LOGINخرج سمير من غرفة التحقيق بخطوات بطيئة.
بدا وجهه شاحبًا، وعيناه متعبتين من طول الساعات التي مرت عليهما. توقف للحظة في الممر، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم رفع رأسه يبحث بعينيه عنها. كانت تجلس في آخر الممر. على المقعد نفسه. ظهرها مستقيم... وعيناها معلقتان بنافذة تتساقط عليها قطرات المطر. لم تكن تبكي. ولم تكن تتحرك. بدت وكأنها فقدت القدرة حتى على الإحساس بالوقت. تردد سمير قبل أن يقترب. ثم سار نحوها بخطوات هادئة. توقف أمامها. نظرت إليه أروى ببطء. كانت ملامحه منهكة... لكنها لم تعد قادرة على قراءة شيء فيها. جلس بجانبها. ساد بينهما صمت طويل. صمت لم يكن يحتاج إلى كلمات. فكل ما كان يمكن أن يقال... قاله القدر قبل ساعات. مرر سمير يده فوق وجهه. ثم سأل بصوت خافت: ــ ماذا قلتِ لهم...؟ ظلت تنظر أمامها. ثم أجابت بهدوء. ــ انتهى كل شيء. انعقد حاجبا سمير. وكأنه لم يفهم. ــ ماذا تقصدين...؟ التفتت إليه أخيرًا. وقالت بالنبرة نفسها. ــ أخبرتهم أنني كنت أقود السيارة. اتسعت عيناه. وبقي يحدق فيها لثوانٍ طويلة. ثم هز رأسه بعدم تصديق. ــ لماذا يا أروى...؟ لم تجبه مباشرة. خفضت بصرها إلى كفيها. كانت تتأملهما بصمت. وكأنها ما زالت ترى آثار الدم عليهما. بعد لحظات همست: ــ لأنني تعبت. ساد الصمت. ثم أكملت بصوت خافت. ــ منذ وقوع الحادث... وأنا أشعر أن الهواء لم يعد يدخل إلى صدري. كلما أغمضت عيني... أراها أمامي. تلك الفتاة... وهي تسقط على الأرض. أغمضت عينيها للحظة. ثم تابعت. ــ لا أعرف حتى اسمها... لكن صورتها لا تفارقني. شعر سمير بانقباض في صدره. أو هكذا بدا. أما أروى... فأكملت حديثها وكأنها تحدث نفسها. ــ طوال الطريق إلى المستشفى... كنت أسأل نفسي سؤالًا واحدًا. لو أنني لم أتصل بك... هل كنا سنخرج أصلًا؟ رفعت رأسها ببطء. ــ لو لم أطلب أن نلتقي اليوم... لو انتظرت حتى الغد... لكنت الآن في عملك. ولما مررنا من ذلك الطريق. ولما انتهى عمرها بتلك الطريقة. ارتجف صوتها قليلًا. لكنه لم ينكسر. ــ كنت أريد أن أشاركك أجمل خبر في حياتي... فتحول إلى أسوأ يوم سيبقى يلاحقني ما حييت. أطرق سمير رأسه. وقال بصوت متعب: ــ لا تلومي نفسك... هذا قضاء وقدر. ابتسمت أروى ابتسامة باهتة. ــ ربما... لكن قلبي لا يصدق ذلك. ساد الصمت من جديد. ثم قالت وهي تنظر إلى نهاية الممر: ــ حياة هبة انتهت... ولن يستطيع أحد إعادتها. توقفت لحظة. ثم همست: ــ لا أريد أن أرى حياة أخرى تتحطم أمام عيني. نظر إليها سمير. كانت ملامحها هادئة... لكن تلك الهدوء كان يخفي بحرًا من الألم. قال بصوت مختنق: ــ لكن حياتك أنتِ... التفتت إليه. ونظرت في عينيه مباشرة. لأول مرة منذ الحادث. ــ حياتي... توقفت في تلك اللحظة التي سمعت فيها صوت الاصطدام. منذ ذلك الوقت... لم أعد أعرف إن كنت ما زلت أعيش... أم أنني فقط أتنفس. شعر سمير بأن الكلمات اختفت من حلقه. مد يده ببطء. وأمسك يدها بين كفيه. كانت باردة... باردة إلى درجة أقلقته. قال وهو ينظر إليها: ــ أقسم لك... لن أتركك وحدك. مهما حدث... سأفعل كل ما أستطيع حتى تعودي إلى حياتك. لن أنسى ما فعلته من أجلي... ما حييت. لم تجب. اكتفت بالنظر إلى يديها المحاصرتين بين يديه. ثم سحبت يدها برفق. وقالت بصوت هادئ: ــ لا أريد منك وعدًا. أريد شيئًا واحدًا فقط. نظر إليها منتظرًا. ابتسمت ابتسامة صغيرة... امتزج فيها الحزن بالرضا. ــ عِش حياتك. حقق كل أحلامك... ولا تجعل ما حدث اليوم... يحطم مستقبلك. شعر سمير بوخزة في قلبه. أراد أن يتكلم. لكن طرقات على باب الممر قطعت الصمت. اقترب أحد رجال الشرطة. ثم قال باحترام: ــ آنسة أروى... حان وقت استكمال الإجراءات. أومأت برأسها. نهضت بهدوء. وقفت أمام سمير لثوانٍ. كانت ترغب في قول الكثير... لكن الكلمات خانتها. اكتفت بنظرة طويلة. ثم استدارت. وأخذت تمشي خلف الشرطي. لم تلتفت. ولا مرة. أما سمير... فبقي واقفًا في مكانه. يتابع ابتعادها. حتى اختفت خلف الباب الحديدي في نهاية الممر. أغلق الباب ببطء... وأصدر صوتًا خافتًا. لكن ذلك الصوت... كان كافيًا ليعلن نهاية حياةٍ عرفتها أروى... وبداية حياة أخرى... لم تكن تتخيل يومًا أنها ستعيشهاــ أتمنى فقط أن تصلني في أقرب وقت. نظر إليها. ــ لماذا؟ ــ لأن حقيبتي تحتوي على أشياء مهمة. ثم قالت: ــ بطاقتي البنكية، وأوراقي الشخصية، وبعض الأغراض التي أحتاج إليها يوميًا. أومأ رائد إيماءة بسيطة. ــ سأهتم بالأمر. ــ شكرًا لك. صمتت أروى. كان من المفترض أن تغادر لكن شيئًا بداخلها لم يسمح لها بذلك. ظلت واقفة للحظات، ثم استدارت نحو الباب. وضعت يدها على المقبض. توقفت. ترددت طويلًا. ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تجمع شجاعتها. التفتت إليه. ــ سيد رائد؟ رفع رأسه. ــ ماذا؟ ترددت أروى. ــ أريد أن أسألك سؤالًا. ظل ينظر إليها دون أن يجيب. قالت بهدوء ــ هل فعلت شيئًا خاطئًا في تلك الليلة؟ توقفت يد رائد فوق الورقة. رفع عينيه إليها ببطء. ــ ماذا تقصدين؟ ــ منذ أن عدنا من الفندق وأنت تتصرف معي بطريقة مختلفة. صمتت لحظة. ثم تابعت: ــ وفي تلك الليلة... تركتني دون أن تخبرني أنك ستغادر. خفضت عينيها للحظة. ــ إذا كنت قد أخطأت في شيء، فأنا أريد فقط أن أعرف. لم يجب. ساد الصمت بينهما. وكان الصمت هذه المرة أثقل من أي إجابة. رفع را
استيقظت أروى في وقت متأخر من النهار. لم يكن صوت المنبه هو ما أخرجها من نومها هذه المرة، بل ألم حاد تسلل إلى قدميها مع أول محاولة للحركة. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في سقف الغرفة دون أن تتذكر أين هي. ثم حاولت تحريك ساقيها. تأوهت بخفة. ــ آه... جلست على حافة الأريكة، ومدت يديها نحو قدميها. كانتا متورمتين بشكل واضح، وعلى مؤخرة كعبيها ظهرت جروح حمراء خلّفها الحذاء الذي اضطرت إلى المشي به لساعات طويلة. حدقت فيهما بدهشة. ثم تمتمت: ــ يا إلهي... مررت أصابعها حول أحد الجروح بحذر، فتراجعت يدها سريعًا من شدة الألم. وبدأت ذكريات الليلة الماضية تعود إليها تدريجيًا. الحفل... رائد... انتظارها الطويل. اتصالاتها التي لم يجب عنها. ثم خروجها من الفندق وعودتها سيرًا على الأقدام حتى اقترب الفجر. تنفست ببطء. لم تكن تملك حتى الطاقة الكافية لتغضب. كل ما كانت تشعر به هو الإرهاق. نهضت بصعوبة واتجهت إلى الحمام. أخذت حمامًا طويلًا، ثم اعتنت بجروح قدميها قدر استطاعتها، وارتدت ملابس مريحة. تناولت شيئًا خفيفًا، لكنها لم تستطع البقاء مستيقظة طويلًا. عادت إل
وقفت أروى في الممر للحظات. كانت تحاول استيعاب ما حدث. ثم أخرجت هاتفها مرة أخرى. اتصلت برائد. لا جواب. تنفست ببطء. ــ حسنًا... قالتها لنفسها. ــ سأعود وحدي. لكن عندما تذكرت حقيبتها... توقفت. حقيبتها الكبيرة وأغراضها الشخصية ما زالت في غرفة تبديل الملابس. اتجهت إليها بسرعة. لكنها وجدت الباب مغلقًا. توقفت أمامه، ثم التفتت إلى إحدى الموظفات القريبات. ــ عذرًا، أريد أخذ أشيائي من الداخل. ابتسمت الموظفة باعتذار. ــ بالطبع، لكن الغرفة مغلقة حاليًا. ــ هل يمكنكِ فتحها؟ هزت رأسها. ــ للأسف، لا أستطيع. ــ لماذا؟ ــ هذه الغرفة تحت مسؤولية السيد رائد، ولا يمكنني فتحها دون إذنه. نظرت أروى إليها بعدم تصديق. ــ لكنه غادر. ــ أعلم. ثم أضافت بلطف: ــ لكن التعليمات واضحة. تنهدت أروى. ــ حسنًا... شكرًا. ابتعدت. وقفت للحظات في الممر، تنظر إلى هاتفها. اتصلت برائد مرة أخرى. رن الهاتف... ثم انقطع. هذه المرة لم تحاول الاتصال. شعرت بشيء من الغضب. ــ لماذا يجب أن أتحمل كل هذا؟ وضعت الهاتف في حقيبتها الصغيرة. ثم نظرت إلى الساعة. كان الليل قد تقدم كثيرًا. لم يعد بإمكانها
لم تكن أروى تعرف كم مرّ من الوقت منذ ابتعد رائد عنها. في البداية، لم تهتم كثيرًا. كانت تجلس بهدوء إلى إحدى الطاولات الجانبية، تراقب الحاضرين من حولها، وتحاول أن تبدو منشغلة بأي شيء حتى لا تشعر بأنها غريبة عن المكان. كانت الموسيقى تنساب في أرجاء القاعة بهدوء، بينما تتعالى بين الحين والآخر ضحكات خافتة وأحاديث عن صفقات ومشاريع واستثمارات. أما أروى... فلم تكن تفهم معظم ما يدور حولها. رفعت عينيها نحو الجهة التي ذهب إليها رائد. كان يقف هناك ويتحدث مع رجل لم تعرفه. تنفست ببطء، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد. "سأنتظره فقط." كان ذلك كل ما تفكر فيه. فهي لم تأتِ إلى هنا بإرادتها أصلًا. ولم تكن تعرف أحدًا سوى رائد. لذلك لم يكن أمامها سوى أن تنتظر عودته. --- في الجهة الأخرى من القاعة، كان رائد يقف أمام الرجل الذي أشارت إليه سماء. قال الرجل بابتسامة: ــ يبدو أنك مهتم بمشروع النقل والخدمات اللوجستية. أجابه رائد: ــ سمعت عن المشروع، لكنني أريد أن أعرف تفاصيله منك مباشرة. ابتسم الرجل. ــ هذا يسعدني. ما زلت أعمل على بعض التفاصيل، لكن لدي خطة للتوسع خلال الفترة الق
بعد أن غادر رائد غرفة القياس، بقيت أروى لبعض الوقت تتنقل بين الفساتين المعلقة أمامها.هذه المرة لم تكن تبحث عن فستان يثير إعجاب أحد...كانت تبحث فقط عن شيء تشعر فيه بالراحة.توقفت أمام مجموعة من الفساتين، ثم سحبت أحدها.كان بلون أزرق سماوي هادئ، طويلًا وأنيقًا، بتصميم محتشم لا يكشف كتفيها، وفي الوقت نفسه ينسدل على جسدها بطريقة أنيقة تبرز قوامها المتناسق دون مبالغة.نظرت إليه للحظات.ــ هذا أفضل.دخلت غرفة القياس من جديد.وبعد دقائق، وقفت أمام المرآة.تأملت نفسها بصمت.كان الفستان مختلفًا تمامًا عن الفستانين السابقين.لم تشعر بالحرج.ولم تضطر إلى التفكير في كيفية إخفاء ذراعها.ابتسمت ابتسامة صغيرة.ــ نعم... هذا مناسب.التقطت حقيبتها الصغيرة، ثم خرجت من الغرفة.كان رائد ينتظر في الخارج.رفع رأسه عندما سمع الباب.وقعت عيناه عليها...وتوقفتا للحظة.لم تكن دهشته كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي لمن يراقبه جيدًا.كانت أروى مختلفة عن الصورة التي اعتاد رؤيتها بها في الشركة.بدا الفستان مناسبًا لها بصورة جعلته يصمت لثوانٍ.لكن رائد سرعان ما استعاد ملامحه المعتادة.ــ انتهيتِ؟أومأت أروى.ــ ن
أسندت رأسها إلى الخلف.كانت تنوي أن تغفو لبضع دقائق فقط...لكن التعب كان أقوى منها.أغمضت عينيها.وبعد لحظات، غطَّ النوم ملامحها.مرّت ساعة...ثم ساعة أخرى.حتى استيقظت فجأة على رنين هاتفها.انتفضت أروى من مكانها، وفتحت عينيها بفزع.التفتت حولها للحظات قبل أن تدرك أنها نامت على الأريكة.مدت يدها بسرعة نحو الهاتف.كان الرقم غريبًا.غير مسجل في جهات اتصالها.ترددت للحظة، ثم أجابت:ــ ألو؟ساد صمت قصير.ثم جاءها صوت مألوف:ــ جهزي نفسكِ.تجمدت أروى في مكانها.عرفت الصوت فورًا.ــ أستاذ رائد؟ــ لديكِ نصف ساعة.رفعت حاجبيها باستغراب.ــ نصف ساعة لماذا؟جاءها صوته بلهجة حاسمة:ــ سنلتقي أمام فندق ستانلي.ــ فندق ستانلي؟ــ نعم.ثم أضاف:ــ ارتدي ملابس جميلة. الحفلة راقية.ازداد ارتباك أروى.ــ حفلة؟ أي حفلة؟صمت لحظة، ثم قال:ــ ستعرفين عندما تصلين.ــ لكن...قاطعها:ــ أسرعي، فهذا هو الشرط الثاني.ثم أُغلق الخط.بقيت أروى ممسكة بالهاتف، تحدق في الشاشة وكأنها تنتظر أن يعود رائد ويتصل من جديد ليشرح لها ما يحدث.ــ ما الذي يخطط له هذا الرجل؟لم تجد جوابًا.وضعت الهاتف جانبًا، ثم نهضت بسرعة.







