FAZER LOGINكان الصباح مختلفًا داخل قصر عائلة جلال.
الصمت يملأ أرجاء المكان. حتى الخدم كانوا يتحركون بخطوات هادئة، وكأنهم يخشون أن يوقظوا الحزن الذي خيم على المنزل منذ الليلة الماضية. في غرفة الطعام... جلس عمر جلال يتصفح بعض الملفات دون أن يقرأ حرفًا منها. أما أمينة، فكانت تحرك فنجان القهوة أمامها بشرود. رفعت رأسها عندما سمعت وقع خطوات تقترب. دخل رائد. كان يرتدي ملابس سوداء بسيطة. وجهه شاحب. وعيناه حمراوان من السهر. توقفت أمينة عن الحركة. وقالت بهدوء: ــ اجلس يا بني... تناول شيئًا. نظر إلى المائدة الممتلئة بالطعام. ثم أعاد بصره إليها. ــ لست جائعًا. قالها بهدوء... لكن صوته كان خاليًا من الحياة. وقف عمر من مكانه. ــ حتى إن لم تكن تشتهي الطعام... عليك أن تأكل. نظر إليه رائد للحظات. ثم جلس مجاملةً لوالده. أمسك الملعقة... لكنه بقي يحدق في الطبق دون أن يرفعها. راقبته أمينة بحزن. ثم قالت محاولة كسر الصمت: ــ مر يومان... والشركة تحتاج إليك. رفع رائد رأسه ببطء. حدق في والدته. ثم قال بصوت منخفض: ــ هبة ماتت منذ يومين. ساد الصمت. تنهدت أمينة. ــ أعلم... لكن الحياة لا تتوقف. أغلق رائد عينيه لثوانٍ. ثم وقف من مكانه. وقال بهدوء... كان أكثر ألمًا من الصراخ. ــ لكنها توقفت بالنسبة لي. استدار. وغادر غرفة الطعام. تابعته أمينة بعينيها. ثم همست بحزن: ــ أخشى أن نخسره هو أيضًا. تنهد عمر طويلًا. لكنه لم يجب. دخل رائد غرفته. أغلق الباب خلفه. وتكئ عليه للحظات. أخذ نفسًا عميقًا. ثم سار ببطء نحو الخزانة. فتح أحد الأدراج. وأخرج علبة صغيرة من المخمل الأزرق. تأملها بصمت. مرر أصابعه فوقها. ثم فتحها. كان بداخلها خاتم بسيط... اختاره قبل أسبوعين. كان ينوي أن يطلب من هبة أن تصبح زوجته. ابتسم ابتسامة باهتة. ثم أغلق العلبة. وضعها جانبًا. لكن عينيه توقفتا على وشاح أبيض صغير. كان يخص هبة. نسيته في آخر مرة زارته فيها. أخذه بين يديه. وشعر بعطرها ما زال عالقًا به. أغمض عينيه. وفي لحظة... عاد به الزمن إلى الوراء. إلى اليوم الذي التقاها فيه لأول مرة. قبل عامين... كان رائد يدخل مقر إحدى شركاته الجديدة. كان ذلك أول يوم يباشر فيه الإشراف المباشر على إدارتها. استقبله الموظفون بالترحيب. صافح بعضهم. ثم توجه نحو المصعد. ضغط زر الطابق الأخير. وما إن أوشك الباب على الإغلاق... حتى امتدت يد نحيفة تمنعه من الانغلاق. دخلت فتاة وهي تلهث. انحنت قليلًا وهي تلتقط أنفاسها. ثم قالت بخجل: ــ آسفة... كدت أفوّت المصعد. ابتسم رائد ابتسامة خفيفة. ــ لا بأس. وقف كل منهما في طرف. ساد الصمت. ثم بدأ المصعد بالصعود. مر الطابق الأول... ثم الثاني... وفجأة... اهتز المصعد بعنف. وانطفأت الإضاءة للحظة. توقف كل شيء. تبادل الاثنان نظرة سريعة. ثم عاد الصمت. ضغط رائد زر الطوارئ. لكن لم يصله أي رد. تنهد. ثم أخرج هاتفه. لم تكن هناك شبكة. قال بهدوء: ــ يبدو أننا سننتظر قليلًا. نظرت الفتاة حولها بقلق. ثم همست: ــ أنا أخاف الأماكن المغلقة. نظر إليها. لاحظ ارتجاف يديها. واختناق أنفاسها. قال محاولًا طمأنتها: ــ لا تقلقي... لا بد أنهم لاحظوا العطل. سيصلون إلينا سريعًا. أومأت برأسها. لكن القلق لم يفارق وجهها. جلست على أرضية المصعد. وضمت حقيبتها إلى صدرها. مرت دقائق... بدت أطول من المعتاد. جلس رائد على الطرف المقابل. ثم قال بابتسامة خفيفة: ــ بما أننا عالقان... أعتقد أن التعارف سيكون أفضل من الصمت. رفعت رأسها إليه. ثم ابتسمت بخجل. ــ اسمي هبة. ــ وأنا رائد. لم تبدُ عليها أي علامة تدل على أنها تعرفه. قالت بعفوية: ــ تشرفت بمعرفتك. ابتسم. كان معتادًا أن يعرفه الجميع. أما هي... فبدت طبيعية جدًا. سألها: ــ تعملين هنا؟ هزت رأسها. ــ نعم. هذه أول سنة لي في الشركة. خفضت بصرها. ثم أضافت بابتسامة صغيرة: ــ ما زلت أضيع بين المكاتب. ضحك رائد بخفة. لأول مرة منذ بداية يومه. ثم قال: ــ يبدو أنني لست الوحيد الذي يشعر بالغربة هنا. ابتسمت. وبدأت تتحدث معه بعفوية. عن عملها... وعن أحلامها... وعن رغبتها في أن تصنع مستقبلًا أفضل. كانت كلماتها بسيطة. وصادقة... مر الوقت سريعًا. حتى عاد المصعد إلى الحركة أخيرًا. وانفتح الباب. وقف رائد أولًا. ثم مد يده ليساعدها على النهوض. ترددت لحظة. ثم أمسكت يده. ابتسمت وهي تقول: ــ يبدو أن هذا اليوم لن أنساه أبدًا. نظر إليها رائد. ثم ابتسم. ــ وأنا أيضًا. خرجت هبة من المصعد. وسارت في الممر. وقبل أن تختفي... التفتت إليه. ولوحت له بيدها مبتسمة. بادلها الابتسامة. دون أن يعلم... أن تلك اللحظة التي ظنها أجمل صدفة في حياته... ستكون بداية الطريق الذي قاده إلى أكبر خسارة عرفها قلبه.ــ أتمنى فقط أن تصلني في أقرب وقت. نظر إليها. ــ لماذا؟ ــ لأن حقيبتي تحتوي على أشياء مهمة. ثم قالت: ــ بطاقتي البنكية، وأوراقي الشخصية، وبعض الأغراض التي أحتاج إليها يوميًا. أومأ رائد إيماءة بسيطة. ــ سأهتم بالأمر. ــ شكرًا لك. صمتت أروى. كان من المفترض أن تغادر لكن شيئًا بداخلها لم يسمح لها بذلك. ظلت واقفة للحظات، ثم استدارت نحو الباب. وضعت يدها على المقبض. توقفت. ترددت طويلًا. ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تجمع شجاعتها. التفتت إليه. ــ سيد رائد؟ رفع رأسه. ــ ماذا؟ ترددت أروى. ــ أريد أن أسألك سؤالًا. ظل ينظر إليها دون أن يجيب. قالت بهدوء ــ هل فعلت شيئًا خاطئًا في تلك الليلة؟ توقفت يد رائد فوق الورقة. رفع عينيه إليها ببطء. ــ ماذا تقصدين؟ ــ منذ أن عدنا من الفندق وأنت تتصرف معي بطريقة مختلفة. صمتت لحظة. ثم تابعت: ــ وفي تلك الليلة... تركتني دون أن تخبرني أنك ستغادر. خفضت عينيها للحظة. ــ إذا كنت قد أخطأت في شيء، فأنا أريد فقط أن أعرف. لم يجب. ساد الصمت بينهما. وكان الصمت هذه المرة أثقل من أي إجابة. رفع را
استيقظت أروى في وقت متأخر من النهار. لم يكن صوت المنبه هو ما أخرجها من نومها هذه المرة، بل ألم حاد تسلل إلى قدميها مع أول محاولة للحركة. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في سقف الغرفة دون أن تتذكر أين هي. ثم حاولت تحريك ساقيها. تأوهت بخفة. ــ آه... جلست على حافة الأريكة، ومدت يديها نحو قدميها. كانتا متورمتين بشكل واضح، وعلى مؤخرة كعبيها ظهرت جروح حمراء خلّفها الحذاء الذي اضطرت إلى المشي به لساعات طويلة. حدقت فيهما بدهشة. ثم تمتمت: ــ يا إلهي... مررت أصابعها حول أحد الجروح بحذر، فتراجعت يدها سريعًا من شدة الألم. وبدأت ذكريات الليلة الماضية تعود إليها تدريجيًا. الحفل... رائد... انتظارها الطويل. اتصالاتها التي لم يجب عنها. ثم خروجها من الفندق وعودتها سيرًا على الأقدام حتى اقترب الفجر. تنفست ببطء. لم تكن تملك حتى الطاقة الكافية لتغضب. كل ما كانت تشعر به هو الإرهاق. نهضت بصعوبة واتجهت إلى الحمام. أخذت حمامًا طويلًا، ثم اعتنت بجروح قدميها قدر استطاعتها، وارتدت ملابس مريحة. تناولت شيئًا خفيفًا، لكنها لم تستطع البقاء مستيقظة طويلًا. عادت إل
وقفت أروى في الممر للحظات. كانت تحاول استيعاب ما حدث. ثم أخرجت هاتفها مرة أخرى. اتصلت برائد. لا جواب. تنفست ببطء. ــ حسنًا... قالتها لنفسها. ــ سأعود وحدي. لكن عندما تذكرت حقيبتها... توقفت. حقيبتها الكبيرة وأغراضها الشخصية ما زالت في غرفة تبديل الملابس. اتجهت إليها بسرعة. لكنها وجدت الباب مغلقًا. توقفت أمامه، ثم التفتت إلى إحدى الموظفات القريبات. ــ عذرًا، أريد أخذ أشيائي من الداخل. ابتسمت الموظفة باعتذار. ــ بالطبع، لكن الغرفة مغلقة حاليًا. ــ هل يمكنكِ فتحها؟ هزت رأسها. ــ للأسف، لا أستطيع. ــ لماذا؟ ــ هذه الغرفة تحت مسؤولية السيد رائد، ولا يمكنني فتحها دون إذنه. نظرت أروى إليها بعدم تصديق. ــ لكنه غادر. ــ أعلم. ثم أضافت بلطف: ــ لكن التعليمات واضحة. تنهدت أروى. ــ حسنًا... شكرًا. ابتعدت. وقفت للحظات في الممر، تنظر إلى هاتفها. اتصلت برائد مرة أخرى. رن الهاتف... ثم انقطع. هذه المرة لم تحاول الاتصال. شعرت بشيء من الغضب. ــ لماذا يجب أن أتحمل كل هذا؟ وضعت الهاتف في حقيبتها الصغيرة. ثم نظرت إلى الساعة. كان الليل قد تقدم كثيرًا. لم يعد بإمكانها
لم تكن أروى تعرف كم مرّ من الوقت منذ ابتعد رائد عنها. في البداية، لم تهتم كثيرًا. كانت تجلس بهدوء إلى إحدى الطاولات الجانبية، تراقب الحاضرين من حولها، وتحاول أن تبدو منشغلة بأي شيء حتى لا تشعر بأنها غريبة عن المكان. كانت الموسيقى تنساب في أرجاء القاعة بهدوء، بينما تتعالى بين الحين والآخر ضحكات خافتة وأحاديث عن صفقات ومشاريع واستثمارات. أما أروى... فلم تكن تفهم معظم ما يدور حولها. رفعت عينيها نحو الجهة التي ذهب إليها رائد. كان يقف هناك ويتحدث مع رجل لم تعرفه. تنفست ببطء، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد. "سأنتظره فقط." كان ذلك كل ما تفكر فيه. فهي لم تأتِ إلى هنا بإرادتها أصلًا. ولم تكن تعرف أحدًا سوى رائد. لذلك لم يكن أمامها سوى أن تنتظر عودته. --- في الجهة الأخرى من القاعة، كان رائد يقف أمام الرجل الذي أشارت إليه سماء. قال الرجل بابتسامة: ــ يبدو أنك مهتم بمشروع النقل والخدمات اللوجستية. أجابه رائد: ــ سمعت عن المشروع، لكنني أريد أن أعرف تفاصيله منك مباشرة. ابتسم الرجل. ــ هذا يسعدني. ما زلت أعمل على بعض التفاصيل، لكن لدي خطة للتوسع خلال الفترة الق
بعد أن غادر رائد غرفة القياس، بقيت أروى لبعض الوقت تتنقل بين الفساتين المعلقة أمامها.هذه المرة لم تكن تبحث عن فستان يثير إعجاب أحد...كانت تبحث فقط عن شيء تشعر فيه بالراحة.توقفت أمام مجموعة من الفساتين، ثم سحبت أحدها.كان بلون أزرق سماوي هادئ، طويلًا وأنيقًا، بتصميم محتشم لا يكشف كتفيها، وفي الوقت نفسه ينسدل على جسدها بطريقة أنيقة تبرز قوامها المتناسق دون مبالغة.نظرت إليه للحظات.ــ هذا أفضل.دخلت غرفة القياس من جديد.وبعد دقائق، وقفت أمام المرآة.تأملت نفسها بصمت.كان الفستان مختلفًا تمامًا عن الفستانين السابقين.لم تشعر بالحرج.ولم تضطر إلى التفكير في كيفية إخفاء ذراعها.ابتسمت ابتسامة صغيرة.ــ نعم... هذا مناسب.التقطت حقيبتها الصغيرة، ثم خرجت من الغرفة.كان رائد ينتظر في الخارج.رفع رأسه عندما سمع الباب.وقعت عيناه عليها...وتوقفتا للحظة.لم تكن دهشته كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي لمن يراقبه جيدًا.كانت أروى مختلفة عن الصورة التي اعتاد رؤيتها بها في الشركة.بدا الفستان مناسبًا لها بصورة جعلته يصمت لثوانٍ.لكن رائد سرعان ما استعاد ملامحه المعتادة.ــ انتهيتِ؟أومأت أروى.ــ ن
أسندت رأسها إلى الخلف.كانت تنوي أن تغفو لبضع دقائق فقط...لكن التعب كان أقوى منها.أغمضت عينيها.وبعد لحظات، غطَّ النوم ملامحها.مرّت ساعة...ثم ساعة أخرى.حتى استيقظت فجأة على رنين هاتفها.انتفضت أروى من مكانها، وفتحت عينيها بفزع.التفتت حولها للحظات قبل أن تدرك أنها نامت على الأريكة.مدت يدها بسرعة نحو الهاتف.كان الرقم غريبًا.غير مسجل في جهات اتصالها.ترددت للحظة، ثم أجابت:ــ ألو؟ساد صمت قصير.ثم جاءها صوت مألوف:ــ جهزي نفسكِ.تجمدت أروى في مكانها.عرفت الصوت فورًا.ــ أستاذ رائد؟ــ لديكِ نصف ساعة.رفعت حاجبيها باستغراب.ــ نصف ساعة لماذا؟جاءها صوته بلهجة حاسمة:ــ سنلتقي أمام فندق ستانلي.ــ فندق ستانلي؟ــ نعم.ثم أضاف:ــ ارتدي ملابس جميلة. الحفلة راقية.ازداد ارتباك أروى.ــ حفلة؟ أي حفلة؟صمت لحظة، ثم قال:ــ ستعرفين عندما تصلين.ــ لكن...قاطعها:ــ أسرعي، فهذا هو الشرط الثاني.ثم أُغلق الخط.بقيت أروى ممسكة بالهاتف، تحدق في الشاشة وكأنها تنتظر أن يعود رائد ويتصل من جديد ليشرح لها ما يحدث.ــ ما الذي يخطط له هذا الرجل؟لم تجد جوابًا.وضعت الهاتف جانبًا، ثم نهضت بسرعة.







