هذه المرة أثقل من أي إجابة. رفع را

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 93

    استيقظت أروى في وقت متأخر من النهار. لم يكن صوت المنبه هو ما أخرجها من نومها هذه المرة، بل ألم حاد تسلل إلى قدميها مع أول محاولة للحركة. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في سقف الغرفة دون أن تتذكر أين هي. ثم حاولت تحريك ساقيها. تأوهت بخفة. ــ آه... جلست على حافة الأريكة، ومدت يديها نحو قدميها. كانتا متورمتين بشكل واضح، وعلى مؤخرة كعبيها ظهرت جروح حمراء خلّفها الحذاء الذي اضطرت إلى المشي به لساعات طويلة. حدقت فيهما بدهشة. ثم تمتمت: ــ يا إلهي... مررت أصابعها حول أحد الجروح بحذر، فتراجعت يدها سريعًا من شدة الألم. وبدأت ذكريات الليلة الماضية تعود إليها تدريجيًا. الحفل... رائد... انتظارها الطويل. اتصالاتها التي لم يجب عنها. ثم خروجها من الفندق وعودتها سيرًا على الأقدام حتى اقترب الفجر. تنفست ببطء. لم تكن تملك حتى الطاقة الكافية لتغضب. كل ما كانت تشعر به هو الإرهاق. نهضت بصعوبة واتجهت إلى الحمام. أخذت حمامًا طويلًا، ثم اعتنت بجروح قدميها قدر استطاعتها، وارتدت ملابس مريحة. تناولت شيئًا خفيفًا، لكنها لم تستطع البقاء مستيقظة طويلًا. عادت إل

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 92

    وقفت أروى في الممر للحظات. كانت تحاول استيعاب ما حدث. ثم أخرجت هاتفها مرة أخرى. اتصلت برائد. لا جواب. تنفست ببطء. ــ حسنًا... قالتها لنفسها. ــ سأعود وحدي. لكن عندما تذكرت حقيبتها... توقفت. حقيبتها الكبيرة وأغراضها الشخصية ما زالت في غرفة تبديل الملابس. اتجهت إليها بسرعة. لكنها وجدت الباب مغلقًا. توقفت أمامه، ثم التفتت إلى إحدى الموظفات القريبات. ــ عذرًا، أريد أخذ أشيائي من الداخل. ابتسمت الموظفة باعتذار. ــ بالطبع، لكن الغرفة مغلقة حاليًا. ــ هل يمكنكِ فتحها؟ هزت رأسها. ــ للأسف، لا أستطيع. ــ لماذا؟ ــ هذه الغرفة تحت مسؤولية السيد رائد، ولا يمكنني فتحها دون إذنه. نظرت أروى إليها بعدم تصديق. ــ لكنه غادر. ــ أعلم. ثم أضافت بلطف: ــ لكن التعليمات واضحة. تنهدت أروى. ــ حسنًا... شكرًا. ابتعدت. وقفت للحظات في الممر، تنظر إلى هاتفها. اتصلت برائد مرة أخرى. رن الهاتف... ثم انقطع. هذه المرة لم تحاول الاتصال. شعرت بشيء من الغضب. ــ لماذا يجب أن أتحمل كل هذا؟ وضعت الهاتف في حقيبتها الصغيرة. ثم نظرت إلى الساعة. كان الليل قد تقدم كثيرًا. لم يعد بإمكانها

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 91

    لم تكن أروى تعرف كم مرّ من الوقت منذ ابتعد رائد عنها. في البداية، لم تهتم كثيرًا. كانت تجلس بهدوء إلى إحدى الطاولات الجانبية، تراقب الحاضرين من حولها، وتحاول أن تبدو منشغلة بأي شيء حتى لا تشعر بأنها غريبة عن المكان. كانت الموسيقى تنساب في أرجاء القاعة بهدوء، بينما تتعالى بين الحين والآخر ضحكات خافتة وأحاديث عن صفقات ومشاريع واستثمارات. أما أروى... فلم تكن تفهم معظم ما يدور حولها. رفعت عينيها نحو الجهة التي ذهب إليها رائد. كان يقف هناك ويتحدث مع رجل لم تعرفه. تنفست ببطء، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد. "سأنتظره فقط." كان ذلك كل ما تفكر فيه. فهي لم تأتِ إلى هنا بإرادتها أصلًا. ولم تكن تعرف أحدًا سوى رائد. لذلك لم يكن أمامها سوى أن تنتظر عودته. --- في الجهة الأخرى من القاعة، كان رائد يقف أمام الرجل الذي أشارت إليه سماء. قال الرجل بابتسامة: ــ يبدو أنك مهتم بمشروع النقل والخدمات اللوجستية. أجابه رائد: ــ سمعت عن المشروع، لكنني أريد أن أعرف تفاصيله منك مباشرة. ابتسم الرجل. ــ هذا يسعدني. ما زلت أعمل على بعض التفاصيل، لكن لدي خطة للتوسع خلال الفترة الق

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 90

    بعد أن غادر رائد غرفة القياس، بقيت أروى لبعض الوقت تتنقل بين الفساتين المعلقة أمامها.هذه المرة لم تكن تبحث عن فستان يثير إعجاب أحد...كانت تبحث فقط عن شيء تشعر فيه بالراحة.توقفت أمام مجموعة من الفساتين، ثم سحبت أحدها.كان بلون أزرق سماوي هادئ، طويلًا وأنيقًا، بتصميم محتشم لا يكشف كتفيها، وفي الوقت نفسه ينسدل على جسدها بطريقة أنيقة تبرز قوامها المتناسق دون مبالغة.نظرت إليه للحظات.ــ هذا أفضل.دخلت غرفة القياس من جديد.وبعد دقائق، وقفت أمام المرآة.تأملت نفسها بصمت.كان الفستان مختلفًا تمامًا عن الفستانين السابقين.لم تشعر بالحرج.ولم تضطر إلى التفكير في كيفية إخفاء ذراعها.ابتسمت ابتسامة صغيرة.ــ نعم... هذا مناسب.التقطت حقيبتها الصغيرة، ثم خرجت من الغرفة.كان رائد ينتظر في الخارج.رفع رأسه عندما سمع الباب.وقعت عيناه عليها...وتوقفتا للحظة.لم تكن دهشته كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي لمن يراقبه جيدًا.كانت أروى مختلفة عن الصورة التي اعتاد رؤيتها بها في الشركة.بدا الفستان مناسبًا لها بصورة جعلته يصمت لثوانٍ.لكن رائد سرعان ما استعاد ملامحه المعتادة.ــ انتهيتِ؟أومأت أروى.ــ ن

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 89

    أسندت رأسها إلى الخلف.كانت تنوي أن تغفو لبضع دقائق فقط...لكن التعب كان أقوى منها.أغمضت عينيها.وبعد لحظات، غطَّ النوم ملامحها.مرّت ساعة...ثم ساعة أخرى.حتى استيقظت فجأة على رنين هاتفها.انتفضت أروى من مكانها، وفتحت عينيها بفزع.التفتت حولها للحظات قبل أن تدرك أنها نامت على الأريكة.مدت يدها بسرعة نحو الهاتف.كان الرقم غريبًا.غير مسجل في جهات اتصالها.ترددت للحظة، ثم أجابت:ــ ألو؟ساد صمت قصير.ثم جاءها صوت مألوف:ــ جهزي نفسكِ.تجمدت أروى في مكانها.عرفت الصوت فورًا.ــ أستاذ رائد؟ــ لديكِ نصف ساعة.رفعت حاجبيها باستغراب.ــ نصف ساعة لماذا؟جاءها صوته بلهجة حاسمة:ــ سنلتقي أمام فندق ستانلي.ــ فندق ستانلي؟ــ نعم.ثم أضاف:ــ ارتدي ملابس جميلة. الحفلة راقية.ازداد ارتباك أروى.ــ حفلة؟ أي حفلة؟صمت لحظة، ثم قال:ــ ستعرفين عندما تصلين.ــ لكن...قاطعها:ــ أسرعي، فهذا هو الشرط الثاني.ثم أُغلق الخط.بقيت أروى ممسكة بالهاتف، تحدق في الشاشة وكأنها تنتظر أن يعود رائد ويتصل من جديد ليشرح لها ما يحدث.ــ ما الذي يخطط له هذا الرجل؟لم تجد جوابًا.وضعت الهاتف جانبًا، ثم نهضت بسرعة.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status